الخطبة : 0157 - لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم - الزرافة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0157 - لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم - الزرافة.


1987-02-06

الخطبة الأولى :

 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بخبر ، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريته ، ومن والاه ، ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم ولا تعذبنا فإنك علينا قادر ، والطف بنا فيما جرت به المقادير إنك على كل شيء قدير .

قال تعالى : ولو نزلناه على بعض الأعجمين .

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ في خاتمة سورة الشعراء يقول الله سبحانه وتعالى :

﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾

﴿ وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ * وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ * أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آَيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ * وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ * كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ * لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ * فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ * أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ * أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ﴾

[ سورة الشعراء الآيات : 192 ـ 207 ]

 أيها الإخوة الأكارم ؛ سأشرح آية أو آيتين ، من هذا المقطع .

﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ ﴾

 أي القرآن الكريم .

﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾

 لو أن هذا القرآن الكريم نزل على رجل أعجمي لا يعرف اللغة العربية إطلاقاً ، ثم قرأه عليهم بلسان عربياً مبين ، أليست هذه معجزة ؟ أليس هذا فوق طاقة البشر ؟ أليس هذا يدل على أن هذا الرجل من عند الله ؟ مرسل من عند الله ، ومع ذلك .

﴿ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾

 لو أن هذا القرآن نزل على بعض الأعجمين بغير اللغة العربية ، بلغة أعجمية ، فقرأ عليهم باللغة الأعجمية .

﴿ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾

 شيء طبيعي .

﴿ كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ﴾

 يعني هذا القرآن الكريم ينبغي للمرء قبل أن يتلوه أن يكون طاهر القلب ، وأن يكون طاهر الجسد ، لو أن الإنسان خالف أحكامه وخرج عن أمره ، وخرج عن نهيه ، واتبع شهواته ، وبغى ، وطغى ، وتجاوز الحد المعقول ، وعاش في الأرض فساداً ، إنه لو قرأ عليه القرآن لا يفقه منه شيئاً ، وكأنه يقرأ عليه بلغة أعجمية .

﴿ كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ﴾

قال تعالى : لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم .

 لكن الآية التي تستحق أن نقف عندها طويلاً .

﴿ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴾

 ما معنى هذه الآية ؟ معنى هذه الآية أن الكافر شأنه كشأن البهيمة ، لا يخاف إلا بعينه ، حينما يقع المصاب ، وحينما يدفع الثمن باهظاً ، عندئذٍ يؤمن أن هذا الكلام من عند الله ، يعني حينما يخسر المرابي كل ماله عندئذٍ يؤمن أن الربا محرم وأن عقوبة المرابي تدمير ماله كله ، وحينما يطلق الرجل بصره فيما حرم الله ، وينقلب بيته جحيماً ثم يضطر إلى تطليق زوجته ، وتشريد أولاده عندئذٍ يعلم أن آية غض البصر هي حق من عند الله سبحانه وتعالى ، ما الفرق بين المؤمن والكافر ؟ المؤمن يؤمن بآيات الكتاب قبل أن تقع ، والكافر يؤمن بها بعد أن تقع .

﴿ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴾

 فرعون حينما أدركه الغرق قال :

﴿ حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ ﴾

[ سورة يونس : 90 ـ 91 ]

.
 ما من واحد على وجه الأرض يعصي الله ، حينما يأتي العقاب ، حينما يأتي الجزاء ، إلا ويؤمن أن هذا الذي فعله كان باطلاً ، وأن الله حق وأن كلامه حق ، وأن أوامره حق ، وأن نواهيه حق ، لكن متى آمن ؟ بعد فوات الأوان ، يا ليتنا نؤمن قبل أن يقع أمر الله ، يا ليتنا نؤمن قبل أن ندفع الثمن باهظاً .

﴿ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴾

 إذا جاءهم العذاب ، وأغلب الظن أن العقاب من جنس المعصية ، إذا كانت المعصية في المال دمر المال ، إذا كانت المعصية فيما يتعلق بالنساء صار البيت جحيماً ، لا يطاق ، كل معصية لا بد من نتيجة حتمية وراءها

﴿ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ * فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾

(( لن ينفع حذر من قدر ، ولكن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل فعليكم عباد الله بالدعاء‏ ))

[‏ رواه أحمد والطبراني ]

 حقيقتان في هذا المقطع ، حقيقة أولى وهي أن كلام الله سبحانه وتعالى لا يستطيع الإنسان أن يدرك مراميه ، وأن يفهم أبعاده ، وأن يفهم حقيقته ، إلا إذا كان طاهراً بكل ما في هذه الكلمة من معنى ، لك أن تفهم الطهر على أنه طهر مادي ، لا ينبغي أن تقرأ القرآن إلا وأنت متوضئ يستحسن أن تقرأه وأنت متوضئ ، ولا ينبغي أن تمسه إلا وأنت طاهر ، والمعنى الأوسع يجب أن تكون مطهراً من الشرك ، ومن الفسق ، ومن المعصية ، وإلا إذا تلي عليك القرآن لا تفهمه ، وكأنما تلي عليك بلغة الأعجمية .

