الخطبة : 0428 - الصيام - الصيام صحة جسمية. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0428 - الصيام - الصيام صحة جسمية.


1993-02-19

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا لرُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بِخَبر . اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين، اللَّهمّ ارْحمنا فإنّك بنا راحِم ، ولا تعذّبنا فإنّك علينا قادر ، والْطُف بنا فيما جرَتْ به المقادير ، إنَّك على كلّ شيءٍ قدير ، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الإنسان هو المخلوق الأوّل و المكرّم :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ بعد أيام قليلة يُطلّ علينا شهر رمضان المبارك فينبغي أن نستعدّ لهذه العبادة قبل مجيئها .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ الإنسان هو المخلوق الأوّل ، قال تعالى :

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾

[ سورة الأحزاب : 72]

 إنّه المخلوق الأوّل رُكّب من عقْلٍ وشهوة ، في حين أنّ الحيوان رُكّب من شهوة بلا عقل ، وأنّ الملَك ركّب من عقل بلا شهوة ، والإنسان رُكّب من شهوةٍ وعقل ، فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة ، وإن سمَت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان ، هو المخلوق الأوّل ، والمخلوق المكرّم ، قال تعالى :

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾

[ سورة الإسراء : 70]

 وربّنا سبحانه وتعالى في القرآن الكريم الذي هو خِطاب الله عز وجل لهذا الإنسان يبيّن سِرّ وُجودنا على وجه الأرض لماذا نحن في الدنيا ؟ لماذا جاء الله بنا إليها ؟ أين كُنّا ؟ وماذا بعدنا الدنيا ؟ وما أثْمنُ شيءٍ في الدنيا ؟ وما رسالة الإنسان في الدنيا ؟ وما مهمّة الإنسان في الدنيا ؟ قال تعالى :

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات : 56]

تعريف العبادة و أقسامها :

 العبادة أيّها الأخوة علّة وُجودنا ، وسرّ وُجودنا ، العبادة في بعض تعاريفها طاعةٌ طَوْعِيَّة ممزوجةٌ بِمَحبّة قلبيّة ، أساسها معرفةٌ يقينيّة تُفضي إلى سعادةٍ أبديّة .
 العبادة أيها الأخوة أن تطبّق منهج الله عز وجل ، أن تأتَمِرَ بما أمر الله وأن تنْتَهِيَ عمّا عنه نهى ، سئلَ الإمام الجُنَيد ؛ من وليّ الله ؟ فقال الإمام الجُنيد : ليس الذي يمشي على وجه الماء ، ولا الذي يطير في الهواء ، إنّما الوليّ كلّ الوليّ الذي تجدُه عند الأمر والنّهْي، أن يراك الله حيث أمرك ، وأن يفتقدَك حيثُ نهاك ، قال تعالى :

﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

[ سورة يونس : 62]

 فالعبادة طاعة طَوْعِيَّة ، ممزوجةٌ بِمَحبّة قلبيّة ، أساسها معرفةٌ يقينيّة تُفضي إلى سعادةٍ أبديّة .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ فرْقٌ كبير بين العبادات ، وبين الطقوس ، الطُّقوس حركات وسكنات وتمْتمات لا معنى لها إطلاقًا ، بينما العبادات أوامر أمر الله بها لِتَسْمُوَ نفوسنا إليه ، ولِنَسْعد في الدنيا والآخرة .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ قسَّمَ العلماء العبادات إلى عبادات تعامليّة ، وإلى عبادات شعائريّة ، فأن تكون صادقًا ، وأن تكون أمينًا ، وأن تكسبَ مالاً حلالاً ، وأن تنفق المال في وجهه ، وأن تغضّ بصرك عن محارم الله ، وألا تبِعْ على بيْع أخيك إلى ما هنالك من أحكام فقهيّة في شتى مجالات الحياة ، هذه الحياة عبادات تعامليّة ، وهناك عبادات شعائريّة منها الصلاة عبادة بدنيّة ، ومنها الزكاة عبادة ماليّة ، ومنها الحجّ عبادة ماليّة بدنيّة ، ومنها الأذكار والاستغفار عبادة قوليّة ، ومن العبادات الشعائريّة الصّيام عبادةٌ تبدو سلبيّة فيما تبْدو ؛ امتناعٌ عن الطّعام والشراب وسائر المفطرات تبْدو سلبيّة ، ولكنّ الإنسان حينما ينوي من خلال هذا الامتناع عن الطعام والشراب ، وعن سائر المفطرات ، ينوي التقرّب إلى الله عز وجل انْقلَبَت هذه العبادة التي تبْدو سلْبيّة إلى عبادةٍ إيجابيّة ، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

((إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ))

[ البخاري عن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ]

 إنّما أداةُ قصْرٍ ، أي قيمة العمل تنبعُ فقط من نيَّته .

 

العلاقة بين العبادات و نتائجها علاقة علميّة :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ أرأيتُم لو أنّ إنسانًا رأى في الطريق مبلغًا من المال فانْكبَّ على الْتِقاطِهِ ، وهو ينْوي أن يبْحثَ عن صاحبِهِ ، فهو في عبادةٍ وطاعة ، أما إذا انْكبّ على التِقاطه وهو ينْوي أن يغتصبهُ فهو في معصِيَة ، كلاهما انْكبّ على الْتِقاط هذا المبلغ ، ما الذي يفرّق بين عمل الأوّل وعمل الثاني ؟ إنَّها النيّة ، وقد يأمر الطبيب إنسانًا بالحِمْية ، فهل الحِمْيَة صيام ؟ لا ، الصِّيامُ عبادة .
 ولكن يا أيها الأخوة الأكارم ؛ العبادات بينها وبين نتائجها علاقات علميّة ، فالله جلّ جلاله غنيّ عن عبادةٍ تبدأ بِتَرْك الطعام ، وتنتهي بِتَناوُلِهِ ليْسَ غير ، أمْرُ الله أعظمُ من ذلك ، وأعْمَق من ذلك ، أخْطرُ من ذلك ، أرْقى من ذلك ، لذلك الإمام الغزالي قسَّم الصائمين إلى ثلاثة أصناف ، صِنْفٌ يمْتنعون عن الطعام والشراب وسائر المُفطِرات ، وصِنفٌ يمْتنعون عن كلّ مخالفةٍ ومعصِيَة ، وصِنفٌ ينشغلون بالله عز وجل ويتْركون ما سواه ، صِيام العوام ، وصيام الخاصّة ، وصيام خاصّة الخاصّة .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ مثَلٌ حيّ أضعهُ بين أيديكم ؛ العام الدّراسي في تسعة أشهر يمثّل العبادات التعامليّة ، وثلاث ساعات يجلسُ الطالب فيها إلى طاولة وأمامه ورقةٌ بيضاء ، وفي يده قلم ، هذه العبادة الشعائريّة ، فمن لم يدْرس إطلاقًا ، ولم يحضر الدروس ، ولم يُذاكر ، لو أنّه أتى للامتحان بأقلام غاليَة الثّمن ، وبحُبوب تسكّنهُ إذا آلمهُ رأسهُ ، وبِطَعامٍ يأكلهُ إذا شعر بالجوع ، وبماءٍ باردٍ يطفئ ظمأهُ ، ما قيمة هذا الاستعداد لهذه الساعات الثلاث إن لم يكن قد درس خلال العام ؟! فنحن نصلّي ونصوم ، ونحجّ ونزكّي ، إن لم يكن في تعاملنا استقامة على أمر الله ، إن لم نتمثّل العبادات التعامليّة ، لا تنفعنا العبادات الشعائريّة .

