الخطبة : 0430 - الإنفاق - النقاط الإيجابية والسلبية. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0430 - الإنفاق - النقاط الإيجابية والسلبية.


1993-03-05

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكُّلي إلا على الله . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر . وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم ، رسول الله سيِّد الخلق والبشر ، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر . اللهمَّ صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريَّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين . اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم ، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر ، والطف بنا فيما جرت به المقادير ، إنك على كل شيء قدير . اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

إنفاق المال وسيلة للتقرُّب إلى الله عزَّ وجل :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ كما هي الخِطَّة ؛ الخطبة الثالثة من خُطب رمضان تتعلَّق بالإنفاق ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان أجود من الريح المُرْسلة في رمضان ، والإنفاق له نصوصٌ توضحه ، وله أدلةٌ عقليةٌ تؤكّده ، فسرُّ وجود الإنسان في الأرض أن يعمل عملاً يُعينه على أن يُقْبِل على الله عزَّ وجل كي يسعد بقربه . أضرب لكم مثلاً من واقع الحياة : لو أن شخصيةً قياديةً رفيعة المستوى ، لا تستطيع كُبْرى الشخصيّات أن تلقاها إلا بعد جُهْدٍ جهيد ، إن كان لهذه الشخصية طفلٌ أشرف على الغَرق ، وقام إنسانٌ فأنقذه مضحياً بأشياء ثمينة ، هذا الذي أنقذ ابن هذه الشخصية ألا يستطيع أن يدخل عليه متى شاء ؟ في أيّ وقتٍ أراد ؟ لأنه قدَّم عملاً عظيماً ، كل ما في الأمر أن العَبد إذا أنفق من ماله ، الله جلّ جلاله أودع في الإنسان حُبَّ المال . .

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ﴾

[ سورة آل عمران : 14 ]

 حُبِّبَ للإنسان المال ، هذا من فطرته ، لكن هذا الذي يقول عنه الناس : إنه يحب المال . هذا يُعْلِن عن حبه المال ، لكن أعلنت أم لم تعلن إن حب المال داخلٌ في تركيب نفسية الإنسان ، لأن الله سبحانه وتعالى أودع حب المال في نفوس البشر ، لولا أن الإنسان يحب المال لما كان لإنفاق المال مِنْ معنى ، لا يكتسب إنفاق المال المعنى الذي أراده الله عزَّ وجل إلا لأن الله أودع في الإنسان حُب المال . ولسببٍ أو آخر هؤلاء الأشخاص الذين يحتاجون هم عباد الله ، والخَلْق كلُّهم عيال الله ، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله ، أيْ أنَّ الله غنيٌ عن أعمالنا جميعاً ، ولكن ما من عملٍ يقرِّب العبد من ربه إلا أن يخدم عباده ، إلا أن يعطيَهم، إلا أن يمنحهم ، هذه فلسفة الإنفاق ، نحن في حياةٍ دُنيا إعدادية ، من أجل حياةٍ عُليا أبدية ، فمرتبتك يوم القيامة وبالجنة بحسب حجم أعمالك الصالحة . .

﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾

[ سورة الأنعام : 132 ]

 والعمل الصالح هو الذي يَصْلُحُ للعرض على الله .
 يا بشر لا جهاد ولا صدقة فبمَ تلقى الله إذاً ؟‍‌‍! أيْ يُعَدُّ إنفاق المال قُرْبَةً إلى الله ، يعد إنفاق المال وسيلةً للتقرُّب إلى الله عزَّ وجل .