﴿ كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ * لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ * فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ ﴾

 حينما يأتي العذاب يقولون .

﴿ هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ ﴾

 أيؤخر عنا العذاب حتى نؤمن به ، حتى نتبع ما جاء فيه

﴿ أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ﴾

 ثم تأتي الآية التي عدها الإمام الغزالي رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ ، والتي ذكرتها لكم في الأسبوع الماضي عدها موعظة الواعظ الناطق عن الواعظ الصامت .

﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ﴾

 هذه المتع محدودة ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( بادروا بالأعمال سبعاً ، ما ينتظرون ؟ إلا فقراً منسياً ، أو غنى مطغياً ، أو مرضاً مفسداً ، أو هرماً مفنداً ، أو موتاً مجهزاً ، أو الدجال ، فإن شر منتظر أو الساعة والساعة أدهى وأمر ))

[ رواه الترمذي والحاكم في الفتن وقال الحاكم صحيح وأقره الذهبي عن أبي هريرة ]

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ هذا المقطع في أواخر سورة الشعراء :

﴿ وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ * وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ * أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آَيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ * وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ * كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ * لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ * فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ * أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ * أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ﴾

خمسة من كن فيه كن عليه .

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ ورد في الأثر أن خمسة من كن فيه كن عليه ، خمسة أشياء من كانت واحدة فيه كانت هذه الواحدة عليه .
 البغي ، والنكث ، والمكر ، والمخادعة ، والظلم ، وأما الدليل .

1- البغي :

 فالبغي : هو تجاوز الحد ، إذا بعت سلعة فوق الثمن الذي تستحقه فد بغيت على الشاري ، إذا قسوت على الزوجة أكثر مما ينبغي فقد بغيت عليها ، إذا أخذت من شريكك أكثر مما تستحق فقد بغيت عليه ، البغي تجاوز الحد المعقول ، قال تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ ﴾

[ سورة يونس الآية : 23 ]

 البغي يعود على صاحبه ، دماراً ، وفقراً ، وإتلافاً .

﴿ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

[سورة يونس الآية : 23]

 إذاً : كل من بغى عاد البغي عليه ، إن كنت عاقلاً ، إن كنت فطناً ، إن كنت أريباً ، يجب أن تعلم علم اليقين أن على الباغي تدور الدوائر ، وأنه مهما طال به الزمن لا بد من أن يعود بغيه عليه ، قد يبغي أخ على أخيه في الميراث ، قد يأخذ الأخ كل ميراث الأب ، تدور الأيام ، يغني الله المحروم ويفقر الباغي ، فيضطر الباغي أن يقف بباب أخيه الصغير ليأخذ منه ما يقتات به .

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

2- النكث :

 وأما النكث : نكث العهد ؛ أي نقض العهد ، عاهدت الله عز وجل على الطاعة ، ثم نقضت العهد ، عاهدت رسول الله على اتباع سنته ذهبت إلى العمرة ، ووقفت على باب النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعاهدته أن تتبع سنته ، فلما عدت إلى بلدك نكثت العهد ، خرقت سنته ، اتبعت ميل نفسك عندئذٍ قال الله تعالى :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ﴾

[ سورة الفتح الآية : 10]

3- المكر :

 الثالثة المكر ، قال تعالى :

﴿ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ﴾

[ سورة فاطر الآية : 43 ]

﴿ وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ * فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾

[ سورة النمل : 50 ـ 53 ]

4- المخادعة :

 ثم المخادعة ، قال تعالى :

﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾

[ سورة البقرة الآية : 9]

﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً ﴾

[ سورة النساء الآية : 142]

5- الظلم :

 الشيء الخامس هو الظلم ، قال تعالى :

﴿ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾

[ سورة البقرة الآية : 57]

﴿ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾

[ سورة التوبة الآية : 70]

 والكفر ، يا أخوة الإيمان نوع من الظلم قال تعالى :

﴿ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾

[ سورة البقرة الآية : 254]

 والشرك أكبر أنواع الظلم ، قال تعالى :

﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾

[ سورة لقمان الآية : 13]

﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾

[ سورة هود الآية : 117]

﴿ وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا ﴾

[ سورة الكهف الآية : 59 ]

﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا ﴾

[ سورة يونس الآية : 13 ]

﴿ فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ﴾

[ سورة الحج الآية : 45]

﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾

[ سورة الحج الآية : 48]

﴿ وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ ﴾

[ سورة القصص الآية : 59]

الخلاصة .

