الخطبة : 0431 - موقعة بدر - زكاة الفطر. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0431 - موقعة بدر - زكاة الفطر.


1993-03-12

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكُّلي إلا على الله . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر . وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم ، رسول الله سيِّد الخلق والبشر ، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر . اللهمَّ صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريَّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين. اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم ، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر ، والطف بنا فيما جرت به المقادير ، إنك على كل شيء قدير . اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

معركة بدر الكبرى أول مواجهةٍ حقيقيةٍ بين المسلمين وبين الكُفار :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ الموضوع الثالث من موضوعات رمضان معركة بدرٍ الكبرى. لأن هذه المعركة تُعَدّ أول مواجهةٍ حقيقيةٍ بين المسلمين وبين الكُفار ، وقد انتهت هذه المعركة بنصرٍ مؤزَّر ، ولكن لا ينبغي أن نترنَّمَ أو أن نكتفي بالترنُّم بها ، لابد من أن نستنبط من وقائعها بعض المواقف ، أو بعض الحقائق والعِبَر حتى نستفيد منها في مواجهة أعداء المسلمين اليوم وما أكثرهم .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ السؤال الدقيق والصارخ : إلى أي حدّ أعتمد على التوكُّل ؟ وإلى أي حدّ أستعد لمواجهة العدو ؟ إذا أخطأ المسلمون في تقدير هذين العُنْصرين فقد وقعوا في خطرٍ شديد ، إما في خطر الشرك أو في خطر المعصية ، على كل موضوع معركة بدر يُثير موضوعاتٍ كثيرة ، من أهم هذه الموضوعات موضوع التوكُّل ، هل يكفي أن نتوكَّل على الله حتى نحقق النصر المؤزَّر ؟ أم هل يكفي أن نستعد فقط لعدونا استعداداً كبيراً حتى نحقق النصر المؤزَّر ؟ أم أنه لابد من أن نجمع بينهما لأن كلاً منها شرطٌ لازمٌ غير كافٍ ؟

النظام الذي بنى الله عليه الكون :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ موضوع معركة بدر يحتاج إلى موضوعٍ تمهيدي ، ألا وهو : موضوع التوكّل . وموضوع التوكل يحتاج إلى موضوعٍ آخر : موضوع النظام الذي بنى الله عليه الكون .
 فيا أيها الأخوة الأكارم ؛ الله جلّ جلاله خَلَق الكون بسمواته وأرضه ، وخلق العوالم وعلى رأسها الإنسان ، وَفْقَ أنظمةٍ بالغة الدقة . خلق الكون ، خلق السموات والأرض ، خلق العوالم ؛ عالم النبات ، عالم الحيوان ، عالم الإنسان ، عالم الجراثيم ، عالم الفيروسات ، خلق السموات والأرض ، وخلق العوالم وعلى رأسها الإنسان وفق أنظمةٍ بالغة الدقة .
 ومن أبرز هذه الأنظمة : نظام السببيّة ، أيْ أن شيئين يتلازمان حدوثاً وعدماً أحدهما قبل الآخر ، إذاً نسمي الأول سبباً ونسمي الثاني نتيجةً ، هذه النتيجة لها سَبَب ، وهذا السبب له نتيجة ، هذا نظامٌ أساسي من أنظمة خلق السموات والأرض . والعقل البشري أيها الأخوة يقوم على مبدأ السببية ، أيْ أنَّك لا تستطيع أن تفهم شيئاً فيما حولك إلا وَفْق أسباب ، فلو أطفأت الأنوار ، وذهبت خارج الديار ، وعُدَّت بعد أمدٍ طويل ورأيت مصباحاً كهربائياً متألِّقاً ترتجف ، لماذا ؟ لأنك لا تعتقد ، وعقلك لا يقبل أن هذا المصباح تألَّق مِن دون إنسان ، مِن دون مُحْدِث ، مِن دون سبب ، تظن أن لصاً دخل البيت وأضاء المصابيح ونسيها متألقةً .
 عقلك البشري لا يمكن أن يقبل شيئاً من دون سبب ، فالكون بسمواته وأرضه ، وعالم الإنسان ، وعالم الحيوان ، وعالم النبات ، وعالم الجماد ، مبنيٌ على نظام السببية ، وعقلك الذي مَنَحَكَ الله إيَّاه لا يفهم الأشياء إلا وَفْقَ مبدأ السببية .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ لماذا كان ذلك ؟ لماذا بَنى الله الكون على نظام السببية ؟ ولماذا بُنِيَ عقلنا على مبدأ السببية ؟ قال العلماء : إن هذا محض رحمةٍ بنا ، من أجل أن هذا المبدأ في العقل ، وذاك النظام في الكون يقودُنا بلُطفٍ ويسرٍ إلى مُسَبِّب الأسباب الله رب العالمين . فكأن نظام السببية ، وكأن مبدأ السببية في عقل الإنسان هما الطريقان اللذان يصلان بنا إلى الله . إذاً أحد أسباب الإيمان بالله كما قال هذا الأعرابي : البعرة تدل على البعير ، والأقدام تدل على المَسير ، والماء يدل على الغَدير ، أفسماءٌ ذات أبراج ، وأرضٌ ذات فجاج ألا تدلان على الحكيم الخبير ؟!