 

الإسلام قِيَمٌ أخلاقيّة وانضباطٌ وعطاء :

 لذلك النجاشي رحمه الله تعالى حينما سأل جعفرًا عن الإسلام ، قال :

((فَكَانَ الَّذِي كَلَّمَهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لَهُ أَيُّهَا الْمَلِكُ كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ وَنُسِيءُ الْجِوَارَ يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَحُسْنِ الْجِوَارِ وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ وَنَهَانَا عَنْ الْفَوَاحِشِ وَقَوْلِ الزُّورِ وَأَكْلِ مَالَ الْيَتِيمِ وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَام ))

[أحمد في مسنده عن أم سلمة أم المؤمنين ]

 هذا هو الإسلام ، قِيَمٌ أخلاقيّة ، وانضباطٌ ، وعطاء ، الله جلّ جلاله لخّص الدّين كلّه على لسان سيّدنا عيسى عليه وعلى نبيّنا أفضل الصلاة والسلام قال :

﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً ﴾

[ سورة مريم : 31]

 أيها الأخوة الكرام ، هذه العبادة عبادة الصّيام ولو أنّها بدَتْ سلبيّة إنّها في حقيقتها إيجابيّة ، إنّها تقْويَةٌ للنفس ، هناك من يعيشُ ليأكل ، وهناك من يأكل لِيَعيش ، ولكنّ المؤمن يعيشُ لِيُحقّق الهدف الذي من أجله خلق ، يعيش ليعرف الهي عز وجل ، يعيش ليتقرّب إليه ، ابن آدم اطلبني تجدني ، فإذا وجدتني وجدْتَ كلّ شيء ، وإذا فِتُّكَ فاتَكَ كلّ شيء ، يا ربّ ماذا وجد من فقَدَك ؟ وماذا فقَدَ من وجَدَك ؟ إذا كان الله عليك فمن معك ؟! وإذا كان الله معك فمن عليك ؟! ما من مخلوقٍ يعتصم بِمَخلوقٍ دوني أعرف ذلك من نيّته إلا جعلتُ الأرض هويًّا تحت قدَمَيْه ، وقطَّعْتُ أسباب السماء بين يديه ، وما من مخلوقٍ يعتصِم بي من دون خلقي أعرف ذلك من نيّته إلا وفَّقْتُه لما يريد .

 

الصِّيام عبادةٌ من أجل التّقوى :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ الله جلّ جلاله في القرآن الكريم يبيّن أنّ الصِّيامَ عبادةٌ من أجل التقوى ، قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 183]

 فالنّفسُ تتقوّى بالصِّيام ، أنت لسْتَ جِسْمًا فحَسْب إنَّك نفسٌ ، هي التي تؤمن ، وهي التي لا تؤمن ، هي التي تحبّ ، وهي التي تُبغض ، هي التي تسْمو ، وهي التي تسْكن ، إذا كان الطعام والشراب يقوّي الجسم ، فإنّ الصّيام يقوّي النفس ، يقرِّبُها من ربّها ، يسْمو بها ، ويطهّرها من أدرانها ، يزكّيها .

يا خادم الجســـم كم تسعى لِخِدمــتــهِ  أتَطْلبُ الرِّبْح مما فيه خســـــران
أقْبِل على النفس واستكْمِل فضائلها  فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان
***

الصيام عبادة الإخلاص و تقوية الإرادة :

 شيءٌ آخر ، الصّيام أيها الأخوة يربّي الإرادة ، فإذا جاع الإنسان والطعام بين يديه ، وإذا عطش وبين يديه الماء البارد ، وإذا عفّ وبِجانبِهِ ما يقضي به حاجته ، لا رقيب إلا الله ، لا مُشاهد لأفعاله إلا الله ، ما معنى ذلك ؟ أنَّ الصِّيام مدرسةٌ عليا لِتَربيَة الإرادة ، حينما تكفّ عن الشيء ، لا يمْنعُك عنه أحد إلا أنّ الله نهاك عنه ، هذه عبادةٌ من أجل تقْوِيَة الإرادة ، بل هي عبادة الإخلاص .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ قد تتّفق الشرائع مع القوانين ، فإذا ترك الإنسان السّرقة لا ندري أتَرَكها خوفًا من الله أم تركها خوفًا من العِقاب ؟ من عِقاب أولي الأمر ، ولكنّ غضّ البصر مثلاً ليس في الأرض كلّها شريعةٌ تأْمُر بِغَضّ البصر ، لكنّ شريعة الله وحْدها تأمُرُ بِغَضّ البصر ، فإذا غضّ المؤمن بصرَهُ عن محارم الله تعالى ؛ بماذا يشْعُر ؟ بأنَّهُ مخلص ، إنّ الصّيام عبادة الإخلاص ، يمكن أن تدخل البيت وأنت في أعلى درجات العطش ، وتدخل غرفةً ، وتقفل الباب عليك ، وإلى جانبك ماءٌ عذبُ زلال ما الذي يمْنعُك من أن تشرب ؟ مراقبة الله لك .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ بعض علماء النفس كان ينْصحُ بِتَقوية الإرادة بالصّيام ، فالصِّيامُ عبادة الإخلاص من جهة ، وعبادة تقويَة الإرادة من جهة ثانيَة .

