الخطبة : 0314 - نفوس البشر نوعان ( مؤمنةٌ طليقة وكافرةٌ رهينة ) - الحجامة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0314 - نفوس البشر نوعان ( مؤمنةٌ طليقة وكافرةٌ رهينة ) - الحجامة.


1990-08-31

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً .
 وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر .
 وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر . اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ، ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين . اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرِنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

نفوس البشر نوعان :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ لا أدري لماذا اتجهت نفسي كي تكون سورة المُدثِّر محوراً لخطبة اليوم . الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ * فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ ﴾

[سورة المدثر: 38-51]

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ نفوس البشر نوعان : نفوسٌ مؤمنةٌ طليقة ، ونفوسٌ كافرةٌ رهينة . نفس الإنسان المعرض عن الله ، ذي العمل السيئ ، المنحرف ، المتفلّت من أمر الله عز وجل ، الذي يُسيء للناس ، هذا الإنسان رهين عمله . كيف أن الإنسان في الدنيا إذا كان يعيش في مجتمعٍ له حقوقٌ ، وعليه واجبات ، فإذا ارتكب جريمةً أُلقي القبض عليه ، وفقد حريته، وألقي في السجن ، وأصبح رهين جريمته ، وسوف يدفع الثمن باهظاً . هذا في قانون البشر ، هذا في المجتمعات الإنسانية ، فما بالكم عند خالق البشر ؟ ربنا سبحانه وتعالى يقول:

﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾

 الإساءة التي أساءها الإنسان مرتهنٌ بها ، مقيدٌ بها ، لا يستطيع منها فكاكاً ، لا يستطيع أن ينطلق كما يريد .
 أيها الأخوة الأكارم ؛

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ﴾

[ سورة الحشر : 18]

 افحص عملك ، هل بني عملك على إيقاع الأذى بالآخرين ؟ هل بني رزقك على غشِّ الناس ؟ على بثِّ الخوف في نفوسهم ؟ هل تبني مجدك على أنقاض الآخرين ؟ هل تشبع ويجوع الناس ؟ هل تحيا ويموت الناس ؟ هل تطمئنُّ ويخاف الناس ؟ افحص عملك . إنك رهينٌ به ، افحص كسب المال ، افحص إنفاق المال ، هل عليك حقوقٌ لم تُؤدها ؟ هل هناك تقصيرٌ ؟ هل هناك إساءةٌ ؟ هل هناك انحرافٌ ؟ هل هناك معصية في بيتك ؟ في أهلك ؟ في أولادك ؟ في بناتك ؟ في كسب رزقك ؟

﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾

[سورة المدثر: 38]

 السجناء : لكل سجينٍ إضبارة ، وفي كل إضبارة ضبطٌ ، فيه وصفٌ لعمله ، ولكل عملٍ جزاء ، ولكل عمل حساب .

﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾

[سورة المدثر: 38]

 يا أيها الساهي ، يا أيها اللاهي . إلى متى أنت باللذات مشغول ؟ لا ينبغي للإنسان أن تستهلكه الحياة ، أن يقوم ، وينام ، ويقعد ، ويعمل ويقول : هكذا الناس ، وأنا مع الناس ، إن أحسن الناس أحسنت ، وإن أساؤوا أسأت . أين عقلك ؟ أين تفكيرك ؟ لابد من تأمل ساعةٍ في اليوم ، لابد من مراجعة الحسابات ، لابد من فحص النية ، لابد من قياس العمل أينطبق على الشرع ؟ أيرضي عملي ربي ؟ هل ربي راضٍ عني أم ساخطٌ عني ؟
 أين أنا من عمل الشرع ؟ هل عملي منطبقٌ أم منحرف عنه ؟
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ هذا الذي يسير هكذا من دون تأمّل ، من دون توقف، من دون فحص ، من دون نقد ، من دون محاسبة . إنه هالكٌ لا محالة . النبي عليه الصلاة والسلام يقول : " حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم " من حاسب نفسه في الدنيا حساباً عسيراً ، كان حسابه يوم القيامة يسيراً ومن حاسب نفسه في الدنيا حساباً يسيراً ، كان حسابه يوم القيامة عسيراً .