 

تلازم الأسباب مع النتائج يُضْفِي على الكون طابع الثَبات :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ شيءٌ آخر : من رحمة الله بنا أن تلازم الأسباب مع النتائج يُضْفِي على الكون طابع الثَبات ، ويمهّد الطريق لاكتشاف القوانين ، لن تستفيد مما أودعه الله في الأرض إلا إذا كشفنا القوانين ، ولن نكتشف القوانين إلا إذا تلازمت الأسباب مع النتائج ، فتلازم الأسباب مع النتائج يضفي على الكون طابع الثبات ، ويمهد الطريق لاكتشاف القوانين ، ويعطي الأشياء خصائصها الثابتة . ما الذي يجعلك تستخدم الحديد في البناء ؟ أليست خصائصه الثابتة ؟ لو أن خصائصه متغيرة ؛ مرةً تماسك البناء بالحديد ، ومرةً هوى البناء لضعف الحديد . ثبات خصائص المعادن ، ثبات خصائص أشباه المعادن ، ثبات خصائص نظام الزراعة والبذور ، أي شيءٍ ثبات خصائصه نِعْمَةٌ كبرى ، ورحمةٌ جُلَّى ، لا نعرفها إلا إذا فقدناها .

 

عِلَّة وجودنا في الأرض التعرف إلى الله والتوجه إليه والاعتماد عليه :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ لو لم تكن النتائج بقدر الأسباب لأخذ الكون طابع العبثية ، ولتاه الإنسان في سُبل المعرفة ، ولم ينتفع بعقله ، أصبح عقله معطلاً ، إذا أخذ الكون طابع العبثية أسبابٌ بلا نتائج ، نتائج بلا أسباب ، تلازمٌ حيناً ، وعدم تلازمٍ حيناً آخر ، هذا يضْفي على الكون طابع العبثية ، وحينما يكون الكون كذلك لا قيمة لعقل الإنسان ، وتاه الإنسان في متاهاتٍ لا يصحو منها .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ هذه حقيقةٌ عظمى ، لكن علماء التوحيد يرون أن السبب لا يُعَدُّ كافياً لخلق النتيجة ، هنا دخلنا في صُلب الدين ، السبب عند علماء التوحيد ، من أين جاؤوا بهذا ؟ جاؤوا به من نَصّ الكتاب والسُنة ، وجاؤوا به من الأدلة العقلية ، وجاؤوا به من الأدلة الواقعية ، السبب ليس كافياً لخلق النتيجة ، فالنار لا تحرق بذاتها ، بل عند مشيئة الله لها أن تُحْرِق ، واستنبطوا أيضاً هذه الحقيقة وعبَّروا عنها تعبيراً موجزاً رائعاً ، فقال علماء التوحيد : عندها لا بها . بمعنى أن أي شيءٍ لا يفعل فعله إلا عند مشيئة الله له أن يفعل ، فإن لم يشأ الله له أن يفعل لا يفعل ، وأكبر دليلٍ على ذلك ، أن سيدنا إبراهيم أُلْقِيَ في النار ولم تحرقه النار . .

﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾

[ سورة الأنبياء : 69]

 ثلاث كلماتٍ في هذا الأمر وقف عندها المفسرون : لو أن الله عز وجل قال :

﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْداً﴾

  لمات إبراهيم عليه السلام من شدّة البَرد قال تعالى :

﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً﴾

 لو لم يقل " على إبراهيم " لبطل مفعول النار إلى يوم القيامة ، "على إبراهيم " فقط ، فالأشياء لا تفعل فعلها إلا إذا شاء الله لها أن تفعل ، لذلك هذه الحقيقة عبر عنها علماء التوحيد: عندها لا بها .
 لماذا يفعل الله ذلك ؟ لئلاّ نتوهَّم أن الأسباب وحدها تخلُق النتائج ، إذا توهَّمنا ذلك توجهنا إلى الأسباب فقط ، واعتمدنا عليها من دون الله ، وعندئذٍ نتيهُ في الشِرك ، ونبتعد عن الله عز وجل ، لأن علَّة وجود الإنسان أن يؤمن بالله ، وأن يتوجَّه إليه ، وأن يعتمد عليه ، لذلك من حكمة الله ، ومن رحمته أن يخرق لنا هذه القاعدة وقايةً لنا من الشِرك وترسيخاً للتوحيد . وأحياناً يوجد السبب ، ولا تتحقق النتيجة ، عكس ذلك ، وقد تتحقق النتيجة ولا يوجد السبب ، وقد ذَكَر الله عز وجل في أثناء الحديث عن مُعجزات السيّد المسيح :

﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾

[ سورة آل عمران : 49 ]

 وجد السبب وهي النار ، ولم يكن الحرقُ وهي النتيجة ، وجدت النتيجة وهي الشفاء ولم يكن السبب ، لماذا تارةً عَطَّلَ الأسباب وتارةً ألغى الأسباب ؟ عطَّلها تارةً وألغاها تارةً لئلا نتوهم أن السبب وحده يخلق النتيجة ، إذا توهمنا ذلك أشركنا بالله ، واتجهنا إلى الأسباب وحدها ، وعبدناها من دون الله ، واعتمدنا عليها ، فصارت الطريقُ إلى الله مسدودة ، وشقينا في الدنيا والآخرة ، ولأن عِلَّة وجودنا في الأرض أن نتعرَّف إلى الله جل جلاله ، وأن نتوجَّه إليه ، وأن نعتمد عليه ، لنسعد بقربه ، لذلك خرق الله هذه القاعدة من حينٍ إلى آخر ، كي نأخذ بالأسباب تارةً مُتَأَدِّبين مع الله ، ونعتمد على الله وحده موحِّدين له .

 

التوكل و الأخذ بالأسباب :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ إلى موضوع التوكُّل ، وموضوع التوكُّل متعلقٌ بمعركة بدر .
 التوكل أيها الأخوة مكانه في القلب ، والأخذ بالأسباب مكانه الجوارح والأعضاء ، لك قلبٌ ولك أعضاء وجوارح ، فالتوكُّل مكانه في القلب ، والأخذ بالأسباب ورعايَتها مكانه الجوارح ، فحينما عَكَسَ المسلمون هذه القاعدة : نقلوا التوكُّل إلى جوراحهم وأعضائهم ، فكفوا عن الأخذ بالأسباب ، وقلقت قلوبهم خَشْية المجهول ، فقد وقعوا في تخلُّفهم الذي نُعاني منه وندفع الآن الثمن باهظاً - هذا خطأ استراتيجي كما يقال - أن نظن التوكل ترك الأخذ بالأسباب، ضعفنا ، قوي أعداؤنا ، فرضوا علينا أسلحتهم ، فرضوا علينا ثقافاتهم ، فرضوا علينا إعلامهم ، فرضوا علينا كل شيء ، ونحن نلهثُ وراءهم ، وبيننا وبينهم مسافاتٌ كبيرة جداً ، هذه المسافات تزداد مع الأيام .
 فيا أيها الأخوة الأكارم ؛ التوكل كما قلت قبل قليل مكانه القلب ، والأخذ بالأسباب مكانها الجوارح والأعضاء ، فإذا تركنا الأخذ بالأسباب توكلاً على الله وقعنا في مرضٍ خطير هو سبب تخلّف المسلمين ، وسبب عدم استحقاقهم نصر الله وتأييده ، وقد يُطْلَق على هذه الحالة المرضية الخطيرة التي تصيب المسلمين بالشلل : التواكُل .
 أما من أخذ بالأسباب واعتمد عليها فقد أشرك ، وسلك طريقاً لا يصل به إلى الله، لذلك يتفضَّل الله على هذا الإنسان الذي أخذ بالأسباب وألَّهها ، واعتمد عليها ، وعبدها من دون الله ، يتفضل الله عليه فيؤدِّبه بتعطيل فاعليّة هذه الأسباب التي اعتمد عليها ، فيفاجأ بنتائج غير متوقعة ، هذا هو التأديب . .

﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً﴾

[ سورة التوبة : 25 ]

 ملكتُم أسباب النصر ، قوةٌ في العَدَد والعُدَد ، وسيطرة على الجزيرة العربية بأكملها، دانت لكم الجزيرة من أقصاها إلى أقصاها ، وخضعت لكم رقاب الناس ، وأنتم أقوى قوة في الجزيرة - عشرة آلاف مقاتل- فقلتم في أنفسكم : لن نُغلب اليوم من قِلَّة . فجاء التأديب الإلهي وهم أصحاب النبي ، وفيهم النبي عليه الصلاة والسلام ، قال تعالى :

﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾

[ سورة التوبة : 25 ]

 عطَّل الله الأسباب ، عطَّل فاعليَّتها ، لم تخلق الأسباب هذه النتائج ، انتهت هذه الأسباب الضَخْمَة إلى هَزيمة ، لأن أصحاب النبي وما أدراك ما أصحاب النبي اعتمدوا عليه.

 

التواكل و ترك الأخذ بالأسباب معصية لله و لرسوله :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ المرض الآخر : ومن ترك الأخذ بالأسباب متوكِّلاً في زعمه على الله ، فقد عصى الله ورسوله ، قال عمر رضي الله عنه : المتوكل من ألقى حبةً في الأرض ثم توكل على الله .
 لن نستطيع أن نقف على أقدامنا ، لن نستطيع أن نواجه أعداءنا في العالم كله ، إلا إذا أخذنا بالأسباب واعتمدنا على مسبِّب الأسباب ، رب الأرباب ، هذا هو الموقف الدقيق ، كأن هذا المَسْلَك طريقٌ ضيق ، فأيّ انحرافٍ يمنةً نقع في الوادي ، وأي انحرافٍ يسرةً نقع في وادٍ آخر ، لابد من أن نأخذ بالأسباب ، ولابد من أن نعتمد على رب الأرباب ، إن أخذنا بالأسباب واعتمدنا عليها فقد أشركنا ، ولسنا أفضل من صحابة رسول الله الذين أدَّبهم الله في معركة حُنين ، وإن لم نأخذ بها فقد عصينا ، فإذا أصابنا ما نَكْرَه لا ينبغي أن نقول : هذا قضاء الله وقدره . هذا جزاء التَقْصير ، لا تسمّي الذي تكرره إن جاءك بسبب تقصيرك لا تسمه قضاءً وقدراً ، هو قضاء وقدر ، ولكن الأولى لك أن تسميه جزاء التقصير .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ هذا موضوعٌ مهمٌ جداً متعلقٌ بموضوع معركة بدر ومعركة حُنين ، ونحن في النِصف الثاني من رمضان ، وموضوع هذا النصف الثاني من رمضان معركة بدر ، معركة بدر انتصر بها المسلمون نصراً مؤزَّراً على أعدائهم ، واندحر الكفار والمشركون ، ولكن ماذا نستفيد نحن الآن من انتصار المسلمين ؟ وماذا نستفيد من اندحار الكفار والمشركين؟

ألهى بني تغلبٍ عن كل مكرمةٍ  قصيدةٌ قالها عـمرو بن كلـثوم
* * *

 إذا اكتفينا بالترنّم ، واكتفينا بذكر البطولات ، ولم نستفد من العِبَر والعظات التي يمكن أن تستنبط من هذه المعركة فقد ضللنا سواء السبيل .

 

ترابط الإيمان مع الإعداد :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ يمكن أن نلخص موضوع معركة بدرٍ بكلمتين : لابد من الإعداد ولابد من الإيمان . وإليكم الأدلة قال تعالى :

﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الروم : 47]

 المؤمن موعودٌ بنصر الله لأنه مؤمن ، والآية الثانية :

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ ﴾

[ سورة الأنفال : 60 ]

 فالإيمان وحده شرطٌ لازمٌ غيرُ كافٍ ، أنت من أجل أن تطبخ طعاماً ، هل يكفي أن تملِك رأساً للغاز ؟ لا يكفي وحده ، لابد من أسطوانة غاز ، هل يكفي أن تملك اسطوانةٍ غاز بلا رأس غاز ؟ نقول : كلاهما شرطٌ لازمٌ غير كافٍ ، فالإيمان وحده لا يكفي ، والإعداد وحده لا يكفي .
 بل إن علاقة الإيمان أيها الأخوة بالنصر علاقةٌ رياضية ، دققوا في أقوال الله عز وجل ، علاقة الإيمان بالنصر علاقةٌ رياضية أي ثابتة توضّحها الآية الكريمة :

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾

[ سورة الأنفال : 65 ]

 واحد لعشرة . .

﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ ﴾

[ سورة الأنفال : 65 ]

 من تكرار الرقمين استُنبطت النِسبة ، صار هناك استقراء ؛ واحد إلى عشرة . .

﴿الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾

[ سورة الأنفال : 66 ]

 أصحاب النبي وقد التفوا حوله ، وباعوا أنفسهم من أجله ، بلغوا من إيمانهم درجةً تؤهلهم أو يستحقون معها نصر الله عز وجل وتأييده ، فالواحد منهم بإمكانه أن يواجه عشرة ، فإذا فُتِحَت البُلدان ، ودخل الناس في دين الله أفواجاً ، وهؤلاء الذين دخلوا في دين الله أفواجاً ليسوا في مستوى أصحاب رسول الله ، ليسوا في مستوى إيمانهم ، هؤلاء أضعف إيماناً ، لذلك :

﴿الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾

[ سورة الأنفال : 66]

 النسبة الآن أصبحت واحد إلى اثنين ، فهذه الآية توضِّح أن للنصر معادلةً رياضية ، في حالة قوة الإيمان مؤمنٌ واحد يواجه عشرة من الكفار ، وفي حالة ضَعْف الإيمان مؤمنٌ واحدٌ يواجه رجلَين من الكفار . أما في حالة انعدام الإيمان فالنصر للأقوى ، وللأكثر استعداداً ، ولمن يملك الوسائل الحديثة في تقصّي المعلومات ، وفي إعداد الخطط ، وفي استخدام العِلم ، حينما ينعدم الإيمان حدِّث ولا حرج عن الأسلحة وعن فاعليتها ، وعن استخدام الأقمار الصناعية ، وعن استخدام الأشعة التي تسوق القنبلة إلى مدخنة المَصنع ، وحدِّث عن هذا بدون حرج لأنه إذا انعدم الإيمان دخلنا في أن الذي ينتصر هو الأقوى من حيث العُدَد والعَدَد ، في قوة الإيمان مؤمنٌ واحد يواجه عشرة ، في حالة ضعف الإيمان مؤمنٌ يواجه كافرَيْن، أما في حالة انعدام الإيمان فالمنتصر هو الأقوى ، والمُنهزم هو الأضعف .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ ذلك لأن الإيمان يبدل طبيعة النَفس ، ويغير قيمها ومطامحها ، ويصعّد ميولها ورغباتها ، ويخفف من متاعبها وهمومها ، ويقوّي رجاءها وأملها ، ويقلب أحزانها أفراحاً ومغارمها مغانم .

 

ارتباط نصر الله عز وجل بطاعة الله :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ الخنساء مات أخوها صخرٌ وهي في الجاهلية ، فألَّفت القصائد تلو القصائد ، وبكت وأبكت ، ولا تزال قصائدها في رثاء أخيها صخر تطفح بها الكتب، وحينما تعرَّفت إلى الله ، استشهد أربعة من أبنائها في معركة القادسية ، فما زادت عن أن قالت: " الحمد لله الذي شرفني بقتلهم ، وأرجو أن يجمعني الله بهم في مستقر رحمته " . إنسانةٌ واحدة انظروا إليها قبل الإيمان ، وانظروا إليها بعد الإيمان ! .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ سيدنا عمر بن الخطاب أوصى سيدنا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما قال : " أما بعد . . فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله عز وجل ، فإن تقوى الله أفضل العُدَّة على العدو ، وأقوى المكيدة في الحرب ، وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراساً من المعاصي ، فإنها أضر عليكم من عدوكم ، وإنما تنصرون بمعصية عدوكم لله، فإذا استويتم في المعصية ؛ كان لهم الفضل عليكم بالقوة " . هذه وصيةٌ يجب أن نأخذ بها ؛ إن استوينا مع أعدائنا في المعصية كان الفضل لهم علينا بالقوة ، ومعاصينا أشدّ علينا خطراً من أسلحة العدو الفتَّاكة ، فينبغي أن نستقيم على أمر الله ، ينبغي أن نعود إليه ، ينبغي أن نصطلح معه ، ينبغي أن نُقِيمَ الإسلام في بيوتنا ، ينبغي أن نُقيمه في حوانيتنا ، في تجاراتنا ، في نشاطاتنا كلها ، لأن الله سبحانه وتعالى لا ينظر إلى العَبد العاصي ، سيدنا عمر نظر إلى سعد بن أبي وقاص ، وكان هذا الصحابي الجليل موضع حُب النبي ، كان إذا دخل على النبي يقول عليه الصلاة والسلام :

