الخطبة : 0429 - فضل القرآن - الأحنف بن قيس. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0429 - فضل القرآن - الأحنف بن قيس.


1993-02-26

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكُّلي إلا على الله . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر . وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم ، رسول الله سيِّد الخلق والبشر ، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر . اللهمَّ صل وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريَّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين. اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم ، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر ، والطف بنا فيما جرت به المقادير ، إنك على كل شيء قدير . اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أوصاف القرآن من خلال القرآن :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ جرت العادة على أن تكون خُطب رمضان في الموضوعات التالية : خطبةٌ في فضل الصيام ، وقد أُلقيت في الأسبوع الماضي ، وخطبةٌ في فضل القرآن ، وهي موضوع خطبة اليوم ، وإن شاء الله تعالى خطبةٌ ثالثة في الإنفاق ، وخطبةٌ رابعة في موقعة بدر ، وخطبةٌ خامسة في ليلة القدر . هذه خُطَبُ رمضان . أَلِفَ الخُطباء منذ أمدٍ طويل أن يجعلوا موضوعات الخطب في هذا الشهر الكريم حوْلها .
 خطبة اليوم عن القرآن الكريم . ماذا تكلَّم القرآن عن القرآن ؟ ما الآيات التي وردَت في القرآن عن القرآن ؟ القرآن في القرآن هدىً ، والقرآن بيان ، والقرآن موْعظة ، والقرآن بُرهان ، والقرآن نور ، والقرآن شفاء ، والقرآن ذِكر ، والقرآن بلاغ ، والقرآن وَعْد ، والقرآن وعيد ، والقرآن بُشرى ، والقرآن نذير يهدي إلى الحق ، يهدي إلى الرُشد ، يهدي إلى طريقٍ مستقيم ، يُخرج الناس من الظلمات إلى النور ، يحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ، فيه تبيانٌ لكل شيء ، شفاءٌ لما في الصدور .
 هذه أوصاف القرآن من خلال القرآن ؛ هدى وبيان ، موعظةٌ وبرهان ، نورٌ وشفاء، ذكرٌ وبلاغ ، وعدٌ ووعيد ، بُشرى ونذير ، يهدي إلى الحق ، يهدي إلى الرشد ، يهدي إلى طريقٍ مستقيم ، يُخرج الناس من الظلمات إلى النور ، يحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ، تبيانٌ لكل شيء ، شفاءٌ لما في الصدور . هو كتاب العُمُر ، هو الكتاب المقرَّر .
 ما قولكم أيها الأخوة بطالبٍ عنده مكتبةٌ واسعةٌ جداً ، متنوعةٌ جداً ، وبعد أسبوعٍ عنده فحصٍ في كتابٍ من هذه الكُتُب ، أيعقل أن يقرأ كتاباً آخر والامتحان والمنهج والسبيل في هذا الكتاب ؟ فهو كتابنا المقرر ، غنى عن كل شيء ، ولا يغني عنه شيء .

 

ما ورد في السنة الشريفة عن القرآن الكريم :

 هذا ما ورد في القرآن الكريم عن القرآن الكريم . فماذا ورد في السُنة ؟ قال عليه الصلاة والسلام :

(( فيه نبأ ما قبلكم ))

[الترمذي عن الحارث ]

 يمكن أن تلقي نظرةً صحيحةً موضوعيةً على تاريخ البشرية لا من خلال المُستحاثات ، بل من خلال خالق الأرض والسموات .

((فيه نبأ ما قبلكم ، وخبر ما بعدكم ، وحكم ما بينكم))

 مقياسٌ دقيق :

((من ابتغى الهدى في غيره أضلَّه الهخ ))

 ولو دام ضلاله سبعين عاماً ثم ينهار هذا الضلال :

(( وهو حبل الله المَتين ، والذكر الحكيم ، لا يُشبع منه العلماء ، لا يخلق على كثرة الرد))

 كلَّما زدته نظراً زادك معنى ، كلما زدته تلاوةً زادك سعادةً ، كلَّما زدته فهماً زادك هدىً :

((لا تنقضي عجائبه ))

 معجزةٌ خالدة إلى يوم القيامة ، كلَّما تقدَّم العلم وكشف شيئاً جديداً أكَّد ما في القرآن الكريم ، معجزاته متجددة مع تطورات العلم :

((لا تنقضي عجائبه ، من قال به صدق ))

