الدرس : 17 - سورة آل عمران - تفسير الآيات 54 - 59 معنى مكر الله - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 17 - سورة آل عمران - تفسير الآيات 54 - 59 معنى مكر الله


2001-03-23


 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس السابع عشر من دروس سورة آل عمران ، ومع الآية الرابعة والخمسين ، وهي قوله تعالى :

﴿ وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾

[ سورة آل عمران : الآية 54 ]

وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ

1 ـ لا أحد يستطيع أن يطفئ نورَ الله :

 الإنسان بضعف إيمانه يدبر تدبيراً ليُحبط الحق ، أو ليُطفئ نور الله عز وجل ، لضعف إيمانه يظن أنه مستطيع أن يفعل شيئاً ، وأن يُلغي حُجة ، وأن يُطفأ نوراً ، وأن يُضِل الناس ، غاب عن هذا الإنسان الساذج والجاهل أن الله سبحانه وتعالى مُتِمٌ نوره ، ولو كره الكافرون .
 لو أن رجلا واحداً من بين البشر أيها الإخوة وقف ، وتوجه نحو أشعة الشمس ، ونفخ نفخة بكل ما أُوتي من قوة ليطفئ لهيبها ، أين مكانه ؟ في مشفى المجانين ، لأنه لا يستطيع إنسان على وجه الأرض أن ينفخ نفخة فيطفئ بها نور الشمس ، قال تعالى :

﴿ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴾

[ سورة التوبة : الآية 32 ]

 لذلك قالوا : ما ضر السحاب نبح الكلاب ، وما ضر البحر أن ألقى فيه غلام بحجر ، ولو تحول الناس إلى كنَّاسين ليثيروا الغبار على الإسلام ما أثاروه إلا على أنفسهم ، وكم من إنسان جبار قوي أراد أن ينهي الإسلام ففطس هو وأمثاله ، وبقي الإسلام شامخاً كالطود .
 فالإنسان الجاهل يمكر بأهل الحق ، يمكر بأتباع الأديان ، يمكر ليطفئ نور الله ، لكنّ الله عز وجل يقول :

﴿ وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ ﴾

[ سورة آل عمران : الآية 54 ]

2 ـ معنى مكْرِ الله :

 ولكن شتان بين مكر الإنسان ومكر الله عز وجل ، لكن العلماء قالوا : هذه مشاكلة بلاغية ، الله عز وجل لا يمكر ، لأنه لا يمكر إلا الضعيف دولة قوية جداً تقول قبل أسبوع : أنا سأهاجم هذا البلد ، من الذي يُفاجِئ ؟ الضعيف ، فكل إنسان يعمل ، ويُدبر في الخفاء هذا دليل ضعفه ، لأنه لو اكتُشِف لمُحِق ، فالضعيف يمكر ، وليس من شأن الله الضعف ، لذلك الله في الحقيقة لا يمكر ، ولكن يُدبر ، ولكن ردَّ على مكرهم بمكر مشابه ، هذا اسمه في اللغة مُشاكلة ، يأتون بشاهد في كتب البلاغة : أنطبخ لك طعاماً ، قال : لا ، اطبخوا لي جُبَّة وقميصاً ، هو بحاجة إلى جُبَّة وقميص لا إلى طعام ، فقال : اطبخوا لي جُبَّة ، الجُبَّة لا تُطبَخ ، ولكن أورد هذا الكلام على سبيل المشاكلة ، لذلك لا يجوز أن تقول : الله ماكر ، لكنّ مكر الله هو رد على مكر هؤلاء ، تدبير ، رد ، قال تعالى :

﴿ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّه ﴾

 إذا كنت مع الله فلا تخشَ أحداً ، لأن الله يمكر لك ، وإذا كان الإنسان مع شهوته ومع مصالحه المادية ، فإن الله يمكر عليه ، وشتان بين أن يكون الله معك يمكر لك ، وبين أن يكون عليك فيمكر عليك .
 أنت ضعيف لا تقوَ على فعل شيء ، لكنّ المؤمن بطاعته لله واستسلامه له وتوحيده إياه يمكر الله له :