(( هذا خالي فليرني امرؤ خاله ))

[ من زيادة الجامع الصغير عن جابر ]

 مداعبةً له ، سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام ما فدّى أحداً بأمه وأبيه إلا سيدنا سعد بن أبي وقاص ، قال له :

(( ارمِ سَعْدٌ فداكَ أبي وأمِّي ))

[ الترمذي عن علي بن أبي طالب ]

 وكان إذا دخل هذا الصحابي الجليل ، يقول عليه الصلاة والسلام لأصحابه :

(( قوموا لسيدكم ))

[ من شرح الجامع الصغير ]

 ومع ذلك دققوا فيما قال له عمر بعد وفاة رسول الله ، قال : "يا سعد لا يغرنك أنه قد قيل خال رسول الله ، فالخلق كلهم عند الله سواسية ، ليس بينه وبينهم قرابةٌ إلا طاعتهم له " . لا تستطيع أن تصل إلى شيء إلا بطاعة الله ، لا تستطيع أن تقطف ثمار الدين إلا بطاعة الله ، لا تستحق نصر الله عز وجل إلا بطاعة الله . .

﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾

[ سورة محمد : 7 ]

 ما معنى نصرنا لله ؟ الله غنيٌ عنا ، إذا أقمت شرعه ، إذا عظمت أمره ، إذا ابتعدت عن نهيه فقد نصرت دين الله ، وإن نصرت دين الله نصرك الله عز وجل . .

﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾

[ سورة آل عمران : 160 ]

الإيمان بأن لكل شيء أجلاً و أن الظروف لا تؤثر في المؤمن الحق :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ شيءٌ آخر في الإيمان ، الإيمان يعني أن يعتقد الإنسان اعتقاداً جازماً أن له أجلاً مسمّى ، هذا هو الإيمان ، لك عند الله أجل لا يتقدَّم ولا يتأخر ، لا خوض المعارك يقرِّب الأجل ، ولا أي شيءٍ يقرِّب الأجل ، الأجل وقتٌ محدد إذا انتهى كان الموت ، أو كان القتل ، أو كان الاستشهاد .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ شيءٌ آخر : من علاقة الإيمان بالنصر أن الظروف الصعبة التي يضعف أمامها الإنسان غير المؤمن ، وتذله ، وتحدد مصيره ، لا يمكن أن تؤثر في المؤمن الحَق ، ولا أن تُقْعِدَهُ عن متابعة سيره ، ولا أن تحدد مصيره الذي رسمه له أعداؤه ، قال تعالى :

﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾

[ سورة آل عمران : 146 ]

 سيدنا جعفر رضي الله عنه وثب عن فرسٍ كانت له شقراء في معركة مُؤْتة ، وحمل الراية ، وأوغل في صفوف الروم بسيفه ، حتى أصابته ضربةٌ قطعت يمينه ، فأخذ الراية بشماله ، فما لبث أن أصابته أخرى قطعت شماله ، فأخذ الراية بصدره وعضديه حتى سقط شهيداً .

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾

[ سورة المعارج : 19-22]

 هؤلاء من طبيعةٍ خاصة ، هؤلاء اتصلوا بالله فأخذوا منه القوة والثبات والعزم والمضاء .

 

إعداد العدة لمواجهة قوى البَغْي والكفر :

 آخر شيءٍ في الخطبة أيها الأخوة آيةٌ هي محور معركة بدر ، قال تعالى :

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾

[ سورة الأنفال : 60 ]

 المؤمنون بمجموعهم ، لأن الأمر موجَّه للمجموع لم يقل : " أَعِدَّ أيها النبي " قال:

﴿وَأَعِدُّوا﴾

 المؤمنون بمجموعهم مأمورون بإعداد العدة ليواجهوا بها قوى البَغْي والكفر ، أمرٌ جماعي . و . .

﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾

 تعني استنفاد الجُهد لا بذل بعض الجُهد فرقٌ كبير .

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾

 تعني استنفاد كل الجُهد لا بذل بعض الجهد ، والقوة التي ينبغي أن يُعِدَّها المؤمنون جاءت نكرةً . .

