الخطبة : 0308 - الهجرة - هي المظهر العملي للإيمان. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0308 - الهجرة - هي المظهر العملي للإيمان.


1990-07-20

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا لرُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بِخَبر . اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين، اللَّهمّ ارْحمنا فإنّك بنا راحِم ، ولا تعذّبنا فإنّك علينا قادر ، والْطُف بنا فيما جرَتْ به المقادير ، إنَّك على كلّ شيءٍ قدير ، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الهجرة هي المظهر العملي للإيمان :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ بعد أيّام قليلة تأتي ذِكرى الهِجرة النبويّة ، أو أوَّل العام الهِجري ، وحُقَّ للهِجرة أن تكون بِداية التاريخ الإسلامي ، وحُقَّ لها أن تكون علَمًا على الدِّين الحنيف لأنّها المَظهر العملي للإيمان .
 الإيمان شيءٌ كامِنٌ في النَّفْس ، قناعات ، واسْتِسلامٌ ، ورؤيةٌ ، ما الذي يُجسِّدها؟ السُّلوك العملي ، فالهِجرة مَظهرٌ للإيمان ، قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾

[ سورة الأنفال : 72]

 ما لمْ يهاجر فليس مؤمنًا ، الإيمان يتجسَّدُ في الهِجرة ، إنّ الإسلام أيّها الأخوة ليس قناعةً فحَسْب بل هو قيامٌ والتِزام ، وليس ثقافةً ليس غير بل هو إذعانٌ واسْتِسلام ، والهِجرة أيّها الأخوة مَظهرٌ لهذا الالتِزام ، وذاك الإذعان ، إنَّها قِمَّة التَّضْحِيَة ، إنّها قمَّة التضْحِيَة بالدنيا من أجل الآخرة ، إنَّها ذرْوة إيثار الحق على الباطل ، الهِجرة أيّها الأخوة ليْسَت انتقال رجلٍ من بلدٍ قريبٍ إلى بلدٍ بعيد ، وليْسَت ارْتِحالَ مفتقرٍ من أرضٍ مجدبةٍ إلى أرضٍ مخصِبَة ، إنَّها إكراهُ رجلٍ آمِنٍ في سِرْبِهِ ، ممْتَدِّ الجذور في مكانه على إهدار مصالِحِه ، والتَّضْحِيَة بأمواله ، وتصفيَة مرْكَزِهِ ، والنجاة بِشَخصِهِ من أجل ألا يُفْتَنَ في دينه ، هذه هي حقيقة الهِجرة ، وهذه الصِّعابُ أيّها الأخوة صِعابُ الهِجرة لا يُطيقها إلا مؤمنٌ يخافُ على سلامة إيمانه ، ويسعى إلى مرضاة ربّه ، أما الهيّاب الخوّار القلق ، فما يستطيعُ شيئًا من ذلك ، قال تعالى:

﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾

[ سورة النّساء : 66]

 لا تنْسَوا أيّها الأخوة أنّ الهِجرة مَظهرٌ صادقٌ لِصِحَّة الإيمان .

 

الدلائل والعِبَر التي تؤخَذُ وتُسْتفادُ من الهِجرة :

1 ـ بين مبادئ الحقّ وأوهام الباطل تناقض كبير وصراع مستمر :

 من الدلائل والعِبَر التي تؤخَذُ وتُسْتفادُ من الهِجرة أنَّ بين مبادئ الحقّ وأوهام الباطل ، بين عناصر الخير وقوى الشرّ ، بين رُسل الهداية وشياطين الغواية تناقضًا كبيرًا ، وصراعًا مستمرًّا ، ومحاربًا ضروسًا ، منذ أن خلق الله الأرض ومن عليها وإلى أن تقوم الساعة، قال تعالى:

﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾

[ سورة الأنفال : 30]