كُن عـن همومك مُعرضا  و كِـل الأمور إلى القَضا
و ابشر بخير عاجـــلٍ  تنسى به ما قد مضــى
فَرُبَّ أمر مسخط لــك  فـــي عواقبه رضــا
و لربما ضاق المضيـق  ولربما اتَّسع الفضــــا
الله يفعل مـا يشـــاء  فلا تكن معترضـــــا
الله عوَّدك الجميـــل  فقِس على ما قد مضــى

3 ـ البطولة أن نكون أهلاً لأن يدافع الله عنا :

 أيها الإخوة ، البطولة أن نكون أهلاً أن يدافع الله عنا ، هنا البطولة ، أن نستحق أن يدافع الله عنا ، أن نستحق أن يمكر الله لنا ، الأمر بيد الله وحده .
 مثلٌ بسيط : لو أنّ حاجزاً ضخماً بين فريقين ، الأول يمكر ، ولكنّ الله يرى مكر الطرف الآخر فيُلهم الطرف الأول أن يُحبط مكره ، أنت إن كنت مع الله ، والله مع كل الخلق ، فكل مكر مكره هؤلاء يُنقل إليك .
 لمّا أُسِر ابن عمير بن وهب في بدر ، ففي ساعة شجن وألمٍ قال لصفوان بن أمية : " لولا أولاد أخشى عليهم العنت من بعدي ، ولولا ديون لا أُطيق سدادها لذهبت ، وقتلت محمداً ، وأرحتكم منه " ، قال هذا الكلام لصفوان بن أمية ، ولا يعلم أحد بهذا الحديث إلا هذين الرجُلين ، فقال له صفوان : " أما أولادك فهم أولادي ما امتد بهم العمر ، وأما ديونك فهي عليّ بلغت ما بلغت ، فامضِ إلى ما أردت " ، فسقى سيفه سماً ، وانتقل إلى المدينة مغطىً بحجة أنه جاء ليفدي ابنه الأسير ، في المدينة رآه عمر رضي الله عنه ، قال : هذا عدو الله جاء يريد شراً فقيّده بحمالة سيفه ، وساقه إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، قال له : هذا عدو الله جاء يريد شراً ، فقال له : " يا عمر ، أطلقه ، فأطلقه ، ابتعدْ عنه فابتعدَ عنه ، قال له : ادنُ مني يا عمير ، فدنا منه ، قال له : ما الذي جاء بك إليّ ؟ قال له : جئت أفدي ابني ، قال له : وهذه السيف التي على عاتقك ، قال له : قاتلها الله من سيوف ، وهل نفعتنا يوم بدر ؟ قال له : يا عمير ألم تقل لصفوان : لولا ديون ركبتني ما أطيق سدادها ، ألم تقل لصفوان : لولا أولاد أخشى عليهم العنت من بعدي لذهبت ، وقتلت محمداً ، وأرحتُكم منه " ، هذا ما حصل ، أي مؤامرة تمت على النبي صلى الله عليه وسلم ، ما دام الله مكر فقد أطلعه عليها .
 هذا حاطب بن بلتعة الذي أرسل كتاباً إلى قريش : إنّ محمداً سيغزوكم فخذوا حِذركم ، أطلع الله نبيه على هذا الكتاب ، فأرسل صحابيَين جليلَين أخذاه من امرأة في موقع اسمه الروضة بين مكة والمدينة ، وجيء بحاطب وسُئل .
مرة أراد اليهود أن يقتلوا النبي عليه الصلاة والسلام ، كان جالسًا في مكان فصعدوا إلى سطح الدار ليُلقوا عليه صخرة يموت فيها ، أطلعه الله ، هذه حالات حادة مع نبي كريم ، أما أنت قد تُلهم أن تذهب من طريق تُحبط به خطة أعدائك ، فإذا كنت مع الله كان الله معك ، وإذا كان الله معك فمن عليك ، من يستطيع أن يدنو منك إذا كان الله معك ، لكنّ كل بطولتك أن تستحق أن يمكر الله لك ، أن تستحق أن يدافع الله عنك ، وأنت من عباد الله شأن أي عبد ، تتمايز عند الله بالتقوى والطاعة ، قال تعالى :

﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾

[ سورة الحجرات : الآية 13 ]

 لا أنسى كلمة قالها سيدنا عمر لسيدنا سعد ، سيدنا سعد كان خال النبي عليه الصلاة والسلام ، كان إذا دخل عليه يداعبه ويقول : هذا خالي ، فأروني خالاً مثل خالي ، النبي الكريم هو سيد الخلق ، يداعب صحابيًّا ، ما قال لأحدٍ في حياته : ارمِ سعد ، فداك أبي وأمي ، إلا لسعد ، يا سعد ، فداك أبي وأمي ، هذه مقولة النبي ، فخاطب سعدًا فقال : ارمِ سعد فداك أبي وأمي ، قال : هذا خالي ، أروني خالاً مثل خالي ، فمرة قال سيدنا عمر لسيدنا سعد : يا سعد ، لا يغرَّنك أنه قد قيل : خال رسول الله ، فالخلق كلهم عند الله سواسية ، ليس بينه وبينهم قرابة إلا طاعتهم له .

 

4 ـ طاعتك واستقامتك ثمن دفاع الله عنك :

 كل بطولتك أن تستحق أن يمكر الله لك ، ومهما كنت قوياً ، مهما كنت غنياً ، مهما كنت ذكياً ، مهما تكن لك علاقات متينة جداً ، شبكة علاقات مع أقوياء فهذه كلها لا تنفعك إذا أراد الله أن يمكر بك ، لا ينفع ذا الجَد منه الجَد ، يؤتى الحذِر من مأمنه ، لا يحميك من الله إلا أن تكون مطيعاً له فقط ، لا ملجأ منه إلا إليه ، فأن يستحق مؤمن أن يمكر الله له فهذا يعني أنه مطيع ، مخلص ، مستقيم ، وكل إنسان جاهل ساذج غبي يظن أنّ بإمكانه أن يكيد لأهل الحق ، إياك ثم إياك ثم إياك أن تكون في خندق مُعادٍ للمؤمنين ، لأن الله ولي الذين آمنوا .
 أحياناً إنسان يخشى خصمه لأنّ وراءه قوة كبيرة ، قد تخشى شرطياً لأنّ وراءه دولة ، قد تخشى دولة صغيرة لأنّ وراءها دولة كبيرة ، فأنت لا تنظر إلى الخصم ، انظر إلى ما وراءه ، هذه نقطة مهمة جداً ، قال تعالى :

﴿ {إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾

[ سورة التحريم : الآية 4 ]

 ألا يكفيك قول الله عز وجل :

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾

[ سورة الحج : الآية 38 ]

 ثمن أن يدافع الله عنك أن تكون مطيعاً له ، مخلصاً في طاعته ، أن تكون من أوليائه ، لأن الله قال :

﴿ اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ ﴾

[ سورة البقرة : الآية 257 ]

 إذاً :

﴿ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ﴾

 دائماً يقول الله عز وجل :

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ﴾

[ سورة الحديد : الآية 4 ]

 هذه معية عامة ، معكم بعلمه ، إلا في آيات قليلة يقول :

﴿ وَأَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الأنفال : الآية 19 ]

 وقال :

﴿ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾

[ سورة التوبة : الآية 123 ]

 وقوله أيضاً :

 

﴿ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾

[ سورة الأنفال : الآية 46 ]

 وكذلك :

 

﴿ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾

[ سورة العنكبوت : الآية 69 ]

 أي معهم بالحفظ ، بالتأييد ، بالنصر ، بالتوفيق ، هذا الدعم الذي لا حدود له أن يكون خالق الكون معك ، ثمنه أن تطيعه ، قال تعالى :

﴿ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾

 وقال :

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ﴾

[ سورة الأنفال : الآية 36 ]

