الخطبة : 0098 - الاستقامة - الحوت. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0098 - الاستقامة - الحوت.


1985-10-04

الخطبة الأولى :

 الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض ، وجعل الظلمات والنور ، الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا .
 الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله .
 مَن توكَّل على غير الله ذَل ، ومَن توكل على ماله ضل ، أما مَن توكَّل عليك يا رب فلا ذل ، ولا ضلَّ ، ولا اختل .
 وإذا قال العبد : يا رب لقد أذنبت .. قال الله عزَّ وجل : وأنا قد سَتَرت .
 وإذا قال العبد : يا رب لقد تبت .. قال الله عزَّ وجل : وأنا قد قبلت .
 إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل .
 وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له .
 القائل في كتابه العزيز :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً﴾

[سورة التحريم الآية:8]

 و ..

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ﴾

[سورة الأنفال الآية:24]

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾

[سورة التوبة الآية:38]

 وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، الذي قال :
 عن أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم :

((كل أمتي يدخلون الجنة إلا مَن أبى . فقالوا : يا رسول الله ومَن يأبى؟! قال : مَن أطاعني دخل الجنة ، ومَن عصاني فقد أبى ))

[أخرجه البخاري]

 اللهم صلِ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه الطيِّبين الطاهرين ، الهُداة المهديِّن ، الذين كانوا علماء حكماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء .
 اللهم نسألك علماً نافعاً ، وقلباً خاشعاً ، ولساناً ذاكراً ، وعملاً مُتَقبَّلاً ، والفوز مِن كل بِر ، والنجاة مِن كل إثم ، ونسألك حبك ، وحب مَن يحبك ، وحب عملٍ صالحٍ يقرِّبنا إلى حبك .

 

علامة الإيمان الاستقامة على أوامر الله

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ في أواخر سورة يوسف قول الله عزَّ وجل :

﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ * وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ * وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ * أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾

[سورة يوسف الآيات:103-108]

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ الله سبحانه وتعالى الخبير بأعمالنا ، الخبير باتجاهاتنا يقول :

﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾

[سورة يوسف الآية:103]

 فمَن كان مع أكثر الناس لم يكن مؤمناً ، يجب أن تكون مع القِلَّة التي تُعْرَف بصلاحها .

(( بدأ الدين غريباً وسيعود كما بدأ ، فطوبى للغرباء ))

[ من نيل الأوطار للإمام الشوكاني ]

 يجب أن تكون مع القِلَّة الورعة ، مع القلة المؤمنة الطائعة ، مع القلة المؤمنة الموحِّدة ، مع القلَّة المؤمنة الخاشعة ، مع القلة المؤمنة الداعية .

﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾

[سورة يوسف الآية:103]

 إيمانهم لا يكفي ، لقوله تعالى :

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾

[سورة الأعراف الآية:158]

﴿ أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾

[سورة آل عمران الآية:102]

﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾

[سورة الحج الآية:78]

 فالإيمان مستويات ، بعض مستوياته لا يكفي ، لا يُنَجِّي صاحبه من النار ، بعض مستوياته لا يحجزه عن محارم الله .
 عن زيد بن أرقم رضي الله عنه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( من قال لا إله إلا الله مخلصاً دخل الجنة . قالوا : وما حقها ؟ قال : أن تحجزه عن محارم الله ))

[أخرجه الطبراني]

 عن سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( عظني وأوجز . قال : قل آمنت بالله ثم استقم ))

[أخرجه مسلم]

الإيمان الذي يَحْمِلك على الاستقامة هو الإيمان المقبول .

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾

[سورة فصلت الآية:30]

 علامة صحَّة الإيمان استقامة العمل وصلاحه ، فالإيمان الذي لا يحْمِلك على تَرك المَخالفات ، ولا على فعل الصالحات ، هذا الإيمان لا يكفي ، لا يكفي ، لا يكفي .

