الخطبة : 0228 - الدين نصيحة - الآيات الكونية. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0228 - الدين نصيحة - الآيات الكونية.


1988-09-23

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا برُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بِخَبر ، اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

من أعمل عقله استحق عطاء الله تعالى :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ روى عبد الله بن أحمد عن سيّدنا الحسن مرسلاً والطبراني عن أبي أُمامة وأبي هريرة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال :

(( لمّا خلق الله العقل قال له : أقْبِل فأقْبَلَ ، ثمّ قال له : أدْبِر فَأَدْبَرَ ، قال: وعِزَّتي وجلالي ما خلقْتُ خلْقًا أحبَّ إليّ منك ، بك أُعطي ، وبك آخُذ ))

[الطبراني عن أبي أُمامة وأبي هريرة ]

 أي إذا أعْمَلَ الإنسان عقلهُ اسْتحقّ عطاء الله عز وجل ، وإذا لمْ يُعملهُ أهلك نفسهُ، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام : " من لا عقل له لا دين له ، ومن لا دين له لا عقل له، وتبارك الذي قسمَ العقل بين عباده أشتاتًا ، إنّ الرّجلين ليسْتوي عملهما ، وبِرُّهما ، وصَوْمهما، وصلاتهما ، ويختلفان في العقل كالذرَّة جنْبَ أُحد ، وما قسم الله لِعِباده نصيبًا أوْفرَ من العقل واليقين " لذلك آيات القرآن الكريم طافحةٌ بقوله تعالى : أفلا يعقلون ؟ أفلا ينظرون ؟ أفلا يتفكّرون ؟ أفلا يسمعون ؟ أفلا يبصرون ؟ لمّا خلق الله العقل قال له : أقْبِل فأقْبَلَ ، ثمّ قال له : أدْبِر فَأَدْبَرَ ، قال : وعِزَّتي وجلالي ما خلقْتُ خلْقًا أحبَّ إليّ منك ، بك أُعطي ، وبك آخُذ .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ قليلٌ من التفكير الصحيح ، قليل من إعمال العقل ، قليل من التبصُّر ، قليل من التدبّر ، إذا فكَّرْت ، وإذا تدبَّرْت ، وإذا تأمَّلْت ، وإذا أبصرْت ، رأيْت أنَّ السعادة كلَّ السعادة في معرفة الله تعالى ، وأنّ الشَّقاء كلّ الشّقاء في البُعْد عنه تعالى ، قال تعالى:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

[ سورة النحل: 97 ]

 قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾

[ سورة طه : 124]

 قال تعالى:

﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 38]

 قال تعالى:

﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾

[ سورة طه : 123]

من حقّ الأخ على أخيه أن ينصحهُ :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ موضوع الخطبة اليوم أنّ من حقّ الأخ على أخيه أن ينصحهُ ، بل من واجب الأخ على أخيه أن ينصَحَ له ، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول في بعْضٍ من حديثٍ طويل : " وإذا اسْتنصحَكَ فانْصَحْ له " أي أخوك ، فهذا واجبٌ عليك ، وهو حقّ له ، وكلُّ حقٍّ يقابلهُ واجب ، وكلّ واجبٍ يقابلهُ حقّ ، فعليك أيّها الأخ الكريم أن تنصحَ لأخيك بكلّ إخلاصٍ ، وصِدْقٍ ، كيف لا وقد توسَّم فيك رجاحة العقل والإخلاص في القول والعمل ؟ لهذا قال بعضهم : من استشارَ الرّجال فقد استعار عُقولهم ، إنَّك تستطيع أن تستعير أكبرَ عقلٍ بِسُؤال ، وبِنَصيحةٍ ، وبِطَلبٍ ، وباستفهام ، بل إنّ من تمام الرُّجولة أن تستشير الرّجال ، ولا تكتملُ رُجولتك إلا إذا اسْتشرْتَ الرِّجال ، يقول الإمام عليّ كرَّم الله وجهه : " الرجال ثلاثة ؛ رجلٌ رجل ، ورجلٌ نصف رجل ، ورجل لا رجل ، فأما الرّجل فهو الذي له رأيٌ ، ويستشير - له رأيٌ صائب ، له رأيٌ ثاقب ، له رأيٌ حكيم ، له خِبرةٌ واسعة ، ومع ذلك يستشير، فهذا في رأي الإمام عليّ كرّم الله وجه رجلٌ رجل ، أي اسْتكمَلَ صِفات الرّجولة - ورجلٌ نصف رجل هو الذي له رأيٌ ، ولا يستشير - له رأيٌ صائب ، وحكمة بالغة ، ولكن يستغني بِرَأيِهِ ، وبِحِكمته عن عقول الرّجال - وأما الرّجل الذي لا رجل فهو الذي لا رأيَ له ، ولا يستشير" من هنا قال عليه الصلاة والسلام : " مَن غشّ أُمّتي فليس منِّي " وفي حديث آخر : " ومن غشّنا فليس منّا " وفي حديث ثالث : " من غشّ - مطلقًا - فليس منّا " لو غششْتَ عابِدَ صنَمٍ ، لو غششْتَ إنسانًا ملحدًا ، فلسْتَ مِن أُمّة سيّدنا محمّد عليه أتمّ الصلاة والتسليم .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ موضوعات الاستشارة ، موضوعات الاستنصاح ليْسَت فيما قطَع به الشَّرْع ، الشَّرْع قطَعَ في بعض الأمور بأنّها حرام فهذه لا يُستنصح بها ، لا يُستشار بها ، موضوعات الاستشارة يجبُ أن تكون في المباحات ، في الزواج مثلاً ، وفي السّفر مثلاً ، وفي استثمار المال مثلاً ، والله سبحانه وتعالى في قرآنه الكريم وصف أنبياءه الكرام بأنّهم ناصحون لقومهم ، فقال تعالى على لسان سيّدنا نوح:

﴿ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة الأعراف : 62]

 وعلى لسان هود قال تعالى:

﴿ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ ﴾

[ سورة الأعراف : 68]

تعريف النّصيحة و حكمها :

 والنصيحة في تعريفها الدقيق هي حِيازَة الخير للمَنْصوح له ، وأما حُكم النصيحة فهِيَ فرضُ كِفاية إذا قام به البعض سقَطَ عن الكلّ ، وهي لازمةٌ على قَدْر الحاجة ، أي تعرفُ أنّ فلانًا ليس مستقيمًا فلا ينبغي أن تُشيع عنه هذا الخبر ما لمْ تُسْأل ، وما لمْ يسألْك سائل سوف يتعامل معه ، لا ينبغي أن تقول رأيكَ في إنسانٍ سيئ لِمَن هبّ ودبّ ، ولِمَن سأل ولِمَن لم يسأل ، بِحاجةٍ أو بغير حاجة ، يجبُ أن تكون النصيحة على قدْر الحاجة ، ويجبُ أن تكون النصيحة حينما تعلم أنّه يُقبلُ منك نُصحك ، ويُطاعُ أمرك ، وتأْمَنُ على نفسك المكروه ، في هذه الظروف الثلاثة لك أن تنصَحَ ، بل واجبٌ عليك أن تنصَحَ ، بل إنّك إن لمْ تنصَح فقد تركْتَ فرضًا افترضَهُ الله عليك ، ولكنّ الإنسان إذا خَشِيَ الأذى عند إسداء نصيحة فقال العلماء: فلا عليه فهو في سعةٍ مِن أمره ، أي له أن ينْصَحَ ويُغامر ، وله ألا ينصَح إذا خاف الأذى المحقّق .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ أصلُ النّصيحة حديثٌ شريف رواه أبو رقيّة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلّم حيث قال :

((الدِّين النصيحة ، قلنا لمن يا رسول الله ؟ قال: لله ، ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين ، وعامّتهم ))

[البخاري عن أبي رقيّة]

 تعريفٌ جامعٌ مانعٌ للدِّين ، فالنصيحة لله ، ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمّة المسلمين، ولعامّتهم .

