الخطبة : 0108 - لقد تاب الله على النبي والمهاجرين - الطب الوقائي. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0108 - لقد تاب الله على النبي والمهاجرين - الطب الوقائي.


1985-12-13

الخطبة الأولى :
 الحمد لله ثم الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله .
 وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إذا رجع العبد العاصي إليه نادى منادٍ في السماوات والأرض : أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله .
 وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله خير نبيٍ اجتباه وللعالمين أرسله .
 تقدم منه سيدنا مسعود وصافحه ، ولما أمسكت يدي النبي بيد مسعودٍ رضي الله عنه ، وجد يده خشنة ، فيها جراحٌ مِن عمله ، مِن كسب رزقه ، فقال عليه الصلاة والسلام :

(( هذه اليد لا تمسَّها النار ))

[ لسان العرب ]

 فلما صعد ابن مسعودٍ شجرةً على مرأى مِن صحابة رسول الله ، رأوا دقَّة ساقيه ، كان قصير القامة نحيلاً ، فتبسَّم بعضهم ، وعجب بعضهم الآخر ، فقال عليه الصلاة والسلام :

(( أتعجبون مِن دقة ساقه ، والله الذي لا إله إلا هو إن ساقه يوم القيامة تزن كجبل أحد ))

[رواه الطبراني و أحمد وأبو يعلى والبزار]

 اللهم صلِ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين ، الهُداة المهديّن ، الغُر المحجَّلين ، الذين كانوا حكماء علماء كادوا مِن فقههم أن يكونوا أنبياء ، كانوا رهبان في الليل فرساناً في النهار .
 اللهمَّ أعطنا ولا تحرمنا ، وأكرمنا ولا تهنا ، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وارض عنا .

باب التوبة مفتوح :

 وبعدُ أيها الإخوة المؤمنون ؛ وصلنا في الخُطَب الماضية إلى بعض الآيات مِن سورة التوبة وها نحن أمام قوله تعالى :

﴿ لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾

[ سورة التوبة الآية : 117 ]

 ما دام في الحياة بقية ، ما دام القلب ينبِض ، فباب التوبة مفتوحٌ على مِصْراعَيْه ، والله سبحانه وتعالى أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد ، والعقيم الوالد ، والظمآن الوارد .
 ولله عزَّ وجل أفرح بتوبة أحدكم من بدويٍ ركب راحلته ليجتاز بها الصحراء ، جلس بعد حينٍ مِن الوقت إلى ظل نخلةٍ ، ليستريح مِن وعثاء السفر ، وما هي إلا برهةٌ حتى أخذته سِنَةٌ مِن النَوم ، فاستيقظ فلم يجد راحلته التي عليها طعامه وشرابه ، فجعل يبكي ، ويبكي ، ويبكي يأساً مِن الحياة ، بعد ضياع الراحلة ، ثم أخذته سِنَةٌ من النوم ، فأفاق منها فرأى ناقته ، فتلعثم لسانه من شدة الفرح وقال : يا رب أنا ربك وأنت عبدي .
 عن أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( لَلّهُ أشَدُّ فْرَحا بِتَوْبَةِ أحَدِكم مِنْ أحَدِكم بِضَالَّتِهِ إذا وجَدَها ))

[ أخرجه الترمذي ]

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ لو أن ذنوب الإنسان بلغت عنان السماء ، ثم قال : يا رب ، لقد أذنبت . يقول الله عزَّ وجل : وأنا قد سترت ، فإذا قال : يا رب ، لقد تبت إليك . يقول الله عزَّ وجل : وأنا قد قبلت . وإذا قال الراكع : يا رب ، قال الله : لبيك ، وإذا قال الساجد : يا رب ، قال الله : لبيك ، وإذا قال العاصي : يا رب ، قال الله : لبيك ثم لبيك ثم لبيك .
 هذه الأحاديث أيها الإخوة هدفها الأول حثُّ النَفْس على التوبة النصوح ..