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾

[سورة النور الآية:62]

﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾

[سورة يوسف الآية:103]

 ذلك الإيمان المُجْدي ، ذلك الإيمان المُثْمِر ، ذلك الإيمان الذي عَرَّفه النبي عليه الصلاة والسلام ؛ شيءٌ وقر في القلب ، وأقرَّ به اللسان ، وصدَّقه العمل .
 ليس الإيمان بالتمني وبالتحلي ، أن تقول : ليتنا ندخل الجنة ، ليس هذا إيماناً ، هذا تمنِّي ، وعظام الأمور لا تكون بالتمنِّي بل بالسعيّ .

﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾

[سورة الإسراء الآية:19]

 لها سعيٌ خاص ، لو أن الله سبحانه وتعالى قال : ومَن أراد الآخرة وسعى لها ، أيُّ سعيٍ يكفي ، لكن :

﴿ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾

[سورة الإسراء الآية:19]

 لها سعيٌ ، لها شروطٌ دقيقةٌ دقيقة ، لن تصل إليها إلا إذا توافَرَت هذه الشروط .

﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾

[سورة يوسف الآية:103]

 ليس الإيمان بالتحلي ، أن تضع آياتٍ في بيتك ، أن تضع آيةً في مدخل محلّك التجاري ، أن تعلِّق مصحفاً في سيارتك .
 ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ، ولا أن يكون في بيتك مكتبةٌ إسلاميةٌ عامرة ، ولا أن تلبس ثياباً إسلامياً يوم الجمعة ، ولا أن تقلِّد المسلمين في مظاهر حياتهم ، ولكن الإيمان ما وقر في القلب ، وأقرَّ به اللسان ، وصدَّقه العمل ، ذاق طعم الإيمان ، الإيمان يذوقه الإنسان .
 عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال : إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

(( ذاق طعم الإيمان مَن رضي بالله رباً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمدٍ صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولا ))

[أخرجه مسلم والترمذي]

 من علامة الإيمان أن يكره أحدنا أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار .

﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

[سورة يوسف الآيات:104-105]

 ما أكثر الآيات التي بثَّها الله في السماوات والأرض ، كلما تحرَّكت حركة ، حيثما وَقَعَت عينك تقع على آيةٍ لله عزَّ وجل ؛ دالَّةٍ على عظمته ، دالَّةٍ على أسمائه الحسنى ، دالةٍ على أن بعد الحياة موتاً ، وبعد الموت حساباً ، وبعد الحساب جنَّةٌ ونار أبديَّتين .

﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾

[سورة يوسف الآية:105]

 آية النبات ، هل فكرت فيها ؟ بذرةٌ لا تُرى بالعَيْن تصبح شجرة ، من التراب تأكل ألذَّ الثمار ، مِن الحشيش الأخضر تشرب لبناً سائغاً للشاربين ، من خشاش الأرض تقدِّم لك الدجاجة بيضةً كاملة الغذاء ، من البحر الأُجاج تشرب ماءً عذباً فراتاً ، مِن نطفةٍ لا تُرى بالعين تصبح طفلاً سويَّاً ؛ يتحرك ويتكلَّم ، ويحفظ ، ويهضم الطعام ، أجهزةٌ ، وعضلاتٌ ، وعظامٌ ، وأعصابٌ ، وشرايين ، وأوردة .

﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ * وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾

 عن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

(( مَن علَّق تميمةً فقد أشرك ))

[أخرجه الطبراني]

 هذا الذي يعلِّق حافراً على مركبته ، لئلا تصاب بالعين ، فقد أشرك ، هذا الذي يتطيَّر من ردَّته كما قال عليه الصلاة والسلام :

(( مَن ردَّته الطيرة عن حاجته فقد أشرك ))

[ من الجامع الصغير عن ابن عمرو ]

 تشاءم مِن يوم ، أو تشاءم من إنسان ، أو تشاءم من رَقَم .

