الخطبة : 0078 - أدعية الرسول صلى الله عليه و سلم - أكثروا ذكر هادم اللذات . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0078 - أدعية الرسول صلى الله عليه و سلم - أكثروا ذكر هادم اللذات .


1985-03-15

الخطبة الأولى :

 الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله الذي هدانا لهذا، و ما كنا لنهتدي لولا أن هدانا، و ما توفيقي و لا اعتصامي و لا توكُّلي إلا على الله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارا بربوبيته وإرغاما لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتَّصلت عينٌ بنظر أو سمعت أذنٌ بخبر، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذرِّيته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم ارحمنا فإنك بما راحم، ولا تعذِّبنا فإنك علينا قادر، و الطُف بنا فيما جرت به المقادير، إنك على كل كل شيء قدير، اللهم علِّمنا ما ينفعنا، و انفعنا بما علَّمتنا و زدنا علما، وأرنا الحق حقًّا وارزقنا اتِّباعه، و أرنا الباطل باطلا ورزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الدعاء قمَّة الصلة بالله :

 أيها الأخوة المؤمنون، في الأسبوع الماضي نوَّهت إلى أن أدعية النبي عليه الصلاة و السلام ما صحَّ منها عن رسول الله، و ما ثبت، فضلا عن أنها أدعية إذا دعونا بها فقد نصيب الحقيقة، فضلا عن أن الدعاء مخُّ العبادة، و عن أن الدعاء قمَّة الصلة بالله عز وجل، وعن أن كثرة الدعاء تعني كثرةَ الذكر، و عن أن بعض المفسِّرين فهموا من قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾

[ سورة الأحزاب 41: ]

أدعيةٌ في كل الحركات و السكنات :

 أي ادعوه دائما، و فذلا عن أن في المكتبة كتبا تتحدَّث عن الأذكار التي أثِرت عن رسول الله صلى الله عليه و سلم، إذا دخل بيته، إذا خلع ثيابه، إذا خرج من بيته، إذا توجَّه إلى المسجد، إذا توضَّأ، في كل الحركات و السكنات، في الليل و النهار، هناك أدعيةٌ أُثِرت عن رسول الله صلوات الله و سلامه عليه، و ما الدعاءُ إلا صلةٌ بين العبد و ربه ربُّنا سبحانه و تعالى قال:

﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾

[سورة البقرة: 238]

 أي الصلوات المكتوبة، و في آية أخرى قال تعالى:

﴿ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ﴾

[سورة المعارج: 23]

 أي هذا الالتفات القلبي مستمرٌّ طوال النهار، في العمل، في البيت، مع الأصدقاء، مع الأهل، قال تعالى:

﴿ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ﴾

[سورة المعارج: 23]

تقنين الله رحمته في القرآن :

 تعني أن الإنسان له التفاتة إلى الله عز وجل، فضلا عن كل هذا، عن أن الدعاء مخُّ العبادة، و عن أن الدعاء قمَّة الصلة، و عن أن الدعاء الذي أُثر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم هو كبِد الحقيقة، فإن في أدعيته صلى الله عليه و سلم حقائق، هي موضوع الخطبة، حقائق في الأدعية النبوية الشريفة، فمثلا يقول عليه الصلاة و السلام:

(( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ كَانَتْ لَهُ إِلَى اللَّهِ حَاجَةٌ أَوْ إِلَى أَحَدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ فَلْيَتَوَضَّأْ فَلْيُحْسِنْ الْوُضُوءَ ثُمَّ لِيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ لِيُثْنِ عَلَى اللَّهِ وَلْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ لِيَقُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ وَالْغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ وَالسَّلَامَةَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ لَا تَدَعْ لِي ذَنْبًا إِلَّا غَفَرْتَهُ وَلَا هَمًّا إِلَّا فَرَّجْتَهُ وَلَا حَاجَةً هِيَ لَكَ رِضًا إِلَّا قَضَيْتَهَا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ))

[الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى]

