الخطبة : 0073 - الدعاء - قصة كتاب. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0073 - الدعاء - قصة كتاب.


1985-02-01

الخطبة الأولى :
 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً .
 وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ولا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر .
 وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر .
 اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ، ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين .
 اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما ، وأرِنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الدعاء مخ العبادة :

 أيها الإخوة الكرام ؛ عن أنس بن مالك رضي الله عنه ، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال :

(( الدُعاءُ مخُّ العِبَادَةِ ))

[أخرجه الترمذي]

 ومخ الشيء أصله وقوامه ، فالعبادات كلها من صلاة ، من صيام ، من حج ، من زكاة .
 يقول عليه الصلاة والسلام :

(( الدُعاءُ مخُّ العِبَادَةِ ))

[أخرجه الترمذي]

 لماذا ؟ لأن في الدعاء اتصالاً وثيقاً بالله عز وجل ، وهل العبادات كلها إلا صلة بالله ؟
 قد تكون الصلة شكلية ، ولكن العبد في الدعاء يتصل بالله صلة حقيقية ، قوامها الحاجة ، أو الخوف ، أو الرغبة ، فلذلك أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أدعية كثيرة ، جاءت في كتب السنة ، وفي كتب الصحاح ، وقد ورد في الجامع الصغير مئات الأدعية المأثورة عن النبي عليه الصلاة والسلام ، وفضلاً عن أن في الدعاء صلة ، وعن أن في الدعاء إقبالاً على الله عز وجل ، وعن أن في الدعاء استجارة بالله عز وجل ، فضلاً عن كل هذا لو قرأنا أدعية النبي عليه الصلاة والسلام لوجدنا فيها علماً جماً .
في أدعية النبي عليه الصلاة والسلام وصف لأحوال أهل الدنيا وشقائهم ، وفي أدعية النبي عليه الصلاة والسلام وصف لأحوال المؤمنين وسعادتهم ، وفي أدعية النبي عليه الصلاة والسلام وصف للمكاسب الحقيقية التي قد يكسبها الإنسان ، وفي أدعية النبي عليه الصلاة والسلام وصف للأخطار الحقيقية التي قد يقع فيها الإنسان في الدنيا .
 فضلاً عن أن الدعاء مخ العبادة ، وعن أن في الدعاء إقبالاً ، وعن أن في الدعاء اتصالاً محكماً ، لأن العبد يخاف أن يرجو أو يطمع ، إن في أدعية النبي عليه الصلاة والسلام علماً جماً .

1-اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة .

 فمن أدعيته صلى الله عليه وسلم ، عن سهل بن سعد رضي الله عنه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

((اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي]

 عطاء الدنيا ينتهي بالموت
يعني كلما وقعت عين المؤمن على شيء من زينة الدنيا ؛ بيت فخم ، بستان جميل ، حانوت كبير في موقع حساس من مواقع المدينة ، دخل كبير ، وظيفة مرموقة ، رتبة اجتماعية ، شهادة علمية عالية ، مكانة ، قوة ، مركب وطيء ، امرأة تسير في الطريق ، كلما وقعت عين الرجل المؤمن على شيء من زينة الدنيا عليه أن يقول تأسياً بالنبي عليه الصلاة والسلام :

((اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي]

 لماذا ؟ لأن أي عطاء في الدنيا ينتهي بالموت ، إذاً ليس عطاءً ، لا يُعد هذا كرماً ، لأن الكرم أن تُعطى عطاءً سرمدياً أبدياً ، فمادام هذا العطاء ينتهي بالموت ، وما دام الموت يضع حداً لهذا العطاء ، ومادام هذا البيت الفخم تغادره عند الموت ومادامت هذه السيارة الفاخرة تتركها لمن بعدك عند الموت ، ومادام هذا البستان الجميل لن يُتاح لك أن تعود إليه ثانية بعد الموت ، ومادامت هذه المسافة الاجتماعية وتلك القوة تنتهيان بالموت ، إذاً :

((اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي]

 هذا الدعاء كلما وقعت عين المؤمن على شيء من الدنيا بدلاً أن تقول كما يقول الناس ، يا ليت لي مثل مال فلان .
 أهل الدنيا إذا نظروا إلى شيء من مباهجها زادت نفوسهم حسرةً على أنفسهم ، وشعروا بالحرمان ، وشعروا بالهوان ، قال تعالى :

﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾

[سورة الفجر الآية:16]

