الخطبة : 0152 - حقيقة الدين - البصمة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0152 - حقيقة الدين - البصمة.


1987-01-02

الخطبة الأولى :
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله .
 وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر .
 وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم ، رسول الله سيِّد الخلق والبشر ، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر .
 اللهمَّ صلِ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريَّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين .
 اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم ، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر ، والطف بنا فيما جرت به المقادير ، إنك على كل شيءٍ قدير .
 اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

حقيقة الدين:

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم :

﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ﴾

[ سورة آل عمران الآية : 19 ]

 حقيقة الدين : أن تستسلم لله ربِّ العالمين ، أن تنقاد له في كل أفعالك ، في كل أقوالك ، في كل تصرُّفاتك ، في كل مواقفك ، حقيقة الدين ..

﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ ﴾

[ سورة آل عمران الآية : 19 ]

جوهر الأديان الإسلام .

 ماذا يعني ؟ أن تكون مسلماً لله عز وجل ، فجميع الأديان جوهرها الإسلام ، وجميع الرسالات جوهرها الإسلام ، وجميع النبيين مسلمون ، وإليكم الأدلة :

﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلَا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً ﴾

[ سورة آل عمران الآية : 67 ]

 إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ، سيدنا يوسف عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام :

﴿ رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾

[ سورة يوسف الآية : 101 ]

 سيدنا إبراهيم وإسماعيل :

﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾

[ سورة البقرة الآيات : 127-128 ]

 الحواريون ، أصحاب سيدنا عيسى كانوا مسلمين ..

﴿ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آَمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ ﴾

[ سورة المائدة الآية : 111 ]

 سيدنا نوح كان مسلماً ..

﴿ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة يونس الآية : 72 ]

 سيدنا موسى :

﴿ وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة يونس الآية : 84 ]

﴿ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة يونس الآية : 90 ]

 لكن بعد فوات الأوان ، الآن !!
 سيدنا سليمان عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام :

﴿ فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة النمل الآية : 42 ]

 إذاً :

﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ﴾

[ سورة آل عمران الآية : 19 ]

 حقيقة الدين ، جوهر الدين ؛ أن تنقاد إلى الله جل وعلا في أعمالك ، وأقوالك ، ومواقفك ، وتصرُّفاتك ، ومشاعرك ، هذا هو الدين.

﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ﴾

[ سورة آل عمران الآية : 19 ]

 فالديانات كلّها فحواها الإسلام ، والأنبياء كلهم مسلمون ..

﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ﴾

﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ﴾

[ سورة آل عمران الآية : 85 ]

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾

[ سورة النساء الآية : 125 ]

﴿ فَمَنْ أَسْلَمَ ﴾

[ سورة الجن الآية : 14 ]

 الجن ..

﴿ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً ﴾

[ سورة الجن الآية : 14 ]

﴿ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً ﴾

[ سورة الجن الآية : 14 ]

 المخلوقات كلها ..

﴿ أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾

[ سورة آل عمران الآية : 83 ]

﴿ وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

[ سورة البقرة الآيات : 111-112 ]

 الهدى أن تكون مسلماً ..

﴿ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴾

[ سورة آل عمران الآية : 20 ]

 النبيون جميعاً مسلمون ، والدليل ، دليلٌ جامع بعد أن أتينا بالأدلة الفرعية

﴿ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا ﴾

[ سورة المائدة الآية : 44 ]

﴿ قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

[ سورة غافر الآية : 66 ]

﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَاناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ﴾

[ سورة النحل الآية : 81 ]

 أي أن هذه الآيات التي بثَّها الله في الكون لعلكم تسلمون .