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً ﴾

[ سورة التحريم الآية : 8 ]

 قد هلك المسوِّفون ...
 من هم المسوِّفون ؟ الذين يقولون : سنتوب غداً ، أو بعد غدٍ ، أو في نهاية الموسم ، أو في نهاية العام ، أو على مطلع العام الجديد ، أو بعد احتفال رأس السنة ، هؤلاء الذين يسوفون التوبة ؛ إنهم هالكون لاشك .

شروط التوبة :

 لكن التوبة أيها الإخوة المؤمنون تحتاج إلى جهدٍ كبير :
 1- إقلاعٌ عن الذنب .
 2- ندمٌ عن الماضي .
 3- وإقلاعٌ في الحاضر .
 4- ورغبةٌ أكيدة ألا يعود إليها في المستقبل .
 ندمٌ ، وإقلاعٌ ، وعزيمة ، إذا توافر الندم ، والإقلاع الفوري ، والعزيمة الصادقة على الاستمرار والثبات ، فهذا مِن علامات التوبة المقبولة ، العائد من ذنبه كالمستهزئ بربِّه .

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً ﴾

[ سورة التحريم الآية : 8 ]

قصة كعب بن مالك ورفاقه مرارة بن الربيع وهلال بن أمية :

 لكن هؤلاء الثلاثة مِن أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام الذين تاب الله عليهم فقال :

﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ﴾

[ سورة التوبة الآية : 118 ]

 قد يتوب الإنسان مِن ذنبه ، فيتوب الله عليه ، توبة الله على العبد بعد أن تاب من ذنبه محمولةٌ على قبول التوبة ، لكن توبة العبد على الله قبل أن يتوب مِن ذنبه محمولةٌ على التضييق عليه ، إلى أن توصله إلى التوبة .
 فهؤلاء الصحابة دعوا إلى الجهاد في سبيل الله ، وكانت المعركة معركة " تبوك " ، ودعا النبي أصحابه لهذه المعركة ، واستجابوا له ، وتخلّف مِن أهل المدينة بضعٌ وثمانون رجلاً أكثرهم مِن المنافقين ، وتخلَّف أيضاً ثلاثةٌ ما عُهد عليهم النفاق .
 فلما توجه النبي عليه الصلاة والسلام إلى تبوك ، وقفل راجعاً منها ، قال سيدنا كعب : لما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجَّه قافلاً مِن تبوك ، حضرني بثي ـ جاءه الألم ، جاءه الهم ، جاءت النُقطة الحرجة ، كيف يواجه النبي ، وهو صحابيٌ صادق ؟ كيف يعتذر له ؟ ماذا يقول له ؟ أيكذب عليه ، أم يصدقه ؟ إن كذب عليه وقع في غضب الله ، وإن صدقه وقع في سخط النبي عليه الصلاة والسلام ، قال: جاءني بثي ، حضرني بثي ، وطفقت أتذكر الكذب ، وأقول : بمَ أخرج مِن سخطه ، وصرت أستعين على ذلك بكل ذي رأيٍ مِن أهلي ، أأصدقه أم أكذب عليه ؟
 فلما قيل : إن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم قد أظلَّ قادماً ، زاح عني الباطل ، وعرفت أني لم أنجُ منه بشيءٍ أبداً ، فأجمعت صِدْقَهُ ـ أي قررت أن أصدقه وليكن ما يكن ـ فأجمعت صدقه ، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة ، وكان إذا جاء من سفرٍ بدأ بالمسجد فصلَّى ركعتين ، ثم جلس إلى الناس يستمع أعذارهم ، هؤلاء المتخلفين .
 فلما فعل ذلك ، جاءه المخلفون من المنافقين ، فطفقوا يعتذرون إليه بكلاٍم منمقٍ ، مقنعٍ ، ويحلفون له أنهم هكذا ، وهذا الذي حدث معهم ، وهناك أسبابٌ قاهرة حالت بينهم وبين الجهاد ، وأنهم معذورون ، ويسألونه الاستغفار والمغفرة .
 وكانوا بضعةً وثمانين رجلاً ، فيقبل النبي عليه الصلاة والسلام منهم علانيتهم ، ويَكِلُ سرائرهم إلى الله تعالى ، حتى جئت ، فلما سلَّمت عليه صلى الله عليه وسلَّم تبسَّم تبسُّم المغضب وقال لي :

(( تعالَ ))

 فجئت ، فلما سلَّمت عليه قال لي :

(( ما الذي منعك عن اللحاق بنا ؟ ألم تكن قد اشتريت ظهراً ))

 أي ناقةً .