 أهل الدنيا المتعلقون بها إذا رأوا شيئاً من مباهجها ، وزينتها ، ومتعها ومكاسبها ، زادت نفوسهم حسرةً على أنفسهم على أنهم محرومون ، وعلى أنهم عند الله مهانون ، وهذا من وساوس الشيطان ، إن كنت مؤمناً حقاً فتأسى بالنبي عليه الصلاة والسلام ، كلما وقعت عينك على شيء من مباهج الدنيا ، ولا تملكه ولا تستطيع أن تملكه ، فقل :

((اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي]

 عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها الكافر شربة ماء ))

[ أخرجه الترمذي]

 إن الله يعطي الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب .
 دعاء آخر : لكن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث آخر متمم لهذا الدعاء كان يقول عليه الصلاة والسلام :

(( إياكم وفضول النظر ، فإنه يبذر في النفس الهوى ))

 يعني إذا دُعيت إلى التجول في أسواق فخمة جداً ولا تملك ثمن الحاجات التي فيها ، لا شأن لك بهذه الزيارة ، ولا جدوى منها ، ولو أنك تملك ثمن بعضها فيها ، إنك إذا دخلت ونظرت فهذا فضول النظر فإنه يبذر في النفس الهوى .

 

2-اللهم إني أعوذ بك من الشقاق والنفاق .

 ويقول عليه الصلاة والسلام واصفاً أحوال أهل النفاق ، وأحوال أهل الدنيا وأهل الكفر ، عن أبو هريرة رضي الله عنه ، أَن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو فيقول :

(( اللهم إني أعوذ بك من الشقاق والنفاق ، وسوء الأخلاق ))

[أخرجه أبو داود والنسائي]

 بلاغة نبوية ، ومعان عميقة .
 الشقاء الكبير أن يكون الإنسان في شقاق مع الله
الشقاق : فساد ذات البين ، الخصومات المناقشات الفارغة ، الحسد ، الغيرة ، العداوة ، البغضاء ، الجفاء ، الحقد ، جمعتها كلها كلمة الشقاق .
 والنفاق : أن يكون لك شخصية مزدوجة ، شخصية معلنة ، وشخصية أخرى تبطن الحقد ، والكراهية ، والحسد ، تبطن كراهية الناس .
 هذا الذي يُستعاذ منه ، هذا هو الشقاء الكبير ، أن يكون في شقاق مع الله ، ليس قلبه عامر بذكر الله ، ليس قلبه عامراً بذكر الله ، العلاقة بينه وبين الله خربة ، علاقة سيئة قوامها النفاق ، قوامها العصيان ، قوامها اللعن والبعد ، هذا الذي ينبغي أن تستعيذ منه .

(( اللهم إني أعوذ بك من الشقاق والنفاق))

 أن يكون لي ظاهر وباطن .

(( من لم يكن له ورع يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله بشيء من عمله ))

[رواه الديلمي]

 أن يكون لك موقف معللاً ، وموقف حقيقي ، أن تكون مع أهل الإيمان كأنك واحد منهم نفاقاً ، وإذا كنت مع أهل الفسق والفجور كأنك واحد منهم حقيقة ، هذا هو النفاق .
 عن أبو هريرة رضي الله عنه ، أَن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو يقول :

(( اللهم إني أعوذ بك من الشقاق والنفاق ، وسوء الأخلاق ))

[أخرجه أبو داود والنسائي]

 اللؤم ، العنف ، الأثرة ، الأنانية ، الاستعلاء ، رد الإحسان بالإساءة ، استعاذ النبي عليه الصلاة والسلام من هذه الأخلاق الذميمة التي تسيء إلى آخرة الإنسان وإلى سعادته الأبدية ، وإن كنت مصدقاً النبي عليه الصلاة والسلام لأنك أحد أتباعه وفرد من أفراد أمته ، وأنه نبيك ، عن أبو هريرة رضي الله عنه قال : سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول :

((اللهم اجعل رزق آل محمد كفافاً ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي]

 معنى كفافاً : يعني لك رزق يسد كل حاجاتك ، من دون أن تكون غنياً غنىً طاغياً ، أو غنىً فاحشاً ، أو غنى يسلمك إلى المعاصي ، أو غنى يؤدي لك إلى الكبر ، أو غنى يؤدي بك إلى أن تقول أنا أفضل الناس ، هذا الغنى الذي يؤدي إلى الغرور ، أو إلى الكبر ، أو إلى المعاصي ، أو إلى الاعتداد بالنفس ، لا كان هذا الغنى لأنه طريق إلى النار .