(( من ردَّته الطيرة - أي التشاؤم - عن حاجته فقد أشرك ))

[ من الجامع الصغير عن ابن عمرو ]

﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾

[سورة يوسف الآية:106]

(( الشرك أخفى من دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء ))

[ من تخريج أحاديث الإحياء ]

 شركٌ موسَّع ، وشركٌ دقيق . الإمام الحَسَن رضي الله عنه قال : " الشرك هو النفاق ، والنفاق هو الشرك " .

﴿ أَفَأَمِنُوا﴾

[سورة يوسف الآية:107]

 هؤلاء غير المؤمنين ، وهؤلاء المشركون .

﴿ أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾

[سورة يوسف الآية:107]

 الغافل ماذا ينتظره ؟
 المُعْرِض ماذا ينتظر ؟
 المقطوع عن الله عزَّ وجل ما الذي أمامه ؟
 أمامه غاشيةٌ من عذاب الله ، أو الساعة ، ساعة الموت ، إما مصيبةٌ قبل الموت ، أو موتٌ مجهز ، لذلك :

(( بادروا بالأعمال سبعاً ؛ فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا ؟ هل تنتظرون إلا فقراً منسياً ، أو غنىً مطغياً ، أو مرضاً مفسداً ، أو مرضاً مفنِّداً ، أو موتاً مجهزاً ، أو الدجَّال فشر غائبٍ ينتظر ، أو الساعة والساعة أدهى وأمر ))

[أخرجه الترمذي والنسائي عن أبو هريرة رضي الله عنه]

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾

[سورة يوسف الآية:108]

 علامة المُتَّبِع لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم أنه يدعوك على بصيرة .
 عن العرباض بن سارية رضي الله عنه ، أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال :

(( قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك ))

[أخرجه ابن ماجه]

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾

[سورة يوسف الآية:108]

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ هذه الآيات في أواخر السوَر نوعٌ من أنواع التلخيص ، سورةٌ طويلة ؛ فيها قِصَص ، وفيها آيات ، وفيها مواعظ ، وفيها مشاهد ، وفيها دعوةٌ للإيمان ، وتنتهي السورة بآياتٍ تلخِّص فحوى السورة كلها .

﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ * وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ * وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ * أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾

[سورة يوسف الآيات:103-108]

ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ مع السُنَّة المطهرَّة . كلنا يصلي ، لاشكَّ في هذا ، ولكن شتَّان بين صلاةٍ وصلاة .
 ركعتان لا تعدلان عند الله جناح بعوضة ، ركعتان تلفَّان كما يلف الثوب الخلق ويضرب بهما وجه صاحبهما ، وركعتان تعدلان عند الله ألف ركعة .
 ما هما هاتان الركعتان التي أخبر عنهما النبي عليه الصلاة والسلام ؟ قال عليه الصلاة والسلام :

(( ركعتان من عالِم أفضل من سبعين ركعةً من غير العالِم ))

 لابدَّ من أن تكون عالِماً ، ليس في الإسلام طبقة اسمها طبقة رجال الدين ، كل واحدٍ منكم يجب أن يكون عالماً .

(( ما اتخذ الله ولياً جاهلاً لو اتخذه لعلَّمه ))

[ من كشف الخفاء ]

(( وكفى بالمرء علماً أن يخشى الله ))

[ من الدر المنثور ]

 إذا خشيت الله فأنت عالم بنوعٍ من أنواع العلم ، هذا الذي يقود سيارةً ، ويحرص على سلامة مُحَرِّكها ، فإذا تألَّق ضوءٌ أحمر ، توقَّف فجأةً ، وأضاف زيتاً للمحرك ، هذا السائق على علم بخصائص هذا المحرك ، أما الذي يحمل شهادة عُلْيا في ميكانيك السيارات ، ولا ينتبه لهذا الضوء ، ويحرق المحرك ، على علمه النظري ؛ هذا جاهلٌ ، وجاهلٌ ، وجاهل .
 وهناك تعريفٌ للعلم آخر : إذا حصَّنت نفسك من المساوئ ، وحفظت نفسك من المعاصي ، فهذا نوعٌ من العلم ، وكفى بالمرء علماً أن يخشى الله .