 

النّصيحة لله :

 ماذا تعني النصيحة لله ؟ قال العلماء في تفسير هذا الحديث : هذه النصيحة لله تُصْرف إلى دعوة الناس إلى الإيمان بالله ، ونفي الشّرك عنه ، وترْك الإلحاد في أسمائه وصفاته، ووصْفِهِ بكلّ صفات الكمال ، وتنزيهه عن كلّ صفات النّقْص ، ودَعوة الناس إلى طاعته واجتناب معصيته ، والحبّ والبغض فيه ، وموالاة من أطاعه ، ومعاداة من عصاهُ ، والاعتراف بِنِعَمِهِ ، وشكره عليها ، لكنّ بعض العلماء يقول : إنّ الله سبحانه وتعالى غنيّ عن أن تنصحَ له ، قد يُطلبُ إليك أن تنصحَ الناس بشِراء حاجاتهم من هذا المحلّ التّجاري ، فهذا المحلّ مفتقرٌ إلى نصيحتك إذا نصَحْت الناس أقبلوا على هذا المحلّ ، الله سبحانه وتعالى غنيّ عن أن تنصَحَ له ، إنّك إن نصحْت له فإنّما تنصَحُ الإنسان لِمَصلحته ، ولِسَعادته في الدنيا والآخرة .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ النصيحة لله تعني أنّ الخير سيعود للعبد المنصوح ، فالله سبحانه وتعالى غنيّ عن أن يفتقر إلى نصيحة عباده له :" لو أنّ أوّلكم وآخركم ، وإنسكم وجنّكم ، كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحدٍ منكم ما زاد في ملكي شيئًا ، ولو أنّ أوّلكم وآخركم، وإنسكم وجنّكم كانوا على أفْجر قلب رجل واحد منكم ما نقص من ملكي شيئًا ، ولو أنّ أوّلكم وآخركم ، وإنسكم وجنّكم وقفوا على صعيدٍ واحد ، وسألني كلّ واحد منكم مسألته ما نقص ذلك في ملكي إلا كما ينقص المخيط إذا غمس في مياه البحر ، ذلك لأنّ عطائي كلام ، وأخذي كلام ، فمَن وجد خيرًا فليحْمَد الله تعالى ، ومن وجدَ غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه ".

 

النّصح لكتاب الله تعالى :

 هذا أيّها الأخوة عن النُّصْح في الله تعالى ، فماذا عن النُّصْح لكتاب الله تعالى ؟ قال بعض العلماء : أنْ تدْعُوَ الناس إلى أن يؤمنوا بأنّ هذا القرآن هو كتاب الله تعالى ، منزَّل من عنده ، لا يشبهه شيءٌ من كلام البشر ، ولا يقدرُ أحدٌ على أن يقلّدهُ ، ثمّ عليك أن تأمر الناس بِتَعظيم هذا الكتاب عن طريق تَبيان وُجوه إعجازه ، إعجازه البياني ، إعجازه التشريعي ، إعجازه العلمي ، إعجازه اللّغوي ، عليك أن تأمرهم أيْ يتلونه حقّ تلاوته ، وحقّ التِّلاوة أن يُحسِنَ الإنسان النُّطْق به ، أن يتعلَّم أحكام التجويد ، وأن يحسِنَ فهْمَه ، قال تعالى:

﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾

[ سورة محمد : 24]

 وأن يُحسِنَ العمل به ، والله ما آمَنَ بالقرآن من اسْتحلّ محارمه ، وأن يحْسِنَ تعليمه للناس ، وأن يُحسن النّطق به ، وأن يُحسن فهمه ، وأن يُحسن العمل به ، وأن يُحسن تعليمه .
 ومن النُّصْح لكتاب الله تعالى أن تدْعُوَ الناس إلى سن الاستماع لكلام الله تعالى، والخُشوع عند تلاوته ، وأن تردّ تأويل المنحرفين ، وأن تصدّق بأخباره ، وأن تقف مع أحكامه ، وأن تفهم عُلومه وأمثاله ، وأن تعتنِيَ بِمَواعِظِه ، وأن تفكّر بِعَجائِبِه ، وأن تعْمَلَ بِمُحكمِهِ ، وأن تسلّم لِمُتشابِهِهِ ، وأن تجعلهُ منهجًا لك في حياتك ، فإذا نصَحْت لكتاب الله تعالى فانْصَح الناس أن يجعلوه دُستورًا لحياتهم ، أن يأتمروا بأمره ، وأن ينتهوا عمّا نهى عنه ، وأن يتَّعِظوا بأخباره ، وأن يطْمحوا لِوَعدِهِ ، وأن يخافوا من وعيده ، وأن يتَّعِظوا بأمثاله ، وأن يتّعِظوا بِقِصَصِهِ ، هكذا أيّها الأخوة المؤمنون إذا بيَّنْت للناس ما في هذا الكتاب من عظيم أحكامٍ ، ومن عظيم عِبرةٍ ، ومن عظيم موعظةٍ ، فقد نصَحْت لكتاب الله تعالى :