الصّيام عبادة شعائريّة إيجابيّة :

 شيءٌ آخر ؛ الإنسان ألِف النِّعَم ، قد ينسى أنّها نِعَم ، وقد لا يحسّ بها ، لا نعرف نعمة الاستقرار إلا بالزلازل ، ولا نعرف نعمة توازن القِوى إلا بالقوى ، ولا نعرف نعمة الطعام والشراب إلا عند ترْك الطعام والشراب ، تعرفُ أنّ هذا الإنسان مفتقرٌ إلى شرْبة ماء ، إلى لُقَيْماتٍ يُقِمْن صلبهُ ، هذا الإنسان بِحَجمهِ ، وبِقُوَّتهِ ، وبِذَكائهِ ، وبِعَبْقَرِيَّته ، وبِسَطْوتِهِ ، هو مُفتقرٌ إلى شرْبة ماءٍ ، قد يسهو الإنسان عن معرفة نِعَم الله ، يعرفها حينما يفقدها ، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يدعو ويقول : " اللهمّ أرِنَا نِعَمك بِكَثرتها لا بِزَوالها " فَبِالصّيام نعرف قيمة الطعام والشراب ، ونعرف أنّ الإنسان مفتقرٌ إليه ، وأنّ وُجوده ليس ذاتيًّا .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ بالصّيام يتحقّق الإنسان من عُبوديّته لله عز وجل كيف يقول أنا ولي وعندي ؟ هذه ثلاث كلمات مهلكات ، كيف يقول : أنا وهو مفتقرٌ إلى شرْبة ماء ؟ كيف يقول : أنا وهو مفتقرٌ إلى لُقَيماتٍ يقِمن صلبهُ ؟ كأنّ الصّيام أيها الأخوة عبادة شعائريّة إيجابيّة، هدفها تقرُّب النّفس إلى الله عز وجل بِتَرْك المباحات .
 شيءٌ دقيق ، لو أنّ أبًا أيها الأخوة أمرَ ابنَهُ أن يدَعَ الكذب ، الأمْر واضح فهو لِمَصلحته ، ولو أنّ أبًا أمر ابنهُ أن ينظّف أسنانه ، الأمر واضح ، وواضحٌ جدًّا ، أما لو وُضِعَ الطعام على المائدة والابن جائعٌ جوعًا شديدًا وقال الأب لابنه : يا بنيّ دع الطعام ، وامْتثَل الابن لأمر أبيه ، دون أن يفهم السبب ، إنّه طعامٌ طيّب ، وهو مباح ، والابن جائع ، فهذا الأمر أيها الأخوة يختلف عن بقيّة الأوامر ، بقيّة الأوامر يلْمسُ الابن منفعتها القريبة ، ولكن إذا نُهِيَ عن تناوُل الطعام والشراب ، لا يعرف لماذا ، ولكن ثقته بأبيه ، ومعرفته برَحمته ، وحكمته، وعلمِه يجعلهُ يمْتثل ، هذا معنى الحديث :

((كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي ، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلا يَرْفُثْ ، وَلا يَصْخَبْ ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلــَهُ فَلْيَقُلْ : إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ ، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا ، إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ))

[البخاري عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ]