(( ركعتان من عالِم أفضل من سبعين ركعةً من غير العالِم ))

(( كن عالماً ، أو متعلماً ، أو مستمعاً ، أو محباً ولا تكن الرابعة فتهلك ))

[ من كشف الخفاء ]

(( إن الله عالمٌ يحب كل عالم ))

(( وركعتان من رجلٍ ورع أفضل من ألف ركعةٍ من مخلِّط ))

[ من الجامع الصغير ]

 والمُخَلِّط هو الذي خَلَطَ عملاً صالحاً وآخر سيئاً .

(( وركعتان في جوف الليل يكفِّران الخطايا ))

[ من الجامع الصغير ]

(( وركعتا الفجر خيرٌ من الدنيا وما فيها ))

[ من الجامع لأحكام القرآن ]

(( وركعتان من المتأهِّل خيرٌ من اثنتين وثمانين ركعة من العزب ))

[ من الجامع الصغير ]

 أي غير المتأهل . وفي هذا الحديث حَضٌ من النبي عليه الصلاة والسلام على الزواج .

(( من تزوج فقد ملك نصف دينه فليتقِ الله في النصف الآخر ))

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ ليست كل ركعتين ركعتين ، شتان بين ركعتين وركعتين ، ركعتان مِن عالم ، وركعتان مِن رجل وَرِع ، وركعتان في جَوْف الليل ، وركعتا الفجر ، وركعتان من مُتَأَهِّل ، هذه الركعات الثُنائيَّة أفضل عند الله عزَّ وجل من سبعين ، إلى ألف ، إلى اثنتين وثمانين .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ أبو جهلٍ معروفٌ لديكم ، جاء النبي عليه الصلاة والسلام في أول عهد الرسالة ، طرق بيته ، ففتحت ابنته فاطمة رضي الله عنها ، وكانت طفلةً صغيرة .
 فقال : أين أبوكِ ؟
 قالت : لا أدري ، فلطمها على وجهها .
 ودخل أبو سفيان فرآها تبكي .
 فقال : يا بنت محمد ما يبكيك ؟
 قالت : أبو جهلٍ لطمني على وجهي .
 فحمل أبو سفيان فاطمة بنت محمد ، وكانت صغيرةً جداً ، على كتفه ، وتوجَّه إلى بيت أبي جهل وقال : أضربت بنت محمد ؟ اضربيه كما ضربكِ .
 وفي المساء لقيت أباها عليه الصلاة والسلام ، وحدَّثته بما جرى ، هنا موطن الشاهد ـ رفع النبي عليه الصلاة والسلام يديه إلى السماء وقال :

(( يا رب لا تضيِّع عمل أبي سفيان ))

 وفي روايةٍ :

(( يا رب لا تنسها لأبي سفيان ))

 هذا العمل البسيط الذي يأخذ على شكل دُعابة ، هذا العمل البسيط

(( لا تنسها لأبي سفيان ))

  النبي عليه الصلاة والسلام تزوَّج بنت أبي سفيان ، ولما جاء أبو سفيان إلى بيت النبي عليه الصلاة والسلام جلس على فِراش رسول الله ..
 فقالت له : قم يا أبا سفيان عن هذا الفراش ، عجب أشد العجب ، أنا أبوكِ ما الذي حدث ؟
 قال : ما حدث يا أم حبيبة ، أبخلت بالفراش عليّ ، أم بخلتي عني بالفراش ؟!!
 قالت : والله لا يجلس عدو الله على فراش حبيب الله .
 وحينما فُتِحَت مكة ، أقبل النبي عليه الصلاة والسلام على أبي سفيان ، وقال له :