 من اعتقد شيئاً من خلال آيةٍ قرآنيَّة فقد صدق ، من حَكَم حُكْماً من خلال آيةٍ قرآنية فقد عَدَل :

 

((من قال به صدق ، ومن حكم به عدل ، ومن عمل به أُجِر ))

مرَّةً ثانية ؛ يقول عليه الصلاة والسلام عن القرآن الكريم :

 

(( فيه نبأ ما قبلكم ، وخبر ما بعدكم ، وحُكم ما بينكم ، من ابتغى الهدى في غيره أضلَّه الله ، وهو حبل الله المتين ، والذكر الحكيم ، لا يُشبع منه العلماء ، ولا يخلق على كثرة الرد ، لا تنقضي عجائبه ، من قال به صدق ، ومن حكم به عدل ، ومن عمل به أُجِر ))

[الترمذي عن الحارث ]

القرآن مصدرٌ رئيسٌ لمعرفة الله عزَّ وجل :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ القرآن مصدرٌ رئيسٌ لمعرفة الله عزَّ وجل ، فالقرآن كلامه -كلام الله - ومن خلال كلامه نتعرَّف إلى الله عن طريق التدبُّر . .

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾

[ سورة محمد : 24]

 والسموات والأرض خَلْقُهُ ، ومن خلال خَلْقِهِ نتعرَّف إلى الله عن طريق التفكُّر..

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

[ سورة آل عمران : 190-191]

 والحوادث أفعالُه ، ومن خلال أفعالِه نتعرَّف إلى الله عن طريق النظَر والتأمُّل..

﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾

[ سورة النمل : 11]

 إذاً القرآن كلامه ، والكَوْن خَلْقُه ، والحوادث أفعاله ، فهو مصدرٌ أساسيٌ رئيسٌ لمعرفة الله عزَّ وجل .

 

القرآن الكريم كتاب فيه مبادئ سلامة الإنسان و سعادته :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ في الإنسان جسدٌ يُعَدُّ أعقد آلةٍ في الكَوْن ، جسد الإنسان يُعَدُّ أعقد آلةٍ في الكون ، فمن خلال خلاياه ونُسُجه ، ومن خلال أعضائه وأجهزته ، ومن خلال بُنْيَتِهِ وعمل أعضائه فيها من التعقيد والدقة والإتقان ما يعجز عن فهم بُنيتها ، وطريقة عملها أعلم العلماء . وفي الإنسان نفسٌ فيها من المشاعر والعواطف ، والشهوات والقيَم، والحاجات والمبادئ ما يعجز عن تحليلها أعلم علماء النفس . وفي الإنسان عقلٌ فيه من المُسَلَّمات ، والبديهيَّات ، والمبادئ ، والقِوى الإدراكية ، والتحليلية ، والتركيبيَّة ، والإبداعيَّة ما يعجز عن فهم هذا العقل أعلم العلماء ، لذا كان الإنسان سيِّد المخلوقات .
 هذا الإنسان المؤلَّف من جسمٍ بالغ الدقَّة ، ومن نفسٍ بالِغة التعقيد ، ومن عقلٍ بالغ الكفاية ، ألا يحتاج هذا الإنسان إلى منهجٍ يسير عليه ؟ ألا يحتاج هذا المخلوق الأول والمُكَرَّم إلى كتابٍ يبيِّن له سرَّ وجوده ؟ حقيقة الكون ؟ سرَّ الحياة ؟ مهمَّته في الدنيا ؟ إن الشيء الذي يَعْجَز عن إدراكه عقل البشر أخبره به خالق البشر .
 هذا الإنسان الأول والمكرَّم ألا يحتاج إلى منهجٍ يسير عليه ؟ يضبط ويصحِّح حركاته وسكناته ونشاطه مِنْ أنْ تصاب بالخلل والعطب والعبث والخَطَل ؟ هذا الإنسان الأول والمكرَّم ألا يحتاج إلى مبادئ سلامته في الدنيا ؟ سلامة جسمه من العِلَل والأمراض ، سلامة نفسه من الانهيارات والتعقيدات ، سلامة عقله من التزييف والتزوير ، ألا يحتاج هذا المخلوق الأول والمكرَّم إلى مبادئ سعادته في الدنيا والآخرة فرداً ومجتمعاً ؟ يحتاج إلى كتابٍ يُبَيِّن سر الوجود ، حقيقة الحياة الدنيا ، مهمة الإنسان فيها . يحتاج الإنسان إلى كتابٍ يبيِّن المنهج الذي ينبغي أن يسير عليه كي يُصَحِّح مساره ، وكي يعود إلى الطريق كلما زَلِقَت قدمه ، وانحرف عنه ، يحتاج إلى كتابٍ فيه مبادئ سلامته وسعادته ، إنه القرآن الكريم . .