 إنّه نهاك عن المباحات ، وعن الطعام والشراب ، وعن الشيء الذي خلقه الله لك، نهاك عن شيءٍ مباح ، فلأنْ تدع غير المباح من باب أولى ، حينما يأتي العيد وتشعر أنّك تستطيع أن تأكل وأن تشرب ، وأن تحتسي فنجانًا من القهوة في النهار ، وكأسًا من العصير ، من دون حرجٍ ، تشعرُ أنّ إقبالك على الطاعات أعلى بكثير ، وهذا طرفٌ من قوله تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 183]

الصّيام والقيام شيئان متلازمان :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ أَدْرَكَ عِنْدَهُ أَبَوَاهُ الْكِبَرَ فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الْجَنَّةَ))

[الترمذي عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ]

 ويقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه النسائي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ

((مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ))

[النسائي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 وفي حديث آخر رواه البخاري ومسلم عن أبي سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ))

[مسلم عن أبي هريرة]

 معنى ذلك أنّ الصّيام والقيام شيئان متلازمان ، فمن صام طوال النهار متى يقبضُ الجائزة من الله ؟ في صلاة التراويح ، حيث يقف بين يدي ربّه ركعاتٍ طويلة يستمعُ إلى كتاب الله يُتلى عليه ، وقد أشار الإمام الغزالي إلى أنّ أرقى عبادة أن تتْلُوَ القرآن واقفًا في صلاةٍ، وفي مسجد ، عن النَّضْرُ بْنُ شَيْبَانَ قَالَ :

((لَقِيتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قُلْتُ : حَدِّثْنِي عَنْ شَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ أَبِيكَ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَرَضَ صِيَامَ رَمَضَانَ وَسَنَنْتُ قِيَامَهُ فَمَنْ صَامَهُ وَقَامَهُ احْتِسَابًا خَرَجَ مِنْ الذُّنُوبِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ))

[أحمد عن النَّضْرُ بْنُ شَيْبَانَ ]

من استقام على أمر الله ألغى عمل الشيطان :

 وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ وَصُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ))

[مسلم عن أبي هريرة]

 وقد يسأل سائلٌ : يا ربّ لماذا تصفّد الشياطين في رمضان ولا تصفّدها طوال العام ؟ فسَّر هذا الحديث بعض المفسّرين وقال : إنّ المؤمن حينما يستقيم على أمر الله يُلغي عمل الشيطان - تصْفيدٌ حكمي - أنت إذا اسْتقمْت على أمر الله ، وتتبَّعْتَ أمر الله عز وجل ، وأقْبلْت عليه ألْغَيْت عمل الشيطان فكأنَّك صفَّدْتهُ .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ من فضل الله علينا أنّ الصّلوات الخمْس ، والجمعة إلى الجمعة ، ورمضان إلى رمضان مكفّراتٌ لما بينهنّ إذا اجْتُنِبَت الكبائر ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ :

((الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِر ))

[مسلم عن أبي هريرة]

 الله جلّ جلاله أفرح بِتَوبة عبده من الضّال الواجِد ، والعقيم الوالد ، والظمآن الوارد، إذا رجع العبدُ إلى الله نادى منادٍ في السموات والأرض أن هنِّئوا فلانًا فقد اصطلح مع الله.

 

التحذير من إفطار يوم من رمضان دون رخصة أو مرض :

 والنبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه الترمذي يحذّرنا أشدّ التحذير من إفطار يوم من رمضان من دون رخصة أو مرض ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ رُخْصَةٍ وَلَا مَرَضٍ لَمْ يَقْضِ عَنْهُ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ وَإِنْ صَامَهُ ))

[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

 أي أن يسقط الإنسان من السماء إلى الأرض فتنْحطم أضلاعهُ أهْوَنُ من أن يسقُط من عَيْن الله :

تعصي الإله وأنت تُظهر حب ّه ذاك لعمري في المقال بديـعُ
لو كان حبُّك صادقًا لأطعْتــــهُ  إنّ المحِبّ لمَن يـحبّ يطيعُ
***

الصِّيام دَوْرَة روحِيَّة عظيمة :

 ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام يُشجِّعُنا ، يرغِّبُنا ، يدْفَعُنا إلى هذه العبادة العظيمة ، فعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ يَقُولُ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((إِذَا أَفْطَرَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِرَحْمَتِكَ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ أَنْ تَغْفِرَ لِي ))