﴿ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

[ سورة الأنعام الآية : 71 ]

﴿ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا ﴾

[ سورة الحج الآية : 00 ]

﴿ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ﴾

[ سورة الزمر الآية : 54 ]

﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾

[ سورة المائدة الآية : 3 ]

 خالق السماوات والأرض يقول :

﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً ﴾

[ سورة المائدة الآية : 3 ]

﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ ﴾

[ سورة الصف الآية : 7 ]

 من أشد ظلماً ، وخسارةً ، وهلاكاً :

﴿ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ ﴾

[ سورة الصف الآية : 7 ]

خلاصة حقيقة الإسلام :

 أيها الإخوة الأكارم ؛ أردت من هذه الآيات أن أؤكد لكم أن حقيقة الدين أن تستسلم لله رب العالمين ، أن تنقاد له كُلِّياً ؛ بكل أعمالك، بكل أفعالك ، بكل تصرفاتك ، بكل مشاعرك ، بكل مواقفك ، بكل أقوالك، هذا هو الدين .
 فيا أيها الأخ الكريم ؛ لا ينبغي أن تظن نفسك مسلماً إذا كنت منتمياً إلى المسلمين انتماءً شكلياً ، وفق هذه الآيات لا ينبغي أن تسمّى نفسك مسلماً إلا إذا كنت منقاداً لأوامر الله سبحانه وتعالى ، صغيرها وكبيرها .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ روي عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

(( النادم ينتظر التوبة ، والمعجب ينتظر المقت ))

[ أخرجه الطبراني في المعجم الصغير ]

 النادم ينتظر من الله الرحمة ؛ أي أن هذا الذي يُقَصِّر ، أو يسهو ، أو يقع في مخالفة ، ويندم عليها أشد الندم ، يلوم نفسه ..

﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ﴾

[ سورة القيامة الآيات : 1-2 ]

 النادم ينتظر من الله الرحمة ، والمعجب بنفسه ، على أنه يعصي الله ، يزهو بها ، يستعلي بها على الناس ، ينتظر مِن الله المَقْت ، واعلموا عباد الله أن كل عاملٍ سيقدم على عمله ، سوف تجده أمامك حينما تساق إلى الله عز وجل ، لا رفيق سواه ، ولا يخرج من الدنيا حتى يرى حُسن عمله وسوء عمله ، وإنما الأعمال بخواتيمها ، والليل والنهار مطيّتان ، فأحسنوا السير عليهما إلى الآخرة ، واحذروا التسويف فإن الموت يأتي بغتةً ، واحذروا التسويف ، أن تقول : سوف أفعل كذا ، غداً أتوب ، على أول الصيف أبدأ بالصلاة ، بعد انتهاء الامتحان أتوب إلى الله ، بعد أن أتزوَّج أقلع عن المخالفات ، ولا يغترَّن أحدكم بحِلْم الله عز وجل ، فإن الجنة والنار أقرب إلى أحدكم مِن شِراك نعله . قال تعالى :

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾

[ سورة الزلزلة الآيات : 7-8 ]

 النادم ينتظر مِن الله الرحمة ، والمعجب ينتظر من الله المَقْت ، واعلموا عباد الله أن كل عاملٍ سيقدُم على عمله ، ولا يخرج مِن الدنيا حتى يرى حُسن عمله وسوء عمله ، وإنما الأعمال بخواتيمها ، والليل والنهار مطيّتان ، فأحسنوا السير عليهما إلى الآخرة ، واحذروا التسويف فإن الموت يأتي بغتةً ، ولا يغترَّن أحدكم بحِلم الله عز وجل ، فإن الجنة والنار أقرب إلى أحدكم مِن شراك نعله ، ثم قرأ صلى الله عليه وسلم :

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾

[ سورة الزلزلة الآيات : 7-8 ]

 أيها الإخوة الأكارم ؛ أردت من هذا الحديث الشريف أن أبيّن لكم أن قوام الرجل عمله ، فمَن كان عمله كريماً أكرمه الله ، ومَن كان عمله لئيماً أسلمه الله ، وإن العمل يدفن معك وأنت ميّت ، وتدفن معه وهو حي ، فإن كان كريماً أكرمك ، وإن كان لئيماً أسلمك ، وأن كل إنسانٍ إذا قَدِمَ على الدار الآخرة فإن عمله أمامه ، وإن الله سبحانه وتعالى يُلْبِسُهُ ثوباً مِن عمله ، فإما أن يكون وجهه نضراً ..

﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾

[ سورة القيامة الآيات : 22-23 ]

 وإما أن تكون الوجوه مسودَّةً عليها غبرة .
 أيها الإخوة الأكارم ؛ يقول سـيدنا الحسن بن علي رضي الله عنه ، دققوا في هذا القول :
 من حمل ذنبه على الله فقد فجر .
 مَن قال : الله عز وجل قدر عليّ هذا ، هو الذي قدر علي هذه المعصية ، هو الذي وضعني في هذا الظرف ، هو الذي شاء لي أن أفعل هذا .
 من حمل ذنبه على الله فقد فجر ، إن الله تعالى لا يُطاع استكراهاً ، ولا يعصى بغَلَبَة ، فإن عمل الناس بالطاعة لم يَحُل بينهم وبين ما عملوا ، لن يمنعهم من الطاعة ، وإن عملوا بالمعصية ، فليس هو الذي أجبرهم عليها ، ولو أجبرهم على الطاعة لأسقط الثواب ، ولو أجبرهم على المعصية لأسقط العقاب ، ولو أهملهم لكان عجزاً في القُدْرَة ، فإن عملوا بالطاعة فله المِنَّةُ والفَضل ، وإن عملوا بالمعصية فله الحُجَّة عليهم .
 الإمام الحسن رضي الله عنه يقول :
 من حمل ذنبه على الله فقد فجر ، إن الله تعالى لا يطاع استكراهاً ، ولا يعصى بغلبة ، فإن عمل الناس بالطاعة لم يحل بينهم وبين ما عملوا ، وإن عملوا بالمعصية فليس هو الذي أجبرهم على المعصية ، ولو أجبرهم على الطاعة لأسقط الثواب ، ولو أجبرهم على المعصية لأسقط العقاب ، ولو أهملهم لكان عجزاً في القدرة ، فإن عملوا بالطاعة فله المنة والفضل عليهم ، وإن عملوا بالمعصية فله الحجة عليهم .
 أيها الإخوة الأكارم ؛ لا أريد أن أطيل عليكم ، ففي الخطبة السابقة لفت نظري بعض الإخوة الأكارم إلى أن أناساً أصيبوا بالبرد وهم في صحن المسجد ، فسأختصر ما أمكنني الاختصار .

 

قصة هاشم الأصم مع البلخي :

 هاشم الأصم كان مِن أصحاب شقيق البَلْخِيّ رحمه الله ، فسأله يوماً :
 يا هاشم صاحبتني ثلاثين سنةً فماذا حصلت فيها ؟
 قال : حصلت فيها ثماني فوائد من العلم وهي تكفيني لأني أرجو خلاصي ونجاتي فيها .
 قال : وما هي ؟
 قال هاشم الأصم :

الفائدة الأولى :

 إني نظرت إلى الخلق لكل منهم محبوباً يحبه ويعشقه ، وبعض أولئك المحبوبين يصاحبه إلى مرض الموت ، والبعض الآخر إلى شفير القبر ، ثم يرجع هؤلاء جميعاً ، ويتركونه وحده فريداً وحيداً ، ولا يدخل معه في قبره منهم أحد ، فتفكرت وقلت : أفضل محبوب المرء ما يدخل معه قبره ، ويؤنسه فيه ، فما وجدته في غير الأعمال الصالحة ، فاتخذتها محبوباً لي ، لتكون لي سراجاً في قبري ، ومؤنساً لي ، ولا أبقى بدونها وحيداً .