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾

  لم يقل " من القوة " ، قال:

﴿مِنْ قُوَّةٍ﴾

  والتنكير أيها الأخوة يفيد الشمول ، ليكون الإعداد شاملاً لكل القوى التي يحتاجها المؤمنون في مواجهة أعدائهم ، من قوة العَدَد ، وقوة العُدَد ، وقوة التدريب ، وقوة التخطيط ، وقوة الإمداد ، وقوة التموين ، وقوة الاتصالات ، وقوة المعلومات ، وقوة تحديد الأهداف ، وقوة دقة الرَمْيّ ، وقوة الإعلام ، هذا معنى من قوةٍ تنكير شمول ، وأما "من" التي سبقت " قوة " فتفيد استغراق أنواع القوة واحدة واحدة على وجه الاستقصاء لا على وجه الاصطفاء .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ وأما قوله تعالى :

﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾

  هذا عطفٌ على القوة :

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾

 هذا في عِلم البلاغة " عطف الخاص على العام " ، لأن الآية نزلت في عهد أصحاب رسول الله ، وعندهم القوة هي الخَيْل ، فلو لم يأت هذه العطف عطف الخاص على العام لما فهموا معنى القوة ، وأما نحن فالقوة تعني أية قوة ، يعتمدها أهل الدنيا لإحراز النصر .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ هذا الإعداد . .

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾

  يحقق أهم أهدافه ولو لم تقع مواجهةٌ مع العدو ، والدليل : إنّ القوي مرهوب ، صاحب السلاح الفتَّاك مرهوب ، صاحب الإعداد يقذف في قلوب أعدائه الخَوْف ، قال تعالى :

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾

 لماذا ؟ ليس الهدف المواجهة فقط ، ليس الهدف إبادة الجِنس البشري . .

﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾

 وينبغي أن تحاربوا عدوّ الله وعدوكم ، لا ينبغي أن يكون عدوَّكم إلا أن يكون عدواً للهِ عز وجل ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام في حديث يُعَدُّ من إعجاز النبوَّة قال :

(( ألا إن القوة الرمي ، ألا إن القوة الرمي ، ألا إن القوة الرمي ))

[ من الجامع لأحكام القرآن عن عقبة بن عامر ]

 والأسلحة اليوم تُقاس بدقَّة إصابة الأهداف ، تقاس فاعليتها بدقة إصابة الأهداف، وكأن هذا مقياسٌ لقوة الاستعداد مع تطوِّر العلوم وفنون القتال .
 أيها الأخوة الأكارم ؛

(( من تعلم الرمي ثم تركه فقد عصاني ))

[ من الجامع الصغير عن عقبة بن عامر ]

((إن الله يدخل ثلاثة نفر الجنة بسهم واحد صانعه يحتسب في صنعته الخير والرامي ومنبله ))

[ من الجامع لأحكام القرآن عن عقبة بن عامر ]

 أيها الأخوة الأكارم ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الأخذ بالأسباب و الاعتماد على الله :

 أيها الأخوة ؛ تعقيباً على الخطبة الأولى مِن أنّ هذه الدروس والعبر التي استنبطناها مِن معركة بدر الكُبرى ، التي وقعت في السابع عشر مِن رمضان ، هذه المعركة التي استنبطنا مِنها هذه المواقف ، وتلك الحقائق ، وهذه العِبَر ينبغي أن نوسعها بمعنى الآن يقال : معركةٌ اقتصادية ، معركة ثقافية . مفهوم المعركة توسَّع في هذا العصر ، فقد تجد صراعاتٍ اقتصاديةٍ طاحنة ، أساسها التسعير ، والمواد الأولية ، وميزات البضاعة .
 فنحن إذا أردنا أن نستفيد من هذه الموقعة في كافة شؤون حياتنا ينبغي أن نعد لكل شيءٍ عُدَّته، فنجاحنا مرهونٌ باتخاذ الأسباب والتوكل على رب الأرباب ، حتى في الدعوة إلى الله ، يجب أن تأخذ بالأسباب وأن تتوكل على الله ، حتى في النمو الاقتصادي يجب أن نأخذ بالأسباب وأن نتوكل على رب الأرباب ، إذا بنينا نموّنا على معصيةٍ لم نوفَّق ، إذا بنينا خطتنا على طاعة الله عز وجل ، وعلى الأخذ بالأسباب وفِّقنا .
 هذه الحقائق ؛ الأخذ بالأسباب والتوكل على الله بعد الإيمان به ، هذان النقطتان سبب كل نجاحٍ في أي حقلٍ من حقول الحياة ؛ في الاقتصاد ، في التجارة ، في الصناعة ، في الزراعة ، في إدارة الأعمال ، في الدعوة إلى الله ، يجب أن تأخذ بالأسباب ، وأن تؤمن بالله من أجل أن تتوكَّل عليه وأن توحِّده ، فمن وسَّع هذه الحقائق لتشمل معركتنا في الحياة ، مع كل الخصوم ، مع كل الفعاليَّات .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ هذا موضوعٌ بالتعبير الحديث "استراتيجي" أيْ له أهميته الكبرى في حياة الإنسان ، أساس هذا الموضوع هو أساس نجاحه ، علينا أن نأخذ بالأسباب وعلينا أن نعتمد على الله .