[ابن ماجه عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ]

 أيها الأخوة الأكارم ؛ الصِّيام دَوْرَة روحِيَّة ، وعبادةٌ تأتي كلّ عام من أجل أن نرقى، ومن أجل أن نقفز قفْزةً نوعِيَّة ، فإذا حافظْنا على هذا المستوى طوال العام ، وجاء رمضان آخر ، وقفزْنا قفْزةً أخرى عندئذٍ يُعدُّ رمضان سُلَّمًا نرْقى به إلى الله ، فرْقٌ كبير بين من يُدافعُ الشهوات ، وبين من يُتابعُ القربات ، فرْقٌ كبير بين من يُدافع التدنّي ، وبين من يُتابعُ الترقّي .
 أيها الأخوة الكرام ، حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا وسيتخطّى غيرنا إلينا ، فلنتَّخِذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل إلى ما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأمانيّ ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الصّيام صحة جسميّة :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ من السذاجة أن يظنّ الإنسان أنّ لأوامر الله حِكمةً واحدة ، إنّ أوامر الله عز وجل لا تُعدّ حِكمها ، ولا تنقضي خَيْراتها ، ولا تنقطعُ بركاتها ، فالصّيام عبادةٌ روحيّة ، وهو فضلاً عن ذلك صحّة جِسميّة فقد أخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

((اغزوا تغنموا ، وصوموا تصحوا ، وسافروا تستغنوا ))

[الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة ]

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((لِكُلِّ شَيْءٍ زَكَاةٌ وَزَكَاةُ الْجَسَدِ الصَّوْم))

[ابن ماجه عن أبي هريرة]

 ماذا يقول الأطِبّاء المؤمنون عن الصّيام ؟ يقولون : إنّ صِيام رمضان دَوْرة وِقائيّة سنَوِيّة ، تقضي على كثير من الأمراض قبل أن تنشأ ، ودَوْرة عِلاجِيّة لبعض الأمراض ، وأنّ الصِّيام يقي المسلم المطبّق لِسُنّة الصّوم ، هناك مسلمون يصومون ، ولكن يجعلون في صيامهم الليل نهارًا ، والنهار ليلاً ، فإذا جاء الليل أكلوا حتى أتخموا أنفسهم ، أكلوا طوال اللّيل وكأنّ شيئًا سيفْقدونه ، هؤلاء لا تنطبقُ عليهم حكمة الصّيام ، ولكنّ المسلم إذا طبّق الصّيام كما أمر به النبي عليه الصلاة والسلام ، فإنّ الصّيام يقيه من أمراض الشيخوخة بالذات ، التي ينْجُم معظمها عن الإفراط في إرهاق العضوِيّة ، أمراض الشّيخوخة أساسها إفراط في إرهاق العضوِيّة، وأنّ هذه الحقائق عن الصّيام مِصداق قَول النبي عليه الصلاة والسلام :

((صوموا تصحوا))

[الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة ]

 ولكن هناك بعض الأمراض لا يناسبها الصّيام ، لذلك رخّص الله عز وجل للمرضى بالإفطار .

 

توجيهات نبويّة حول حَقيقة الصّيام :

 شيءٌ آخر ؛ من التوجيهات النّبويّة التي لها علاقة بِحَقيقة الصّيام أنّ النبي عليه الصلاة والسلام قال فيما رواه البخاري :

((تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً))

[البخاري عن عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ]

 والقاضي عياض فسَّر البركة بأنّها أُخروِيّة ودنيَوِيّة ، أُخرويّة بِمَعنى أنّك إذا تسحّرْت وانْطلقْت إلى المسجد لتُصلِّيَ الفجر في جماعة ، عَنْ جُنْدَبِ بْنِ سُفْيَانَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ فَلَا تُخْفِرُوا اللَّهَ فِي ذِمَّتِهِ))

[الترمذي عَنْ جُنْدَبِ بْنِ سُفْيَانَ]

 فإذا قرأت القرآن ، قال تعالى :