(( اللهم من أحبني ـ رواية أخرى ـ فاجعل رزقه كفافاً ))

 لذلك حينما يملك الإنسان أكثر مما يحتاج تأتيه الهموم أكثر مما ينبغي ، من أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه ، أخذ من حتفه وهو لا يشعر .
 حدثني صديق لي يعمل طبيباً أنه طُلب إلى أحد البيوت في ساعة متأخرة من الليل ، السبب أن رب هذه الأسرة أصابته أزمة قلبية حادة بسبب انخفاض أسعار بعض العملات .
خذ من الدنيا ما شئت وخذ بقدرها هماً ..

 

3- اللهم إني أعوذ بك من الجوع والخيانة.

 عن أبو هريرة رضي الله عنه أَن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول :

(( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُوعِ فَإِنَّهُ بِئْسَ الضَّجِيعُ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخِيَانَةِ فَإِنَّهَا بِئْسَتِ الْبِطَانَةُ ))

[أخرجه أبو داود والنسائي]

 احمد الله على كأس الماء الذي تشربه فهناك من حرم هذه النعمة
أحدنا حينما يأكل ويشبع ، لينظر أن في بعض القارات مجاعات ، وأن الناس يموتون جوعاً ، وأن الله سبحانه وتعالى قد تفضل علينا برزق يكفينا ، إنك إذا أكلت فشبعت ، لا تنس أن تحمد الله عز وجل على أنه أطعمنا من جوع ، وآمنا من خوف .

﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾

[سورة قريش الآيات:3-4]

(( يا عائشة أحسني جوار نعم الله ، فإنها قل ما نفرت عن أهل بيت فكادت ترجع إليهم ))

[أخرجه البيهقي في شعب الإيمان وضعفه والخطيب في رواة مالك عن عائشة]

 إذا شربت كأس ماء فقل الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً طيباً على نعمة كأس الماء ، فكم من بلاد لا تملك هذا الكأس ، وكم من بلاد تشتري هذا الكأس بثمن باهظ .
 عن أبو هريرة رضي الله عنه أَن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول :

(( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُوعِ فَإِنَّهُ بِئْسَ الضَّجِيعُ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخِيَانَةِ فَإِنَّهَا بِئْسَتِ الْبِطَانَةُ ))

[أخرجه أبو داود والنسائي]

 أن يكون لك شريك يخونك ، أو أن تكون لك زوجة تخونك ، أو أن يكون لك صديق يخونك ، يكذب عليك ، الخيانة بئست البطانة ، والجوع بئس الضجيع ، النبي عليه الصلاة والسلام تعوذ بالله من هذه وتلك .

 

4-اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر .

 عن عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول :

(( اللهم إني أعوذ بك وبوجهك الكريم واسمك العظيم من الكفر والفقر))

[أخرجه الطبراني]

 ما أجمل الدين والدنيا إذا اجتمعا
 وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل
 كفر يودي في الآخرة إلى جهنم وفقر حــرمان في الدنيا .

5-اللهم إني أعوذ بك من فتنة النساء.

 وكان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو ربه ويقول :

(( اللهم إني أعوذ بك من فتنة النساء ))

[أخرجه الطبراني]

 النساء لهن فتنة ، والنساء كما قال عليه الصلاة والسلام :

((النساء حبائل الشيطان ))

[أخرجه زيادات رزين]

 والحبائل : شباك .
 شبكة الشيطان المرأة . قد تدخل إلى المحل التجاري فإن لم يغض صاحب المحل بصره عن النساء ونظر إليهن ، ربما كان هلاكه عن طريق إحداهن ، ربما كان هلاكه ، وربما خرب بيته ، وطلق زوجته وشرد أسرته ، وضيع أولاده ، وعاقبه الله وأذاقه شقاء الدنيا ، بسبب امرأة أطلقت بصرك إليها . فالنبي عليه الصلاة والسلام قال :
 " عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

(( إياك والخلوة بالنساء والذي نفسي بيده ما خلا رجل بامرأة إلا دخل الشيطان بينهما ))

[أخرجه الطبراني]