 ماذا فعَلَ النبي أيّها الأخوة حتى مَكَر به هؤلاء ؟ إنَّهم يعرفونه قبل غيرهم ، إنَّهم يعرفون صِدقهُ وأمانته ، يعرفون عفافهُ ونسبَهُ ، يعرفون أنّه ما زاد أن دعاهم إلى عبادة الله عز وجل ، وإلى توحيده ، يعرفون أنَّه أمرهم بصِدْق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرّحم ، وحُسن الجوار ، والكفّ عن المحارم والدّماء ، يعرفون أنّه نهاهُم عن الفواحِش ، وقول الزور، وأكْل مال اليتيم ، وقذف المحصنات ، إنّهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ، إنَّه رحمةٌ مهداة ، ونعمةٌ مزجاة، إنَّه أمْثلُ مخلوقٍ على وجه الأرض ، إنَّه المخلوق الأوّل ، لماذا يُمْكرُ به ؟ أَمِثْلُ هذا الإنسان الكامل يُكادُ له ؟ كما قلتُ لكم قبل قليل : إنَّها معركة الحق مع الباطل ، معركةٌ قديمةٌ قِدَم الإنسان ومستمرّة إلى أن تنتهي هذه الأرض ممن عليها .

 

الدنيا دارُ تكليف وابتلاء :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ سؤالٌ دقيق ما دامَتْ كلمة الله هي العليا ، وما دامَتْ إرادتهُ هي النافذة ، فما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن ، وما دام أنَّه ما من دابّة إلا هو آخذٌ بِنَاصِيَتها ، فلِمَ أراد الله أن يكون هذا الصّراعُ بين الحقّ وبين الباطل ؟ الجوابُ عن هذا السؤال إنَّه الابتلاء ، ليكون النجاحُ فيه ثمَنَ العطاء ، إنَّه الابتلاء ، الإنسان خُلقَ في الدنيا من أجل أن يُبتلى ، قال تعالى:

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾

[سورة الملك : 2]

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ الدنيا في حقيقتها دارُ تكليف ، وابتلاء ، وانقطاع تنتهي ولها نهاية ، وسبحان من قهَرَ عبادهُ بالموت ، وهي دار تكليف ، وابتلاء ، وانقطاع ، والآخرة دار تشريف ، ودارُ جزاء ، ودارُ خلود ، إنّ الابتلاء أيّها الأخوة يكشفُ حقيقة المؤمن ، يكشفُ هذه الحقيقة في نفسه أوّلاً ولِمَن حولهُ ثانيًا ، إنّ الابتلاء يكشفُ ثبات المؤمن على مبدئِهِ ، وإصرارهُ على مرضاة ربّه ، إنَّه يكشفُ حبَّه لله عز وجل ، كيف أنَّه يضحِّي من أجله بالغالي والرخيص والنفيس ، إنّه يكشفُ صبرهُ على الشدائد حِفاظًا على دينه ، والشدائِدُ تدْفَعُهُ إلى التوَكُّل ، وبالتوكُّل يُصرف عنه السوء ، وتُساق إليه الخَيرات ، ونتائج التوكُّل تزيدُه معرفةً بربِّه ، وحُبًّا له ، هذا هو الابتلاء ، الابتلاء من أجل أن يكشف الحقيقة ، ومن أجل أن يدفعَ إلى التوَكُّل ، والتوكّل من أجل أن يزداد حبّك لله ، وأن تزداد ثقتُكَ به ، ومعرفتك به .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ كلُّ هذه المعاني منْطَوِيَةٌ في هذه الآية ، قال تعالى:

﴿ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾

[سورة محمد : 4]

 ويقول الله عز وجل:

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ﴾

[سورة محمد :31]

 لقد صدق النبي عليه الصلاة والسلام إذْ يقول فيما رواه عبد الله بن عمر:

(( يا أيها الناس إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء ، ودار ترح لا دار فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ، ولم يحزن لشدة ، ألا وإن الله تعالى خلق الدنيا دار بلوى، والآخرة دار عقبى ، فجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة ، وثواب الآخرة من بلوى الدنيا عوضا ، فيأخذ ويبتلي ليجزي ))

[الديلمي عن عبد الله بن عمر]

العاقبة للمتقين :

 ولكن أيّها الأخوة المؤمنون ؛ ماذا بعد الابتلاء ؟ قال تعالى:

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾

[سورة الملك : 2]

 ماذا بعد الابتِلاء ؟ إنَّه الجزاء في الدنيا والآخرة ، الحِفْظ والنَّصْرُ للمؤمنين ، والإحباط والخِذلانُ لأعدائهم ، فالعاقبة للمتّقين ، ورحمة الله قريبٌ من المحسنين ، قال تعالى:

﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾

[ سورة الصافات : 171-173]

 اسْتَمعوا أيّها الأخوة إلى النبي عليه الصلاة والسلام وهو يُخاطبُ الذين مكروا به في الأمْس لِيُثْبتوه أو ليقتلوه أو ليخرجوه ، يخاطبهم وهم قَتْلى وصَرْعى في ساحة المعركة ، وقد أمر أن يُدفنوا في القليب ، فعن ابن عمر قال : وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على القليب يوم بدر فقال : يا عتبة بن ربيعة ويا شيبة بن ربيعة ويا أبا جهل بن هشام يا فلان يا فلان قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً ؟ قالوا: أليسوا أمواتاً ؟ قال: والذي نفسي بيده إنهم ليسمعون قولي الآن كما تسمعون ، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم . إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن مَعَك ؟
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ أما هؤلاء الأنصار الذين هاجر إليهم النبي عليه الصلاة والسلام لقد قدَّموا مثلاً رائعًا من أمثلة التضحيَة والإيثار وأنموذجًا فذًّا للتعاوُن بين المؤمنين ، كلُّ هذا للتعبير عن عُمْقِ إيمانهم ، وسُمُوّ مشاعرهم ، لقد زكَّى الله صنيعهم في القرآن الكريم فقال:

﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

[سورة الحشر : 9]

 أيها الأخوة الأكارم ؛ اسْتَمعوا إلى كلمة سيّدنا سعد بن معاذ سيِّد الأنصار يُخاطبُ النبي المختار عشِيَّة معركة بدر ، حيثُ تجسِّد هذه الكلمة موقف الأنصار الذين هاجرَ النبي إليهم .
 قال هذا الصحابيّ الجليل : يا رسول الله ، لقد آمنَّا بك وصدَّقناك ، وشَهِدنا أنّ ما جئْت به هو الحقّ ، وأعطيناك على ذلك عُهودنا ومواثيقنا ، على السّمْع والطاعة لك ، فامْضِ يا رسول الله لما أردْتَ فنحن معَكَ - قلْبًا وقالباً - فوالذي بعثكَ بالحق لو استعرضْت بنا البحر فخُضْتَهُ لخُضْناهُ معك ما تخلَّف منَّا رجلٌ واحِد ، وما نكرهُ أن تلقى بنا عدوّنا غدًا ، إنا لَصُبُرٌ في الحرب ، صُبُرٌ عند اللّقاء ، فَصِلْ حِبال مَن شئْت ، واقْطَع حِبال مَن شئْت ، وعاد من شئْت ، وسالِم من شئْت ، وخُذْ من أموالنا ما شئْت ، وأعْطِنا منها ما شئْت ، وما أخذْت منها كان أحبّ إلينا مِمَّا تركْتَ إلينا ، فلعلّ الله يُريكَ مِنَّا ما تقرُّ به عيْنُكَ . هؤلاء هم الأنصار الذي تبوَّؤوا الدار والإيمان .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ هؤلاء الذين هاجروا في سبيل الله ، والذين آوَوا ونصَروا ، أعدَّ الله لهم مغفرةً ورزقًا كريمًا ، وفازوا بِمَرضاة الله ، وهي أثْمَنُ ما ينالهُ مخلوقٌ على وجه الأرض ، قال تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾

[ سورة الأنفال : 74]

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ شتّان بين من يعارض الحقّ وبين مَن يؤيِّدُهُ ، شتَّان بين من يصدِّق النبي وبين من يكذِّبُه ، شتَّان بين من يخرجُه وبين من يؤويه ، شتَّان بين من يقاتلهُ وبين من ينصُره ، شتَّان بين المؤمن وغير المؤمن ، قال تعالى:

﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾

[ سورة السجدة : 18]

 قال تعالى:

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾

[ سورة الجاثيَة : 21]