 

كلّ إنسان مخير في عمله فالفعل فعل الله و الكسب كسب الإنسان :

 أيها الأخوة الأكارم ؛

﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾

[سورة المدثر: 38]

 ما معنى كسبت ؟ أي العمل الذي انبعثت إليه ، الذي اخترته ، الذي أردته ، أنت مُخيّر . الفعل فِعل الله ، والكسب كسبك . الفعل فعل الله والانبعاث انبعاثك . لماذا أقدمت؟ ولماذا أحجمت ؟ لماذا أعطيت ؟ ولماذا منعت ؟ لماذا وصلت ؟ و لماذا قطعت ؟ لماذا تبسمت؟ ولماذا عبست ؟ لماذا رضيت ؟ ولماذا غضبت ؟ هذا هو الكسب . على هذا تحاسب .
 الفعل فعل الله ، ولكن الكسب كسب الإنسان .

﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ﴾

[سورة البقرة : 286]

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[سورة الحجر: 92-93]

 هذا السّاهي ، هذا اللاهي ، الذي نسي المبتدى ، والمنتهى . بئس العبد عبدٌ سها، ولها ، ونسي المبتدى ، والمنتهى . بئس العبد عبد طغى ، وبغى ، ونسي الجبار الأعلى . بئس العبد عبد طمع يذله ، ورغب يستهويه .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛

﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾

[سورة المدثر: 38]

 الأعمال السيئة أحمالٌ كالجبال ، كابوسٌ ضاغط . المسيء كالذي يتخبطه الشيطان من المس ، يشعر أن الدنيا كلها فوقه ، وأن الحياة قاتمة ، وأن قلبه يكاد يتفطّر ضيقاً، مع أن المال موفورٌ بين يديه . هذا هو مصداق قوله تعالى :

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾

[سورة طه: 124]

 فلما سأل بعضهم بعض المفسرين : فما بال الأغنياء في هذه الآية ؟ فقال : ضيق القلب .

 

الفرق بين الإنسان المطمئن و الإنسان القلق :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ ما يقوله الناس ، ما يعبّرون عنه من آلامهم ، من ضيقهم ، من سأمهم ، من ضجرهم ، من قلقهم ، من خوفهم ، من ضياعهم . إنما هو نتيجةٌ أوليةٌ لعملهم السّيّئ ؛ لأن :

﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾

[سورة المدثر: 38]

 إنسان يُلقى القبض عليه ، مودع في السجن ، لأنه ارتكب جريمة ، كلما وضِع مفتاح الزنزانة في الباب ظنّ أنهم جاؤوا ليعدموه ، حياةٌ كلها قلق في قلق .

﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾

[سورة المدثر: 38]

 إذا كان كسب المال حراماً ، إذا كان إنفاق المال حراماً ، إذا كان هناك عدوانٌ على أعراض المسلمين ، إذا كان هناك إطلاقٌ للبصر ، إذا كان هناك حرية في اقتناص الشهوات ، وحريةٌ في كسب الأموال . فإن المشكلة كبيرة جداً .

﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾

[سورة المدثر: 38]

 أما هؤلاء المستثنون ، هؤلاء الطلقاء ، هؤلاء الأحرار ، هؤلاء الذين إذا مشوا على الأرض شعروا بخفة في أجسامهم ، إنها خفّة الطاعة . شعروا ، وكأنهم يطيرون ، إنه طيران الإقبال ، إنه عزّ الطاعة ، إنه الشعور بأن الله يحبهم ، ما من شعور أيها الأخوة المؤمنون ؛ والله الذي لا إله إلا هو ما من شعور أقدس ، ولا أسمى ، ولا أسعد ، من أن تشعُر أن خالق الكون يحبك ، أنك على منهجه سائر ، أنك وفق أمره منضبط ، هذا شعورٌ لا يوصف .
 أقرّب هذا المعنى إلى أذهانكم : لو أن إنساناً له صلةٌ محدودةٌ ، لقاءٌ عابر بإنسان عظيم الشأن بين الناس ، إن هذه الصلة ، وهذا التكريم ، وذاك اللقاء . يبعث في نفسه أشدّ أنواع السرور ، فكيف إذا كان اللقاء مع خالق البشر ؟ كيف ؟