[ مختصر ابن كثير ]

 فقلت : يا رسول الله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن أخرج مِن سخطه بعذرٍ ، لو كان الذي يسألني غيرك لاعتذرت له ، فقد أوتيت جدلاً ـ أنا عندي قوة إقناع ، لو أن الذي سألني غيرك ـ لو أني جلست عند غيرك من أهل الدنيا لخرجت من سخطه بعذرٍ ، فقد أوتيت جدلاً ، ولكني والله قد علمت لئن حدثتك اليوم بحديثٍ كذبٍ ترضى به عني ، ليوشكن الله أن يُسَخِّطك علي ـ هذا هو التوحيد ، لم يرَ إلا الله ، لو كذب على النبي لسخط الله عنه وأسخط عنه النبي ـ ولئن حدثتك بصدقٍ ، تجد عليَّ فيه ـ أي تغضب علي فيه ـ إني لأرجو عقبى ذاك مِن الله عزَّ وجل ، والله ما كان لي عذر ، أبداً ، والله ما كنت قط أفرغ ولا أيسر مني حين تخلَّفت عنك . لا عذر ؛ كنت فارغاًُ ، نشيطاً ، قوياً ، غنياً .
 فقال عليه الصلاة والسلام بكلمةٍ جامعةٍ مانعة قال :

(( أما هذا فقد صدق ))

[ الجامع لأحكام القرآن ]

 وبهذه الكلمة الموجزة قيَّم كلام المنافقين جميعاً .

(( أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك ))

[ الجامع لأحكام القرآن ]

 فقام رجالٌ من بني سَلَمَة ، فاتبعوني ، وقالوا لي : والله ما علمناك كنت أذنبت ذنباً قبل هذا ، لقد عجزت أن تعتذر إلى رسول الله بما اعتذر به المتخلفون ؟! لقد كان كافيك مِن ذنبك استغفار النبي عليه الصلاة والسلام لك .
 قال : والله ما زالوا يؤنِّبونني حتى كدت أن أرجع إلى رسول الله فأكذِّب نفسي .
 عندئذٍ بوحيٍ مِن الله عزَّ وجل أمر الله عزَّ وجل نبيَّه أن يقاطع هؤلاء الثلاثة مقاطعةً تامة . لا كلام ، ولا سلام ، ولا لقاء ، ولا زيارة ، ولا تعامل ، حتى أن زوجات هؤلاء امتنعن عن كلام أزواجهن .
 أية سلطةٍ يملكها إنسانٌ تصل هذه السلطة إلى بيت أحدنا ، فتمنع زوجته مِن التحدُّث إليه ، والقصة معروفة ، وكيف أن هذه الأيام الخمسين طالت وطالت ، و ..

﴿ ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ﴾

[ سورة التوبة الآية : 118 ]

 الله سبحانه وتعالى إما أن تتوب إليه ، وإما أن يضيِّق على العاصي حتى يحمله على التوبة ، تب إليه قبل أن يتوب عليك ، إن تبت إليه قَبِلَ توبتك ، فإن لم تتب تاب عليك كي تتوب ، أي ضيَّق ، إن اخترت ما يريد ، أنعم بهذا الاختيار ، وإن لم تختر ما يريد ، حملك على أن تختار ما يريد ، لأنه يحبك .
أنت تريد وأنا أريد فإذا سلَّمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد ، وإن لم تسلِّم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد .

المغزى من هذه الآية :

 أنه يجب أن تتوب قبل أن يتوب الله عليه ، توبة الله على العبد بعد التوبة قبولها ، وتوبة الله على العبد بعد الذنب مضايقته حتى يتوب . ثم تاب عليهم بهذه المقاطعة ، بهذا التضييق ، بهذه الجفوة؛ بهذا البُعْد ، بهذه الأيام الطويلة ليتوبوا ، فلما تابوا ، انحلَّت كل المشكلات . أي لا حل لمشكلاتنا إلا بالصلح مع الله سبحانه وتعالى ، التوبة النصوح .

(( كن لي كما أريد أكن لك كما تريد ، كن لي كما أريد ولا تعلمني بما يصلحك ))

(( من جعل الهموم هماً واحداً كفاه الله الهموم كلها ))

[ الجامع لأحكام القرآن ]

(( اعمل لوجهٍ واحدٍ يكفك الوجوه كلها ))

[ الجامع لأحكام القرآن ]

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾

[ سورة الشعراء الآية : 213 ]

 يا أيها الإخوة المؤمنون :
 لا ينبغي أن تقول : سأتوب مساءً .
 ولا ينبغي أن تقول : سأتوب بعد نهاية هذه الخطبة .
 يجب أن تعقد العزيمة مُنذ سماعك هذا الكلام على ترك كل ذنبٍ ، وكل مخالفةٍ ، وكل معصيةٍ ، وكل دخلٍ مشبوه ، وكل عملٍ لا يرضي الله عزَّ وجل ، يجب أن تُجْرِيَ جرداً ـ ونحن في أول العام ـ جرداً لكل أعمالك ، وعاداتك ، وتقاليدك ، وعلاقاتك ، وطرائق الكسب الذي تكسبه ، وطرائق الإنفاق ، يجب أن تُمَحص في كل شيء ، وأن تحمل نفسك على التوبة ، فإذا فعلت ، نادى منادٍ في السماوات والأرض : أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله ..

﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾

[ سورة طه الآية : 123 ]

﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

[ سورة البقرة الآية : 38 ]

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً ﴾

[ سورة الكهف الآية : 107 ]

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾

[ سورة فصلت الآية : 30 ]

﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

[ سورة يونس الآية : 62 ]

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ إذا تاب العبد توبةً نصوحا أنسى الله حافظيه ، والملائكة ، وبقاع الأرض كلها خطاياه وذنوبه .

الصدقة :

 ويا أيها الإخوة المؤمنون ؛ إلى طائفةٍ من الأحاديث الشريفة حول موضوعٍ واحد .
 يقول عليه الصلاة والسلام :

(( أفضل الصدقة أن تصدَّق وأنت صحيحٌ شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر ))

[ الجامع لأحكام القرآن ]

 في أوج الشباب ، في أوج الحاجة إلى المال ، في أوج الصحة ، في أوج القوّة ، حيث يكون المال مادَّة الشهوات ، حيث تُحَقِّق بالمال كل شيء ، وأنت كذلك تصدق مِن مالك الحلال حتى يرضى الله عنك .

(( أفضل الصدقة أن تصدَّق وأنت صحيحٌ شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر ))

[ الجامع لأحكام القرآن ]

(( وأفضل الصدقة جهد المُقِل وابدأ بمن تعول ))

[ الدر المنثور في التفسير المأثور ]

 أي خمس ليراتٍ من إنسانٍ فقير قد تسبق عند الله خمسة آلاف ليرة ، ربَّ درهمٍ سبق ألف درهم..

(( وأفضل الصدقة جهد المُقِل وابدأ بمن تعول ))

[ الدر المنثور في التفسير المأثور ]

 النبي الكريم عليه أتم الصلاة والتسليم وسَّع مفهوم الصدقة :
 أول شيء : أن تصدق وأنت صحيحٌ شحيح ، أن تصدق وأنت بحاجة إلى المال .
 الشيء الثاني : جهدٌ المقل .
 الشيء الثالث : حفظ اللسان .