2 ـ الأخذ بالأسباب و التوكل على الله :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ مِنَ الدّلائل والعِبَر التي تؤخذُ وتُستفاد من الهِجرة أنَّ حقيقة التوكُّل أَخْذٌ بِكُلّ الأسباب ، ثمَّ تَوَكُّلٌ على ربّ الأرباب ، هذا تعرف التوكُّل الصحيح ، لقد وضَعَ النبي عليه الصلاة والسلام خِطَّةً مُحكمةً لِهِجرتِهِ حيثُ كتَمَ تحرُّكَهُ ، وقصْدَهُ ، واسْتأجرَ دليلاً ذا كفايةٍ عاليَة ، واختارَ غارَ ثوْر الذي يقعُ جنوب مكَّة تَضْليلاً للمطاردين من جهة الشمال، وحدَّد لكلّ شخصٍ مهمَّة أناطها به ، فَمِنْ واحدٍ لِتَقَصِّي الأخبار ، وآخر لِمَحْو الآثار ، وثالثٍ لإيصال الزاد ، وكلّفَ سيِّدنا عليًّا رضي الله عنه أن يرتدي بُرْدَهُ ويسجَّى على سريره تَمْويهًا على المحاصرين الذين أزْمعوا قتْلهُ . وقْفَةٌ متأنِّيَةٌ عند هذه التدابير .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ إنّ هذه التدابير التي اتَّخَذَها النبي صلى الله عليه وسلّم على كثْرتها ودِقَّتِها ليْسَت صادرةً عن خَوْفٍ شَخصيّ ، ولمْ يَكُن اعْتِمادُهُ عليها ، بدَليل أنَّه كان في غايَة الطمأنينة حينما وصَل المطاردون إلى الغار ، وتحلَّقوا حوله ، بحيثُ لو نظر أحدهم إلى موْطئ قدمِهِ لرآهُ وصاحِبَه ، فما زاد أن قال لصاحِبِه : لا تحْزَن إنَّ الله معنا ، يا أبا بكر ؛ ما ظنُّك باثْنَين الله ثالثهما ؟ ويروي بعضهم أنّ أبا بكر رضي الله عنه قال يا رسول الله : لقد رأوْنا ، فقال عليه الصلاة والسلام يا أبا بكر ، ألَمْ تقرأ قوله تعالى:

﴿ وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴾

[ سورة الأعراف : 198]

 لقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلّم كلَّ التدابير ، وكلّ الاحْتِياطات ، وأخذ بكُلّ الأسباب ، سدَّ كلّ الثّغرات ، هذا هو التوكُّل ، أعدَّ لكلّ شيءٍ عُدَّتَه ، غطَّى كلّ مشكلةٍ ثمَّ توكَّل على ربّ السموات والأرض ، هذه حقيقة التوكُّل .

 