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ﴾

[سورة مريم: 96]

﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ ﴾

[سورة المدثر: 38-39]

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ﴾

[سورة الحاقة: 19]

 هكذا خُلِق ، هكذا بنيته ، هذا ضعفٌ خلقيّ لمصلحته .

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾

[سورة الحاقة: 19-22]

 هؤلاء لا يخافون إذا خاف الناس ، ولا يمنعون مالهم إذا منع الناس ،
 ولا ينحرفون إذا انحرف الناس .

﴿ إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ﴾

[سورة الحاقة:22-23]

 دائم الصلة بالله ، دائم الإقبال عليه ، دائم الدعاء له ، دائم التهجّد له ، دائم التذلّل على أعتابه . قال تعالى :

﴿ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴾

[سورة المعارج : 23-31]

دين الإنسان سعادة إلى الأبد أو شقاء إلى الأبد :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛

﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾

[سورة المدثر: 38]

 افحص عملك ، افحص علاقاتك بالناس ، هل هناك علاقةٌ لا ترضي الله ؟
 هل في حياتك اختلاطٌ مع نساءٍ لا يحلُّ لك أن تجلس معهنّ ؟ هل في حياتك عادة لا ترضي الله ؟ هل تقضي أوقات فراغك في شيء لا ينطبق مع الشرع ؟

﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾

[سورة المدثر: 38]

 النبي عليه الصلاة والسلام يقول :" لا يخافنّ العبد إلا ذنبه ، ولا يرجونّ إلا ربه " يا رب كم عصيتك ولم تعاقبني ؟ وقع في قلب العبد - هتف به هاتف - أن يا عبدي كم عاقبتك ولم تدر؟

﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ ﴾

[سورة المدثر: 38-39]

 هؤلاء المستقيمون على أمر الله ، هؤلاء الذي عرفوا الله ، فخشعت قلوبهم له ، هؤلاء الذين تعلّموا أمر الله ، فطبقوه . كل شيءٍ يحتاج إلى دورة . أما دينك فتتركه هكذا على الصدف . ألا تلتزم بمجلس علم ؟ إذا أردت اللغة فلا بد من دورةٍ تمضيها ، سنوات طويلة ، إذا أردت حرفةً ، إذا أردت صنعةً ، إذا أردت تجارة ، لا بد من أن تلزم تاجراً كبيراً لتتعلم ، إذا أردت شهادة ، لابد من أن تقعد على مقاعد الدرس سنوات طويلة . دينك لحمك ، ودمك . دينك، دينك يا بن عمر إنه لحمك ، ودمك ، إنه مصيرك ، إنه سعادة إلى الأبد ، أو شقاءٌ إلى الأبد .
 هذا يترك للصدف . والله مشغول ، عندنا موسم . يجب أن تلتزم بمجلس علم ، يجب أن تفقه كلام الله ، منهجك ، تعليمات الصانع ، أنت أعقد آلة في الكون ، لابد لك من تعليمات ، افعل ، ولا تفعل . في هذا الموضوع قف هذا الموقف ، في هذه المناسبة انسحب منها ، في هذا العمل تطلع إليه ، ألا تحتاج إلى تعليمات أم أنك تمشي وفق الأهواء ؟ وفق العادات البالية والتقاليد المهترئة ؟ ما الذي يحكم عملك قناعاتٌ زائفة أم شرع الله عز وجل ؟ إذا قلت : عقلي يقول : كذا . من أنت ؟ ومن عقلك أمام شرع الله عز وجل ؟

 

الغافل من أضاع الآخرة من أجل سنوات معدودة :

﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾

[سورة المدثر: 38-40]

 في نعيم مقيم . .