 لم يقل ما خلا كافر ، لم يقل ما خلا معتقد ، لم يقل ما خلا مؤمن ، قال ما خلا رجل ، أي رجل ، وكلمة رجل نكرة ، تشمل أي إنسان على وجه الأرض كائناً من كان . لا تقل أنا مؤمن ، أنا لا أخاف على نفسي ، أنا لي نفس شريفة لا تحدثني ، كلا ، هذا كلام الشيطان ، يقول لك : إنك مؤمن لن تقع في معصية ، فإذا سمحت وخلوت بامرأة لا تحل لك ربما وقعت في معصية ، ربما وقعت في كل ما يُتوقع ، لذلك النبي الكريم استعاذ من النساء فقال :

(( اللهم إني أعوذ بك من فتنة النساء ))

 يعني حينما تعمل في البيت عملاً شاقاً ، أفضل من أن يكون في البيت امرأة لا تحل لك ربما وقع الإنسان في شرك ، مهما دفعت من ثمن ، ومهما تجشمت من مشاق ، ولا أن تقع في فتنة تودي بك إلى الشقاء في الدنيا والآخرة ، النبي عليه الصلاة والسلام استعاذ من فتنة النساء ، عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

(( ما خلا رجل بامرأة إلا دخل الشيطان بينهما ))

[أخرجه الطبراني]

(( من ملأ عينيه من الحرام ملأهما الله من جمر جهنم ))

[ قال الإمام الفتني في تذكرة الموضوعات لم أقف له على أصل والله أعلم]

(( النظرة سهم مسموم من سهام إبليس ))

[ رواه الطبراني وفيه عبد الله بن إسحق الواسطي وهو ضعيف]

(( من غض بصره عن محارم الله أورثه الله حلاوة في قلبه إلى يوم يلقاه ))

 هذه من صفات المؤمنين :

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾

[سورة النور الآية:30]

 أمر إلهي ، ما دام قد ورد في القرآن فهو أصل كبير من أصول التعامل بين الناس .

 

6-اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع....

 والنبي عليه الصلاة والسلام يستعيذ أيضاً من علم لا ينفع ، ومن عمل لا يُرفع ، ومن دعاء لا يُسمع .
 عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول :

(( اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ))

[أخرجه مسلم والترمذي]

 اللهم نعوذ بك من علم لا ينفع
دراسات وجهود ، وسهر ، وسنوات يمضيها الإنسان في علم لا ينفع لا ينفعه لا في دنياه ولا في آخرته ، علم عقيم لا ينفع من تعلمه ، ولا يضر من جهل به ، الوقت ثمين ، تعلموا شيئاً ينفعكم في الآخرة ، تعلموا كتاب الله فليس دونه علم ، من تعلم القرآن متعه الله بعقله حتى يموت ، افهموا آيات الله ، طبقوها ، تعلموا سنة النبي عليه الصلاة والسلام ، تعلموا ما ينفعكم ، تعلموا الشيء الذي يكون ذخراً لكم في آخرتكم ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول :

(( اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع وعمل لا يرفع ))

[أخرجه مسلم والترمذي]

 فيه شرك ، ليس فيه إخلاص .
 عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول:

((ودعاء لا يسمع))

[أخرجه مسلم والترمذي]

 فيه شرك ، ليس فيه إخلاص .
 يقول العبد يا رب يا رب ، ومأكله حرام ، ومشربه حرام ، وغذي بالحرام فأنى يُستجاب له .

7-اللهم ارزقني حبك ....

 والدعاء الأخير ، عن عبد الله بن يزيد الخطمي الأنصاري رضي الله عنه أَن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه :

(( اللهم ارْزُقْنِي حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يَنْفَعُنِي حُبُّهُ عِنْدَكَ اللَّهُمَّ مَا رَزَقْتَنِي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ قُوَّةً لِي فِيمَا تُحِبُّ اللَّهُمَّ وَمَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا لِي فِيمَا تُحِبُّ ))

[أخرجه والترمذي]

 قد تحب جاراً لك ؛ لبق دمث ، تحبه ، تسهر معه ، يسهر معك تذهبان إلى نزهة ، الحديث عن الدنيا ، هذه المحبة ما ثمنها ؟ ما قيمتها ؟ لا تنفعك ، ولا تقدم لك شيئاً ، ولا ترفعك ، لكنك إذا أحببت مؤمناً اقتبست من علمه ، واقتبست من خلقه ، واقتبست من نورانيته ، واقتبست من نفسه المستأنسة بالله عز وجل .
 لا تصاحب من لا ينهض بك إلى الله حاله ، ولا يدلك على الله مقاله .
 قد تقيم صداقة من غير جدوى ، من غير نفع ، عن عبد الله بن يزيد الخطمي الأنصاري رضي الله عنه أَن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه :

(( اللهم ارْزُقْنِي حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يَنْفَعُنِي حُبُّهُ عِنْدَكَ ))

[أخرجه والترمذي]

 إن أحببت الصحابة الكرام فإن حبهم في قلبك نوراً لك في الدنيا ، إن أحببت أناساً مؤمنين فإنهم ينهضون بك ، إن أحببت أناساً طاهرين فإنك تطهر بطهارتهم ، إن أحببت أناساً مستقيمين فإنك تستقيم كاستقامتهم .

(( ابن عمر دينك دينك ، إنه لحمك ودمك ، خذ عن الذين استقاموا ولا تأخذ عن الذين مالوا ))

 إن أحببت عاصياً أحببت المعصية معه ، إن أحببت آكل الربا شجعك على أكل الربا ، إن أحببت رجلاً دنيوياً غرس في نفسك حب الدنيا واشتهيت الدنيا وزينتها ، وانغمست فيها إلى قمة رأسك ، عن أبو موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال :

(( الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ ))

[أخرجه البخاري ومسلم]

 فلينظر أحدكم من يحب ، عن عبد الله بن يزيد الخطمي الأنصاري رضي الله عنه أَن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه :

(( اللهم ارْزُقْنِي حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يَنْفَعُنِي حُبُّهُ عِنْدَكَ ))

[أخرجه والترمذي]

 عن عبد الله بن يزيد الخطمي الأنصاري رضي الله عنه أَن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه :

(( اللَّهُمَّ مَا رَزَقْتَنِي مِمَّا أُحِبُّ ))

[أخرجه والترمذي]

 أحب المال فرزقتني إياه ، أحب الوجاهة فأعطيتني إياها ، أحب أن أحمل شهادة رفيعة في البلاد فحملتها ، أحب أن يكون لي أولاد كثيرون فمنحتني هذه النعمة ، عن عبد الله بن يزيد الخطمي الأنصاري رضي الله عنه أَن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه :

(( اللَّهُمَّ مَا رَزَقْتَنِي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ قُوَّةً لِي فِيمَا تُحِبُّ ))

[أخرجه والترمذي]

 تحبني أن أكون مستقيماً ، تحبني أن أكون محسناً ، إذاً ليكن هذا المال الذي أحبه من أجلك ، وفي طاعتك ، وقربةً لك .
 ليكن هذا الجاه الذي أحبه في عون الضعفاء والمساكين ، ليكن هذا العلم الذي حصلته ينفق في سبيلك ، وابتغاء مرضاتك ، عن عبد الله بن يزيد الخطمي الأنصاري رضي الله عنه أَن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه :

((اللَّهُمَّ مَا رَزَقْتَنِي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ قُوَّةً لِي فِيمَا تُحِبُّ اللَّهُمَّ وَمَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا لِي فِيمَا تُحِبُّ ))

[أخرجه والترمذي]

 شيء أحبه لم أحصله في الدنيا ، لم يُرزق هذا الإنسان ولداً ، جعله الله عقيماً ، لو أنه مؤمن لرضي بهذا ورأى أن هذا عين الحكمة ، وأن هذا الوقت الذي كان سيمضيه في التعامل مع أولاده ينبغي أن يمضي في خدمة عباد الله والتقرب إلى الله ، يعني الشيء الذي رُزقته ليكن قوةً لك على أمر آخرتك ، والشيء الذي زُوي عنك ليكن الفراغ الناتج عن حرمانك إياه في طاعة الله عز وجل وهل من سعادة أبلغ من هذا ، مالك لله ، وما ليس لك لله ؛ لأن الوقت الذي وجد من انزوائه عنك كان هذا في طاعة الله ، عن عائشة رضي الله عنها أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه :

(( اللهم إني أعوذ بك من شرِّ ما علمت ، وشر ما لم أعلم ))

[أخرجه مسلم]

 كيف يكون العلم شراً ، إن لم تطبقه ، شر ما علمت : أن أعلم شيئاً ولا أطبقه . وشر ما لم أعلم هو الجهل ، إن لم تعلم فهذا شر ، وإن علمت فالشر أن لا تكون في مستوى ما علمت ، كلاهما شر . فالنبي الكريم استعاذ بالله من شرِّ ما علمت ؛ أي أن أعلم الحق ولا أسير فيه ، أن أعلم السنة ولا أطبقها ، ومن شر ما لم أعلم ؛ أي أن أكون جاهلاً .
 أيها الإخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا لغيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني .

 

الخطبة الثانية :

 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم .

قصة كتاب أضواء على الحياة بعد الحياة .

 أيها الإخوة الكرام ؛ كتاب ظهر في الأسواق عنوانه (أضواء على الحياة بعد الحياة) كتاب مُترجم ، تصفحت الكتاب فرأيت فيه العجب العجاب ، الكتاب مبين على أن عدة حالات موت في العالم ، حالات موت مؤقت ، أو إشراف على الموت ، نزاع قريب من الموت ثم عادت الحياة بعدها .
 فهذا يحدث ، أحياناً قد يتوقف القلب عدة دقائق ، وينبض بعدها ويحيى الإنسان . يعني أحياناً قد يشرف الإنسان على الموت ، فهذا الكتاب بُني على أخذ إفادات من هؤلاء الأشخاص الذين شارفوا الموت ثم نجوا منه فبماذا حدثونا ؟ ..
 حدثونا وكأنهم قد قرؤوا القرآن الكريم ، والسنة النبوية المطهرة ، مع أنهم أجانب ليس لهم أي اتصال بكتاب الله إطلاقاً ، ولا بما أخبرنا به النبي عليه الصلاة والسلام .
 المؤلف استنبط من هذه الإفادات كلها قواعد عامة ، ذكرها في بعض الفصول ، فقال : الحساب عندما يُشارف الإنسان الموت يُلفظ من داخل الإفراد ، لا من خارجهم ، يعني :

﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾

[سورة الإسراء الآية:14]

 ويبلغون حالة يستطيعون التمييز من تلقاء أنفسهم ما كان يجب عليهم فعله ، أو عدم فعله ، وينطقون بنتيجة ذلك بالحكم على أنفسهم .

﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾

[سورة الإسراء الآية:14]

 يعني أن الإنسان إذا دنا من الموت يستطيع أن يحكم على نفسه حكماً صحيحاً مائة في المائة ، وعنده قدرة بالغة على أن يعرف ماذا كان ينبغي أن يفعله في الدنيا ، وماذا كان عليه أن لا يفعله في الدنيا ، وبالتالي يستطيع أن ينطق الحكم على نفسه ، ويأتي حكمه صحيحاً .
 واستنبط المؤلف من إفادات هؤلاء أيضاً : أن الإنسان في الدنيا يقنع نفسه بقناعات كثيرة ، فالمال قناع ، والجاه قناع ، والمركز الاجتماعي قناع ، والشهادات العلمية الرفيعة قناع ، والثروة الطائلة قناع ، وجمال الجسم قناع ، والعلاقات الاجتماعية المثمرة قناع ، والثياب قناع . وفي اللحظات التي نقترب فيها من النهاية ، هاهي كل هذه الأقنعة تسقط حتماً.
 كل هذه الأقنعة التي يتقنع فيها الناس في الدنيا ، قد يكون غنياً فيسكن بيتاً فخماً ، ويملأه بالتحف والزينة ، ويرتدي ثياباً أنيقة ، وقد يكون جميل الصورة فيتيه على الناس ، جمال الصورة ، مع الغنى ، مع الشهادات ، مع الثياب ، هذه كلها أقنعة ، فإذا اقترب الإنسان من الموت سقطت كل هذه الأقنعة ، ولم تبق إلا الحقيقة المشتركة تماماً ، لذلك القاسم المشترك بين هؤلاء الذين شارفوا على الموت ، أنهم يحسون بوجودهم ، وبحقيقتهم إحساساً مكشوفاً تماماً .
 ويبدو للفرد فجأة كل أفكاره معروضة على لوحة مكشوفة أمامه ، كل تفكيره ، إشراكه ..

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت تباركت ربنا وتعاليت ، لك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك اللهم هب لنا علاً صالحاً يقربنا إليك .
 اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا رضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ، ما تحول به بيننا وبين معصيتك ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين .
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين .
 اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك .
 اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين .
 اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً ، وسائر بلاد المسلمين .
 اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء .
 اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب .
 اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء .
 اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين .
 اللهم ارزقنا التأدب ونحن في بيوتك يا رب العالمين .
 اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى إنه على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018