بالكون نعرف الله و بالقرآن نعبده :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ ما قولكم من خلال هاتين الآيتين يقول الله عزَّ وجل :

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾

[ سورة الأنعام : 1 ]

 الكون كلُّه ، كلمة (السموات والأرض) تعبيرٌ قرآنيٌّ عن الكون . .

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾

[ سورة الأنعام : 1 ]

 وهناك آيةٍ تُشْبِهها :

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً﴾

[ سورة الكهف : 1]

 فكأنَّ الكون في كفَّة والقرآن في كفَّة ، لأنك بالكون تعرف الله وبالقرآن تعبُده ، خَلَقَ الكون ونَوَّره بالكتاب ، شُقَّ الطريق ووضِعَت عليه الشاخصات ؛ انتبه أيها السائق هنا منعطفٌ خطر ، وهنا منحدر زَلِق ، وهنا تقاطعٌ مُميت ، شُقَّ الطريق ووضِعَت عليه الشاخِصات، خُلِقَ الكون ونوِّر بالقرآن . لذلك يا أيها الأخوة لا يعقل ، والله سبحانه وتعالى خالق الكون ، الرحمن الرحيم ، الربّ الرحيم أن يدع خلقه بلا تبيين ، بلا توجيه ، بلا تشريع ، بلا تقنين ، بلا سُنَن ، بلا إرشادات إنها القرآن الكريم .

 

أخطر أنواع التكذيب التكذيبُ العملي :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ قد يسأل سائل : لماذا أنت حينما تقرأ خبراً في صحيفةٍ يومية ، تشعر أن أسعارَ بعض الحاجات قد هَبَطَت ، إذا أُشيع ، أو إذا قرأت خبراً مفاده : أنه سيُسْمَحُ باستيراد هذه السلعة ، لماذا تهبط أسعارها فوراً ؟ لأن هذا القارئ ، أو هذا البائع ، أو ذاك التاجر صدَّق هذا الكلام ، أنت إذا صدَّقت إنساناً تنعطف في حياتك انعطافاً خطيراً ، إنك إن صدَّقت إنساناً تحرَّكت وفق هذا التصريح ، فكيف إذا كان القرآن بياناً من خالق السموات والأرض ؟! الذي لا يتفاعل مع القرآن الكريم ، الذي لا يتحرك من خلال آيات القرآن الكريم ، الذي لا يأخذ موقفاً بِنَاءً على ما في القرآن الكريم ، الذي لا يسعى لدرء الخطر من خلال آية ، والذي لا يسعى لكسب الخير من خلال آية ، هو إنسانٌ كأنه يكذِّب القرآن الكريم ، لا تكذيباً لفظياُ ولكن تكذيباً عملياً ، وأخطر أنواع التكذيب التكذيبُ العملي .
 قد تشكر الطبيب ، وتثني على علمه ، وتصافحه بحرارةٍ بالغة ، وتدفع له الأجرة، وحينما لا تشتري الأدوية التي وصفها لك فإنك شَكَكْتَ في عِلمه ، ولم ترفعه إلى المستوى الذي تُصَدِّقُهُ فيه ، هذا التكذيب العَملي أخطر من التكذيب القَوْلي ، حينما يقول الله عزَّ وجل :

﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾

[ سورة البقرة : 221 ]

 أنت إذا تلوتَ القرآن الكريم ، وكلَّما تلوته قلت : صدق الله العظيم . وقبَّلته من وجوهه السِتَّة ، ومسحت وجهك بيديك ، وفضَّلت الشاب الغني على الشاب المؤمن ، فأنت لم تصدِّقْ ما في القرآن الكريم . إن قرأت القرآن الكريم وقال الله لك :

﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾

[ سورة البقرة : 276 ]

 ولم تأتمر بهذا الأمر ، أنت لو قرأت القرآن ، ولو قبَّلته من وجوهه الستة ، ومسحت وجهك بعد قراءته ، إن أكلت الربا ، أو أطعمت الربا ، فأنت لم تصدِّق ما جاء في القرآن الكريم .