(( أعْدَدْتُ لعباديَ الصالحين ما لا عين رأتْ ، ولا أذن سمعتْ ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))

[متفق عليه عن أبي هريرة ]

﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[سورة السجدة: 17]

 أتضيع الأبدية من أجل سنوات معدودة مشحونةٍ بالفقر ؟ مشحونة بالهمّ
 والحزن ؟ مشحونة بالمرض ؟ مشحونة بالقلق ؟

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾

[سورة التوبة : 38]

 تعال صلِّ في المسجد ، تعال احضر هذا المجلس ، تعال استمع إلى تفسير كتاب الله ، تعال تعلّم سنة رسول الله ، تعال تعلم سيرة النبي عليه الصلاة والسلام ، سيرة أصحابه الأطهار ، تعلّم دينك ، تعلم أمر ربك .

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾

[سورة التوبة : 38]

 ألا تقرؤون القرآن ؟ ألا تصدقون الله العظيم ؟ ألا تقول بعد أن تقرأ القرآن الكريم : صدق الله العظيم ؟ الله العظيم يقول لك :

﴿ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾

 في آيةٍ أخرى :

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾

[سورة النساء : 77]

 أرضيتم بهذا المتاع ؟ اكتفيتم به ؟ هذا هو طموحكم ؟ هذا هو معقد رجائكم ؟ هذا هو منتهى آمالكم ؟ هذا هو كل شيء ؟ أن تشتري بيتاً ، وأن تفرشه كما تريد ، وأن يكون لك مركبةٌ فارهة ، وأن يكون لك دخلٌ كبير ، وانتهى كل شيء ؟

﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ﴾

[سورة القيامة: 36]

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾

[سورة المؤمنون: 115]

 هذا كل طموحك ؟ سنواتٌ معدودة ، ثم يأتي ملك الموت . ماذا فعلت ؟ ما العمل الذي تلقى الله به ؟ يا بِشر لا صدقة ، ولا جهاد ، فبم تلقى الله إذاً ؟ سؤالٌ خطير . هل بقي من عمره قدر ما مضى منه ؟ ماذا أعددت لهذا اليوم ؟ ماذا أعددت للقبر؟

 

تهديد الله و وعيده لمن لا يستجيب له :

 ثم قال تعالى :

﴿ فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ * ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ﴾

[سورة المدثر: 8-11]

 يا محمد هذا الذي لا يستجيب لك دعه لي . ذرني : تهديدٌ ووعيد من الله عز وجل .

﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً* ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآَيَاتِنَا عَنِيداً * سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً ﴾

[سورة المدثر:11-17]

 مصاعب تلو مصاعب ، مصائب تلو مصائب ، فقرٌ بعد فقر .

﴿ سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً * إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ﴾

[سورة المدثر:17-24]

 كلام بشر ، إنه قول البشر .

﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ ﴾

[سورة المدثر:26-29]

 ليس هذا القرآن كلام محمد ، ليس هذا الدين بِدعة ، وليست أمور الدين غيبيّات. خوف الإنسان من الطبيعة دفعه إلى التدين ، أما الآن فقد سيطرنا على الطبيعة .

﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾

[سورة يونس : 24]

موضوع الآخرة أخطر موضوع في حياة كل إنسان :

﴿ كَلَّا وَالْقَمَرِ * وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ ﴾

[سورة المدثر:32-33]

 أليست هذه آيةٌ دالةٌ على عظمة الله ؟ هذا الخالق العظيم أيدع خلقه سدى ؟ بلا حساب ؟ بلا جزاء ؟ غنيٌّ وفقير ، قويّ وضعيف ، ظالمٌ ومظلوم ، صحيحٌ ومريض . هكذا وتنتهي الحياة ، ولا شيء بعد الموت ؟

﴿ كَلَّا وَالْقَمَرِ * وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ * وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ * إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ * نَذِيراً لِلْبَشَرِ ﴾

[سورة المدثر:32-36]

 إن أخطر موضوعٍ تبحثه موضوع الآخرة ، موضوع المصير ، موضوع عذابٍ أبديّ ، موضوع جنةٍ أبدية .