الفائدة الثانية :

 فإني رأيت الخلق يقتدون بأهوائهم ، ويتبادرون إلى مراد أنفسهم ، فتأملت قوله تعالى :

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾

[ سورة النازعات الآيات : 40-41 ]

 فتيقَّنت أن القرآن حق صادقٌ ، فبادرت إلى خلاف نفسي ، وتشمَّرت بمجاهدتها ، وما متَّعتها بهواها حتى رضيت بطاعة الله سبحانه وتعالى وانقادت ـ وهذا هو الإسلام ـ

الفائدة الثالثة :

 فإني رأيت كل واحد مِن الناس يسعى في جمع حطام الدنيا ، ثم يمسكه قابضاً عليه بيديه ، فتأمَّلت قوله تعالى :

﴿ مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ ﴾

[ سورة النحل الآية : 96 ]

 فلذت بالإيثار ، واستودعت عند الله إعانة البائس ، وإسعاف الفقير لعلي أحشر في ظل صدقتي يوم يقوم الناس لرب العالمين .

الفائدة الرابعة :

 ثم إني رأيت بعض الخلق ظن شرفه وعزَّه في كثرة الأقوام والعشائر ، فاعتز بهم ، وزعم آخرون أنه في حيازة الأموال وكثرة الأولاد ، فافتخروا بها ، وحسب بعضهم العز والشرف في غصب أموال الناس ، واعتقدت فئةٌ أنه في إتلاف المال ، وإسرافه ، وتبذيره ، فتأمَّلت قوله تعالى :

﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾

[ سورة آل عمران الآية : 185 ]

 فأقبلت على ربي ، ونفضت يديّ مِن هذه المُلهيات والأباطيل .

الفائدة الخامسة :

 ثم إني رأيت الناس يذمّ بعضهم بعضاً ، ويغتاب بعضهم بعضاً ، فوجدت ذلك مِن الحسد في المال والجاه والعلم ، فتأمَّلت قوله تعالى :

﴿ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾

[ سورة الزخرف الآية : 32 ]


 فعلِمت أن القِسْمَة مِن الله تعالى ، وأن الضيق بها حُمْق ، فما حسدت أحداً ورضيت بقسمة الله تعالى .

الفائدة السادسة :

 ثم إني رأيت الناس يعادي بعضهم بعضاً بشتى الأغراض والأسباب ، فتأملت قوله تعالى :

﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً ﴾

[ سورة فاطر الآيات : 6 ]

 فعلمت أنه لا يجوز غير عداوة الشيطان .

الفائدة السابعة :

 ثم إني رأيت كل واحدٍ يسعى بجدِّه ، ويجتهد في طلب القوت والمعاش بحيث يقع في شُبهةٍ أو حرام ، وقد يذل نفسه وينقص قدره فتأمَّلت قوله تعالى :

﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ﴾

[ سورة هود الآية : 6]

 فعلمت أن رزقي على الله تعالى ، وقد ضمنه ، فاشتغلت بعبادته وقطعت طمعي عمن سواه ، وترفعت عن الشبهات والدنايا .

الفائدة الثامنة :

 ثم إني رأيت كل واحدٍ منهم يعتمد على مخلوق ، بعضهم على الدينار والدرهم ، وبعضهم على المال والمُلْك ، وبعضهم على الحِرْفة والصناعة ، وبعضهم على مخلوقٍ مثله مِن الكبراء أصحاب الحوْل والطَوْل فتأملت قوله تعالى :

﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾

[ سورة الطلاق الآية : 3 ]

 فتوكلت على الله فهو حسبي ونِعم الوكيل .
 فقال شيخه : وفقك الله يا ولدي لقد أصبت .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن مَلَكَ الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيِّس مَن دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز مَن أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :

 الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخُلُق العظيم .

البصمة :

 أيها الإخوة الأكارم ؛ لو أن توأمين تَخَلَّقا من بويضةٍ واحدة ، هناك توأمان يتخلَّقان مِن بويضتين ، وهناك توأمان يتخلقان من بويضةٍ واحدة ، لو أن توأمين تخلقا مِن بويضةٍ واحد ، فإن بصمة الأول تختلف عن بصمة الثاني ، لأن الله سبحانه وتعالى يشير في كتابه العزيز إلى هذه الحقيقة :

﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ ﴾

[ سورة القيامة الآيات : 3-4 ]

