الخطبة : 0072 - أحاديث نبوية تبدأ بـ إذا راد الله بعبد خيراً - آفة كبيرة تصيب المتعلمين. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0072 - أحاديث نبوية تبدأ بـ إذا راد الله بعبد خيراً - آفة كبيرة تصيب المتعلمين.


1985-01-25

الخطبة الأولى :

 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً .
 وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ولا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر .
 وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر .
 اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ، ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين .
 اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما ، وأرِنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

إذا أراد الله بعبد خيراً

 أيها الإخوة الكرام ؛ طائفة كثيرة من الأحاديث الشريفة التي تبدأ بقوله عليه الصلاة والسلام : إذا أراد الله بعبد خيراً ..
 قبل أن نقرأ الأحاديث ، وقبل أن نقف عندها واحداً واحداً ، وقبل أن نتعرف مضمونها ، إن كان العبد صادقاً ، إن كان العبد مخلصاً ، إن كان العبد مؤمناً حقاً ، فلابد من أن تنطبق عليه أحد هذه الأحاديث الشريفة . قال الله سبحانه وتعالى عن النبي :

﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾

[سورة النجم الآية:3-4]

1- فقه في الدين

 عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا فَقَّهَهُ فِي الدِّينِ ))

[أخرجه البخاري ومسلم]

 ومعنى فقهه أي علمه أسرار التشريع ، إذا عرف أحكام الشرع لا يُسمى فقيهاً ، إذا عرفت أركان الصلاة وشروطها وسننها ومكروهاتها ، إذا عرفتها فقط لست فقيهاً ، ولكنك إذا عرفت لكل فرض حكمته ، ولكل سنة غايتها فأنت فقيه .
 إذا عرفت حكمة الصلاة ، والهدف الذي من أجله شُرعت الصلاة ، إذا عرفت حكمة الزكاة ، إذا عرفت حكمة غض البصر ، إذا عرفت مضار الربا ، إذا عرفت مضار الكذب ، إذا عرفت لكل أمر ولكل نهي حكمته وغايته ، ومحاذير تركه فأنت فقيه .

2- زهده في الدنيا وبصره بعيوبه

(( وإذا أراد الله بعبد خيراً زهده في الدنيا وبصره بعيوبه ))

[أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن أنس عن محمد بن كعب القرظي]

 هذا الذي يغفل عن عيوبه ، ويبحث عن عيوب الناس ليس مؤمناً ، طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس ، هذا الذي يرى الشوكة في عين الآخرين ، ولا يرى الجذع في عينه ليس مؤمناً .
 لذلك ترى المؤمن الصادق مشتغلاً بعيوبه كي يطهرها ، وترى المنافق مشتغلاً بعيوب غيره ، يبحث عنها ، ويذكرها ، وينقلها للآخرين ويكبرها ، ويسخر منها .
 علامة المؤمن الصادق الاشتغال بعيوب نفسه ، علامة المنافق الاشتغال بعيوب الآخرين ، علامة المؤمن الصادق أنه زاهد في الدنيا ، علامة المنافق أنه راغب فيها ، علامة المؤمن الصادق أنه فقيه في الدين ..

(( ما اتخذ الله من ولي جاهل ولو اتخذه لعلمه ))

[ قال الحافظ بن حجر ليس بثابت ولكن معناه صحيح]

 وعلامة المنافق أنه لا يعرف لمَ أمر هذا الأمر ، ولمَ نهي عن هذا النهي ، هكذا قال عليه الصلاة والسلام :

(( كالناقة ربطها أهلها ، فلا تدر لمَ عُقلت ، ولا لمَ أطلقت ))

 لا يدري لمَ صام ، ولا لمَ أفطر ، لا يدري لمَ يصلي ، إن كان يصلي صلاة جوفاء لا يدري لمَ يصلي .