﴿ إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ * نَذِيراً لِلْبَشَرِ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ﴾

[سورة المدثر:35-37]

﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾

[سورة المدثر: 38-41]

 سؤال . سؤالٌ خطير .

 

مشهدٌ عظيم من مشاهد يوم القيامة :

 رحمة الله بنا كبيرة ، مشهدٌ من مشاهد يوم القيامة ذكره الله في القرآن .

﴿ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ﴾

[سورة المدثر:42]

 لماذا أنتم في جهنم ؟ أهل الجنة ، وهم يتنعّمون ، وهم على سررٍ متقابلين ، وهم فيما تشتهي الأنفس ، وتلذّ الأعين ، لهم فيها فاكهة وهم فيها مكرمون ، هم وأزواجهم على سررٍ متقابلين . يسألون أهل النار : مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ؟ لماذا أنتم هنا ؟ ألم يقل الله تعالى : " سأصليه سقر " استمعوا إلى جواب أهل النار . قَالُوا : " لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ " ضيعنا حق الله ، لم نتصل به ، لم نقبل عليه ، لم نتوجه إليه ، توجهنا إلى كل البشر إلا خالق البشر ، أعرضنا عنه ، طرقنا كل باب إلا باب السماء ، اصطلحنا مع كل إنسان إلا مع خالق الإنسان . قَالُوا : " لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ " لو صلينا . قال تعالى :

﴿ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾

[سورة النساء من الآية 142]

" لم نك من المصلين " ضيعنا حق الله ، ما اتصلنا به . وقال بعض المفسرين : هذه الآية تعني كل حقوق الله ، ذكر الله الجزء وعنى الكل . لم نتصل به ، ولم نستقم على أمره، ولم نأتمر بما أمر ، ولم ننته عما عنه نهى وزجر ، ولم نعبأ بشرعه ، ولم نأخذ بقانونه ، ولم نقرأ القرآن ، ولم نحرّم ما حرم القرآن ، ولم نحلّ ما أحل القرآن . هكذا " لم نك من المصلين" ضيعنا حق الله عز وجل ، أما حقوقنا فكلها بعقودٍ موثقة . ترى الإنسان في أذكى حالاته في علاقاته مع الناس ، أما في علاقاته مع الله عز وجل فالأمور كيفية ، بلا ضبط ، بلا محاسبة ، بلا عتاب ، بلا حساب ، بلا تأمل . هكذا :" لم نك من المصلين ، ولم نك نطعم المسكين " ضيعنا حق الله ، وضيعنا حق العباد . قال بعض المفسرين : الله عز وجل ذكر الجزء وعنى الكل . ضيعنا حق الجار ، ضيعنا حق الأب والأم ، ضيعنا حق المسلمين ، ضيعنا حقوق الزوجة ." ولم نك نطعم المسكين " جعلنا شهواتنا محور حياتنا ، جعلنا مصالحنا فوق كل شيء، آثرنا الدنيا على الآخرة فخسرناهما معاً :" ولم نك نطعم المسكين ، وكنا نخوض مع الخائضين " مع عامة الناس ، إن أحسن الناس أحسنا ، وقلّما يحسنون ، وإن أساؤوا ، يا أخي : هكذا الناس ، هكذا المجتمع ، هكذا التقاليد ، هكذا العادات ، هكذا نشأنا ، هكذا تربينا ، هكذا السوق ، هكذا التجار ، هكذا البيع ، لابد من أن نغش المسلمين ، عندنا عيالٌ كثيرون .

﴿ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ ﴾

[سورة المدثر:45]

 دينه ما يفعله الناس ، لا ما أمر به الله عز وجل ، دينه ما يراه بعينه . هكذا الناس ، خرجت نساؤه كاسياتٍ عاريات ، لماذا ؟ هكذا الترتيب ، هكذا العادات ، هكذا الموضة.