المؤمن الحقّ يأخذ بكلّ الأسباب ثمّ يتوكَّل على ربّ الأرباب :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ نحن كمُسلمين لا نعرفُ بشرًا أحقّ بِنَصْر الله تعالى، وأجْدر بتأييدِهِ من رسول الله صلى الله عليه وسلّم الذي لاقى في جنب الله ما لاقى ، ومع ذلك ودقِّقوا فيما أقول : إنّ اسْتِحقاق التأييد الإلهي لا يعني التفريط قَيْدَ أُنملةٍ في اسْتِجماع أسبابه ، وتوفير وسائِلِه ، هذا درسٌ بليغ من دروس الهجرة ، يجبُ أن يضعهُ كلّ مسلمٍ ، وكلّ مؤمن أمام عيْنَيه ، عليه أن يتَّخِذ كلّ الأسباب ، وأن يُعِدَّ لكلّ أمرٍ عُدَّتَهُ ، وألا يدَعَ مكانًا للحُظوظ العمْياء، عليه أن يتَّخِذ الأسباب وكأنَّها كلّ شيءٍ في النجاح ثمّ يتوكّل على الله لأنّ كلّ شيءٍ لا قيامَ له إلا بالله .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ حينما فهِمَ المسلمون الأوائل التوكُّل هذا الفهْم الصحيح، رفْرَفَتْ راياتهم في مشارق الأرض ومغاربها ، واحتلُّوا مركزًا قيادِيًا بين الأمم والشُّعوب ، واليوم إذا أراد المسلمون أن ينتصِروا على أعدائهم ، وأن يستعيدوا دوْرَهم القيادي بين الأُمَم لينْشروا دينهم دين الحقّ والخير ، عليهم أن يستوعبوا جيِّدًا هذا الدرس البليغ الذي علّمنا إيّاه النبي عليه الصلاة والسلام من خلال هِجرته ، وهو أنّ المؤمن الحقّ يأخذ بكلّ الأسباب ، ثمّ يتوكَّل على ربّ الأرباب .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : " ما علمْتُ أحدًا من المهاجرين إلا هاجرَ متخفِّيًا إلا عمر بن الخطّاب فإنّه لمّا همَّ بالهِجرة تقلَّدَ سيْفَهُ ، وتنكَّبَ قوسَهُ ، ومضى قِبَلَ الكعبة ، والملأُ من قريشٍ بِفِنائِها ، وقال لهم : من أراد أن يُثْكِلَ أُمَّه ، وأن يُيَتِّمَ ولدَه ، وأن يُرْمِلَ زوجته فلْيلْقني وراء هذا الوادي " هكذا هاجَرَ عمر رضي الله عن عمر، وهنا قد يسألُ سائلٌ : لماذا هاجَرَ هذا الصحابيّ الجليل علانيَةً متحدِّيًا المشركين دون خوفٍ ولا وَجَل بينما هاجَرَ النبي عليه الصلاة والسلام مسْتَخفِيًا ، محتاطًا لِنَفسِه ؟ أيَكُون عمر رضي الله عنه أشدُّ جرأةً ؟‍! معاذ الله أن يكون شيءٌ من ذلك ، فالنبي عليه الصلاة والسلام أشْجَعُ الناس ويومَ حُنَين ما رُئِيَ أحدٌ أثْبَتَ ولا أقربَ من العدوّ منه ، وسيّدنا عليّ كرّم الله وجهه كان يقول : " كنّا إذا حَمِيَ البأسُ ، واحْمَرَّت الحِدَق ، اتَّقَيْنا بِرَسول الله صلى الله عليه وسلّم " ولكنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أو أيّ مسلمٍ آخر غير النبي عليه الصلاة والسلام يُعَدُّ تصرُّفُه تصرُّفًا شخصِيًا لا حجّة تشريعيّة ، فله أن يتَّخِذ من الطُّرُق والأساليب والوسائل ما يحلو له ، ويتّفقُ مع رغبته الشّخصيَة ، أما النبي عليه الصلاة والسلام فهو مُشَرِّعٌ ، فجميعُ تصرّفاته المتعلّقة بالدِّين تُعَدُّ تَشريعًا ، فلو أنّ النبي عليه الصلاة والسلام هاجَرَ كما هاجر عمر لكانتْ طريقة اقْتِحام الأخطار تشريعًا ولكان الأخْذُ بها واجبًا ، اقْتِداءً بالنبي عليه الصلاة والسلام ، ولظنّ الناس أنَّه لا يجوز أخْذُ الحيطة والحذَر ، ولألقى الناس بأيديهم إلى التهلُكة اقْتِداءً بِنَبيِّهِم ، مع أنّ الله جلّ عُلاه جعَلَ نواميس السموات والأرض مبْنيًّة على الأسباب والمُسبّبات ، وجعل شرعهُ الحنيف متوافقًا معها ، وما عند الله لا يُنال إلا بالأسباب التي جعلها الله ثمنًا له .

 

الهجرة هجران للباطل وانتماءٌ للحق :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ الهِجرة في حقيقتها مَوْقفٌ نفسي قبل أن تكون رِحْلةً جسديّة ؛ إنَّها هجران للباطل ، وانتماءٌ للحق ، إنّها ابتعادٌ عن المنكرات ، وفِعْلٌ للخيرات ، إنَّها ترْكٌ للمعاصي ، وانهِماكٌ في الطاعات ، والمهاجرُ الحقّ هو ما هجر ما نهى الله عنه ورسوله ، عن عامر عن عبد الله بن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

(( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه ))

[النسائي عن عامر عن عبد الله بن عمر]