 

فلسفة الإنفاق :

 فلسفة الإنفاق أن الله سبحانه وتعالى جاء بك إلى الدنيا كي تعرفه ، وكي تبذل من أجله ، وتتقرب إليه ، وتحبه ، وقد أودع الله فيك حب المال ، من أجل هذا ترقى عند الله . فهذا الإنسان البسيط الذي ضَحَّى بأشياء كثيرة ، وأنقذ هذا الطفل ، بإمكانه أن يدخل على أبيه متى شاء ، ولو كانت أكبر الشخصيات لا تستطيع أن تصل إليه إلا بعد جهدٍ جهيد ، لكن هذا المُنْقِذ بإمكانه أن يدخل على والد الطفل متى شاء وبلا قيدٍ ولا شرط ، وكما قال عليه الصلاة والسلام :

(( الثقة كنزي ))

[تذكرة الموضوعات للفتني كتاب العلم ، بَابُ : فَضْلِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ]

 في حديثٍ طويل من إحدى فقراته

(( والثقة كنزه ))

 أية ثقةٍ هذه ؟ ثقة العبد أن الله راضٍ عنه ، ومتى يرضى الرب عن العبد ؟ إذا كان معواناً لبقية الخلق ، هذا بشكلٍ مختصر وشكلٍ تمثيلي المعنى الدقيق للإنفاق ، فربنا جل جلاله يدعونا إلى أن ننفق ، فإن استجبنا كان لنا ، وإن لم نستجب ضيَّعنا الشيء الكثير ، قال تعالى :

﴿ هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴾

[ سورة محمد : 38]

 فأيُّ شيءٍ تنفقه عائدٌ عليك ، لو أن إنساناً عنده صندوقٌ حديدي ، أيّ مبلغٍ يضعه في هذا الصندوق هو له وليس لغيره . وبشكلٍ أو بآخر ربنا سبحانه وتعالى يدعونا أن نقرضه ، بفائدةٍ عاليةٍ جداً جداً ، بنسبٍ خيالية . .

﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴾

[ سورة الحديد : 11]

 فالأعمال الصالح كلها قّرْضٌ بفائدة عالية جداً لله عـزَّ وجل . .

﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

[ سورة الحديد : 10]

 هذه آيةٌ دقيقةٌ جداً ، هذا الذي لا تنفقه في سبيل الله سوف يؤخذ مِنْكَ عند الموت، روح المَيّت ترفرف فوق النعش وتقول : يا أهلي يا ولدي ، لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي ؛ جمعت المال مما حلّ وحَرُم فأنفقته في حله وفي غير حله ، فالهناء لكم والتبعة عليّ . السخاء حسن لكنه في الأغنياء أحسن . . أحب ثلاثاً وحبي لثلاثٍ أشد ، أحبّ الكرماء وحبي للفقير الكريم أشدّ ، وأبغض البخلاء وبغضي للغنيّ البخيل أشدّ ، لذلك قال تعالى :

﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾

[ سورة الطلاق : 7 ]

الإنفاق ممر لنيل عطاء الله :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ الله سبحانه وتعالى يدعونا إلى الإنفاق ، لكننا إذا آمنا به حَقَّ الإيمان ، عرفناه حق المعرفة ، فنحن مؤمنون ، إذاً يأمرنا :

﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ ﴾

[ سورة إبراهيم : 31]

 الآن دخلنا ، انتقلنا من الدعوة إلى الأمر . .

﴿وَأَنْفِقُوا﴾

 أيها المؤمنون :

﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾

[ سورة البقرة : 195 ]

 أيْ إنْ لم تنفقوا . .

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾

[ سورة البقرة : 254 ]

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾

[ سورة البقرة : 217 ]

﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 3]

﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾

[ سورة آل عمران : 92 ]

 في هذه الآية أصبح الإنفاق ممراً إجبارياً وحيداً إلى كرامة الله عزَّ وجل ، إلى نَيْلِ ما عنده مِن عطاءٍ كبير . .

﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾

[ سورة آل عمران : 92 ]

أهداف الإنِفاق :

 أيها الأخوة الكرام ؛ أهداف الإنِفاق توضحها آية الزكاة :

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾

[ سورة التوبة : 103 ]

 إن هذه الصدقة تطهِّر نفس الفقير من الحقد ، ونفس الغني من الشُحِّ ، وهي تطهر المال من تعلُّق حق الغير به ، وإنها تزكي نفس الغني ، فيشعر بدوره الخطير في المجتمع ؛ يشعر أنه عمل عملاً عظيماً حينما مَسَحَ الدمعة من وجوه البائسين ، وتنمّي نفس الفقير فيشعر بكرامته على مجتمعه ، ويشعر أن مجتمعه لم ينسه من خلال الزكاة أو الصَدَقة ، و تنمّي المال بطرقٍ معروفةٍ وبعنايةِ إلهيةٍ خاصة . .

﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾

[ سورة النساء : 114 ]

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾

[ المائدة : 2 ]

 البر صلاحُ الدُنيا ، والتقوى صلاح الآخرة ، وإنفاق المال يثبِّت مركز الإنسان عند الله . .

﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾

[ سورة البقرة : 265 ]

 يقول لك رجل : فلان ثبَّت مركزه ، ركَّز وضعه ، احتل مكانة ثابتة . فإنفاق المال يثبِّت مقامك عند الله ، إنفاق المال يثبَّت مرتبتك عند الله .

 

ارتباط قبول العمل عند الله بالإخلاص و الصواب :

 أيها الأخوة الاكارم ؛ لكنَّ العمل لا يُقْبَل إلا إذا كان خالصاً لوجه الله عزَّ وجل ..

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنّاً وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 262 ]

﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾

[ سورة الحديد : 10 ]

﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾

[ سورة البقرة : 272 ]

﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾

[ سورة التوبة : 99 ]

 الإخلاص الإخلاص أيها الأخوة المؤمنون ، العمل لا يُقْبَل عند الله إلا ذا كان صواباً وخالصاً ، صواباً ما وافق السنة ، وخالصاً ما ابتغي به وجه الله .

 

المعاني التي تدفع المُسلم إلى الإنفاق :

1 ـ أن الله سبحانه وتعالى يأخذ الصدَقة بيَدِه :

 ولكنَّ المعنى الدقيق الدقيق الذي إذا أيقن به المسلم أنفق من دون قيدٍ أو شرط ، هذا المعنى هو أن الله سبحانه وتعالى يأخذ الصدَقة بيَدِه . .

﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾

[ سورة التوبة : 104]

 وأن الصدقة تقع في يدِ الله قبل يدِ الفقير ، و . .

(( باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطى الصدقة ))

[ من الدر المنثور عن أنس ]

 و .

(( صدقة السر تطفئ غضب الرب عزَّ وجل ))

[ من مختصر تفسير ابن كثير عن أبي هريرة ]

 و . .

(( يا بنَ آدمَ مَرِضْتُ فلم تَعُدْني ، قال : يا رب كَيْفَ أعُودُكَ وأنتَ ربُّ العالمين ؟ قال : أمَا علمتَ أنَّ عبدي فلاناً مَرِضَ فلم تَعُدْهُ ؟ أما علمتَ أنَّكَ لو عُدْتَهُ لوجَدتني عنده ))

[مسلم عن أبي هريرة]

 هذا المعنى الأول الذي يدفع المسلم إلى الإنفاق .

 

2 ـ كل شيءٍ متعلِّق بالإنفاق يعلمه الله عزَّ وجل :

 المعنى الثاني وهو أدق بكثير من حاجة الإنسان إلى أن يعلم الله ذلك . .

﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾

[ سورة البقرة : 270 ]

﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة البقرة : 273]

﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة آل عمران : 92]

﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة التوبة : 121]

 إذا شعرت أنه بمجرَّد أن تعطي فإن الله يعلم ، انتهى الأمر ، لا تحتاج لا إلى أن يعلم زيدٌ ولا عُبَيد ، ولا أن يطَّلع عليك فلانٌ أو عِلاَّن ، الله يعلم وكفى ، يعلم كل شيء ؛ يعلم مقدار المال ، ويعلم قيمَة المال ، ويعلم ما إذا كان هذا المال حلالاً أو حراماً ، ويعلم شِدَّة حاجتك إلى هذا المال ، ويعلم اجتهادك في إنفاق المال ، ويعلم نيَّتَكَ في إنفاق هذا المال ، كل شيءٍ متعلِّقٍ بالإنفاق يعلمه الله عزَّ وجل ؛ الكم ، والنَوْع ، والنيَّة ، والتصريف ، وما إلى ذلك.