(( يا أبا سفيان أما آن لك أن تشهد أنه لا إله إلا الله ؟))

 أي :

إلى متى أنت في المعاصي  تســير مُرْخى لك العنانُ ؟
* * *
أيا غافلاً تبـدي الإســـاءة والجهلا
متى تشكر المولى على كل ما أولى ؟
عليك أياديه الكرام وأنت لا تراها
كأن العـيـن حـولاء أو عـمـيـا
لأنت كمزكومٍ حوى المسك جيبه
ولـكنه المحروم ما شـمَّه أصلا
* * *

(( إلى متى يا أبا سفيان أما آن لك أن تشهد أنه لا إله إلا الله ؟ ))

 فنظر أبو سفيان في النبي عليه الصلاة والسلام وقال :
 با ابن أخي ما أعقلك ، وما أكرمك ، وما أحلمك ، وما أوصلك .
 علاقةٌ مع النبي دامت قرابةً من ثلاثةٍ وعشرين عاماً ، ملخَّصها :
 أن يا محمد ما أعقلك ، وما أكرمك ، وما أحلمك ، وما أوصلك .
 ثم قال هذه الكلمة الشهيرة :
 لو كان معه آلهةٌ أخرى لنصرتنا عليه ، أشهد أن لا إله إلا الله .
 ثم قال له النبي عليه الصلاة والسلام :

(( أو ما آن لك أن تشهد أني رسول الله ؟ ))

 قال :
 أما هذه ففي النفس منها شيء .
 قال : تعال غداً .
 في صبيحة الغد جاء أبو سفيان ..
 وقال : أشهد أن لا إله الله وأشهد أن محمداً رسول الله .
 فالعباس عم النبي قال : يا رسول الله ، إن أبا سفيان يحب الفخر في قومه فاجعل له شيئاً .
 عندها قال عليه الصلاة والسلام :

(( من دخل البيت الحرام فهو آمن ، ومن دخل بيته فهو آمن ، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ))

[ من مختصر تفسير ابن كثير ]

 عودٌ على بدء ، هذا الموقف الأخلاقي الذي فعله في الجاهلية ، حينما رَقَّ لابنة محمدٍ وحملها على كتفه ، وأخذها إلى دار أبي جهلٍ ، وعاتبه على ضربه إيَّاها ، وقال لها جبراً لخاطرها : " اضربيه كما ضربكِ " . وقال النبي عليه الصلاة والسلام : " لا تنسها يا رب لأبي سفيان " .
 هذه الحادثة تصاعدت حتى حملته على الإسلام في آخر حياته ، لكنه إسلامٌ ضعيف ، وقف ساعاتٍ طويلة أمام دار عمر ، فلم يؤذن له ، وبلال وصهيب يدخلان ويخرجان بلا استئذان ، فلما دخل عليه .
 قال : سيد قريش يقف في بابك ساعات ، وبلال وصهيب يدخلان بلا استئذان ؟!
 قال : " أنت مثلهما ؟ " . هذا كان جواب عمر ، شتان بينك وبينهما.
 أيها الإخوة الأكارم ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن مَلَكَ الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا ، وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيس مَن دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز مـَن أتبع نفسه هواها ، وتمنَّى على الله الأماني والحمد لله رب العالمين

***

الخطبة الثانية :

 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد ألا إله إلا الله وليّ الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله صاحب الخُلق العظيم ، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