 

3- جعل له واعظاً من نفسه

(( إذا أراد الله بعبد خيرا جعل له واعظا من نفسه: يأمره وينهاه ))

[أخرجه الديلمي في مسند الفردوس عن أم سلمة]

 علامة المؤمن الصادق أن فيه ضميراً حياً ، يأمره بالخير ، وينهاه عن الشر ، كثيراً ما تسمع صديقاً لك يقول : قلت في نفس لا تفعل هذا الأمر ، قلت في نفسي ساعد هذا الضعيف .
 إن كان في نفسك ما يأمرك بالخير ، وينهاك عن الشر ، فأنت مؤمن حقاً ورب الكعبة ، وإن كنت لا ترتاح إلا إذا أوقعت بالناس الأذى ، وإذا دُعيت إلى معروف أحجمت وتململت ، واعتذرت ، وانسحبت ، فهذه علامة النفاق ورب الكعبة .
 لو أنه فعل هذا الأمر ولا أحد يحاسبه عليه لا ترتاح نفسه ، لا يُغمض له جفن ، لا يقر له قرار ، هذه علامة المؤمن ، لا يرتاح إلا إذا فعل الخير ، يقلق إذا كان سبباً في إيقاع الأذى على أي إنسان ما .

 

4- طهره قبل موته

 عن أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

(( إذا أراد الله بعبد خيرا طهره قبل موته قالوا : يا رسول الله وما طهور العبد؟ قال: عمل صالح يلهمه إياه حتى يقبضه عليه ))

[أخرجه الطبراني]

هذه علامة طيبة ، وعلامة محبة الله لهذا العبد .

 

5- صير حوائج الناس إليه

(( إذا أراد الله بعبد خيرا صير حوائج الناس إليه ))

[الديلمي في مسند الفردوس عن أنس]

 طبعاً قد يُصير الله حوائج الناس إليك فلا تلبيها ، لقد امتحنك ورسبت في الامتحان ، وإذا صير الله حوائج الناس إليك ولبيتها فتلك نعمة كُبرى أنعمها الله عليك ، أن جعل حوائج الناس عندك ، طرقوا بابك ليلاً ونهاراً ، وضعوك في مواقف لابد من أن تساعدهم ، واستجبت لهم ، حكموك في قضايا ، سألوك عن مسائل ، استعانوا بجاهك إن كنت ذا جاه ، استعانوا بمالك إن كنت ذا مال ، استعانوا بخبرتك إن كنت ذا خبرة ، استعانوا بإمكاناتك إن كانت لك إمكانات .
 فإذا صير الله حوائج الناس إلى لئيم كشفه للناس ، وامتحنه وابتلاه فلم ينجح ، وإذا صير الله حوائج الناس إلى رحيم ، إلى كريم كانت نعمة سابغة أنعمها الله عليه .

 

6- عاتبه في منامه

 أيها الإخوة الكرام :

(( إذا أراد الله بعبد خيرا عاتبه في منامه ))

[أخرجه الديلمي في مسند الفردوس عن أنس]

 إذا هممت بسيئة ، واضطجعت في فراشك ، رأيت أنك نُقلت من بلدك إلى بلد ناء ، رأيت أن أحد أولادك قد توفي ، رأيت أن ضائقة قد ألمت بك ، أن مرضاً عضالاً أصابك ، إذا رأيت هذا في المنام فهذه معاتبة الرحمن لك ، يعني إياك أن تسير في هذا الطريق ، فإذا سرت في هذه الطريق فسوف يصيبك ما رأيت ، وإذا تبت وارتجعت ، وابتعدت هذا الذي رأيته لم يصيبك ، إنما كان تحذيراً ، وإنذاراً ، ووعيداً .

(( إذا أراد الله بعبد خيرا عاتبه في منامه ))

 هذه علامة الإيمان ، أن يعاتبك الله في المنام ، وأن يصير حوائج الناس إليك ، وأن يطهرك قبل موتك ، وأن يجعل لك واعظاً من نفسك يأمرك وينهاك ، وأن يفقهك في الدين ، ويزهدك في الدنيا ، ويبصرك بعيوب نفسك .