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ عود على بدء ، خمس من كن فيه كن عليه البغي ، والنكث والمكر ، والمخادعة ، والظلم ، مهما طالت الأيام ، مهما امتد بالباغي الزمان ، لا بد من أن يعود بغيه عليه ، ومهما امتد بالذي نكث العهد الزمان نكثه على نفسه ، ومهما كان المكر محكماً ، لا بد من أن يعود المكر على صاحبه ، ومهما كان المخادع ذكياً ، لا بد من أن تعود المخادعة عليه ، ومهما كان الظلم خفياً لا بد من أن يعود ظلمه عليه خمسة من كن فيه كن عليه .

قصة قصير وقعت في عهد سيدنا عمر تتحدث عن الوفاء .

 أيها الإخوة الأكارم ؛ شابان في عهد عمر رَضِيَ اللَّهُ عَن عمر دخلا عليه وهما يسوقان رجلاً كان قد قتل أباهما ، كان هذا الرجل يركب ناقة ، تسير هذه الناقة في أحياء المدينة ، هناك جدار ، يعني بستان ، مدت رأسها وأكلت من عنب البستان ، ما كان من صاحب البستان ، وقد اشتد به الغضب إلا أن تناول حجراً فقذف الناقة به على رأسها فقتلها ، صاحب الناقة أخذ هذا الحجر ورمى به الرجل فقتله ، فأمسكه ولداه ، وساقاه إلى سيدنا عمر ، سيدنا عمر عقد مجلساً لمحاكمة هذا القاتل ، وبعد سماع أقوال الشهود وإقرار القاتل حكم عليه بأن يقتل ، لأن زوال الدنيا أهون على الله من قتل امرئ مسلم ، وقال تعالى :

﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾

[ سورة البقرة الآية : 179 ]

 لكن المحكوم عليه بالقتل طلب من سيدنا عمر مهلة ثلاث أيام كي يذهب إلى أهله ليعطيهم مالاً كان قد خبأه في مكان لا يعرفونه ، وليودع أولاده ، وليوصيهم بما يرتئيه بعد موته ، وتوسل هذا الذي حكم عليه بالقتل إلى سيدنا عمر أن يمهله أياما ثلاث .
 فقال عمر : ومن يضمنك ، من يكفلك ، لن يتكلم أحد ، حوله أصحابه ، سأله مرةً ثانية ، من يضمن عودتك ، هذا الصمت قطعه سيدنا أبو ذر رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ ، قال :
 يا أمير المؤمنين أنا أضمنه .
 فخرج هذا الرجل إلى أهله وأخذ مهلة أيام ثلاث .
 في عصر اليوم الثالث جاء الشابان ليشهدا القصاص ، واجتمع أصحاب سيدنا عمر ينتظرون عودة هذا الذي حكم عليه بالقتل ، مضى الوقت ولم يعد ، اقتربت الشمس من المغيب ، اصفرت ، حتى ظن الجميع أنه لن يعود وأنه لا بد من أن يلقى أبو ذرٍ القصاص مكانه ، ثم لاح في الأفق شبح أسود ، ثم اقترب هذا الشبح فإذا الرجل الذي وعد أن يعود قد وفى بوعده ، عندئذٍ قال عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ قبل تنفيذ حكم القتل بهذا الرجل :
 لما وفيت بوعدك ، وأنت تعلم أنه القتل .
 فقال يا أمير المؤمنين إنما جئت حتى لا يقال إن الوفاء قد مات .
 عندئذٍ التفت عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ إلى أبي ذر وقال وأنت يا أبى ذر لما ضمنته وأنت لا تعرفه ، وتعلم أن القتل يكون مكانه .
 قال يا أمير المؤمنين إنما ضمنته وأنا لا أعرفه لئلا يقال إن المروءة قد ماتت .
 عندئذٍ قال الشابان ونحن عفونا عنه .
 فقال عمر : لما عفوتما عنه ؟ فقالا : لئلا يقال إن السماحة قد ماتت .
 الوفاء ، والمروءة ، والسماحة ، لو أخذ الناس بهذه الثلاثة ما كان بينهم جائع ، ولا عريان ، ولا مغبون ، ولا مهضوم ، ولأقصرت الجفون من المدامع ، ولطمأنت الجنوب في المضاجع ، ولمحت الرحمة الشقاء ، كما يمحو نور الصبح مداد الظلام ، أما إذا ماتت المروءة ، وانعدم الوفاء ، وشحت النفوس ، فاقرأ على المجتمع السلام .