﴿ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ﴾

[سورة المدثر:45-46]

 هذا التكذيب العملي ، التكذيب النظري قلّما يقوله أحد ، لكن إذا فحصت أعمال المسلم ، لا ترى في أعماله سعياً للآخرة ، لا ترى خوفاً من الله ، لا ترى إنفاقاً لماله ، لا ترى ضبطاً لشهواته ، لا ترى شعوراً أن هناك آخرة عظيمة .

﴿ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ ﴾

[سورة المدثر:46-47]

 جاء ملك الموت .

 

الموت مصير كل إنسان لا محالة :

﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾

[ سورة الفجر : 24]

﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا*يَاوَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا*لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا ﴾

[ سورة الفرقان : 27-29]

﴿ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ ﴾

[سورة المدثر: 45-47]

 اليقين : الموت ، وسماه الله يقيناً ، لأنه متيقنٌ وقوعه . هل في تاريخ البشر منذ آدم ، هل نجا أحدٌ من الموت ؟ كبيراً ، صغيراً عالماً ، جاهلاً ، عظيماً ، حقيراً ، قوياً ، ضعيفاً، حاكماً ، محكوماً ، ظالماً ، مظلوماً . هل نجا أحدٌ من الموت ؟ لذلك سماه الله اليقين . " حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ " متيقن حدوثه . والمعنى الآخر : الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا ، ترى اللباب بعد أن كنت في القشور ، ترى حقائق الأمور بعد أن كنت في صورها ، ترى أن الله هو كل شيء . ألا كل شيءٍ ماخلا الله باطل وكل نعيمٍ لا محالة زائل :

﴿ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ﴾

[سورة المدثر:47-48]

 لا ينفعك مالك المكدّس ، ولا ينفعك أهلك ، وعشيرتك ، ولا مكانتك ، ولا منصبك، ولا تجارتك ، ولا أولادك .

﴿ فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ * فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ﴾

[سورة المدثر: 48-49]

 إلى أين هم سائرون ؟ ألى أين هم متجهون ؟ لماذا أداروا لهذا الدين ظهورهم؟
 من منكم رأى حمار الوحش وقد نفرت من وحش الغابة ؟

﴿ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ * بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً ﴾

[سورة المدثر: 50-52]

 يريد كل واحدٍ منهم أن يؤتى ديناً على قدّ شهواته . هذا يقوله كل الناس ، هذه لم أقنع بها ، هذه ليس بها شيء ، هذه ليست حراماً ، يريد ديناً على قدّ شهواته ، يريد أن يكون شرع الله عز وجل وفق أهوائه .

﴿ بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً * كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآَخِرَةَ * كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ﴾

[سورة المدثر: 52-56]

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ عودوا إلى هذه السورة ، سورة المدثّر ، عودوا إلى هذه السورة وافحصوا أعمالكم في ضوء آياتها .
 أيها الأخوة الكرام حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا لغيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني .

 