 

7- عجل له العقوبة في الدنيا

 عن أنس رضي الله عنه : أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال :

(( إذا أراد الله تعالى بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا))

[أخرجه الترمذي]

 لمجرد أن تفعل خطيئة يأتي العقاب ، والعقاب منوع ؛ قلق ، هم ، حزن ، فقر ، مرض ، وضع صعب ، حيرة ، ضيق نفسي ، هوان نفسي ، إذا عجل الله للإنسان العقوبة في الدنيا فهذه بشارة طيبة ، على أن الله يحبه .

(( إذا أحب الله عبده ابتلاه ، فإن صبر اجتباه ، وإن شكر اقتناه ))

[أخرجه الديلمي عن علي]

 عن أنس رضي الله عنه : أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال :

((وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة ))

[أخرجه الترمذي]

 يعني تركه يفعل ما يشاء ، جعله هملاً ، لا حساب عليه ، يظن المراقب أن هذا لا يُحاسب ، ولكن حسابه عسير يوم القيامة .
 عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( إذا أراد الله بعبد خيرا فقهه في الدين ، وألهمه رشده ))

[أخرجه الطبراني]

 يعني في كل موقف إما أن تقف موقفاً صحيحاً ، أو أن تقف موقفاً غير صحيح ، إما أن تسلك سلوكاً قويماً ، أو أن تسلك سلوكاً طائشاً ، إما أن تكون حكيماً أو غير حكيم ، إما أن تكون صائباً أو غير صائب ، إما أن تفعل شيئاً يرضى الناس عنك ، وإما أن تفعل شيئاً يغضب الناس .
 هذه المواقف السليمة ، هذه المواقف الحكيمة ، هذه المسارات الصحيحة ، هذه الرؤيا الصحيحة من أين تأتي بها ؟ . إذا كنت مؤمناً حقاً ألهمك الله رشدك ..
 تصرفاتك صحيحة في علاقاتك بزوجتك ، في علاقاتك بأولادك ، في علاقاتك بجيرانك ، في علاقتك بمن حولك ، العلاقات تغدو صحيحة إذا كنت مؤمناً ؛ لأن الله هو الملهم ، أنت حينما أطعته واستسلمت لأمره ألهمك رشدك ، وسدد خطاك ، وأنطقك بالحق ، وجعل لك واعظاً من نفسك .

8- فتح له قفل قلبه

(( إذا أراد الله بعبد خيرا فتح له قفل قلبه ، وجعل فيه اليقين والصدق ، وجعل قلبه واعيا لما سلك فيه ، وجعل قلبه سليما ولسانه صادقا وخليفته مستقيمة ، وجعل أذنه سميعة وعينه بصيرة ))

[أخرجه أبو الشيخ عن أبي ذر ، قال المناوي في الفيض (1/260) وفيه سعيد بن إبراهيم]

 هناك قلوب مقفلة ، مهما حدثتها عن الله ، مهما حدثتها عن الدار الآخرة ، مهما ذكرت لها من آيات الله العظيمة ، مهما ذكرت لها من عقاباته الأليمة ، مهما ذكرت لها ما في جنانه من متع وسعادة ، قلبه مقفل ، كالصخر لا يشرب الماء ، ينساب الماء حوله ولا يشربه والمؤمن كالأرض العطشى ، إذا أصابه ماء قبله ، لذلك :

(( إذا أراد الله بعبد خيرا فتح له قفل قلبه ، وجعل فيه اليقين والصدق ، وجعل قلبه واعيا لما سلك فيه ، وجعل قلبه سليما ولسانه صادقا وخليفته مستقيمة ، وجعل أذنه سميعة وعينه بصيرة ))