(( أفضل الصدقة حفظ اللسان ))

[ الجامع الصغير ]

 من الغيبة ، من النميمة ، من السخرية ، من الفُحش ، من البذاءة ، من كل ما يغضب الله . أو نؤاخذ بما نقول ؟ هكذا سأل صحابي النبي عليه الصلاة والسلام ، فقال النبي :

(( ويحك يا معاذ وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم ؟‍ ))

[ الدر المنثور في التفسير المأثور ]

(( لا يستقيم إيمان عبدٍ حتى يستقيم قلبه ، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ))

[ الدر المنثور في التفسير المأثور ]

 هذا المفهوم السَلْبي للنواحي غير المادية .

(( أفضل الصدقة حفظ اللسان ))

[ الجامع الصغير ]

 المفهوم الإيجابي :

(( أفضل الصدقة إصلاح ذات البين ))

[ الجامع الصغير ]

 أن توفق بين اثنين ، بين أخوين ، بين شريكين ، بين أمٍ وابنها ، بين أمٍ وابنتها ، بين صديقين ، بين جارين .

(( أفضل الصدقة إصلاح ذات البين ))

[ الجامع الصغير ]

(( وأفضل الصدقة أن تشبع كبداً جائعة ))

[ الجامع الصغير ]

 إنسان جائع ، محروم ، مشرَّد ، عارٍ ، أن تشبعه ، وأن تكسوه ، وأن تؤويه .

(( يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني ، كيف أطعمك وأنت رب العالمين ؟ قال : استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه ، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي ؟ ))

[ الدر المنثور في التفسير المأثور ]

 وهناك رواية :

(( لوجدتني عنده ))

 وأما أرقى أنواع الصدقة :

(( أفضل الصدقة أن يتعلم المرء المسلم علماً ثم يعلِّمه أخاه المسلم ))

[ الدر المنثور في التفسير الماثور ]

 حفظ اللسان صدقة ، إصلاح ذات البين صدقة ، تعليم الناس صدقة ، جهد المُقِل صدقة كبيرة ، الصدقة وأنت صحيحٌ شحيحٌ تأمل الغنى وتخشى الفقر أعلى أنواع الصدقة .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ اشتقَّت " الصدقة " مِن " الصدق " ، لأنها تؤكد صدق محبتك لله عزَّ وجل ، لأنها تؤكد صدق طلبك ، صدق إخلاصك ، صدق محبتك ، صدق سعيك للآخرة ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( الصدقة برهان ))

[ مجمع الزوائد ]

 أيها الإخوة المؤمنون ... حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز مـن أتبع نفسه هواها ، وتمنَّى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :
 الحمد لله رب العالمين ، واشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخُلُق العظيم . اللهمَّ صلِ وسلم وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه الغر الميامين .

الطب الوقائي :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ أشار النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة ، إلى ما يسمى اليوم:
 بالطب الوقائي .
 والوقاية كما يقولون :
 درهم وقايةٍ خيرٌ من قنطار علاج .
 فقد قال عليه الصلاة والسلام :

(( أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ ))

[ أخرجه البخاري عن النعمان بن بشير ]

 لو أن أحدنا قبض كفَّه ، حجم كفه المقبوض ، كحجم قلبه تماماً ، تبدأ عضلته بالضَّخ ، في الشهر الأول وأنت في بطن أمك ، ولا تكفُّ عن الحركة إلا مع انتهاء الرحلة ..