 سأضرب بعض الأمثلة للتوضيح ، هناك لعبة السيارات الكهربائية ، فقد تجد معركة بين مجموعتين ، أما الذي بيده قطع التيار الكهربائي فبحركة يسيرة يوقف هذه المعركة كلها ، قد تجد آلة ضخمة تحمل عشرات الأطنان من الحديد على أساس مغناطيس كهربائي ، فالعامل بضغطة بسيطة لا تزيد على ربع ميليمتر إذا قطعت هذه الضغطة الكهرباء تسقط كل هذه الأحمال ، الله عز وجل بضربة واحدة ، أحياناً الكافر يؤتى من مأمنه ، من بعض الأدعية : " اللهم اجعل تدميرهم في تدبيرهم " .
 يدبر ، ويفكر ، ويتأمل ، ويبحث ، ويدرس ، ويجمع ، ويضرب ، ثم يأتي بخطة تكون سبب تدميره .
 وهذا مثل سأرويه لكم من التاريخ الحديث ؛ أراد اليهود قبل أربع سنوات فيما أذكر أن يأخذوا رهائن من بيوت الله في ليلة القدر ، هيؤوا طائرتين ، وفي الطائرتين نخبة ضباطهم ، خمسة وسبعون ضابط كومندوُس ، وكل ضابط كلفهم ملايين ، وهو يتقنون الصراع الياباني ، يتقنون السلاح الأبيض ، يتقنون اللغة المحلية ، تدريبات عالية جداً ، فهم أثمن ما في الجيش اليهودي ، وقعت الطائرة العليا فوق السفلى ، ووقعتا فوق مستعمرة إسرائيلية ، ومنذ أن أنشئت إسرائيل حتى الآن ما مُنيت بهزيمة من عند الله مباشرة ، لو نستحق أن يتدخل الله من أجلنا لرأينا العجب العُجاب ، لو كنا معه دائماً ، لو كنا على طاعته مقيمين ، لو كنا مخلصين لمكر الله لنا ، ليس هناك شيء اسمه قوي في الأرض ، الله هو القوي ، الطرف الآخر قد يكون معه قنابل ذريّة ، قد يكون معه أشياء مذهلة ، مركبة فضائية تُعدُّ تحدياً ، واسمها المتحدي ، بعد سبعين ثانية أصبحت كتلة من اللهب ، مع الله لا يوجد دولة قوية ، لا يوجد أسلحة ذرية ، ولا طائرات شبح ، ولا أشعة ليزر ، لا شيء مع الله ، أما أن تكون المعركة بين حقين فهذا لا يكون ، هذا شيء مستحيل ، لأن الحق لا يتعدد ، وبين حق وباطل لا تطول ، لأنّ الله مع الحق ، لكن بين باطلين لا تنتهي ، هذا سماه بعض العلماء النصر التكويني ، بين فئتين بعيدتين عاصيتين لله عز وجل من كان عنده أسلحة أقوى فهو المنتصر، تصور طائرة معها مدفع مداه المُجدي سبعة كيلو مترات ، وهناك دبابة مدفعها مداه المُجدي ثلاثة كيلو مترات ، فهذا يعني أنّ طائرة واحدة مداها سبعة كيلو مترات تحطم مئتي دبابة ، فإن كان لم يكن الحق بالجهتين فالنصر للأقوى ، من كان معه سلاح متطور أكثر ، من كان عنده قدرة على تصوير أرض المعركة ، فإذا خلا الإيمان فالحديث عن الأسلحة والطائرات ، والمدى المُجدي ، وتطور السلاح ، والقنبلة العنقودية ، والقنبلة الذرية ، وأشعة الليزر ، هذا كله تتحدث عنه ، أما إن كان أحد الطرفين مؤمنا انقلبت كل موازين القوى رأساً على عقب ، وبآيات كثيرة جداً .
 الذي أتمناه أن يستحق كل منا أن يمكر الله له ، أن نكون أهلاً كي يدافع الله عنا ، ومكروا ومكر الله ، أرادوا أن يقتلوا السيد المسيح ، بعضهم أراد أن يخبر الملك الذي كان ضد النصرانية ، كان يُعَبِّدُ النصارى ، الذي دل عليه ليُقتل ألقى الله عليه صورة السيد المسيح ، فهذا الذي صُلِب ، قال تعالى :

 

﴿ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ ﴾

[ سورة النساء : الآية 157 ]

 الذي دل عليه هو الذي صُلِب ، لذلك قال تعالى :

﴿ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾

5 ـ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِين

 َ

 