زكاة الفطر :

 بقي موضوع الفطرة الذي أرجأته لهذا اليوم ، يا أيها الأخوة الأكارم الزكاة في الإسلام زكاتان زكاة المال وزكاة الرأس ، أو زكاة الفطر ، زكاة الفطر تجب على كل مسلم حرٍ كان أو عبد ، فقير كان أو غني ، ذكر كان أو أنثى ، صغير كان أو كبير .
 حكمتها : طهرةٌ للصائم مما بدر منه من لغوٍ أو رفث ، وطعمةٌ للمسكين في هذا الشهر الفضيل.
 مفروضةٌ على كل مسلمٍ ؛ وتجب على كل من يَلي المُسلم الإنفاق عليه والرعاية له ، على من تنفق عليه أو تليَ أمره ، حكمتها طعمةٌ للمسكين في هذا الشهر الكريم ، وطهرةٌ للصائم من اللغو والرفث الذي بدر منه في رمضان ، وصيام رمضان معلقٌ بين السماء والأرض ولا يرفع إلا بزكاة الفطر .
 ونصاب زكاة الفطر أن يجد الإنسان قوت يومه ، وجبة طعام واحدة ، فالذي عنده وجبة طعام واحدة تجب عليه زكاة الفطر ، وقد قال العلماء : ليذوق الفقير في كل عامٍ مرةً طعم الإنفاق ، وقد يعود عليه الإنفاق أضعافاً مُضاعفة ، لكن للإنفاق طعماً لا يعرفه إلا من ذاقه ، وقد قال العلماء : إذا كان الذي يفرحك أن تأخذ فأنت من أهل الدنيا ، وإن كان الذي يفرحك أن تعطي فأنت من أهل الآخرة . وللإنفاق طعمٌ لقول الله عز وجل :

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة التوبة : 103]

 مع الإنفاق هناك اتصالٌ بالله عن طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومع هذا الاتصال تكون السَكينة والدَعَةُ والسعادة .
 فيا أيها الأخوة ؛ صدقة الفطر لها حدٌ أدنى وليس لها حدٌ أقصى ، فبين يديّ كتابٌ من إدارة الإفتاءِ تحدد أن الحنطة من النوع الأول ، أي كيلوان من الحنطة من النوع الأول ثمنه بحسب أسعار دمشق وما حولها خمسون ليرة سورية ، من الدرجة الأولى ، ومن الدرجة الثانية أربعون ليرة . وأما سعر الشعير فستون ليرة سورية - أربعة كيلو - وأربعون ليرة سورية من الدرجة الثانية . وأما التمر فأربعمئة ليرةٍ سورية . وأما الزبيب فأربعمئة ليرة سورية . حدها الأدنى أربعون ليرة ، قمحٌ من الصِنف الرديء ، حدُّها المقبول خمسون ليرة ، قمحٌ من الصنف الجيد ، ولا حد لأكثرها ، وماذا على المؤمن الغني لو أعطى عن كل فردٍ ألف ليرة ؟ وماذا عليه لو أعطى عن كل فردٍ خمسة آلاف ليرة ؟ يا حبَّذا أن تعطي من مالٍ كسبته من حلال ، فالله سبحانه وتعالى يضاعفه لك أضعافاً كثيرة يوم يفتقِر الإنسان إلى حسنة . السيدة عائشة رضي الله عنها قالت :

(( يا رسول الله يكون يوم لا يغنى عنا فيه من الله شيء ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم . في ثلاث مواطن عند الميزان ، وعند النور والظلمة ، وعند الصراط ))

[ من الدر المنثور عن السيدة عائشة ]

 في هذه المواقف العصيبة لا يعرف أحدٌ أخاه ولا أمه ولا أباه ، ولكن فيما سوى هذه المواطن قد تقع عين الأم على ابنها تقول له : يا ولدي لقد جعلت لك بطني وعاءً ، وصدري سقاءً ، وحجري وطاءً ، فهل من حسنةٍ يعودُ علي خيرها اليوم ؟ فيجيبها ابنها : ليتني أستطيع ذلك يا أمَّاه إنني أشكو مما أنتِ منه تشكين .

﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون : 101]

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018