 فمن ظنَّ أن رحمة الله عز وجل تتنزَّل على الإنسان هكذا اعتباطا من دون جهد، من دون طلب، من دون سعيٍ فقد ضلَّ سواءَ السبيل واللهم إنا نسألك موجبات رحمتك، الله سبحانه و تعالى يرحم عبادَه كلَّهم بشرط أن يكونوا أهلا للرحمة، فمن ينتظر رحمة الله من دون استقامة، من ينتظر رحمة الله من دون عمل صالح، ربُّنا سبحانه و تعالى قنَّن رحمته في القرآن الكريم، و معنى قنَّن أي جعل لها قانونا،قال تعالى:

﴿ إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾

[سورة الأعراف: 56]

 قال تعالى:

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾

[ سورة الكهف: 110]

لرحمة الله موجبات :

 هذه الرحماتُ التي تتنزل على قلب المؤمنين و التي تذيبهم و التي قال عنها بعضُ العارفين: لو يعلم الملوكُ ما نحن عليه لقاتلونا عليها بالسيوف، ما هو هذا الذي نحن عليه؟ هي الرحمة التي تتنزل على قلب المؤمن، قال أحدُهم:إن الله يعطي الصحة و الذكاء و الجمالَ و المال للكثيرين من خلقه، و لكنه يعطي السكينةَ بقدر لأصفيائه المؤمنين فالنبيُّ صلى الله عليه وسلم يعلِّمنا من خلال دعاءه:

(( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ كَانَتْ لَهُ إِلَى اللَّهِ حَاجَةٌ أَوْ إِلَى أَحَدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ فَلْيَتَوَضَّأْ فَلْيُحْسِنْ الْوُضُوءَ ثُمَّ لِيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ لِيُثْنِ عَلَى اللَّهِ وَلْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ لِيَقُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ وَالْغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ وَالسَّلَامَةَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ لَا تَدَعْ لِي ذَنْبًا إِلَّا غَفَرْتَهُ وَلَا هَمًّا إِلَّا فَرَّجْتَهُ وَلَا حَاجَةً هِيَ لَكَ رِضًا إِلَّا قَضَيْتَهَا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ))

[الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى]

 هذا الصحابي الذي تمنى على النبي صلى الله عليه و سلم أن يدعوَ ربَّه من أجله و أن يجعله معه في الجنة، ماذا قال له النبي الكريم؟

((عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ فَقَالَ لِي سَلْ فَقُلْتُ أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ قَالَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ قُلْتُ هُوَ ذَاكَ قَالَ فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ ))

[ مسلم عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيِّ]

ذنب أن تطلب الجنة من غير عمل :

 أي هناك جهدٌ لا تُعفى منه، لا يمكن و لا يصحُّ أن يقوم به أحدٌ عنك، إذا فهمنا هذا الدعاء، أو إذا استنبطنا من هذا الدعاء أن لرحمة الله عز وجل موجبات؛ أوَّلها الاستقامة، ألا إن سلعة الله غاليةٌ، من طلب الجنة بغير عمل فهذا ذنب من الذنوب، ذنب أن تطلب الجنة من غير عمل، إذا دخلتَ على بائع عنده أشياء ثمينة، و سألته عن بعض الحاجات التي يزيد ثمنُها عن عشرة آلاف، قل له: أتأخذ ثمنها ليرة؟ ماذا يفعل بك، و ماذا يقول لك؟ يعدُّ هذا إهانة له:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ خَافَ أَدْلَجَ وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ ))

[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 جنة عرضها السماوات و الأرض، نعيم مقيم:

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ))

[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 بلا جهد، بلا استقامة؟ لذلك وصف النبيُّ صلى الله عليه و سلم ذلك الرجل الذي يتمنى الجنةَ بلا جهد، وصفه بأنع عاجز، فقال عليه الصلاة والسلام:

(( عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ ))

[الترمذي عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ]

الإيمان مرتبة علمية وأخلاقية وجمالية :