((الدِّين النصيحة قلنا لمن يا رسول الله ؟ قال: لله ، ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين ، وعامّتهم ))

[البخاري عن أبي رقيّة]

النّصيحة لرسوله صلى الله عليه وسلم :

 وأما النصيحة لِرَسوله فأنْ تدْعُوَ إلى الإيمان به ، والإيمان برِسالته ، وأن تدْعُوَ الناس إلى طاعته فيما أمر ، وفيما نهى عنه ، والله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾

[ سورة الحشر: 7 ]

 وأن تنصرهُ حيًّا أو ميِّتًا ، تنصرهُ حيًّا بأن تُدافع معه ، وأن تنصرهُ ميِّتًا بأن تنصرَ سنّته ، وأن تعادي من عاداه ، وأن توالي من والاه ، وأن تعظِّمَ حقّه ، وأن توقِّرهُ ، وأن تُحْيِيَ طريقته ، وتبثّ دعوتهُ ، وتنشرَ سنّتهُ ، وأن تستفيد من علومه صلى الله عليه وسلّم ، وأن تتفقّه في معاني سنّته ، وأن تدعو إليها ، وأن تتأدّب في أثناء قراءتها ، وأن تمسك عن الكلام فيها بغير علم ، هذا من النُّصْح لرسول الله صلى الله عليه وسلّم ، ومن النُّصْح لرسول الله صلى الله عليه وسلّم أن تُجِلَّ أهل السنّة الذين حملوا أحاديثه ، ونقَّحوها ، وفصَّلوها ، وبوَّبوها ، وأن تتخلَّق بأخلاقه صلى الله عليه وسلّم ، وأن تتأدَّب بآدابه ، وأن تحبّ آلهُ وأصحابه ، إذا ذُكِرَ أصحابي فأمسكوا ، يجب أن تمسِكَ إذا ذُكِرَ أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام ، وأن تبغض أهل البِدَع ، وألا تتعرَّض لأحدٍ من أصحابه بِسُوء .

 

النّصح لأئمة المسلمين :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ هذا بعضٌ من النُّصْح لرسول الله صلى الله عليه وسلّم .
 فماذا يعني النُّصْح لأئمّة المسلمين ؟ قال بعض العلماء : أن تعاونهم على إحقاق الحقّ ، وأن تأمرهم بالحقّ ، وأن تذكِّرهم ، وتنبّههم بِلُطفٍ ورِفْق ، وأن تعلمهم بما غفلوا عنه ، وأن تؤلّف قلوب المسلمين على طاعتهم ، وأن تدعُوَ لهم بالصَّلاح والخير ، لكنّ بعض العلماء وجَّه هذه النصيحة لأئمّة المسلمين بِمَعنى علمائهم ، ومعنى أن تنصحَ لأئمّة المسلمين أيْ أن تحْسِنَ الظنّ بعُلمائهم ، وأن تقبلَ ما رووه ، وأن تقلّدهم في سُلوكهم ، فمن قلّد عالمًا لقي الله سالمًا .

 

النّصيحة للعامة :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ فماذا تعني النصيحة للعامّة ؟ أي عامّة المسلمين ، وهنا المُعَوَّل ، قد لا يُتاحُ لك أن تنصحَ أئمّة المسلمين ، لكنّه متاحٌ لك دائمًا أن تنصحَ عامّة المسلمين ، إنّ نُصْحهم يعني أن ترشدهم إلى مصالحهم في دُنياهم وأخراهم ، وأن تُعينهم على تحقيق مصالحهم بالقول والعمل ، وأن تستر عوراتهم ، وأن تدفع المضارّ عنهم ، وأن تجلب لهم المنافع ، وأن تأمرهم بالمعروف ، وأن تنهاهم عن المنكر بِرِفْقٍ كما وصّى النبي عليه الصلاة والسلام ، وأن تحبّ لهم ما تحبّ لنفسك ، وأن تدافع عن أنفسهم ، وعن أموالهم ، وعن أعراضهم بالقول والعمل ، وكان من السّلف الصالح من تبلُغ به النصيحة الإضرار بدُنياه ، فعن جرير بن عبد الله قال :

(( بايعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلّم على إقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والنُّصْح لكلّ مسلم ))

[ متفق عليه عن جرير بن عبد الله]