 

بطولة الإنسان أن يكون عمله وفق القرآن الكريم :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ هذا حديثٌ له ما بعده ، حاسب نفسك حساباً عسيراّ كي يكون حسابك يوم القيامة يسيراً ، كن واضحاً من هذا الكتاب ، هل أنت متأكدٌ أنه كلام الله عزَّ وجل ؟ إن كنت متأكداً أنه كلام الله فما الدليل ؟ وإن جئت بالدليل فما الذي يمنعك أن تقف الموقف الصحيح ؟ حينما يقول الله عزَّ وجل :

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾

[ سورة النور : 30 ]

 كيف تسمح لنفسك أن تتخطَّى هذه الآية ؟
 أيها الأخوة الأكارم ؛ هذا حديثٌ مصيري ، وازن بين حياتك وبين آيات القرآن الكريم ، هل أنت مُطَبِّقٌ لها ؟ أما مظاهر التعظيم الفارغة ، أن تضع القرآن في مركبتك ، أن تضعه في مكانٍ بارزٍ في بيتك ، أن تزين به جدران البيت ، هذا شيءٌ طيِّب ، وشيءٌ يدل على تديُّنك ، ولكن البطولة أن تكون في عملك وفق القرآن الكريم ، أن يكون بيعك وشراؤك وفق القرآن الكريم ، أن يكون بيتك وفق القرآن الكريم ، أن تكون علاقاتك وفق القرآن الكريم ، أن تأتمر بما أمر ، وأن تنتهي عما عنه نهى .

 

تطابق فعل الله عز وجل مع كلامه :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ من هذا الموضوع ما الذي يؤكِّد أن هذا القرآن كلام الله ؟ الله جلَّ جلاله في عليائه يشهد للإنسان أن هذا القرآن كلامه ، كيف ؟ قال تعالى :

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

[ سورة النحل : 97 ]

 فالإنسان المؤمن إذا آمن بالله حَقَّ الإيمان ، واستقام على أمره حق الاستقامة ، وأخلص له حق الإخلاص ، قَدَّر الله له بفعله جلَّ جلاله حياةٍ طيبة ، هذه الحياة الطيّبة التي قدَّرها له تحقيقاً لوَعْدِهِ تؤكِّد له من خلال تلازمها مع ما ورد في القرآن الكريم أن هذا القرآن كلام الله ، لأن فعل الله تَطابق مع كلامه ، إذاً هذا الكلام كلام الله ، فكلَّما طبَّقت أمراً وقطفت ثماره كأن الله يشهد لك أن هذا القرآن كلامه ، وكلَّما حِدَّت عن أمرٍ ودفعت ثمناً ، الله يشهد لك أن هذا القرآن كلامه ، من أعرض عن ذكر الله - والقرآن ذكر الله - من جعل القرآن وراء ظهره ، من هَجَر القرآن ؛ لم يعبأ بأمره ولا بنهيه ، ولا بوعده ولا وعيده ، ولا بُشْراه ولا إنذاره ، ولم يعبأ بحلاله ولا بحرامه ، وفعل ما يحلو له ، فكلَّما جاءته مُصيبة ، وكلَّما وقع في مطبٍ كبير ، وكلَّما سُحِقَت نفسه ، وكلَّما ضاقت به حياته وهو يتلو القرآن الكريم . .

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾

[ سورة طه : 124]

 إن المعيشة الضنك ؛ الشقاء ، الصراع ، التردّي ، الكآبة ، اليأس ، السَأَم ، الضَجَر ، التَعْسير ، الطُرق كلها مسدودة ، الأعمال كلها مُخْفقة ، إن هذه الحياة الضَنْك التي قدَّرها الله عليه إنها ثمرة وعيد الله عزَّ وجل ، تطابق حياته الضَنك مع الآية الكريمة يؤكِّد للإنسان أن هذا القرآن كلام الله ، فالله يشهد من خلال أفعاله أن هذا القرآن كلامُه .
 أيْ لو وجد الطلاب على السبورة كلمةً أنه : غداً المذاكرة ، ومن لم يقدم هذه المذاكرة ينال علامة الصفر . الطلاَّب اختلفوا هل هذا خط الأستاذ أم ليس خطه ؟ في اليوم التالي جاء المدرِّس وقال : حضّروا الأوراق البيضاء لإجراء المذاكرة ، معنى هذا أنه خطه ، معنى هذا أن العبارة التي كُتِبَت على السبورة البارحة هي من كلام المدرِّس ومن خطه ، والدليل أنه قد أجرى المذاكرة . فحينما يأتي الفعل مطابقاً للقول فالقول من طرف الفاعل وهو الله عزَّ وجل .