إبداع الله بخلق الحوت

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ مِن آيات الله الدالَّة على عظمته هذه الحيتان التي تجوب المُحيطات ، الشيء الذي يلفت النظر أن من تقدير بعض العلماء لعددها ، في بعض الأوقات أنها تزيد عن مئة وخمسين ألف حوت ، من نوعٍ واحد وهو الحوت الأزرق ، وهذا الحوت الذي يزن مئةً وثلاثين طناً ، ويبلغ طوله خمسةً وثلاثين متراً .
 فلو ضربت وزن هذا الحوت بعدد الحيتان ، لكان الرقم مذهلاً ، ولو قُسِّم على أهل الأرض ، لأصاب كل إنسان من الستة آلاف مليون أربعة كيلو غرامات في كل عام .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ هذا الحوت يولد ولادة ، فبينما ترى جنينه في رحمه لا يزيد عن واحد سنتيمتر ، حين الولادة يصل طوله إلى سبعة أمتار ، ويزن طنَّين .
 الحوت يستطيع أن يبقى في البحر أكثر مِن ثلاثين دقيقة ، كيف أن الإنسان لا يستطيع أن يبقى بلا تنفُّس أكثر من ثلاث دقائق ، قال : لأن طريقة بناء جسم الحوت ، تجعل هذا الأكسجين الذي استنشقه خزَّن في عضلاته ، وفي دمه ، وفي أنسجته ، وعشرة في المئة يخزن في رئتيه.
 وكيف يجوب هذا الحوت الكرة الأرضية في البحار ، طبعاً من الشمال إلى الجنوب ، يذهب إلى القطبين ويعود إلى خط الاستواء ، وتعلمون أن هناك فروقاً كبيرةً في درجات الحرارة ؟
 قال : إن طبقةً من الدهن تقيه من البرد ، تصل سماكتها إلى المتر، فإذا توجه نحو خط الاستواء ، قلت هذه الكميات الدهنية إلى النصف تقريباً حيث المياه الدافئة .
 والحوت أيها الإخوة المؤمنون ؛ لا يشبع بوجبةٍ أقلَّ من أربعة طن، أي ليسند بها معدته كما يقولون ، هذا الحيوان الكبير ، لو نظرت إلى أحواض السمك ، إلى أسماك صغيرة فيها من الأجهزة ما في الحوت ، ولكن على شكلٍ مصغَّر . فتبارك الله الخلاق لما يشاء .
 هذه آيةٌ من آيات الله ، أي أن البحر وما فيه من حيوانات ، تزيد أنواعها عن المليون ، في البحر ما يزيد عن مليون نوع من السمك ، هذه كلها خُلِقَت لنا .

﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾

[سورة الجاثية الآية:13]

﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾

[سورة البقرة الآية:29]

 الله سبحانه وتعالى خلق هذه الآيات لوظيفتين ، الوظيفة الأولى : وظيفة دلالية ، والثانية : دنيوية .

 

﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِلْمُقْوِينَ﴾

[سورة الواقعة الآية:73]

 في كل شيءٍ خلقه الله عزَّ وجل تذكرة ومتاع .

 

الدعاء :

 اللهمَّ اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَّنا فيمن توليت، وبارِك اللهمَّ لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرَّ ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك .
 اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، وأكرمنا ولا تهنا ، وآثرنا ولا تؤثر علينا ، وأرضنا وارض عنا ، واقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلِّغنا به جنَّتك ، ومن اليقين ما تهِّون به علينا مصائب الدنيا .
 ومتِّعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على مَن ظلمنا ، وانصرنا على مَن عادنا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همِّنا ، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلِّط علينا مَن لا يخافك ولا يرحمنا .
 اللهم اغفر ذنوبنا ، واستر عيوبنا ، واقبل توبتنا ، وبلِّغنا مما يرضيك آمالنا ، واختم بالصالحات أعمالنا .
 اللهم كما هديتنا للإسلام فثبِّتنا عليه ، اللهم ألهمنا سبيل الاستقامة لا نحيد عنها أبداً ، واهدنا لصالح الأعمال لا يَهدي لصالحها إلا أنت .
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين .
 اللهم إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك ، ومن الخوف إلا منك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عُضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء ، مولانا رب العالمين .
 اللهمَّ بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعزَّ المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم في مشارق الأرض ومغاربها إلى ما تحب وترضى ، إنه على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018