﴿إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً ﴾

[ سورة الإسراء : 78]

 فإذا ذكرْت الله عز وجل ، قال تعالى :

﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾

[ سورة الرعد : 28]

 وإنّ القلوب لتصدأ قيل : وما جلاؤها ؟ قال : ذِكْرُ الله . فهذا السّحور سببٌ لهذه الخَلْوَة مع الله فجْرَ كلّ يومٍ من أيّام رمضان ، هذا تفسير القاضي عياض ، والبركة الدّنيّوِيّة أنّ السّحور يُعينك على الصّيام ، من شكا صُداعًا في رأسه معنى ذلك أنّ سكّر الدّم قد انخفضَ عنده ، ولا بدّ من أن يجعل في طعام السّحور بعض المواد المُرمِّمَة ، والذي ينامُ عقِبَ السّحور يُصاب باضطرابات هضْمِيّة ، فضلاً عن بُعده عن الله ، وفضلاً عن تركه صلاة الجماعة ، وفضلاً عن تقصيره في أذكار وأوراد صلاة الفجْر ، من نام عقب السّحور اضطرب هضمه وارتبكَت أمعاؤُه ، لذلك نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن النّوم بعد الطّعام .
 شيءٌ آخر ؛ من كان ضعيف البُنيَة ، نحيلاً ، عليه أن يقْتصِد في الجهد المبذول في أثناء الصّيام حِفاظًا على صِحَّته ، والشيءُ الذي يلفتُ النّظر هو أنّ النبي عليه الصلاة والسلام كان يُفطِرُ على ماءٍ وتمرات ، لماذا ؟ لأنّ التَّمر ، أو أيّ طعامٍ حُلْو المذاق هو أسْرعُ غذاءٍ إلى الدم ، من الفم إلى الدم في أقلّ من ربع ساعة ، فإذا أكل تمراتٍ ، أو شرب شرابًا حلوًا وأفطر عليه ، وقام إلى صلاة المغرب ، وصل السّكر إلى دمهِ فشعَرَ بالشِّبَع فجلسَ إلى الطّعام وكأنّه في غير شهر الصّيام ، أما إذا تناوَلَ الطّعام مباشرةً فإنّ السكّر الموجود في ثَنِيات الطّعام لا يصل إلى الدم إلا بعد ساعَتين في رأيِ أطِبّاء التغذِيَة ، فالذي يفطر على حلوٍ ، ويصلّي المغرب والسنّة ، ويجلسُ إلى الطّعام ، فقد حقّق السنّة النبويّة التي كشفَ الأطبّاء اليوم حكمتها.
 أيها الأخوة الأكارم ؛ هذا الشهر الكريم فرْصَة سنوِيّة للتقرّب إلى الله عز وجل ، المشكلات الجانبيّة ، والخِلافات بين الشركاء ، والحِسابات المعقّدة ، وهذه القضايا الشائكة التي من شأنها أن تُعَكِّرَ صَفْوَ المؤمن عليه أن يحلّها قبل رمضان أو بعد رمضان ، ولْيَدَع هذا الشّهر لله عز وجل .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ إنّني بالأصالة عن نفسي ، وبالنّيابة عن أهل هذا الحيّ الأصيل من أحياء دمشق ، وعن رُوّاد هذا المسجد ، وعن طلبة العلم الشرعي فيه ، وعن العاملين في هذا المسجد نرحِّبُ بالسيِّد وزير الأوقاف الدكتور عبد المجيد الطرابلسي وبِصَحبِهِ الكِرام أحرّ الترحيب ، فهو من أهل العلم والفضْل والبيان ، ونرْجو الله أن يوفِّقَه في مهمَّته في رفْع مسْتوى الدعوة والدُّعاة ، وإعمار بيوت الله لِتُحَقّق رسالتها الأساسيّة في المجتمع المسلم ، وننتظرُ منه إن تكرّم علينا أن يلقي على مسامعنا كلمةً توْجيهيّة بِمُناسبة قُرْب قدوم رمضان بعد الصلاة مباشرة ، وقبل أداء السنّة .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018