أما خير الماكرين أي أن مكره هو المُجدي ، هو الفعَّال الذي لا يخطئ ، مكره المخيف ، ومكره الذي يعود بالخير على الطرفين ، ينصر المؤمن بمكره ، ويردع الكافر بمكره ، أول معنى مكره عظيم ، ومكره سريع ، وفعّال ، ولا يخطئ ، ومكره مخيف ، قال تعالى :

﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾

[ سورة البروج : الآية 12 ]

 ومع ذلك مكره يعود بالخير على الطرفين معاً ، قال تعالى :

﴿ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾

 ومن أدعية النبي عليه الصلاة والسلام :

(( اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ ))

[ ابن ماجة ، الترمذي ]

 واسألوا الله عز وجل موجبات أن يدافع الله عنا ، اسألوا الله موجبات أن نستحق أن يمكر الله لنا ، لا أن يمكر علينا ، لأنه إذا هان أمر الله علينا هُنَّا على الله ، إذا هان أمر الله علينا هُنَّا على الله ومُكِر بنا .

 

وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ

 قال تعالى :

﴿ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾

[ سورة إبراهيم : الآية 46 ]

 ومكروا مكرهم أي الكفار ، الآن يجربون الأدوية في العالم الثالث ، كانوا قبل هذا على بقية من خلق يجربون أدويتهم على الفئران ، الآن تُجرب على بني البشر في دول متخلفة ، الآن يقدمون مساعدات في ظاهرها هي إعانات ، وفي الحقيقة نفايات ذرية ، تُزرع في بلاد العالَم الثالث ، ليتخلصوا منها ، قال تعالى :

﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾

 يخططون لإفقار المسلمين وإيقاع الفُرقة بينهم وتشتيتهم وتدميرهم ، قال تعالى :

﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾

 لتزول منه الجبال ، هو كلام الله ، قال تعالى :

﴿ فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ ﴾

[ سورة إبراهيم : الآية 47 ]

 وقال :

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾

[ سورة إبراهيم : الآية 42 ]

وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً

 لكنّ الآية التي ينبغي أن تملأ قلوبنا أمناً وراحة ، لكن لها ثمن ، هي قوله تعالى :

﴿ وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾

[ سورة آل عمران : الآية 120 ]

 خالق الكون يقول ذلك ، وزوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعده للمؤمنين ، وإن تصبروا وتتقوا أفراداً وجماعات ، فرد لوحدك ، أطع الله ، واصبر على طاعته ، واصبر عن معصيته ، واصبر على قضائه وقَدَره ، واتقِ أن تعصيه ، لو كان خصمك أقوى إنسان في العالَم يُحبط الله مكره ، هذه للأفراد وللجماعات ، قال تعالى :

﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ﴾

 مثلاً : شخص ما معه أسلحة فتَّاكة ومتطورة ، وآخر معه شفرة ، فقط وتوَعد ، والذي معه الأسلحة الفتّاكة قال لك : أنت في حمايتي فلا تخف ، قال الشاعر :
 زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا أبشر بطول السلامة يا مَرْبعُ
 العِبرة أن لا يكون الله ضدك ، إذا كان الله معك فمن عليك ، وإذا كان الله عليك فمن معك ، والله عز وجل يُظهر آياته ، أما رأيتم إلى دول عظمى انهارت كبيت العنكبوت ، والذي يتوقع انهيارها يُوضع في مشفى المجانين ، قلعة من قلاع الكفر تلاشت ، قال تعالى :

﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾

 وهذا القطب الواحد المتحكم بالعالَم له عند الله تدبير ، لا تيأسوا ، له عند الله تدبير حكيم ، إنّ الله لا بد أن يُظهر آياته للخلق ، لا يسمح الله لجهة أن تدَّعي الألوهية إلى أمد طويل ، هم يدَّعون الألوهية ، هم أسياد العالَم ، القطب الوحيد الذي يملك ُمَقدَّرات الشعوب ، هذا كلام بكلام ، قال تعالى :

﴿ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ ﴾

[ سورة يونس : الآية 24 ]