 الإيمانُ يا إخوة الإيمان مرتبةٌ عالية، مرتبة علمية، ما اتَّخذ الله وليًّا جاهلا، لو اتَّخذه لعلَّمه، مرتبة أخلاقية، مرتبة جمالية، أعلى مرتبة يُلقَّب بها إنسانٌ على وجه الأرض أن يُقال: إنه مؤمن، هذه المرتبة العالية، أتظنُّها بلا ثمن؟ إن قلتُ لكم هي بلا ثمن فلا قيمة لها، لا قيمة لهذه المرتبة إذا كانت بلا ثمن، إذا قلت لفلان: إنه دكتور، هل تعني هذه الكلمة أن كلمةً أُضيفت إلى اسمه فقط؟ أم أن جهودا كبيرة خلال سنوات طويلة قضاها في البحث و الدرس و التأليف حتى جاء بشيء جديد في عالَم المعرفة، هل تظن أن هذه الكلمة يستطيع أن يضيفها كلُّ إنسان إلى اسمه و يصدِّقه الناسُ؟ كلمة مؤمن هكذا، النبي عليه الصلاة و السلام يقول:

((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ كَانَتْ لَهُ إِلَى اللَّهِ حَاجَةٌ أَوْ إِلَى أَحَدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ فَلْيَتَوَضَّأْ فَلْيُحْسِنْ الْوُضُوءَ ثُمَّ لِيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ لِيُثْنِ عَلَى اللَّهِ وَلْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ لِيَقُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ وَالْغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ وَالسَّلَامَةَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ لَا تَدَعْ لِي ذَنْبًا إِلَّا غَفَرْتَهُ وَلَا هَمًّا إِلَّا فَرَّجْتَهُ وَلَا حَاجَةً هِيَ لَكَ رِضًا إِلَّا قَضَيْتَهَا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ))

[الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى]

الأدب الرفيع مع الله :

 هذا هو الأدب الرفيع مع الله عز وجل، لو أن النبي صلى الله عليه و سلم سأله الرحمة مطلقةً لما كان في هذا الدعاء حقيقةٌ تستدعي الحديثَ في هذه الخطبة، لكن النبي صلى الله عليه و سلم سأله موجبات الرحمة، فالإنسان لا ينتظر أن تُخرق له القواعدُ ة و القوانينُ، لا ينتظر أن يُعطَّل كتابُ الله من أجله، قال تعالى:

﴿ إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾

[سورة الأعراف: 56]

((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ كَانَتْ لَهُ إِلَى اللَّهِ حَاجَةٌ أَوْ إِلَى أَحَدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ فَلْيَتَوَضَّأْ فَلْيُحْسِنْ الْوُضُوءَ ثُمَّ لِيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ لِيُثْنِ عَلَى اللَّهِ وَلْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ لِيَقُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ وَالْغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ وَالسَّلَامَةَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ لَا تَدَعْ لِي ذَنْبًا إِلَّا غَفَرْتَهُ وَلَا هَمًّا إِلَّا فَرَّجْتَهُ وَلَا حَاجَةً هِيَ لَكَ رِضًا إِلَّا قَضَيْتَهَا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ))

[الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى]

القرب من الله يستدعي دفع الثمن :

 فمن أجل أن تقف بين يدي الله، و من أجل أن تنهمر الدموعُ، و من أن أجل أن يتجلَّى ربُّك على قلبك، و من أجل أن تقول:أرحنا بالصلاة لا أرحنا منها، من أجل أن تكون الصلاةُ قرة عينك لا بد من دفع الثمن إنه موجباتُ الرحمة، و النبي عليه الصلاة و السلام يقول أيضا: و عزائم مغفرتك "

﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[سورة النحل: 119]

 كلما سألتَ إنسانا " ألا تتوب من هذا الذنب؟ يقول لك: إن الله غفور رحيم، الله سبحانه و تعالى قيَّد مغفرته بالتوبة و الإصلاح و الإيمان و العمل الصالح، قال تعالى:

﴿ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[سورة النحل: 119]

النبي جمع شطري الإيمان :

 أيها الأخوة المؤمنون، نتابع معكم الدعاءَ النبوي الشريف:

((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ كَانَتْ لَهُ إِلَى اللَّهِ حَاجَةٌ أَوْ إِلَى أَحَدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ فَلْيَتَوَضَّأْ فَلْيُحْسِنْ الْوُضُوءَ ثُمَّ لِيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ لِيُثْنِ عَلَى اللَّهِ وَلْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ لِيَقُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ وَالْغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ وَالسَّلَامَةَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ لَا تَدَعْ لِي ذَنْبًا إِلَّا غَفَرْتَهُ وَلَا هَمًّا إِلَّا فَرَّجْتَهُ وَلَا حَاجَةً هِيَ لَكَ رِضًا إِلَّا قَضَيْتَهَا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ))

[الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى]

 ماذا بقي؟ لم يبق شيء، كلُّ شيء، موجبات الرحمة و عزائم المغفرة و السلامة من كل إثم، و الغنيمة من كل بر، و الفوز بالجنة والنجاة من النار، و النبي عليه الصلاة و السلام جمع شطري الإيمان، فقال:

((عن بُريدة أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يقول: اللهم اجعلني شكورا، واجعلني صبورا، واجعلني في عيني صغيرا، وفي أعين الناس كبيرا ))

[رواه السيوطي في الجامع الصغير عن بُريدة]

النعمَ تقتضي الشكر و المصائب تقتضي الصبرَ :

 أهل الدنيا على عكس ذلك، إن جاءتهم النعمُ كفروا واستعلوا، و إن جاءتهم الشدائدُ يئسوا و قنطوا من رحمة الله، وهم في أنفسهم كبراء و عند الناس صغراء، لكن النبيَّ عليه الصلاة و السلام يعلِّمنا أن النعمَ تقتضي الشكر، و أن المصائب تقتضي الصبرَ، إذا أحبَّ اللهُ عبدَه ابتلاه، فإن صبر اجتباه، و إن شكر اقتناه إذا أحبَّ اللهُ عبدَه عجَّل له في العقوبة، إذا أغضبه و لعنه تركه هملا بلا معالجة، قال تعالى:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾

[ سورة الأنعام: 44]

 اللهم اجعلني شكورا تدخل البيت لك زوجة و لك أولاد، في بيتك الطعام و الشراب، و أناسُ في قارات أخرى يموتون جوعا، لك عمل، و لك دخل، و لك مكانةٌ بين الناس، كان النبيُّ صلى الله عليه و سلم تعظم عنده النعمةُ مهما دقَّت، أي كان إذا ارتدى ثوبا جديدا رأى فضل الله عليه، كان إذا تناول كأسا من ماء يرى فضل الله عليه، كان إذا خرج من قضاء الحاجة يرى فضلَ الله عليه، يقول عليه الصلاة و السلام من أدعيته المأثورة:

 

المؤمن يرى فضل الله عليه في كل شيء :

((عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَرَجَ مِنْ الْخَلَاءِ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي))

[ابن ماجه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

 يعني الطعام، عن ابن عمر رضي الله عنه مرفوعاً:

(( الحمد لله الذي أذاقني لذته وأبقى على قوته وأذهب عني أذاه ))

[الدار قطني عن ابن عمر رضي الله عنه]

 هذه هو الإيمانُ رؤية بالغة لفضل الله عز وجل، شطره شكر، و الشطر الثاني الأنبياء بلغوا حدَّ الكمال، بلغوا مرتبة العصمة، لكن المؤمنين ساعةٌ فساعة، و اللهُ سبحانه و تعالى لمكانتهم عنده يتولَّى معالجتهم بألوان المعالجة، قال تعالى:

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ*الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ*أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 155-157 ]

 أيها الأخوة المؤمنون، جمع النبيُّ عليه الصلاة و السلام في هذا الدعاء شطري الإيمان، عن بُريدة أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يقول:

(( اللهم اجعلني شكورا، واجعلني صبورا، واجعلني في عيني صغيرا، وفي أعين الناس كبيرا ))

[السيوطي في الجامع الصغير عن بُريدة]

العجب أكبر من الذنب :

 عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال:

((لو لم تكونوا تذنبون لخفت عليكم ما هو أكبر من ذلك: العجب العجب))

[السيوطي في الجامع الصغير عن أنس بن مالك ]

 ما هو الشيء الذي هو أكبر من الذنب العجب العجب، أن ترى نفسك فوق الناس، حتى أن الإنسان الذي يستقيم على أمر الله و يرى إنسانا عاصيا فيستعلي عليه، قال عليه الصلاة و السلام:عن أنس أن النبي صلى الله عليه و سلم قال:

(( الذنب شؤم على غير فاعله: إن عيره ابتلي به، وإن اغتابه أثم، وإن رضي به شاركه ))

[السيوطي في الجامع الصغير عن أنس]

 هناك مزالق يقع فيها المؤمنون، يقع فيها المستقيمون أيضا، أنت مستقيم و فلان في مخالفة لله عز وجل، بلا ينبغي أن تستعلي عليه، لا ينبغي أن ترى نفسك فوقه بكثير، الله سبحانه و تعالى تولاك فحفظك، قال تعالى:

﴿ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾

[ سورة يوسف:33 ]

 هكذا قال سيدنا يوسف عليه الصلاة و السلام، قال تعالى

﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ ﴾

[سورة إبراهيم: 35]

أهل الدنيا تقر أعينهم بدنياهم :

 هكذا قال سيدنا إبراهيم، و النبي عليه الصلاة و السلام في دعاء ثالث عن الهيثم بن مالك الطائي أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال:

((اللهم اجعل حبك أحب الأشياء إلي، واجعل خشيتك أخوف الأشياء عندي، واقطع عني حاجات الدنيا بالشوق إلى لقائك، وإذا أقررت أعين أهل الدنيا من دنياهم فأقرر عيني من عبادتك))

[السيوطي في الجامع الصغير عن الهيثم بن مالك الطائي]

 لفتةٌ دقيقة و لطيفة أي أهل الدنيا إذا رأوا أموالهم الطائلة قرَّت أعينَهم إن رأوا بيوتهم الفارهة قرَّت أعينهم، إن رأوا دخلهم غيرَ المحدود قرَّت أعينهم، إن رأوا صحَّتهم قرَّت أعينهم، إن رأوا أولادهم في مراتب رفيعة قرَّت أعينهم، إن رأوا بساتينهم يقول لك: هذا البستان اشتريته بكذا و كذا، و لا أبيعه بخمسة ملايين، معنى ذلك أن عينه قرَّت به قال عليه الصلاة و السلام:عن الهيثم بن مالك الطائي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

((اللهم اجعل حبك أحب الأشياء إلي، واجعل خشيتك أخوف الأشياء عندي، واقطع عني حاجات الدنيا بالشوق إلى لقائك، وإذا أقررت أعين أهل الدنيا من دنياهم فأقرر عيني من عبادتك))

[السيوطي في الجامع الصغير عن الهيثم بن مالك الطائي]

المؤمن تقر عينه برضا الله :

 أي إذا صلَّيت صلاة متقنةً و فاضت بها دموعُك و انعقدت فيها الصلة و تجلَّى ربُّك عليك، فهذا هو الذي يدعو أن تقرَّ عينك، إن رأيت زوجتك و أولادك طائعين لله، قال تعالى:

﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً ﴾

[سورة الفرقان: 74 ]

المعصيةُ شقاء كلها :

 و يتابع النبي عليه الصلاة و السلام:عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر أن يدعو بهذا الدعاء:

((اللهم اجعلني أخشاك حتى كأني أراك أبداً حتى ألقاك، وأسعدني بتقواك ولا تشقني بمعصيتك وخر لي في قضائك وبارك لي في قدرك حتى لا أحب تعجيل ما أخرت ولا تأخير ما عجلت، واجعل غنائي في نفسي وأمتعني بسمعي وبصري، واجعلهما الوراث مني، وانصرني على من ظلمني وأرني فيه ثأري وأقر بذلك عيني))

[الطبراني عن أبي هريرة رضي الله عنه]

 المعصيةُ شقاء كلها، لكل شيء حقيقة، و ما بلغ عبدٌ حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، و ما أخطأه لم يكن ليصيبه:

((.... حتى لا أحب تعجيل ما أخرت ولا تأخير ما عجلت، واجعل غنائي في نفسي وأمتعني بسمعي وبصري، واجعلهما الوراث مني، وانصرني على من ظلمني وأرني فيه ثأري وأقر بذلك عيني))

[الطبراني عن أبي هريرة رضي الله عنه]

الذي أعطاك قادرٌ أن يسلب منك :