 

ضرورة التمتع بنور إلهي يهدي العقل إلى الدليل :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ القرآن شيءٌ آخر ، الإنسان أوتي عقلاً ، والعقل جهازٌ إدراكي عالي المستوى - دعونا من العقل مبدئياً- العين ؛ لو أن إنساناً يتمتّع بأعلى درجةٍ في الرؤية ، لو ذهب إلى طبيب العيون ورأى السطر الأخير الأسفل ، فأعطاه درجة اثنتي عشرة على عشرة ، لو تمتع الإنسان بعينينِ كهاتين العينين ، ولم يكن هناك نورٌ ، هذا النور وسيط بينك وبين الأشياء ، هل تنتفع بعينيك ؟ لا . لابدَّ من وسيط ؛ إنه نور الشمس ، أو نور الكهرباء ، إذاً كما أن العين مهما دقَّت لا تنتفع بها إلا بنورٍ مادي كذلك العقل ، مهما كان راجحاً ، ومهما كانت تلافيفه معقدةً ، ومهما كان وزنه كبيراً ، ومهما كان صاحبه عبقرياً ، ومهما كان صاحبه ألْمَعياً إن لم يستنر هذا العقل بنور الله فقد يضل . .

﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ ﴾

[ سورة المدثر : 18-28]

 هؤلاء الأجانب أليسوا أذكياء ؟ ألم يعيشوا حياة الجحيم في علاقاتهم الاجتماعية؟ أليس عندهم انحرافٌ خطير في أخلاقهم ؟ في زواجهم ؟ في علاقاتهم ؟ لماذا يعيشون حياةً شقية وهم يتمتعون بعقولٍ راجحة ؟ لقد جعلوا حضارَتَهم مبنيةً على العقل وحده ، فالعقل هداهُم إلى انحرافٍ خُلُقي ، قادهم إلى مرضٍ وبيل هو الإيدز ، الذي يَئِنُّ منه العالَم ، إذاً لا يكفي أن تكون ذكياً ، لا يكفي أن تكون عاقلاً ، لابدَّ من أن يكون هناك نورٌ إلهي يهدي عقلك إلى الدليل، قال تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ﴾

 دقِّقوا في هذه الآية . .

﴿قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً ﴾

[ سورة النساء : 174]

 هذا النور المُبين هو القرآن الكريم . .

﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾

[ سورة الإسراء : 9 ]

 سمَّاه الله فرقاناً ، لأنك بالقرآن تفرِّق بين الحق والباطل .

 

الدنيا لعبٌ ولهوٌ وزينةٌ وتفاخر :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ يكفينا في القرآن الكريم آية هي قوله تعالى :

﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾

[ سورة طه : 123]

 لا يضل عقله ولا تشقى نفسه . كيف يضلّ عقل قارئ القرآن والقرآن يقدِّم له تفسيراً صحيحاً وعميقاً ودقيقاً لحقيقة الكَوْن ؟ الكون مسخرٌ للإنسان بأكمله . .

﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ﴾

[ سورة الجاثية : 13 ]

 والله سبحانه وتعالى خَلَق السموات والأرض بالحق ، ومعنى بالحق ، أيْ خلقها وفق مبادئ ثابتة ولهدفٍ كبير ، لم يخْلقها باطلاً ، والباطل هو الشيء الزائل ، ولم يخلقها لَعِباً وعبثاً ، واللعب هو الشيء العابِث ، بل خلقها بالحق ، فكيف يضل عقلك والقرآن يبيِّن لك أن خلق السموات والأرض بالحق وقد سخَّر الله لك ما في الكون من أجلك ؟ وكيف يضل عقلك وقد بين لك القرآن الكريم أن هذه الحياة التي تعيشها هي حياةٌ دُنْيا ؟ انتبه إلى لفظها " دنيا " ، حقيرة ، جيفةٌ ، طلابها كلابها ، هي دار من لا دار له ، ولها يسعى من لا عقل له ، فلينظر ناظرٌ بعقله أن الله أكرم محمداً أم أهانه حين زوى عنه الدنيا ؟ فإن قال : أهانه . فقد كذب ، وإن قال : أكرمه . فلقد أهان غيره حيث أعطاه الدنيا . دار تعبٍ ومشقَّة . .

(( إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء ، ودار ترح لا دار فرح ، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ، ولم يحزن لشدة ، ألا وإن الله تعالى خلق الدنيا دار بلوى ، والآخرة دار عقبى، فجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة ، وثواب الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً ، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي ))

[ الديلمي عن ابن عمر ]

 كيف يضل عقل قارئ القرآن وهو يعلم حقيقة الدنيا ؟ وكما قال الإمام علي : "يا دنيا طلَّقتكِ بالثلاث ، غرِّي غيري يا دنيا ، شأنك حقير وأمدك قصير" .
 ما هذه الدنيا ؟ ما إن يستقر الإنسان سنواتٌ معدودات حتى يأتيه مَلَكُ الموت ، يخسر في ثانيةٍ واحدة ما جمعه في كل عمره ، بمجرَّد أن يقف القلب ساعته التي بيده ليسَت له، وهناك من يقلع سنه الذهبي ، يقول لك : الحي أولى من الميت . لم يبقَ لك شيء ، ما هذه الدنيا ؟ فكيف يضل عقل قارئ القرآن والقرآن يبيِّن له الدنيا ؟ إنما الدنيا لعبٌ ، ولهوٌ ، وزينةٌ ، وتفاخرٌ ، وتكاثرٌ في الأموال والأولاد ، متاعٌ قليل . .

﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾

[ سورة النساء : 77 ]

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾

[ سورة التوبة : 38]

الإنسان هو المخلوق الأول و المكرم :

 هناك آية أخرى :

﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾

[ سورة النساء : 77 ]

﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾

[ سورة القصص : 60]

 كيف يضل عقل قارئ القرآن والقرآن يبين للإنسان أن الإنسان لم يُخْلَق عبثاً ؟!.

﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ﴾

[ سورة القيامة : 36]

 لم يُخْلَق سدىً . .

﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً﴾

[ سورة المؤمنون : 115 ]

﴿الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾

[ سورة القيامة : 14-15]

 الإنسان هو المخلوق الأول . .

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾

[ سورة الأحزاب : 72 ]

 الإنسان هو المخلوق المكرَّم . .

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾

[ سورة الإسراء :70]

﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ﴾

[ سورة النجم : 39]

 القرآن يبيّن لك أيها الإنسان من أنت ؟ وما خصائصك ؟ وما صفاتك ؟ وأين كنت ؟ وماذا بعد الموت ؟ وما مهمتك ؟ فكيف يضل عقل قارئ القرآن وهو يرى حقيقة الإنسان؟

 

الشرك الخفيّ يمزِّق حياة الإنسان :

 شيءٌ آخر : ما الذي يمزِّق حياة الإنسان ؟ الشرك الخفيّ ، يبين لك القرآن الكريم أنه لا إله إلا الله . .

﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾

[ سورة الزخرف : 84 ]

﴿لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾

[ سورة الأعراف : 54 ]

﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾

[ سورة الزمر : 102]

﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾

[ سورة هود : 123 ]

 كيف يضل عقل قارئ القرآن ؟ كيف تشقى نفسُه وقد بيَّن له . .

﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ﴾

[ سورة هود : 56 ]

 هذه الدابة التي تخافُها بيد الله . .

﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

[ سورة هود : 56 ]

متدبِّر القرآن كالكوكب الدريّ :

 هذا أيها الأخوة ما ورد في القرآن عن القرآن . فماذا عن سُنَّة النبيّ العَدْنان ؟ يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام البخاري في صحيحه عن عثمان بن عفَّان ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

(( خيرُكمْ من تعلّمَ القُرآنَ وعَلَّمَهُ ))

[البخاري عن عثمان بن عفان ]

 كلام النبي . .