3 ـ كل شيءٍ ينفقه الإنسان يُخْلِفُهُ الله ويعوّضه عليه أضعافاً كثيرة :

 والمعنى الذي يدفع المُسلم إلى الإنفاق هو أنه كما قال الله عزَّ وجل :

﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾

[ سورة سبأ : 39 ]

 هذا كلام خالق الكَوْن ، هذا كلام ربّ العالمين . (وما) جملة شرطيَّة ، والتركيب الشرطيّ في اللغة حدثان ، إذا وقع الأول وقع الثاني بالضرورة . .

﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾

[ سورة سبأ : 39 ]

 هذا فعل الشرط . .

﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾

[ سورة سبأ : 39 ]

 جواب الشرط . .

﴿ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾

[ سورة سبأ : 39 ]

﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 272]

﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾

[ سورة الأنفال :60]

 ماذا يحتاج المسلم بعد هذه الآيات ؟ كل شيءٍ تُنْفِقُهُ يعلمه الله ، وكل شيءٍ تنفقه يقع في يد الله قبل يد الفقير ، وكل شيءٍ تنفقه يُخْلِفُهُ الله ويعوّضه عليك أضعافاً كثيرة .

 

درهمٌ تنفقه في حياتك خيرٌ من مئة ألف درهمٍ يُنْفَقُ بعد مماتك :

 لذلك الإنسان يعيش حياتَه المَحْدودة ، فإن لم يُسارع ربما فاته قطار الإنفاق ، لذلك مادام الإنسان يعيش عمراً محدوداً فالأمر ليس مفتوحاً إلى ما شاء الله ، إن لم ينفق فسيأتي يومٌ لا يستطيع أن يُنفق ، ويتمنّى لو ينفق ، ويتمزق من أجل أن ينفق ولا يستطيع ، لذلك قال الله عزَّ وجل :

﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾

[ سورة آل عمران : 133-134]

 الآية الدقيقة جداً :

﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة المنافقون : 10-11]

 أنفق قبل ألا تستطيع أن تنفق ، درهمٌ تنفقه في حياتك خيرٌ من مئة ألف درهمٍ يُنْفَق بعد مماتِك ، والأغلب أنه لا يُنْفَق ، لأن الورثة قد يبخلون ، وقد يقولون : نحن أولى بهذا المال ، لم يكن أبونا متوازناً ، لم يكن عاقلاً في هذه الوصيّة ، درهمٌ تنفقه في حياتك خيرٌ من مئة ألف درهمٍ يُنْفَقُ بعد مماتك ، في حياتك الأمر بيدك ، لكن بعد مماتك الأمر بيد الورثة ، أنت تصبح تحت رحمتهم ، و . .

(( اغتنم خمساً قبل خمس ؛ شبابك قبل هرمك ، وصحتك قبل سقمك ، وغناك قبل فقرك ، وفراغك قبل شغلك ))

[الحاكم عن عبد الله بن عباس ]

للإنفاق في الظروف العصيبة درجة عالية عند الله عز وجل :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ مما يضاعف أجر الإنفاق قال تعالى :

﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾

[ سورة الحديد : 10 ]

 في الظروف العَصيبَة ، في شدة الحاجة إلى المال ، في الفقر الشديد ، إذا أنفقت وأنت في هذا المقام ، فلإنفاقك درجاتٌ عاليةٌ عند الله عزَّ وجل . .