 وهذا أيضا من أدعيته صلى الله عليه و سلم، وأحيانا يسمع الإنسان أن فلانا جاءته المصائبُ مجتمعة، ففقد في ساعات ما حصَّله في سنوات، لذلك النبي صلى الله عليه و سلم قال عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ كَانَ مِنْ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ وَجَمِيعِ سَخَطِكَ ))

[مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ]

 يجب أن تعلم علم اليقين أن الذي أعطاك قادرٌ في كل لحظة أن يسلب منك كلَّ ما أعطاك، لذلك لا تنساه، كن معه، كن شاكرا له، كن منيبا إليه، قال تعالى:

﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾

[ سورة الكهف : 28]

من يستغني عن الله يقع في شرِّ عمله :

 و أحيانا يثق الإنسانُ بذاته، بخبرته، بعلمه، بما حصَّله من معرفة فيستغني بها عن الله عز وجل، فيقع في شرِّ عمله، لذلك دعا النبيُّ صلى الله عليه و سلم:

((عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي أَسْمَعُكَ تَدْعُو كُلَّ غَدَاةٍ اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي بَدَنِي اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي سَمْعِي اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي بَصَرِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ تُعِيدُهَا ثَلَاثًا حِينَ تُصْبِحُ وَثَلَاثًا حِينَ تُمْسِي فَقَالَ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو بِهِنَّ فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَسْتَنَّ بِسُنَّتِهِ قَالَ عَبَّاسٌ فِيهِ وَتَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ تُعِيدُهَا ثَلَاثًا حِينَ تُصْبِحُ وَثَلَاثًا حِينَ تُمْسِي فَتَدْعُو بِهِنَّ فَأُحِبُّ أَنْ أَسْتَنَّ بِسُنَّتِهِ قَالَ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَوَاتُ الْمَكْرُوبِ اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ))

[أبو داود عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مَيْمُونٍ]

 كلها أحوال دقيقة تمرُّ على النفس، الإعجاب، الثقة بالقدرة.

 

أدعية النبي الاجتماعية :

 ومن أدعيته الاجتماعية صلى الله عليه و سلم، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:

(( اللهم أصلح ذات بيننا، وألف بين قلوبنا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن. اللهم بارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا، وأزواجنا، وذرياتنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها، قابلين لها، وأتمها علينا ))

[الطبراني عن ابن مسعود]

 يعني أحيانا ترى في أسر خصاما و جفاء و بغضا و عداءً و محافظ على أدق التصرفات، ومشكلات لا تنتهي، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:

(( اللهم أصلح ذات بيننا، وألف بين قلوبنا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن. اللهم بارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا، وأزواجنا، وذرياتنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها، قابلين لها، وأتمها علينا ))

[الطبراني عن ابن مسعود]

 قال عليه الصلاة و السلام:

(( عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ قَالُوا بَلَى قَالَ صَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ ))

[الترمذي عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ]

 وأدرك عليه الصلاة و السلام أن الإنسان في شيخوخته تضعف قواه و تضعف حيلتُه، و يميل إلى الراحة، فقال عليه الصلاة و السلام: اللهم اجعل أوسع رزقك عليَّ عند كبر سني " فأنا في هذا السن في أمس الحاجة إلى رزق وفير، و إلى جهد قليل، قد ينشأ الإنسان في تعب مضني، فإذا بلغ سنًّا معينا وسَّع عليه في الرزق، فهذا من نعم الله على الإنسان، و قد ينشأ الإنسان في بحبوحة كبيرة فكلما كبرت سنُّه ضاق روقُه، و هذا الذي استعاذ منه النبي عليه الصلاة و السلام: الله إنا نعوذ بك من السلب بعد العطاء، و من عضال الداء و من شماتتة الأعداء.
 أيها الأخوة المؤمنون؛ حاسبوا أنفسكم، و زنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، و اعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، و سيتخطَّى غيرنا إلينا، فلنتَّخذ حذرنا، الكيِّس من دان نفسه و عمل لما بعد الموت و العاجز من أتبع نفسه هواها و تمنى على الأماني.

* * *

الخطبة الثانية :

 

 الحمد لله رب العالمين و أشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، و أشهد أن سيدنا محمدا عبده و رسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صل و سلم و بارك على سيدنا محمد وعلى آله وآل بيته الطيبين الطاهرين.

