الخطبة : 0076 - العزة - المودة و المحبة ثمنها أن تقبل على الله. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0076 - العزة - المودة و المحبة ثمنها أن تقبل على الله.


1985-03-01

الخطبة الأولى :

 الحمد لله نحمده و نستعين به و نسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنا و من سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، و من يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدا ، و اشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارا بربوبيته و إرغاما لمن جحد به و كفر ، وأشهد أن سيدنا محمدا صلى الله عليه و سلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتَّصلت عينٌ بنظر أو سمعت أذنٌ بخبر ، اللهم صلِّ و سلِّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه و علة ذرِّيته و من والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم ارحمنا فإنك بما راحم ، و لا تعذِّبنا فإنك علينا قادر ، و الطُف بنا فيما جرت به المقادير إنك على كل شيء قدير ، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا و زدنا علما ، وأرنا الحق حقًّا وارزقنا اتِّباعه ، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

العزة والذلة ، والكبر والضعف .

 أيها الإخوة الأكارم ؛ الكبرياء على العباد صفة ربِّ العباد ، قال تعالى :

﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾

[سورة الأعلى الآيات:2-4]

 والذي إذا ظهر قهر ، و إذا تجلَّى طاشت لأنوار جلاله ألبابُ البشر .
 يا أيها الإخوة الأكارم ؛ لله الحمد ربُّ السماوات والأرض ، رب العالمين ، وله الكبرياء في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم ، ذلَّة العباد لربِّهم ذلةٌ بالحق ، لا بالباطل ، فالخلق والأمر والملكُ و الغنى لله وحده ، و العباد إنما يكونون في أرقى أحوالهم ساعة تعلو جباههم للحيِّ القيوم ، أما ذلةُ العبد للعبد فباطلٌ لا ريب فيها ، فالمتكبِّر متطاول مبطِل ، يزعم لنفسه ما ليس لها ، و الوضيع المستعبَد جاهلٌ بقدر نفسه يحمِّلها من الأوزار ما لا تطيق .
 أيها الإخوة الأكارم ؛ حول العزة والذل ، حول الكبر والضعف ، حول هذه النقاط التي تعتري الإنسانَ ، يقوى الإنسان بالباطل ، و يضعف بالباطل ، و يقوى بالحق و يضعف بالحق ، متى ينبغي له أن يكون عزيزا ؟ متى يحقُّ له أن يتذلَّل ؟ و لمَن و متى ؟ متى يستعلي و متى يخضع ؟ لمن الكبرياء حول العزة و الذلة ، حول القوة و الضعف موضوع هذه الخطبة .

 

العزة صفة من صفات المؤمن :

 

 أيها الإخوة الأكارم ؛ العزة من أولى صفات المؤمن ، ليس الإيمان في الصلاة و الصيام ، هذه عبادات يتعبَّد الناسُ ربَّهم بها ، فمن اكتفى بالصلاة و ظنَّ أنها كلُّ شيء فقد حاد عن الطريق الصحيح ، الصلاة كل شيء إذا أثمرت كل َّ شيء ، و إن لم تثمر بشيء فليست بشيء ، الصلاة كلُّ شيء ، الصلاة عماد الدين من أقامها فقد أقام الدين و من هدمها فقد هدم الدين ، إذا أثمرت عزةً ، و إذا أثمرت عفافا ، إذا أثمرت إنصافا ، إذا أثمرت حلما ، إذا أثمرت كرامةً ، إذا أثمرت صفحا ، إذا أثمرت عفوا ، إذا أثمرت محبَّة ، إذا أثمرت تواضعا ، إن أثمرت كلَّ شيء ، فهي أصلُ كل شيء ، و إن لم تثمر شيئا فليست بشيء ، من ثمار الصلاة العزةُ ، فالعزة يا إخوتي المؤمنين من أولى صفات المؤمن ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : الْتَقَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَلَى الْمَرْوَةِ فَتَحَدَّثَا ثُمَّ مَضَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو وَبَقِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَبْكِي ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : مَا يُبْكِيكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : هَذَا ؛ يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ، زَعَمَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

(( مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ أَكَبَّهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّار ))

[رواه أحمد]

الفرق بين العزة والكبر .