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الحجامة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ في جسم الإنسان معامل موجودةٌ في نقي العظام ، هذه المعامل تصنع كريات الدم الحمراء . إن طاقة إنتاج هذه المعامل اثنان ونصف مليون كرية حمراء في الثانية الواحدة ، في كل ثانية واحدة تنتج هذه المعامل الموجودة في نقي العظام مليونين ونصف كرية . أي أحدكم إذا طبخ لحماً مع عظمه ، وأراد أن يرى ما في جوف هذا العظمة ، يخرج منها لبٌّ أسود ، هذا اللب الأسود يسمى مخّ العظم ، معامل كريات الدم الحمراء. هذه المعامل تنتج في الثانية الواحدة مليونين ونصف كرية بالتمام والكمال .
 من أدق الأمور أن الإنسان إذا فقد جزءاً من دمه يزداد نشاط هذه المعامل ، إذا أردت لهذه المعامل أن يزداد نشاطها ، أن تجدد ، لأن هناك مرضاً خطيراً اسمه فقر الدم اللّامصنع . أي هذه المعامل لم يكتشف العلم حتى الآن سبب توقفها عن العمل . فجأةً يصاب الإنسان بفقر دمٍ شديد ، تفحص كرياته ، فإذا هي مليونا كرية في الميليمتر المكعب ، المقياس الطبيعي خمسة ملايين ، تفحص معامل الكريات فإذا هي متوقفةٌ عن العمل ، هذا المرض لا يعرف أحد سببه ، سماه العلماء : فقر الدم اللّامصنع . أي معامل كريات الدم تتوقف عن التصنيع ، ولا بد من أن يموت الإنسان ، لكنهم اكتشفوا أنه إذا فقد الإنسان جزءاً من دمه ، هذه المعامل تزيد من طاقتها ، تزيد من إنتاجها ، وبالتالي تنشط ، وكأنها تجدد ، لذلك ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أحاديث كثيرة وصحيحة تدعو إلى الحجامة ، والآن اكتشف العلماء سرّ الحجامة ، إنها تجديدٌ ، وصيانةٌ ، وتنشيطٌ لمعامل كريات الدم الحمراء ، التي إذا توقفت عن العمل مات الإنسان .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ في بعض الأحاديث يشير النبي عليه الصلاة والسلام إلى ارتفاع الضغط الشرياني .

((إذا اشتد الحر فاستعينوا بالحجامة ، لا يتبيغ الدم بأحدكم فيقتله ))

[البخاري عَنْ أَنَسٍ]

 تبيّغ الدم ، هيجان الدم ، وفرة حجمه ، ضيق الشرايين به ، ارتفاع ضغط الدم، إن الحجامة علاجٌ طبيعيّ ، ووقائيّ لارتفاع ضغط الدم ، أو ما يسمى بازدياد التوتر الشرياني . " احتجموا لا يتبيغ بكم الدم فيقتلكم " .
 وفي توجيهٍ آخر . . احتجم النبي عليه الصلاة والسلام من شقيقةٍ أصابته . والشقيقة وجعٌ في الرأس مزمن .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ إذا أيقنتم أن توجيهات النبي عليه الصلاة والسلام ليست من عنده .

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ﴾

[ سورة النجم: 3-5 ]

 إذا اعتقدتم أن كلام النبي عليه الصلاة والسلام من عند الله عزَّ وجل ، تروْن أن حديث النبي ما هو إلا تعليمات الصانع ، من أَخْبَرُ من الله بجسمك ؟

﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

[ سورة فاطر : 14]

 هو الصانع ، مهما تلقيت التوجيهات من أناسٍ مختصِّين ، إنها لا ترقى إلى مستوى توجيهات المعمل . إذا اشتريت آلةً ثمينة ، ومعها تعليماتٌ دقيقة ، إن أي نصيحةٍ تأخذها من عامة الناس ، أو من مثقفيهم ، أو من خبرائهم ، لا ترقى في مستواها إلى تعليمات الصانع .
 كلام النبي عليه الصلاة والسلام تعليمات الصانع ، والله هو الخبير ، ففي كل أمرٍ أمر به النبي ، في كل شيءٍ نهى عنه ، الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾

[ سورة الحشر : 7 ]

 والنبي معصوم في التبليغ ، وفي التشريع ، وفي السلوك ، معصومٌ من أن يأمر أمراً فيه خطأ ، لأنك إذا أمرت أن تأخذ بأمره وكان أمره خطأ فكأنما أُمرت بالخطأ ، وهذا مستحيل في حق الله عزَّ وجل . لذلك من مبادئ العقيدة الصحيحة اعتقاد عصمة النبي في كل شيء ؛ في تبليغه ، وفي تشريعه ، وفي أقواله ، وفي أفعاله .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَنا فيمن تولَيت ، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، ولا تهلكنا بالسنين ، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018