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾

[ سورة آل عمران : 134 ]

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلَانِيَةً﴾

[ سورة البقرة : 274 ]

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ إنفاق المال على الأهل والعيال هو قربةٌ إلى الله لاشك ، لكن هذا الموضوع ربما ينزلق فيه صاحبه إلى الإسراف ، أو إلى التقتير ، وكلا الحالين حالةٌ مَرَضِيَّة ، والإسلام وسَطِيّ ، والفضيلة بين طرفين ، لذلك قال تعالى :

﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾

[ سورة الفرقان : 67 ]

 أحد أبواب الإنفاق أن تنفق على أهلك ، على زوجتك ، على عيالك . .

(( ليس منَّا من وسَّع الله عليه ثم قتَّر على عياله ))

[ من الجامع الصغير عن جبير بن مطعم ]

 لكن هذا الإنفاق المتعلِّق بالأهل ربما انزلق فيه الإنسان إلى الإسراف ، يأكل هو وأهله ما لذَّ وطاب وهناك جياعٌ عُراة ، إما أن ينفق إسرافاً وإما أن يمنع تقتيراَ ، والحق بين الإسراف والتقتير . .

﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ﴾

[ سورة الفرقان : 67]

﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً ﴾

[ سورة الإسراء : 29]

 لكن لا تنسَ أيها الأخ الكريم أنك إذا كُنت زوجاً ، فمن دعائم قِوامتك على زوجتك، من دعائم أن تكون أنت القائد في البيت ، من دعائم تسلُّم السُلْطَة في البيت أن تنفق ، هذا ما أشار القرآن إليه . .

﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾

[ سورة النساء : 34 ]

 هذه الباء باء السبب ، بسبب إنفاق أموالهم تَسَلَّم الزوج قيادة الأسرة ، أما إذا طمع في مال زوجته ، إذا دعاها أن تُنفق هي على البيت فَقَدَ قوامته ، ومع فقدِ قِوامتِه فَقَدَ كرامته ، ومن فَقْدِ كرامته فقد سُلْطَته .

 

جزاء الإنفاق بحبوحةٌ في الدنيا وجنةٌ في الآخرة :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ لا تظنوا أن جزاء الإنفاق في الآخرة وحدها . .

﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾

[ سورة البقرة : 272 ]

﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة البقرة : 261]

 جزاء الإنفاق بحبوحةٌ في الدنيا وجنةٌ في الآخرة ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( استمطروا الرزق بالصدقة ))

[الجامع الصغير عن جبير بن مطعم]

 إذا أردت أن يزداد رزقك فتصدق ، فإن كل درهمٍ بعشرة دراهم ، وكل حسنةٍ بعشر حسنات . ومن علامة الإيمان أنك إذا رأيت هناك من يُنْفِق تتألَّم إذ لم تجد ما تنفق ، إذا رأيت من ينفق بسخاء يرقى عند الله ، وأنت لا تستطيع أن تنفق ، الحُزن الذي يتسرَّب إلى قلبك لعدم إنفاقك هذا دليل إيمانك . أما إذا قلت : دعه ينفقه ماله ، مسكين يضيِّع مستقبله بإنفاق هذا المال . فوربّ الكعبة هذا موقف المُنافقين ، إذا رأيت الذي ينفق متهوّراً ، إذا رأيت الذي ينفق أحمق ، إذا رأيت الذي ينفق يبدِّد ماله ، وأنت عاقلٌ حصيف ، أموالك في حرزٍ حريز لا تنفقها، إذا كنت تظنّ ذلك فقد وضعت نفسك في صف المنافقين وأنت لا تدري ، لكن المؤمنين من علامة إيمانهم أنهم يحزنون أشدّ الحزن إذ لم يجدوا ما ينفقون ، قال تعالى :

﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ ﴾

[ سورة التوبة : 92]

 أنهم لم يجدوا ما ينفقون فحزنوا أشدّ الحزن . و . .

﴿مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾

[ سورة البقرة : 215]

 قبل كل شيءٍ الأم التي أنجبتك ، والأب الذي كان سبب وجودك ، الأعمال كلها مرفوضة قبل أن تُحسن لهذين الوالدين . .

﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾

[ سورة الإسراء : 23 ]

 و . .

﴿مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾

[ سورة البقرة : 215 ]

﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾

[ سورة التوبة : 60]

إيتاء المال فوق الزكاة دليل حُبّ الله عزَّ وجل :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ معنىً دقيق يُستنبط من آية (ليس البر) فالإنسان إذا دفع زكاة ماله فهذا حرصٌ منه على ماله ، لأنه ما تلف مالٌ في برٍ أو بحرٍ إلا بحبس الزكاة ، فمن كان حريصاً على صيانة ماله ، وعلى سلامة ماله فليؤدِّ زكاة ماله ، لكن المؤمنين الذين وصفهم الله عزَّ وجل . .

﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾

[ سورة البقرة : 177 ]

 إيتاء المال فوق الزكاة دليل حُبك لله عزَّ وجل ، أما إيتاء الزكاة فدليل خوفِك على مالك ، تُنفق الزكاة صوناً له ، وتحصيناً له من التَلَف ، فالذي يرفعك عند الله كثيراً أن تنفق المال الذي يزيد عن الزكاة ، لقول النبي عليه الصلاة والسلام :

(( في المال حقٌ سوى الزكاة ))

[ ابن كثير عن فاطمة بنت قيس]

 أيها الأخوة الأكارم ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز مـن أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

* * *

 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

النقاط السلبية في الإنفاق :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ هذه النقاط الإيجابية في الإنفاق ، فماذا عن النقاط السلبية ؟ إنَّ الذي يُبْطِل أجر المُنْفِق أشياء كثيرة ، أولها :

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنّاً وَلَا أَذًى﴾

[ سورة البقرة : 262 ]

 المَن والأذى يُبطل أجر الإنفاق ، كلَّما التقيت به قلت : هذا اللحم الذي على كتفك من فضلي . طفَّ الكيل ، وطفح الكيل ، كلمات التقيت به ذكَّرته بإحسانك إليه ، المن والأذى يبطل الإنفاق . .

﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾

[ سورة الفرقان : 67 ]

 والإسراف والتقتير يتناقضَ مع صواب الإنفاق . وأن تنفق شيئاً لا تحبه ؛ تعافه نفسك ، لا تأكله ، لا تلبسه . .

﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾

[ سورة البقرة : 267 ]

 أيضاً هذا إذا فعله الإنسان أَبْطَلَ أجر إنفاقه . .

﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَماً﴾

[ سورة التوبة : 98 ]

 إذا أنفقت وندمت أشد الندم على هذا الإنفاق ، إذا أنفقت وشعرت أنك قد تورَّطت، إذا أنفقت وشعرت أن الناس قد أحرجوك ، إذا شعرت بهذا الشعور ؛ ندمٌ شديد أصاب الإنسان ، إن هذا الندم يعني ضعف الإيمان ، ويعني إبطال أجر الإنفاق .
 وقد يبخل الإنسان عن فقيرٍ قريبٍ في أمسِّ الحاجة إلى النفقة ، أما إذا كان في حفلٍ كبير ، ووصِفَ أنه محسنٌ كبير ، دفع الأموال الطائلة ، فلماذا بَخِلَ فيما بينه وبين هذا القريب وأنفق علانيةً أمام الناس ؟ هذه حالةٌ مرضيَّة تقتضي المُعالجة ، قال تعالى :

﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قَرِيناً ﴾

[ سورة النساء : 38]

﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾

[ سورة التوبة : 54]

 إذا كان مع الإنفاق كراهة فهذا دليل عَدم الإيمان . والشيء الذي يمنع أجر الإنفاق أن يتلبَّس الإنسان بالفسق والفجور ، هناك أناسٌ إنفاق المال سهلٌ عليهم ، سهلٌ جداً لكن لا يستطيعون أن يدعوا شهواتهم التي حرمها الله عزَّ وجل ، لذلك قال تعالى :

﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة : 53]

 بذل المال قد يكون سهلاً ، لكن أن تصون جوارحك عن معاصي الله ربَّما رأيتَ هذا صعباً ، فإذا ظننت واهماً أن هذا يقابل هذا ، أنفق المال الوفير وأعطي لنفسي ما تشتهي ، أنت حينما تعطي نفسك ما تشتهي وتتجاوز الحدود عندئذٍ يبطُل أجر الإنفاق ، لذلك :

﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة : 53]

 و . .

﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ﴾

[ سورة البقرة : 263]

 إذا أنفقت ، وقسوت في الكلام ، الأولَى أن تقول كلاماً ليناً دون أن تنفق . .

﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾

[ سورة البقرة : 263]

 اصرفه بالحسنى دون أن تُذلَّه ثم تعطيه .

 

الامتناع عن الإنفاق :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ هذا الإنفاق الذي لا يُقْبَل ، فماذا عن الامتناع عن الإنفاق ؟ هذه درجة أخرى . .

﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ﴾

[ سورة التوبة : 34-35]

 قال العلماء : أيّ مبلغٍ من المال بلغ حدَّ النصاب ، إن لم تدفع زكاته كان عند الله كَنْزاً ، وأيُّ مبلغٍ ولو كان فَلَكِيّاً إذا أُدّيت زكاته فليس بكنز . لكن الإنسان أحياناً يقول كلاماً لا يدري ماذا يقول ، يلتقي به مع أهل الكفر تماماً ، فإذا قلت : يا أخي لا يكفي العباد إلا ربّ العباد ، دعك والناس . هذا كلامٌ قاله الكفار . .

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾

[ سورة يس : 47]

 فما قولكم بإنسان يمنع الإنفاق ليصرف الإنسان عن طريق الحق ؟ كان هذا الشاب طائشاً ، وفاسداً ، وفاجراً ، وأهله راضون عنه ، فلما أصبح متديّناً ، فلما غضَّ بصره ، والتزم بيوت الله عزَّ وجل ، وابتعد عن رفاق السوء ، قنَّن عليه أهله ، ومنعوا عنه العطاء ليعودوا به إلى ما كان عليه ، هذا عملٌ خطيرٌ جداً . .

﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾

[ سورة المطففين : 7 ]

 أيْ أنَّ التضييق من أجل أن يَنْفَضَّ عن رسول الله ، وهذا يتكرَّر في كل زمان ، نضيِّق عليه حتى نبعده عن طريق الحق ، حتى ينضمّ إلينا ويفعل ما نفعل . .

﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾

[ سورة النساء : 39 ]

 هناك إنفاقٌ مع الأذى ، وهناك امتناعٌ عن الإنفاق ، وأخطر من هذا كلّه إنفاقٌ في سبيل الشيطان . .

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾

[ سورة الأنفال : 36 ]

الإنفاق بابٌ كبير من أبواب التقرب إلى الله عزَّ وجل :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ بابٌ كبير من أبواب التقرب إلى الله عزَّ وجل " الإنفاق ". ومن أجل أن أخفِّف عنكم يمكن أن تنفق كل شيء ؛ قد تنفق من عِلمك ، وقد تنفق من مالك ، وقد تنفق من جاهك ، وقد تنفق من وقتك ، وقد تنفق من عضلاتك ، وقد تنفق من خبرتك ، وقد تنفق من شيءٍ منحك الله إيّاه ، لذلك جاء الإنفاق . .

﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 3]

 وفي حديثٍ آخر ، هؤلاء الذين لا يجدوا ما ينفقون ، قال عليه الصلاة والسلام:

 

((إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم))

 

[أبو يعلى عن أبي هريرة ]

 الأخلاق الرَضِيَّة إنفاق ، أن تلقى أخاك بوجهٍ طلق هذا إنفاق .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ إني داعٍ فأمِّنوا .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018