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ إذا كان باب الهجرة من مكّة إلى المدينة قد أغلق بعد الفتح ، لقول النبي عليه الصلاة والسلام : " لا هِجرة بعد الفتح " فإنّ باب الهِجرة من المعصيَة إلى الطاعة مفتوحٌ على مصاريعه إلى يوم القيامة ، بل إنّ عبادة الله في زمنٍ كثرَت فيه الفِتَن ، واستَعَرَت فيه الشهوات ، وعمّ فيه الفساد ، إنّ عبادة الله في هذه الأجواء تُعَدُّ هِجرةً خالصةً إلى الله ورسوله ، فعن المُعلَّى بنِ زيادٍ ردَّهُ إلى معاويةَ بنِ قُرَّةَ ردَّهُ إلى مَعقلِ بنِ يسارٍ ردَّهُ إلى النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلِيهِ وسَلَّم قال :

(( العبادةُ في الهَرجِ كهجرةٍ إليّ ))

[مسلم عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ]

الهجرة في سبيل الشيطان :

 ولكن أيّها الأخوة المؤمنون ؛ حينما يقفُ الناسُ أفواجًا طويلةً جدًّا يبتغون الهِجرة، حينما تكون الهجرة ابتغاء دُنيا يُصيبها الرجل ، أي ابْتِغاءَ مالٍ وفيرٍ يُحصّلُه ، وحينما تكون الهِجرة بذلاً للخِبرات ، والطاقات ، والإمكانات لغير المسلمين ، وحينما تكون الهجرة هروبًا من تَحَمُّل المسؤوليّة ، وفِرارًا من البذْل والتَّضْحِيَة ، حينما تكون الهِجرةُ إضعافًا للمسلمين ، وتقويَةً لأعدائهم ، حينما تكون الهِجرةُ تمكينًا للعدوّ من احْتِلال الأرض ، واسْتِثمارِ خيراتها ، حينما تكون الهِجرةُ من بلدٍ تُقامُ فيه شعائرُ الدِّين إلى بلدٍ فُرِّغَت منه كلّ القيَم ، حينما تكون الهِجرةُ تَضْييعًا للدِّين والعِرْض ، وكسبًا للدِّرهم والدينار ، حينما تكون الهِجرةُ كذلك فهي هجرة في سبيل الشيطان ، عكسُ الهِجرة التي أرادها الله عز وجل .
 اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

وصف أمّ معبد للنبي صلى الله عليه وسلم :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ في أثناء الطريق ؛ طريق الهِجرة ، مرَّ عليه الصلاة والسلام وصاحبُه بِمَنازل خزاعة ، ودخلَ خيْمةَ أمِّ معبد ، فاسْتراح بها قليلاً ، وشربَ من لبَنِ شاتها ، ولمّا خرج من عندها قيل لها : صفيهِ لنا يا أُمَّ معْبَد ؟ فقالت هذه الأعرابيّة على فِطرتها وسجيَّتها وفصاحتها قالت : رأيْتُ رجلاً ظاهر الوضاءة ، أبْلَجَ الوَجه - مشْرق - حسَنَ الخلْق وسيمًا ، قسيمًا ، إن صمَتَ فعليه الوقار ، وإن تكلّم سماهُ وعلاهُ البهاء ، فهو أجْملُ الناس ، وأبهاهُم من بعيد ، وأحسنهم وأجملهم من قريب ، حُلْوُ المنطق ، فصْلٌ ، لا نزرٌ ولا هذر ، كأنّ منطقهُ خرزات نظمٍ يتحدَّرْن - كحبّات اللؤلؤ - ربْعةٌ لا يأْسَ من طولٍ ، ولا تقْتَحِمُهُ عينٌ من قِصَر ، غصْنٌ بين غُصْنَين ، فهو أنْظرُ الثلاثة منظرًا ، وأحْسنهم قدْرًا ، له رفقاء يحُفُّون به ، إن قال أنصتوا لقوله ، وإن أمرَ تبادروا لأمره ، محفود محشودٌ ، لا عابثٌ ولا مفنِّد - يكثرُ الانتقاد - فقال لها زوجها : هو والله صاحِبُ قريش ولقد هممْتُ بأن أصْحَبَهُ ولأفعلنَّ إن وجدْتُ إلى ذلك سبيلاً .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَنا فيمن تولَيت ، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، ولا تهلكنا بالسنين ، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018