 فكان إذا باع واشترى يقول للشاري : أما إنّ ما أخذناه منك أحبّ إلينا ممّا أعْطيْناك فاخْتَر ، هذا المال الذي نأخذه منك ثمنًا لهذه الحاجة هو أحبّ إلينا من هذه الحاجة فاختر لنفسك ، كان بعض السّلف الصالح من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام يؤثرون النصيحة ولو على حساب دُنياهم .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ وقد ذمَّ النبي عليه الصلاة والسلام الاستبداد بالرّأي فقد جاء في الأثر أنّه من اسْتبدَّ بِرَأْيِهِ هلَكَ ، وقد رُويَ عنه صلى الله الصلاة والسلام :

(( رأسُ العقل بعد الإيمان بالله تعالى التودُّد إلى الناس ))

[ المعجم الأوسط عن أبي هريرة]

 وما استغنى مسْتبدّ بِرَأيِهِ ، وما هلكَ أحدٌ عن مشورة، وإذا أراد الله بِعَبْدٍ هلكة ، كان أوَّلُ ما يهلكهُ رأيُه ، كأنّ النبي عليه الصلاة والسلام يدعونا إلى أن نستشير ، وقد أُمر هو صلى الله عليه وسلّم بالمشورة ، فقال تعالى:

﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾

[ سورة آل عمران: 159 ]

 لذلك على المسلم أن يستشير في كلّ أمرٍ مباحٍ إخوانه المؤمنين الصادقين الذين يتوسَّم فيهم الخبرة ، والنُّصْح ، والإخلاص ، والصِّدق .

* * *

نزاهة القاضي شريح :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ شُريحٌ القاضي كان قاضيًا على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وكان مثلاً أعلى في النزاهة ، إليكم نموذجًا من نُصحه ، ابنه قال له يومًا : يا أبت ، إنّ بيني وبين قومٍ خُصومةً ، فانظر فيها ، فإن كان الحقّ لي قاضيْتهم ، وإن كان لهم صالحتهم ، ابنٌ استشار أباه القاضي ، ثمّ قصّ عليه قصّته ، فقال شُرَيح : انْطلق ، وقاضهم عندي أي الحقّ لك ، فمضى إلى خُصومه ، ودعاهم إلى المقاضاة فاستجابوا له ، ولما مثلوا بين يدي شُرَيح ، قضى لهم على ولده خلاف ما قال لابنه ، فلمّا رجع شُريحٌ إلى البيت ، قال الولد لأبيه : فضَحْتني يا أبت ! والله لو لم أسْتَشِرْك من قبْلُ لما لُمْتُكَ ، فقال شُرَيح : يا بنيّ ، والله لأنت أحبّ إليّ من ملء الأرض من أمثالهم ، ولكنّ الله أعزّ عليّ منك ، لقد خشيتُ أن أُخبرك بأنّ الحقّ لهم فتُصالحهم صلحًا يفوّت عليهم بعض حقّهم ، فقلتُ لك ما قلتُ ! هكذا كان السّلف الصالح في ورعهم ، وفي إسداء النصيحة لله ، ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمّة المسلمين ، وعامّتهم .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ ينبغي أن نستنبط من هذه الخطبة أنّ المؤمن قويّ بأخيه، ومن معاني قوّته بأخيه أن يستشيرهُ في المباحات ، فقد يكون عند أخيك رأيٌ غابَ عنك ، أو غفلْت عنه ، أُعيدُ على أسماعكم قول سيّدنا عليّ رضي الله عنه : " الرجال ثلاثة ؛ رجلٌ رجل ، وهو الذي له رأيٌ ويستشير ، ورجلٌ نصف رجل ، وهو الذي له رأيٌ ولا يستشير ، ورجل لا رجل وهو الذي لا رأي له ولا يستشير ".
 حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطّى غيرنا إلينا فلْنَتَّخِذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتْبعَ نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الآيات الكونية :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ شيءٌ يلفتُ النَّظر هو أنّ النبي عليه الصلاة والسلام حينما فسَّر معظم آيات الأحكام من خلال أحاديثه الشريفة التي بيّنَتْ توضيحًا ، وبسْطًا ، وشرحًا ، وتفصيلاً ، لما ورد في كتاب الله سبحانه وتعالى لآيات الأحكام ، لمْ نجِدْ في السنّة المطهّرة حديثًا واحدًا يفسّر الآيات الكونيّة ، وهذا شيءٌ يلفتُ النَّظَر ، القرآن الكريم طافحٌ بالآيات الكونيّة ، إشارات إلى المجرّات ، وإشارات إلى الأرض والسموات ، إشارات إلى البحار ، إلى الأمطار ، إلى الينابيع ، إلى الثّمار ، إلى الأشجار ، إلى الأطيار ، إلى الأسماك ، إلى المعادن، هذه الإشارات الدقيقة التي وردَت في كتاب الله ، النبي عليه الصلاة والسلام لمْ يتحدّث أيَّ حديثٍ واحد عن هذه الآيات الكونيّة ، وربّما كان عدم حديثه عنها نوعٌ من حكمته البالغة أو إن شئْتم فقولوا من توجيه الله له ، فلو أنّ النبي عليه الصلاة والسلام فسَّر هذه الآيات الكونيّة على ما هي عليه لأنكر أهل عصره هذا التفسير ، ما كان من أحدٍ يصدّق أنّ الأرض تدور حول نفسها ، أو أنّ الأرض كرة ، فلو أنّ هذه الإشارات إلى كرويّتها الدقيقة فُصِّلَت وبُيِّنَت لسارعَ من حولهُ من قومه إلى تكذيبه ، ولو أنّه فسَّرها تفسيرًا يتّفق مع عقليّتهم التي كانوا عليهم لكان نقصًا في الوصف ، ولكنّ حكمة النبي عليه الصلاة والسلام ، أو توجيهَ ربّنا له التوجيه السديد جعلهُ يمتنعُ عن تفسير هذه الآيات ، وأما القرآن الكريم ففيه آياتٌ كثيرة تُشير إلى أحدث ما اكتشفه العلماء ، فربّنا سبحانه وتعالى يقول:

﴿ وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ * وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾

[ سورة النمل : 87-88]

 مرَّ السحاب بِسُرعتها ، ومرَّ السحاب بِصَمتها وهدوئها ، هذه الجبال التي هي جزءٌ من الأرض تمرُّ مرَّ السّحاب ؛ أي تدور ، قال تعالى:

﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ﴾

[ سورة النمل : 88]

 في هذه الآية نقطتان ؛ الأولى أنّ هذه الآية الكونيّة وهي دورة الأرض حول نفسها، وبالتالي دورة الجبال وسيْرُها سيرًا سريعًا كسيْر السّحاب في سرعته ، وفي هُدوئِهِ ، هذه الآية وردَت بعد آيات الآخرة ، فمن قرأ هذه الآية وهو يستنكرُ أن تدور الأرض ظنّ أنّها ظاهرةٌ من ظواهر يوم القيامة ، ومن جاء في آخر الزمان ، وقد رأى الناس بأعْيُنهم كيف أنّ الأرض كرة ، وصوَّروها من خلال مركبات الفضاء ، وتأكَّد لهم أنّها تدور ، فهذه الآية صريحةٌ أشدّ الصراحة في ذِكْر هذه الحقيقة العلميّة ، قال تعالى:

﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ﴾

[ سورة النمل : 88]

 أليس في امتناع النبي عليه الصلاة والسلام عن شرْح الآيات الكونيّة إعجازٌ لحِكمته ؟ أليس في الامتناع عن تفسير هذه الآيات حكمةٌ بالغة ما بعدها حكمة ؟ الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾

[ سورة فصلت : 53]

 أيُّ شيءٍ توصَّلوا له إنَّما هو مُشارٌ إليه في كتاب الله سبحانه وتعالى إشارة قد يظنّها الإنسان في العصور السابقة تعني شيئًا ، وقد يفهمها الناس في العصور اللاحقة على أنّها تعني شيئًا آخر ، وفي قول الإمام عليّ كرّم الله وجهه إجابةٌ شافية لهذا السؤال : " في القرآن آياتٌ لمَّا تفسَّر بعدُ " فكلّما تقدّم العِلم رأينا في كتاب الله سبحانه وتعالى ما يغطِّي هذا ، وما يُشير إليه ، من دون أن تكون هذه الإشارة مبذولةً لكلّ الناس لعلِمَه الذين يستنبطونه منه .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ إنِّي داعٍ فأمِّنُوا :

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَنا فيمن تولَيت ، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، ولا تهلكنا بالسنين ، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018