 استطاع العلماء أن يكتشفوا في هذه البصمة مئة علامة ، فلو أن اثنتا عشرة علامة توافقت في بصمتين ، لكانتا لشخصٍ واحد ، اثنتا عشرة علامة ، توافقت في بصمتين ، مِن مئة علامة ، لكانتا لشخصٍ واحد ، واحتمال أن تتشابه البصمتان بواقع الصدفة ، واحد مِن أربعة وستين مليار ، أي إذا كان في الأرض أربعة وستين مليار إنسان ، فهناك احتمال واحد أن تأتي البصمتان متشابهتين ، عدد سكان العالم ستة آلاف مليون ، أي ستة مليارات فقط .
 شيءٌ آخر ؛ البصمة لها شكلٌ خاص ؛ أقواس ، منحنيات ، منحدرات ، زوايا ، تفرُّعات ، خطوط ، جزر ، أخاديد ، هذه البصمة ، في بعض معاهد الطب عرضت بصمةٌ ، وعرض تحتها خمسة عشر ألف بصمة ، فلم تتشابه ولا اثنتان ولو في سبع نقاط .
 أيها الإخوة الأكارم ؛ تتكون البصمة والطفل في رحم أمه ، في الشهر السادس مِن الحمل ، وتبقى حتى الموت ، وإذا أزيلت هذه القطعة مِن اللحم إزالةً كلية ، نَبَتَ لحمٌ جديد عليه البصمة التي أزيلت ، لو أن عمليةً جراحيةً أجريت لرجلٍ ، وأزيلت بصمته كلياً ، أزيل هذا الجلد ، وأخذ جلدٌ له مِن مكانٍ آخر ، وطُعِّم هنا ، ما هي إلا أشهر حتى تبدو ملامح البصمة مرةً ثانية ، على هذا اللحم الجديد الذي أخذ مِن مكانٍ آخر.
 أيها الإخوة الأكارم ؛ البصمة ؛ سجلٌ ، وهويةٌ ، وتوقيع ، توقيعٌ مِن صُنْع الله عزَّ وجل ، لا تستطيع قوى البشر أن تمحوه .
 أجرى بعض المجرمين عملياتٍ جراحية ، على بصماتهم ، وطعَّموها بجلدٍ مِن مكانٍ آخر ، بعد أشهر ظهرت هذه البصمات ثانيةً ، توقيعٌ رباني منحك إياه ، لا تستطيع قوى البشر أن تمحوه ، ولا بالموت، بعد الموت ، ربنا عزَّ وجل قال :

﴿ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ ﴾

[ سورة القيامة الآية : 4]

 أي حينما يبعثنا الله سبحانه وتعالى ، فهذا التوقيع ، هذه الخطوط، هذه الأخاديد ، هذه الجزر ، هذه التفرُّعات ، هذه التشجيرات ، تعود كما كانت ..

﴿ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ ﴾

[ سورة القيامة الآية : 4]

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ هذه آيةٌ مِن آيات الله سبحانه وتعالى ، كيف تخلق هذه البصمة وأنت في رحم أمك ؟ وكيف يعيد الله سبحانه وتعالى ملامحها حينما يبعثنا بعد الموت ؟ .

الدعاء :

 اللهمَّ اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَّنا فيمن توليت، وبارِك اللهمَّ لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك .
 اللهمَّ أعطنا ولا تحرمنا ، وأكرمنا ولا تهنا ، وآثرنا ولا تؤثر علينا ، وأرضنا وارض عنا .
 اللهم اغفر ذنوبنا ، واستر عيوبنا ، واقبل توبتنا ، وفك أسرنا ، وأحسن خلاصنا ، وبلّغنا مما يرضيك آمالنا ، واختم بالصالحات أعمالنا، مولانا رب العالمين.
 اللهم إنا نعوذ بك مِن الخوف إلا منك ، ومِن الفقر إلا إليك ، ومِن الذل إلا لك ، نعوذ بك مِن عُضال الداء ومِن شماتة العداء ، ومن السَلب بعد العطاء ، مولانا رب العالمين .
 اللهمَّ بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعزَّ المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنه على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018