 ما الفرق بين العزة والكبر؟ شيء دقيق أن تكون عزيزا فضيلة ، أن تكون متكبِّرا رذيلة ، أن تكون عزيزا فهذه من الرحمن ، أن تكون متكبِّرا فهذا من الشيطان ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : الْتَقَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَلَى الْمَرْوَةِ فَتَحَدَّثَا ثُمَّ مَضَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو وَبَقِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَبْكِي ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : مَا يُبْكِيكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : هَذَا ؛ يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ، زَعَمَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

(( مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ أَكَبَّهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّار ))

[رواه أحمد]

 متى يتكبَّر الإنسان ؟ لأنه لم يعرف ربَّه ، رأى أنه كبير ، ونسي الكبير المتعال ، رأى أنه قويٌّ ، ونسي القويَ الغنيَّ ، رأى أنه غنيٌّ ونسي أنه عالةٌ على الغني ، و غناه ليس أصيلا فيه ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ قَالُوا وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ قَالَ يَتَعَرَّضُ مِنْ الْبَلَاءِ لِمَا لَا يُطِيقُ ))

[أخرجه الترمذي]

 لا ينبغي أن يتكبَّر ولا ينبغي أن يذلَّ نفسه ، فماذا يفعل ؟ الكبر حرام ، و أن تكون ذليلا للناس حرام ، أيُّ المواقف هو الصحيح ؟ و قد رُوي عن أنس رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( مَنْ أَصْبَحَ حَزِيْنَاً عَلَى الْدُّنْيَا أَصْبَحَ سَاخِطاً عَلَى رَبِّه ، وَمَنْ أصْبَحَ يَشْكُو مُصِيبَتَهُ فَإِنَّمَا يَشْكُو رَبَّهُ ، وَمَنْ دَخَلَ عَلَى غَنِيٍّ فَتَضَعْضَعَ لَهُ ذَهَبَ ثُلْثَا دِيِنِه ))

[أخرجه الطبراني]

 الكبر حرام ، و الذلُّ لغير الله حرام ، و التضعضع للأغنياء حرام ، و التضعضع للأقوياء حرام ، أين الحلال إذن ؟
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ عن أبي ذر قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( من أصبح وهمه الدنيا فليس من الله في شيء ، ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ، ومن أعطى الذلة من نفسه طائعاً غير مكره فليس منا ))

[أخرجه الطبراني]

 قد يسأل سائل ؛ إذا ألمَّت بإنسان مصيبة ألا يتألَّم ؟ نقول له : نعم ، الألم حقٌّ ، و الألم من صفات البشر ، ولا يضعضع مكانةَ الإنسان عند الله أن يتألم ، أما أن يقوده ألمُه إلى مواقف الذل ، فهذا الذي ينهى الشرع ، قد تنزل بالإنسان نازلة ، قد تحلُّ به مصيبةٌ ، قد يضيق ذاتُ يده ، قد يضيق ما في يده ، قد يفقد شيئا من مكوِّنات حياته ، يتألم ، و لكن هذا الألم لا يسلم المؤمن إلى الذلِّ ، لا يسلم المؤمن إلى الانهيار ، إلى التضعضع و إلى الوهن ، إلى الضعف ، لا ، ثقته برب العالمين كبيرةٌ ، و اعتماده على الله كبير ، و اليأسُ ليس من صفات المؤمنين ، و القنوطُ من رحمة الله ليس من صفات المتَّقين ، في الحديث الشريف كما قلت لكم ، عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :

((مَنْ أَصْبَحَ حَزِيْنَاً عَلَى الْدُّنْيَا أَصْبَحَ سَاخِطاً عَلَى رَبِّه ، وَمَنْ أصْبَحَ يَشْكُو مُصِيبَتَهُ فَإِنَّمَا يَشْكُو رَبَّهُ ، وَمَنْ دَخَلَ عَلَى غَنِيٍّ فَتَضَعْضَعَ لَهُ ذَهَبَ ثُلْثَا دِيِنِه ))

[أخرجه الطبراني]

 واللهُ سبحانه و تعالى يقول :

﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾

[سورة النساء الآية:97]

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ أن تكون ذليلا لغير الله حرام ، و أن تكون متكبِّرا بالباطل حرام ، فماذا ينبغي أن تكون ؟ ينبغي أن تكون عزيزا ، إن إعزاز المسلم بنفسه و دينه و ربِّه هو كبرياءُ الإيمان ، و كبرياء الإيمان غيرُ كبرياء الطغيان ، شتَّان بين الاثنين ، ما أبعد الثرى من الثريا ، إن أنفةَ المؤمن تمنعه أن يخضع لغير الله ، إن أنفة المؤمن تمنعه أن يكون ذليلا ، أن يكون خانعا ، أن يكون خائفا وجلاً ، قال تعالى :