 هناك نماذج لبلاد متقدمة جداً وغنية جداً ، والطب متقدم جداً ، أطعموا الأبقار طحين اللحم المجفف ، اجتهاداً منهم ليغيروا خلق الله ، فجُنَّ البقر ، وما جنون البقر إلا من جنون البشر .
 الآن هناك مشكلة عالمية ، ثلاثة وثلاثون مليار جنيه إسترليني خسارة بريطانية من لحوم الأبقار ، وهم مضطرون أن يحرقوا ثلاث عشرة مليون بقرة ، الأسواق كلها أصبحت مغلقة أمامهم ، من جاء بهذا المرض ، فمهما كان الإنسان متقدما فالله عنده جنود لا يعلمها إلا هو ، الإيدز هو جندي من جنود الله عز وجل ، هذا رد على الإباحية ، قال الله عز وجل :

﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[ سورة الروم : الآية 41 ]

 هذا الداء لا دواء له .
 بعض معلوماتي الدقيقة أننا إذا أردنا أن نفحص دماءنا فحصاً شاملاً لنطمئن على سلامتنا من هذا المرض ، هذا الفحص سيكلفنا عشرين ألف ليرة سورية ، أما الفحوص العادية فهي فحوص غير مُجدية ، والسبب أنّ هذا الفيروس له ستة أشهر يكون موجوداً في الدم ، ولا تظهر الأعراض ، ويسمونه صمتا مخبريا ، ممكن أن يفحص شخص دمه ، ويكون بريئًا من هذا المرض بفحص بسيط ، وهو مصاب بهذا المرض ، فالمشكلة كبيرة ، لأنه لا دواء لهذا المرض ، هذا هو مكر الله عز وجل ، هذا من جنود الله عز وجل ، والله عنده أوبئة وأمراض لم تكن في أسلافنا ، عنده أعاصير ، وكل إعصار يكلف ثلاثين مليارًا ، قال تعالى :

﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ{6} إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ{7} الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ﴾

[ سورة الفجر ]

 أحياناً تذهب إلى بلدة تقول : لا مثيل لها في العالَم ، هذه عادٌ الثانية ، لم يُخلق مثلها في البلاد ، من خصائصها أنهم يقولون : من أشد منّا قوة ، لا يوجد رحمة ، هناك قهر واستغلال ، هناك جلب لأموال العالَم كلها إليهم مثلاً ، قال :

 

﴿ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ﴾

[ سورة الفجر : الآية 8 ]

 كيف أهلكوا ؟ قال تعالى :

﴿ وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ{6} سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ{7} فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ ﴾

[ سورة الحاقة ]

 انظر إلى أهرامات مصر ، انظر إلى آثار الرومان ، أين هؤلاء ؟

 

مَن كان الله معه فهو أقوى إنسان :

 أيها الإخوة ، هذا كلام يقوي معنويات المؤمنين ، حاول أنت أن تكون أهلاً كي يدافع الله عنك ، حاول أن تكون أهلاً كي يمكر الله لك لا عليك ، كن لنا ولا تكن علينا ، قال تعالى:

﴿ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾

 أقوى إنسان في الأرض من كان الله معه ، وأضعف إنسان لو أنه مَلَكَ الدنيا من أطرافها ، أضعف إنسان من تخلى الله عنه .
 قيل لأحد الخلفاء ، وقد طلب كأس ماء : " يا أمير المؤمنين ، بكم تشتري هذا الكأس لو مُنع منك ؟ قال : بنصف مُلكي ، قال : فإذا مُنع إخراجه ، قال : بنصف ملكي الآخر " ، فملْكه كله يساوي كأس ماء تشربه ويخرج ، فأنت قوي بالله ، غني بالله ، عالٍ بالله ، لو ابتعدت عن الله فأنت ضعيف مقهور ، وأضعف الناس يقوى عليك ، إن أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله ، قال تعالى :

﴿ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾

 كما قالوا : فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه ، إن كان في الكون مئة ألف مليون مجرَّة ، وفي كل مجرَّة تقريباً مئة ألف مليون نجم ، وأرضنا هي كوكب صغير في مجموعة اسمها المجموعة الشمسية تمثل نقطة في مجرة معتدلة متوسطة اسمها درب التبانة ، هذا الكون الفسيح ، وهذه المجرات ، وهذه الأرض والسموات وهذا الخلق العظيم ، قال تعالى :

﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً ﴾

[ سورة طه : الآية 105 ]

 فهذا هو الله ، الأمر كله بيده ، وهو معكم أينما كنتم ، قال تعالى :

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة هود : الآية 123 ]

 وقوله تعالى :

﴿ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾

[ سورة الكهف : الآية 26 ]

 وقال :

 

﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ﴾

[ سورة فاطر : الآية 2 ]

 أيعقل أن نبتعد عنه ، وأن نتقوى بغيره ، وأن نلجأ لغيره ، وأن نضع ثقتنا بغيره ، وأن نخاف غيره ، وأن نرجو غيره ، وأن نطيع غيره ، هذا مستحيل ، قال تعالى :

﴿ وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ* إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ﴾

[ سورة آل عمران ]

إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيك

1 ـ معنى التوفّي :

 التوفي إما في الموت أو في النوم ، لكن جرت آيات القرآن على أنّ التوفي الحقيقي يكون عن طريق مَلَك الموت ، قال تعالى :

﴿ قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ﴾

[ سورة السجدة : الآية 11 ]

 وفي آية أخرى :

﴿ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ﴾

[ سورة الزمر : الآية 42 ]

 فهنا : متوفيك ، أي أن الله سبحانه وتعالى رفع هذا النبي الكريم إليه ، قال تعالى :

 

[ سورة آل عمران : الآية 55 ]

2 ـ نزول عيسى في آخر الزمان حقٌّ :

 أي أنه سيرجع ، وسيتبعه أناس كثيرون ، وسوف يكونون فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ، هذا معنى من معاني هذه الآية ، نعتقد نحن المسلمين اعتقاداً جازماً أنّ هذا النبي الكريم سوف يرجع ، وسوف يكون رجوعه من علامات قيام الساعة ، قال تعالى :

﴿ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا ﴾

[ سورة الزخرف : الآية 61 ]

 وقال :

 

﴿ وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ﴾

[ سورة المؤمنون : الآية 50 ]

 قال بعض المفسرين : إنها ربوة دمشق ، وقال بعضهم : إنه ينزل في دمشق ، هناك أحاديث وآيات كثيرة تؤكد هذه الحقيقة ، قال تعالى :

﴿ إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾

[ سورة آل عمران : الآية 55 ]

 هذا النبي الكريم أصبح موطن خلاف ، محط خلاف ، الحقيقة عند الله ، وسوف ينبئ الله بها كل خلقه يوم القيامة ، قال تعالى :

 

﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ{56} وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ{57} ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ﴾

[ سورة آل عمران ]

فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ

 أي الذين كفروا بنبوَّته ، الذين كفروا فريقان ؛ فريق ادّعى أنه إله ، وفريق ادّعى أنّ أمه زانية ، هؤلاء الفريقان معاً كفروا بحقيقة نبوَّته ، قال تعالى :

﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ{56} وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ{57} ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ{58} إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ{59} ﴾

[ سورة آل عمران ]

إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُون

1 ـ الكون له سنن وقوانين يخرقها الله لحكمة :

 نؤمن نحن أنّ هذه الأرض لها سُنن ، ولها قوانين ، هذه القوانين والسُنن يمكن أن تُخرق من الله سبحانه وتعالى ، نؤمن أنّ هناك سبباً ، وأن هناك نتيجة ، لكنّ السبب ليس هو خالق النتيجة ، وإنما هو مرافق لها ، حينما نتوهم أنّ الأسباب تخلق النتائج ، فإن ربنا عز وجل حرصاً على إيماننا وتوحيدنا يُعطل هذه الأسباب أو يُلغيها ، فأحياناً السبب موجود لكنه معطّل ، دواء لم يحقق شفاءً ، الله عطّل فاعليته ، وأحياناً شفاء من غير دواء ، أحياناً شابان قويان صحيحان لا يُنجبان جعلهما الله عقيمين ، وأحياناً امرأة كالسيدة مريم تنجب من دون زواج ، الإنجاب من دون زواج الله ألغى السبب ، والشابان القويان الشديدان الصحيحان ، أي الشاب والفتاة ، وهما عقيمان الله لأن الله يعطّل السبب ، أو يُلغيه إنقاذاً للتوحيد لئلا تعتقد أن السبب خالق النتيجة ، لذلك العالَم اليوم عالَمان ؛ عالَم أخذ بالأسباب ، واعتمد عليها وألّهها ، وعبدها من دون الله ، وهو العالَم الغربي ، وعالَم لم يأخذ بها متواكلاً ، فالعالَم الأول وقع في الشِرك ، والعالَم الثاني وقع في المعصية ، أما الموقف الكامل أن تأخذ بالأسباب ، وكأنها كل شيء ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء ، قال تعالى :

﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ(57)ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنْ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ(58)إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ ﴾

2 ـ خلق عيسى خرقٌ لسنن التناسل البشري :

 أن تنجب امرأة من دون زواج هذا مستحيل عادة ، لكنّه ممكن عقلاً ، لأنّ الذي قنّن هذه القوانين يغيّرها بأية لحظة ، أضرب لكم مثلاً قريباً من الفيزياء عنصر حوله مجموعة كهارب في بنيته الذرية ، نواة حولها مجموعة كهارب ، هذا العنصر قوامه صُلب كالصخر ، العنصر الذي يليه بفارق كهروب واحد غازي ، معناه أنّ أي تعديل على بنية الذرة ، كنّا في ماء هو البحر ، سيدنا موسى ضرب هذا البحر بعصاه فأصبحت طريقاً يبَساً ، بأية لحظة الله عز وجل يغيّر خصائص المواد كلها ، على الله كل شيء سهل ، كن فيكون ، لذلك الإنسان ضعيف الإيمان يرى أنّ بعض المعجزات مستحيلة مع أنها ليست مستحيلة ، وأنتم تعلمون أنّ العلم متطور الآن ، لو اطّلع إنسان على ما في حياتنا من تطورات ما صدقها ، لأنها واقعة الآن ، فهناك أشياء لا يمكن أن تُصدَق من قبل ، لأن العقل مرتبط بالواقع ، فالواقع له حدود ، من يصدق أنه بإمكانك أن ترسل رسالة من آخر الدنيا إلى طرف الدنيا بثانية واحدة ، كان هناك الخيول والبريد ، الحمام الزاجل كان يُعدّ فتحاً كبيراً في إرسال الرسائل ، والبريد كانوا يركبون الخيول وشهور حتى يصل البريد إلى بلدة أخرى ، الآن ثانية يصل البريد ، فالعقل قد ينكر لأنه مرتبط بالواقع ، والواقع متطور ، أما المعجزة فهي خرق لقوانين الأرض وقوانين الكون ، قال تعالى :

﴿ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ﴾

[ سورة البقرة : الآية 147 ]

الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِين

 هذا هو الحق ، هذا كلام خالق الكون ، عظمة هذا القرآن أنّه يعطيك فكرة عما سبق ، وعما سيكون ، فيه نبأ من قبلكم ، وخبر ما بعدكم ، أنت أمام تصور كامل من عند خالق الأرض والسماء ، هذا الذي حصل بالضبط ، فلذلك القرآن الكريم كتاب خالق الكون وفيه حقائق واضحة وصارخة ونيّرة ، فكل إنسان قرأه يحصل عنده شيء يدعى التوازن ، لأنه قدّم لك تفسيرًا دقيقًا للكون ، والحياة ، والإنسان ، قدّم لك تحليلا دقيقًا وتعليلاً لما يجري في الأرض ، وأننا مخلوقون لجنة عرضها السماوات والأرض ، وخُلقت في الدنيا كي تعمل للآخرة ، وهذا شيء منطقي ، أما لو ألغيت الآخرة لتفجر أمامك مليون سؤال ، هناك غنى وفقر ، قوة وضعف ، والحياة قصيرة ، والعمر قصير ، والمتاعب كبيرة ، فمن دون آخرة الإنسان يختل توازنه ، أما إن آمن بالآخرة استعاد توازنه ، فكل شيء واضح .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018