إن الطـبيب له عـلمٌ يدلُّ به  إن كان للناس في الآجال تأخيـر
حتى إذا ما انقضت أيام رحلته  حار الطبيب و خانته العقاقيــر
* * *

 يبدأ هذا القلب يضخ منذ الشهر الأول وأنت في رحم الأم ، إلى أن تنتهي الرحلة ، إلى أن ينهي الله هذه الرحلة ، هذا هو الموت ، لكل أجلٍ كتاب .
 ابسط يدك واقبضها سبعين مرةً في الدقيقة ، فهذا معدَّل ضربات القلب في الدقيقة ، وفي أثناء بذل الجهد الكبير ، قد يصل هذا النبض إلى مئةٍ وأربعين نبضةً في الدقيقة .
 القلب محرك ، ولكن هذا المحرك مَرِن ، تزداد قوة أحصنته إلى السبعين ، عند الحاجة ، وتنخفض إلى الأربعة ، عند عدم الحاجة ، قوة الأحصنة لهذا القلب متبدِّلة .
 قال العلماء : القلب ينبض في اليوم مئة ألف مرة ، في الأربعة وعشرين ساعة ، وينبض في الشهر ثلاث ملايين نبضة ، وإذا وصل الإنسان إلى الثمانين ، أحصى العلماء متوسط عدد نبضات قلبه ، إلى ألفين وثمانمئة وثمانين مليون نبضة .
 شيءٌ عجيب ، أن هذا القلب الصغير يضخ من ثلاثة آلاف إلى خمسة آلاف جالون في اليوم الواحد ، كل ضخة تعادل نصف فنجان شاي ، من ثلاثة آلاف إلى خمسة آلاف جالون من الدم ، يضخ في اليوم الواحد .
 المشكلة أن كل عضوٍ من أعضاء الإنسان ، إذا أصيب بالعطب ، والعطل ، يعني أن الإنسان فقد شيء من ميزات حياته ، لكن القلب إذا أصيب بالعطب ، أو العطل ، انتهت الحياة ، فالحياة متوقفةٌ على القلب .
 فلذلك كما قيل : المعدة بيت الداء ، والحمية رأس الدواء ، وليس من غرائب الصُدَف ، أن أطالع مقالةً علمية ، يقول فيها المؤلف ، أو كاتبها :
 إن صحة القلب ، وانتظام عمله ، ودوام عمله ، متوقفٌ على كمية الطعام التي تملأُ المعدة ، ونوع هذا الطعام .
 صحة القلب ، وانتظامه ، ودوامه نبضه ، متوقفٌ ، على نوع الطعام وعلى كميته ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

(( مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ ))

[ أخرجه البخاري عَنْ مِقْدَامِ ابْنِ مَعْدِي كَرِبَ ]

 قال :

(( نحن قومٌ لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع ))

 لو أردت أن تجمع الطب الوقائي ، فطلاّب الجامعة اليوم ، يدرسون كتاباً يزيد عن ألف صفحة عن الطب الوقائي ، لو جمعت هذه الصفحات الألف ، وأردت أن تضغطها في كلمات ، لما كان من كلمةٍ أبلغ :

(( نحن قومٌ لا نأكل حتى نجوع ))

 إذا جاع الإنسان ، أفرزت هذه الخلايا كمياتٍ كبيرة من العصارات الهاضمة ، فوق أنك تحس بطعم الطعام طيباً ، وفوق أنه يسهل هضمه ، إنك إذا أكلت وأنت جائع عرفت لذة الطعام ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

(( نعم الإدام الجوع ))

 أطيب أكلةٍ تأكلها أن تكون أنت جائع ، المعدة بيت الداء ، والحمية رأس الدواء .

(( مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ حَسْبُ الآدَمِيِّ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ غَلَبَتِ الآدَمِيَّ نَفْسُهُ فَثُلُثٌ لِلطَّعَامِ وَثُلُثٌ لِلشَّرَابِ وَثُلُثٌ لِلنَّفَسِ ))

[ أخرجه ابن ماجة عَنْ مِقْدَامِ ابْنِ مَعْدِي كَرِبَ ]

 شيءٌ آخر ، حينما قال النبي عليه الصلاة والسلام :

 

(( أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ ))

[ أخرجه البخاري عن النعمان بن بشير ]

 حَمَّلَ بعض علماء التفسير ، وعلماء الحديث ، هذا الحديث معنىً آخر : أن للنفس قلباً ، هناك قلب الجسد ، وهناك قلب النفس ، فمن كان قلبه سليماً ؛ من كل غشٍ ، أو حسدٍ ، أو حقدٍ .
 إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

 

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ

[ سورة الشعراء الآيات : 88-89 ]

 يقول بعض الأطباء : إن هناك عدة أشياء تتلف القلب ، أولها : التوترات العصبية .
 قال ربنا عزَّ وجل :

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾

[ سورة الشعراء الآية : 213 ]

 معناها الشرك يسبب أمراضاً في القلب ، والإيمان يسبب صحةً لهذا القلب .

(( عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ ))

[ أخرجه مسلم عن صهيب ]

 معنى ذلك : أن الإيمان ، وسلامة القلب ، وطهارة النفس ، والتوكل ، والتوحيد ، أحد أسباب صحة القلب .
 فهذا الطبيب يقول : جمع الأطباء أمراض القلب إلى أسبابها ، فكان من أبرز أسبابها ؛ التوترات العصبية ، وليس كالشرك ، مسبباً للتوترات العصبية ، وكثرة الطعام ، وكثرة المواد الدسمة في الطعام ، وقلة الحركة .
 فالنبي الكريم كان يخدم نفسه ، يرفو ثوبه ، يكنس داره ، كان في مهنة أهله .
 بذل الجهد ، والتوحيد ، والاعتدال في الطعام ، والانتباه إلى نوع الطعام ، هذه الأشياء الأربعة إذا توافرت ، كانت وقايةً من العطب والعطل الذي يصيب القلب .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ ما مِن قولٍ يقوله النبي عليه الصلاة والسلام ، لأنه إن هو إلا وحيٌ يوحى ، لا ينطق عن الهوى ، إلا متطابق أشد التطابق مع أحدث معطيات العلم ، إذا أردت صحةً ، ونشاطاً ، وقوةً ، وراحةً ، فاسلك سبيل النبي عليه الصلاة والسلام ، وحِّد ، فإن وحدت ، لا ترى زيداً ، أو عبيداً ، لا ترى إلا الله ، وأن ..

﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾

[ سورة الفتح الآية : 10 ]

﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ﴾

[ سورة الأنفال الآية : 17 ]

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾

[ سورة هود الآية : 123 ]

 هذه صحة القلب ، التوكل ، والتوحيد ، التفويض ، والاستسلام ، والاستقامة ، والعمل الطيب ، وهذا القلب ، الذي لا غلَّ فيه ، ولا حسد ، ولا بغض ، ولا حقد ، ولا خداع ، ولا نِيةً سيئة ، هذا القلب يبدو صحيحاً ، لأن أحد أسباب أمراض القلب : التوترات النفسية ، وقلة الطعام.

(( مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ))

[ أخرجه ابن ماجة عَنْ مِقْدَامِ ابْنِ مَعْدِي كَرِبَ ]

(( نحن قومٌ لا نأكل حتى نجوع ، وإذا أكلنا لا نشبع ))

 ونوعية الطعام ، كان النبي الكريم يتخير من طعامه ما كان فيه الفائدة .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ هذا جزءٌ من الطب النبوي .

الدعاء :

 اللهمَّ اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَّنا فيمن توليت، وبارِك اللهمَّ لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك .
 اللهمَّ أعطنا ولا تحرمنا ، وأكرمنا ولا تهنا ، وآثرنا ولا تؤثر علينا ، وأرضنا وارض عنا .
 اللهمَّ اغفر ذنوبنا ، واستر عيوبنا ، واقبل توبتنا ، وفكَّ أسرنا ، واحسن خلاصنا ، وبلغنا مما يرضيك آمالنا ، واختم بالصالحات أعمالنا.
 اللهمَّ استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخيا وسائر بلاد المسلمين .
 اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين .
 اللهم إنا نعوذ بمن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، ومن الخوف إلا منك ، نعوذ بك من عُضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء ، مولانا رب العالمين .
 اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عناً ما نحب ، فاجعله عوناً لنا فيما تحب .
 اللهمَّ بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعزَّ المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنه على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018