﴿كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾

[سورة فاطر الآية:10]

 محصورة كلُّها عند الله ، من لم يكن له من الله منها نصيب فلن يكون عزيزا ، من لم يكن له خيطٌ بالله تعالى فلن يكون عزيزا ، و الدعاء الذي تعرفونه و تقرؤونه في صلاة الصبح ، قَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي الْوِتْرِ:

((اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ فَإِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ وَإِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ))

[أخرجه أبو داود والترمذي]

 قال تعالى :

﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾

[سورة القصص الآية:83]

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ في الصلوات الخمس ، في الفرائض و السنن تقول : الله أكبر أخي المؤمن أكثر من مائتين و خمسين مرة ، فإذا قلت : الله أكبر ، كيف ترى ، كيف تخضع لغير الله ؟ كيف تذلُّ نفسك له ؟ الله أكبر ، الله أكبر من كل شيء ، ومهما عرفتَ عن عظمته فهو أكبر ، إن كلمة "الله أكبر" لا تعني أن تكون ذليلا ، لا تعني أن تكون خانعا ، لا تعني أن تخشى غير الله ، أن تعطيَ الله لإرضاء مخلوق .

 

عزة المؤمن بأداء وإتقان ما عليه .

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ العزة حقٌّ للمؤمن على الله ، و كلُّ حقٍّ يقابله واجب ، العزة حق للمؤمن على الله ، لكن كلَّ حق يجب أن يقابله واجبٌ ، وليس يسوغ للمرء العاقل أن يطالب بحقوقه قبل أن يؤدِّي واجباته ، فإذا قمت بعملٍ فأدَّيته أداءً جيِّدا أغلقتَ كلَّ السبل التي منها تنفذ الناسُ إليك لا تكون عزيزا إلا إذا أتقنتَ عملك ، لا تكون عزيزا إلا إذا قمت بكل ما عليك من حقوق ، لا تكون عزيزا إذا غششتَ امرؤا في بضاعة بعتها إياه ، لا تكون عزيزا إذا غبنته في السعر ، لا تكون عزيزا إذا أُوكل إليك أمرٌ فأهملته ، عندئذٍ يكون للناس عليك سلطان ، عندئذ ينفذ الناسُ إليك بالعتاب و التقريع و التأنيب و التوبيخ و التشهير ، لأنك بالتقصير جعلتَ‍ للناس عليك سلطانا ، متى تفقد عزَّتك بالتقصير ، إذا قصَّرت .
مثلا :
 إذا قصَّرت بحق زوجتك ، و جاء أبوها إليك قد يسمعك كلماتٍ قاسية ، لماذا أسمعك كلمات قاسية ، لأنك بتقصيرك مع زوجتك جعلت لأبيها عليك سلطانا .
 إذا قصَّرت في عملك جعلتَ لمن هو فوقك له عليك سلطانا ، ينبِّهك و يزجرك و يعرض عنك ، لا يبالي بك .
 موضوع دقيق جداً ... لن تستطيع أن تكون عزيزا إلا إذا أدَّيت كلَّ ما عليك ، اتجاه أهلك ، واتجاه زوجتك ، اتجاه أولادك ، اتجاه جيرانك ، اتجاه زبائنك ، اتجاه مرؤوسك ، اتجاه رؤسائك ، لا بد من أن تؤدَّي ما عليك حتى تنتزع إعجابهم ، حتى تجعلهم يكبرونك ، حتى تجعلهم يتهيَّبونك ، حتى تجعلهم يحسبون ألف حساب قبل أن يكلِّموك .
 العزَّة حقٌّ لك ، لكنَّ كلَّ حق يقابله واجبٌ .
 لن تستطيع أن تكون عزيزا إلا إذا أدَّيت ما عليك ، إذا قمت بعمل و لم تتقنه ، وكُشِف العيبُ يأتيك الزبون وقد فتح عينيك فمه بأكبر زاوية ، و خاطبك بأقسى كلام ، لماذا ؟. إهمالك لمصلحتك أفقدك عزَّتك و كرامتك .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ العزة حق ، لكن كل حق يقابله واجب ، إذا أدَّيت ما عليك دفعتَ ثمنَ العزة ، فإن لم تؤدِّ ما عليك لم تدفع ثمنها وبالتالي لم تمتلكها .
 أيها الإخوة الأكارم ؛ الموظَّفون لا يستطيعون أن يكونوا في عزَّة إلا إذا أدَّوا واجباتهم كاملةً ، العمالُ لا يستطيعون أن يكونوا أعزَّةً إذا أتقنوا أعمالهم ، أصحابُ الصناعات لا يستطيعون أن يكونوا أعزَّة إلا إذا أتقنوا صناعاتهم و أوفوا بعهودهم ، كلُّ حرفة ، الطبيب لن يستطيع أن يكون عزيزا إلا إذا نصح المريضَ ، فإذا غشَّه و كُشِف هذا الغشُّ شهَّر به المريضُ و أفقده مكانته ، البائع لا يستطيع أن يكون عزيزا إلا إذا كان سعرُه مدروسا ، و ربحُه معقولا وبضاعته جيِّدة ، فإذا خالف هذه الصفات شهَّر الناسُ به و تطاولوا عليه ، ومُّدَّت إليه أيدي الأذى .
 يا إخوة الإيمان ؛ ما من شعور في حياة المؤمن أكثر سعادةً و إسعادا من أن يكون المرءُ عزيزا ، و العزةُ لها ثمنٌ ، النبيُّ صلى الله عليه و سلم الذي أُوتي البيانَ الجامع ، جوامع الكلم ، قال : إياك و ما يُعتذر منه ، أيُّ شيء ، أيُّ موقف ، أيُّ تصرُّف ، أيُّ تقصير يؤدِّي بك إلى أن تقول : لا تؤاخذوني ، سامحوني ، أخطأت ، انكمشت شخصيتُك ، و ضعفت مكانتك ، هُزَّت مرتبتك عند من هو أعلى منك ، أما إذا أدَّيت ما عليك رفعتَ رأسك شامخا و كنت عزيزا لا متكبِّرا ، العزة بالحق ، لكن التكبُّر بالباطل .
 من الأدعية التي تهزُّ مشاعرَ الإنسان :