الإكثار من ذكر هادم اللذات :

 أيها الأخوة الأكارم؛ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم في إحدى خطبه الوجيزة، قال: أكثروا ذكر هادم اللذات - يعني الموت - فإنكم إن ذكرتموه في ضيق وسَّعه عليكم، فرضيتم به فأُجِرتم، و إن ذكرتموه في غنى بغَّضه إليكم فجدتم به فأُثِبتم، إن المنايا قاطعات الآمال، و الليالي مدنيات الآجال و إن المرء بين يومين؛ يوم قد مضى أُحصي فيه عملُه، فخُتم عليه، و يوم قد بقي لا يدري لعله لا يصل إليه، و إن العبد عند خروج نفسه وحلول رمسه يرى جزاء ما أسلف و قلةَ غناء ما خلَّف، فلعله من باطل قد جمعه، أو حق منعه " لذلك قال بعضهم: أنت بين أيام ثلاثة: يوم مفقود، و يوم مشهود، و يوم مورود، فاليوم المفقود مضى، إن كنت فيه محسنا، أُثبت، و إن كنت فيه مسيئا كُتبت هذه الإساءة، ختم به عملك، و اليوم المورود، هذا في علم الغيب، لا ندري ما سيكون، وليس لك إلا يوم واحد هو الساعة التي أنت فيها " لذلك قال بعضهم أيضا:

ما مضى فات و المؤمل غيب  ولك الساعة التي أنت فيها
***

الموت إن ذكر في ضيق وسَّعه :

 لك هذه الساعة الآن، الآن تُب إلى الله عز وجل، في هذه الدقيقة، هذه لك، لا تدري ماذا سيكون بعد دقائق:
 ما مضى فات و المؤمل غيب ولك الساعة التي أنت فيها

***

 لذلك هذه نصيحة وصية نبوية شريفة: أكثروا ذكر هادم اللذات - الموت -فإنكم إن ذكرتموه في ضيق وسَّعه عليكم ، فرضيتم به فأُجِرتم، و إن ذكرتموه في غنى بغَّضه إليكم فجدتم به فأُثِبتم، إن المنايا قاطعات الآمال، و الليالي مدنيات الآجال و إن المرء بين يومين؛ يوم قد مضى أُحصي فيه عملُه، فخُتم عليه، و يوم قد بقي لا يدري لعله لا يصل إليه، و إن العبد عند خروج نفسه وحلول رمسه يرى جزاء ما أسلف و قلةَ غناء ما خلَّف، فلعله من باطل قد جمعه، أو حق منعه.

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت و بارك اللهم لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي و لا يُقضى عليك، و إنه لا يذل من واليت، و لا يعز من عاديت، اللهم أعطنا و لا تحرمنا، اللهم أغننا بالعلم وزيِّنا بالحلم و أكرمنا بالتقوى، وجمِّلنا بالعافية، اللهم إنا نعوذ بك من الشقاق و النفاق و سوء الأخلاق، اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك، و من الذل إلا لك، ومن الفقر إلا إليك، نعوذ بك من عضال الداء و من شماتة الأعداء ومن السلب بعد العطاء، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، و أصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا واجعل الحياة زادا لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، اللهم اغفر ذنوبنا واستر عيوبنا، واقبل توبتنا،وفك أسرنا، و أحسن خلاصنا، و بلغنا مما يرضيك آمالنا، واختم بالصالحات أعمالنا، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، وآمنا في أوطاننا، واجعل هذا البلد آمنا سخيًّا رخيا وسائر بلاد المسلمين اللهم استر عيوبنا، و اغفر ذنوبنا واقبل توبتنا، و تولَّ أمرنا و فكَّ أسرنا، و أحسن خلاصنا، و اهد أولادنا، بلِّغنا مما يرضيك آمالنا واختم بالصالحات أعمالنا، مولانا رب العالمين، اللهم بفضلك و رحمتك أعلِ كلمة الحق و الدين، وانصر الإسلام وأعزَّ المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب و ترضى، إنك على ما تشاء قدير، و بالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018