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾

[ سورة النجم : 3-4]

(( خيرُكمْ من تعلّمَ القُرآنَ وعَلَّمَهُ ))

[البخاري عن عثمان بن عفان ]

 فالويل لمن لمْ يقرأ القرآن ، لم يتدبَّر القرآن ، لم يفهم القرآن ، لم يطبِّق القرآن فضلاً عن أن لم يعلِّمه ، طبعاً سيدنا عمر يروي عن رسول الله عليه الصلاة والسلام والحديث رواه الإمام مسلمٌ في صحيحه ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين ))

 انظر إلى قارئ القرآن ، انظر إلى حافظ القرآن ، انظر إلى فاهم القرآن ، انظر إلى متدبِّر القرآن ؛ تراه كالكوكب الدريّ ، يرفعه الناس ، معظمٌ ، مُبَجَّلٌ ، مكرَّمٌ ، ما هذا ؟ بفضل القرآن . . إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين .

 

من جمع القرآن متَّعه الله بعقله حتى يموت :

 هناك أحاديث متفقٍ عليها وهي أعلى درجات الصحَّة - طبعاً بشكل متسلسل - أن :

(( الذي يقرأ القرآن وهو ماهرٌ به مع السفرة الكرام البررة ))

[ متفق عليه عن عائشة ]

 و أن . .

(( المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجَّة ريحها طيب وطعمها طيّب ))

[ متفق عليه وعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ]

 وأنه . .

(( لا حَسَدَ إِلاّ في اثْنَتَيْنِ : رَجلٌ آتَاهُ الله مَالاً فَهُوَ يُنْفِقُ منهُ آنَاءَ اللّيْلِ وآنَاءَ النّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ الله القُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللّيْلِ وَآنَاءَ النّهَار ))

[ البخاري عن أبي هريرة]

 ومن حديثٍ موجهٍ إلى سيدنا معاذ :

((يا معاذ إن المؤمن لدى الحق أسير ، يعلم أن عليه رقيباً على سمعه وبصره ولسانه ويده ، وإن المؤمن قيَّده القرآن عن كثيرٍ من هوى نفسه وشهواته ، وحال بينه وبين أن يهلك فيما يهوى ))

[ أبو نعيم في الحلية عن معاذ ]

 قال عليه الصلاة والسلام :

(( لا يحزن قارئ القرآن ))

[ الجامع الصغير عن أنس بسند فيه مقال ]

 و :

(( لا يعذب الله قلباً وعى القرآن ))

[ الدارمي وابن أبي شيبة عن أبي أمامة ]

 و :

(( من جمع القرآن متَّعه الله بعقله حتى يموت ))

[ الجامع الصغير عن أنس]

 ما من شيءٍ أصعب في شيخوخة الإنسان من الخَرَف ، ومن أن يُردَّ إلى أرذل العمر ، تدفعه زوجته أحياناً ، يصيحُ به طفلٌ صغير ، يتلقَّى من الإهانات ما لا تعد ولا تُحْصى، لكنَّ الذي يقرأ القرآن في شبابه يمتّعه الله بعقله حتى يموت . .

(( لا يعذب الله قلباً جمع القرآن ))

 و .

(( من جمع القرآن متَّعه الله بعقله حتى يموت ))

[ الجامع الصغير عن أنس]

 اقرأ القرآن ما نهاك فإن لم ينهك فلست تقرؤه ، أيْ إذا أطلقت بصرك في الطريق إلى ما حرَّم الله عليك ، لو قرأت كل يومٍ جُزئين أنت لا تقرأ القرآن ، لا تعدُّ قارئاً للقرآن إلا إذا ائتمرت بما أمر ، وانتهيت عما عنه نهى وزجر . و .

(( ما آمن بالقرآن من استحلَّ محارمه ))

[الترمذي عن صهيب ]

 و .

(( ربَّ تالٍ للقرآن والقرآن يلعنه ))

[ ورد في الأثر]

 أيها الأخوة الأكارم ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الأحنف بن قيس :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ نحن في رمضان ، ورمضان شهر القرآن ، إذا قرأت القرآن ينبغي أن تسأل نفسك هذا السؤال : أين أنت من الذي تقرؤه ؟ هذه الحال وردت في كُتُب التاريخ، فقد ذكر الحافظ محمد بن نصرٍ المَرْوِزِيّ في جزء قيام الليل عن الأحنف بن قيس ، أنه كان يوماً جالساً فعرضت له هذه الآية :

﴿ لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾

[ سورة الأنبياء : 10]

 الأحنف بن قَيْس انتبه ، قال : فانتبه ، فقال : عليَّ بالمصحف لألتمس ذِكري اليوم حتى أعلم مَن أنا ؟ ومَن أشبه ؟ أيْ أنه لمَّا علم أن القرآن قد ذكر جميع صفات البشر ، وبيَّن طبقاتهم ، ومراتبهم أراد أن يبحث عن نفسه في أيِّ الطبقات وفي أيّ المراتب هو . فنشر المصحف وقرأه ، فمرَّ بقومٍ . .

﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾

[ سورة الذاريات : 17-19]

 ومَرَّ بقومٍ . .

﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾

[ سورة السجدة : 16]

 ومَرَّ بقومٍ :

﴿يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً ﴾

[ سورة الفرقان : 64]

 ومَرَّ بقومٍ :

﴿يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾

[ سورة آل عمران : 134]

 ومَرَّ بقومٍ :

﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾

[ سورة الحشر : 9 ]

 فوقف الأحنف ثم قال : اللهمَّ لست أعرف نفسي ها هنا . كان متواضعاً ، لست أعرف نفسي ها هنا ، أيْ لمْ يجد هذه الصفات في نفسه حتى يَعُدَّ نفسه من هؤلاء ، ثم أخذ الأحنف السبيل الآخر فمرَّ بالمصحف بقومٍ :

﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ﴾

[ سورة الصافات : 35]

 ومَرَّ بقوم يُقال لهم :

﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ ﴾

[ سورة المدثر : 42-45]

 مع التيار العام .

﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ ﴾

[ سورة المدثر : 46-47]

 فوقف الأحنف وقال : " اللهمَّ إني أبرأ إليك من هؤلاء " . هو ليس من هؤلاء طبعاً. فمازال الأحنف يقلِّب ورق المُصحف ، ويلتمس في أي الطبقات هو ، حتى وقع على هذه الآية ، قال :

﴿وَآَخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآَخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[ سورة التوبة : 102]

 فقال : أنا من هؤلاء . ولعلَّه قالها تواضعاً . فإذا قرأ أحدنا القرآن فلينظر موضع نفسه من كتاب الله ، وهذا من التَدَبُّر ، أيْ أين أنا من هذه الآية ؟ الله عزَّ وجل يقول :

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾

[ سورة النور : 30 ]

 أين أنت منها ؟ هل أنت غاضٌ للبصر ؟ إذا قرأت قوله تعالى :

﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾

[ سورة آل عمران : 134 ]

 هل أنت كاظمٌ للغيظ ؟ كلما قرأت صفةً من صفات المؤمنين قِف وقل : أين أنا من هذه الصفة ؟ فالإنسان يقول : أول مرحلةٍ في حَل المُشكلة أن تعرف أنها مشكلة ، أول مرحلةٍ في حلّ المشكلة أن تعرف حدودها ، فإذا عرفت من أنت ؟ الآن يكون التحرك صحيحاً .

الدعاء :

 يا حيُّ يا قيوم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ، ونور أبصارنا ، وجلاء حُزْنِنا ، وذهاب همنا وغمنا . اللهمَّ ارحمنا بالقرآن ، واجعله لنا إماماً ونوراً ، وهدىً ورحمة . اللهمَّ ذكرنا منه ما نسينا ، وعلمنا منه ما جهلنا ، وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار ، واجعله حجةً لنا لا علينا يا رب العالمين . اللهمَّ زيِّنا بزينة القرآن ، وأكرمنا بكرامة القرآن ، وشرِّفنا بشرف القرآن . اللهمَّ اجعل القرآن لنا في الدنيا قريناً ، وفي القبر مؤنساً ، وفي القيامة شفيعاً ، وعلى الصراط نوراً ، وفي الجنة رفيقاً ، ومن النار ستراً . اللهمَّ ارزقنا أن نتلوه حق تلاوته كما تحب وترضى ، وأن نعمل به كما ينبغي وتريد ، وأن نتعلَّمه وأن نعلِّمه كما أمرنا نبيك الحبيب . اللهمَّ اغفر وارحم لكل من يعلِّم تلاوته وتفسيره ، وحِكَمَهُ وأحكامه ، ونظمه وبيانه ، وإعجازه وإحْكامه ، وزدنا من فضلك العظيم فإنك ذو الفضل والإكرام . اللهمَّ أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردّنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر مولانا رب العالمين . اللهمَّ اكفنا بحلالك عن حرامك وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك يا رب العالمين . اللهمَّ بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018