 

(( اللهم إنا نعوذ بك من الذل إلا لك - التذلُّل له عزّ - اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، اللهم إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك ))

 العزة ثمرةٌ يانعة من ثمار الصلاة ، لكن هذه الثمرة لأنها يانعة لا بدَّ لها من ثمن ، الثمن أن تؤدِّي ما عليك كاملا ، هذا هو الثمن ، أدِّ ما عليك ، أتقن مصلحتك ، لا تهمل عملك هذا هو الدين ، أكثر الناس يحسبون التديُّن بأداء العبادات ، و لكن جوهر الدين كامنٌ في عملك ، في مصلحتك ، في مواعيدك ، في تصرُّفاتك ، في بيعك ، في شراءك ، في علاقتك بالناس ، هنا يظهر التديُّنُ على حقيقته و اللهِ ، كما قال عليه الصلاة و السلام :

(( والله لترك دانق من حرام خير من ثمانين حجَّة بعد الإسلام " هذا هو التديُّن أن تكون ورِعا ))

 عن أنس رضي الله عنه أن رسول اله صلى الله عليه و سلم قال :

(( ركعتان من رجل ورع أفضل من ألف ركعة من مخلط ))

[رواه السيوطي في الجامع الصغير]

الخلاصة :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ كلمة أخيرةٌ ، الآيات الكريمة تؤكِّد هذا الموضوع ، قال تعالى :

﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾

[سورة يونس الآية:26]

 ماذا أحسنوا ؟ هذه مطلقة ، والمطلق على إطلاقه ، أحسنوا علاقاتهم مع الناس ، أحسنوا مصلحتهم ، أحسنوا أعمالهم ، أحسنوا في مواعيدهم ، أحسنوا في أداء واجباتهم ، أحسنوا في صناعاتهم ، أحسنوا في كل شيء قال تعالى :

﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ ﴾

[سورة يونس الآية:26]

 متى لا يرهق وجوههم قتر و لا ذلة ؟ حينما يحسنوا :

﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾

[سورة يونس الآية:26]

 مسبِّبات الذلة كسبُ السيئات ، التقصير في أداء الحقوق ، هذا من مسبِّبات الذل ، و أداء الواجب من مسببات العزة ، و الكبر حرام الذلُّ حرام ، النبيُّ صلى الله عليه و سلم ينصحنا و يقول :

(( اطلبوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير))

 عن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال :

(( إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل أجلها ، وتستوعب رزقها ، فاتقوا الله ، وأجملوا في الطلب ، ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله ؛ فإن الله تعالى لا ينال ما عنده إلا بطاعته ))