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيـــت  فإن هموا ذهبت أخلاقهم ذهبوا
***

مررت على المروءة وهي  تبـكي فقلت علامَ تنتحب الفتاة
فقالت كيف لا أبكي وأهلي  جميعاً دون خلق الله ماتــوا

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :
 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم ، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى أصحابه الطيبين الطاهرين .

الزرافة :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ كما قال الله تعالى :

﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾

[ سورة النمل الآية : 88 ]

 وكما قال الله تعالى :

﴿ مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ ﴾

[ سورة الملك الآية : 3 ]

 موضوع دقيق هو أن الزرافة ذلك الحيوان الذي يعد من أطول الحيوانات طولاً ، قاطبةً ، طولها يزيد عن ستة أمتار ، هذا الحيوان من أشد المخلوقات تيقظاً وخفةً ، زودها الله بعينين جاحظتين تستطيعان أن تريا ثلاثمئة وستين درجة ، يعني وهي واقفة رأسها كالبرج ، وعيناها تجوسان الأفق كله ، من كل الزوايا ، وتزن طناً واحداً وإذا عدت تجازوت سرعتها الستين كيلومتر في الساعة .
 أيها الإخوة الأكارم ؛ لها رغامى تعد أطول رغامى في الكائنات التي خلقها الله سبحانه وتعالى ، رغامتها تزيد عن متر ونصف ، رأسها ضخم ، أريد من هذا الموضوع شيئاً واحداً ، أن هذا الرأس الضخم ، وهذه الرقبة الطويلة التي تزيد عن مترين إذا أرادت أن تضع رأسها في الأرض لتأكل مما في الأرض ينهمر الدم كله إلى رأسها ، فإذا انهمر إلى رأسها تدفق في رأسها احتقنت شرايين الدماغ ، فإذا رفعت رأسها فجأةً لا بد من أن تصاب بالدوار والإغماء قطعاً ، لذلك جهزها الله بآلية عجيبة حيرت العلماء شرايين رأس هذه الزرافة من طبيعة خاصة ، لهذه الشرايين عضلات إذا جاءها الدم تتسع بفعل انبساطها حتى تستوعب جميع الدم الذي جاء إلى الرأس بفعل الجاذبية .
 لكل هذه الشرايين صمامات حينما ترفع رأسها فجأةً تغلق الصمامات كلها ، فتبقى هذه الكمية من الدم في رأسها ، ثم تفتح شيئاً يسيراً عندها يعود الدم شيئاً فشيئاً إلى بقية شرايين الجسم ، آلية هذه الشرايين تلفت النظر ، إذا جاءها الدم كثيفاً توسعت ، واستوعبت ، فإذا رفعت الزرافة رأسها فجأةً أغلقت الشرايين صماماتها محتبستاً الدم فيها كي لا تصاب بالدوار والإغماء ، من جهزها بهذا الجهاز ، من جعل لهذه الشرايين هذه العضلات ، من زود هذه الشرايين بهذه الصمامات ، أليس هو العليم الحكيم ؟ أليس هو العليم الخبير ؟ أليس هو الخالق القادر ؟ أليس هو الغني الحميد ؟ .
 يا أيها الإخوة الأكارم ؛ ما من مخلوق على وجه الأرض ، وتحت الأرض ، وفوق الأرض إلا وخلقه الله أبدع خلق ، وصنعه أتقن صنعة

﴿ مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ﴾

[ سورة الملك الآية : 3 ]

 إن قلب الزرافة يدفع في الدقيقة الواحدة خمساً وخمسين متراً من الدم ، في الدقيقة الواحدة .
 أيها الإخوة الأكارم ، قال الله تعالى :

﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

[ سورة يونس : 101 ]

.
 " انْظُرُوا " أي شيء وقعت عينك عليه آية دالة على عظمته ، أي شيء تفحصته ، أي شيء درسته ، أي شيء دققت فيه ، إنما هو آية تدل على أنه الواحد الديان ، الواحد الأحد ، الفرد الصمد .

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَنا فيمن تولَيت وبارك اللهم لنا فيمن أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، وأكرمنا ولا تهنا وآثرنا ولا تؤثر علينا ، وأرضنا وارض عنا ، واقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبينا معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ، ولا مبلغ علمنا ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، اللهم إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك ومن الخوف إلا منك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء ، مولانا رب العالمين ، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمت أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا وأصلح لنا أخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى إنه على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018