[رواه السيوطي في الجامع الصغير]

 قال تعالى :

﴿يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾

[سورة فاطر الآية:2]

 ما هو لك ، و ما ليس لك ليس لك ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ :

(( يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ ، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ ، رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ ))

[أخرجه الترمذي]

 قال تعالى :

﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

[سورة فاطر الآية:2]

 فعلام الذلة لغير الله ؟ قال تعالى :

﴿مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

[سورة هود الآية:55-56]

 قال تعالى :

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾

[سورة يوسف الآية:21]

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، و زنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا ، و سيتخطَّى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيِّس من دان نفسه و عمل لما بعد الموت ، و العاجز من أتبع نفسه هواها و تمنى على الله الأماني .

 

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :

 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم .

ثمرات مرضاة الله عز وجل .

 أيها الإخوة الأكارم ؛ يقول عليه الصلاة و السلام :

(( ما أقبل عبد على الله - هذه " ما " شرطية أي إذا أقبل العبد على الله - ما أقبل عبد على الله بقلبه إلا جعل الله قلوب المؤمنين تنساق إليه بالمودة و الرحمة ، و كان الله بكل خير إليه أسرع ))

 فالمودة و المحبة ثمنها أن تقبل على الله ، من منا لا يتمنى أن يكون موضعَ مودَّة الناس ؟ من منا لا يتمنى أن تكون علاقته بالناس طيِّبة ؟ من منا لا يتمنى أن يحسَّ أنه يعيش في وسط يحبُّه ، من منا لا يتمنى أن يكون بين ناس كأهله ، من منا لا يتمنى أن تكون علاقته بين الناس حميمة ؟ من منا لا يتمنى أن يكون في قلب كلٍّ من أصحابه ؟ من منا ؟ هذا له ثمن ، هذه كلها قوانين .

(( ما أقبل عبد على الله بقلبه إلا جعل الله قلوب المؤمنين تنساق إليه بالمودة و الرحمة ، و كان الله بكل خير إليه أسرع ))

 المودة مشاعر ، و الرحمة عمل ، فإذا أردت أن تعيش بين إخوة طيِّبين ، إذا أردت أن تعيش في مجتمع و كلُّهم يتهافت على مودَّتك فهذا ثمنُه ، أن تكون علاقتك بالله طيِّبة ، إن كانت علاقتك بالله طيبة جعل اللهُ علاقةَ الناس بك طيِّبة ، من أحسن فيما بينه و بين الله أحسن الله فيما بينه و بين الناس ، و من أصلح سريرته أصلح الله علانيته ، فإذا أردت ألا تكون كسائر الناس يشكو من غدر الناس و من لؤمهم ومن فضاضتهم ومن قسوتهم ومن تطاولهم عليه ، إذا أردت ان تكون متميِّزا مترفِّعا عن هذا المستوى ، فهذا هو السبيل ،وهذا هو الطريق ، وهذا هو الثمن .

(( ما أقبل عبد على الله بقلبه إلا جعل الله قلوب المؤمنين تنساق إليه بالمودة و الرحمة ، و كان الله بكل خير إليه أسرع ))

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، و عافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت و بارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي و لا يُقضى عليك ، و إنه لا يذل من واليت ، و لا يعز من عاديت ، تباركت ربنا و تعاليت ، و لك الحمد على ما قضيت ، اللهم أعطنا و لا تحرمنا ، وأكرمنا و لا تهنا ، و آثرنا و لا تؤثر علينا ، و أرضنا و ارض عنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم أغننا بالعلم ، و زينا بالحلم ، وأكرمنا بالتقوى ، وجملنا بالعافية ، وطهِّر قلوبنا من النفاق ، و أعمالنا من الرياء ، وألسنتنا من الكذب ، و أعيننا من الخيانة ، فإنك تعلم خائنة الأعين و ما تخفي الصدور ، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، و أصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا ، و اجعل الحياة زادا لنا من كل خير ، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، اللهم يا أرحم الراحمين اغفر ذنوبنا واستر عيوبنا ، واقبل توبتنا ، فكَّ أسرنا ، وأحسن خلاصنا ، وبلِّغنا مما يرضيك آمالنا ، و اختم بالصالحات أعمالنا ، اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمنا سخيًّا رخيا وسائر بلاد المسلمين اللهم بفضلك و رحمتك أعلِ كلمة الحق و الدين ، وانصر الإسلام وأعزَّ المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب و ترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، و بالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018