 الأذن تسمع ، يسمع الآية فيعقلها ، يسمع الحديث الشريف فيعجب به ويطبقه ، يسمع قول العلماء مما يوافق كتاب الله وسنة رسوله فيأخذه مأخذ الجد ، يسمع عن آيات الله فتنهمر دموعه ، يقرأ القرآن فيقشعر جلده ، هذا إذا كان مؤمناً حقاً ، جعل أذنه سمعية ، وعينه بصيرة ، يرى ما لا يراه الآخرون ، يرى الشمس فيرى من خلالها الله عز وجل ، يرى القمر فيرى من خلاله عظمة الله عز وجل ، يرى ابنه فيرى صنع الله الذي أتقن كل شيء ، يرى النبات فيرى نعمة الله المتمثلة فيه ، يرى الحيوان فيرى ما فيه من علم وحكمة ، يرى الجبال ، يرى الأنهار فيرى ما لا يراه الناس ، يرى إنساناً ألمت به ملمة ، ويعرف أن له دخلاً حراماً فيقول : هذه النتيجة بتلك المقدمة ، هذه رؤية يراها المؤمن وحده ، يرى إنساناً مكرماً في الدنيا ، فيقول : هذا كان مستقيماً ، وهذه ثمن استقامته ، لذلك جعل عينه بصيرة ، وأذنه سميعة ، وجعل قلبه سليماً ، وجعل لسانه صادقاً ، وخليقته مستقيمة ، فتح قفل قلبه ، جعل فيه اليقين في حقائق الكون ، اليقين بما في القرآن الكريم ، اليقين بحديث رسول الله ، اليقين بوعد الله ووعيده ، قلبه مفعم باليقين .

(( وجعل فيه اليقين والصدق ، وجعل قلبه واعيا لما سلك فيه ، وجعل قلبه سليما ولسانه صادقا وخليفته مستقيمة ، وجعل أذنه سميعة وعينه بصيرة ))

9- جعل غناه في نفسه

 عن أبو هريرة رضي الله عنه : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

(( إذا أراد الله بعبد خيرا جعل غناه في نفسه ، وتقاه في قلبه ، وإذا أراد الله بعبد شرا جعل فقره بين عينيه ))

[أخرجه ابن حبان]

 غني ، لا يعرف طعم الغنى إلا المؤمن ، ليس الغنى عن كثرة العرض ، ولكن الغنى غنى النفس .. إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله ، وإذا أردت أن تكون أكرم الناس فاتق الله ، وإذا أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك .
 عن أبو هريرة رضي الله عنه : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال

(( إذا أراد الله بعبد خيرا جعل غناه في نفسه ، وتقاه في قلبه ، وإذا أراد الله بعبد شرا جعل فقره بين عينيه ))

[أخرجه ابن حبان]

 أنت من خوف الفقر في فقر ، ومن خوف المرض في مرض ، وتوقع المصيبة مصيبة أكبر منها .

10- جعل صنائعه ومعروفه في أهل الحفاظ الحِفاظ

(( إذا أراد الله بعبد خيرا جعل صنائعه ومعروفه في أهل الحفاظ الحِفاظ ، وإذا أراد الله بعبد شرا جعل صنائعه ومعروفه في غير أهل الحفاظ ))

[أخرجه الديلمي في الفردوس عن جابر]

 الحِفاظ : بكسر الحاء وخفة الفاء أي أهل الدين والأمانة الشاكرين للناس .
 يعني أعمالك الطيبة يلهمك الله عز وجل أن تفعلها مع أناس يستحقونها فتراهم يحفظون لك هذه الأعمال ، ويشكرونها لك ، ويثنون على عملك الطيب ، وإذا كان في القلب نفاق ، وجهه الله إلى أهل غير الحفاظ تفعل معهم الأعمال الطيبة ، فيكافئونك عليها بأعمال سيئة .

(( اللهم إني أعوذ بك من جار سوء ، إن رأى شراً أذاعه ، وإن رأى خيراً كتمه . اللهم إني أعوذ بك من زوجة سوء ، إن غبت عنها خانتك وإن حضرت معها لسنتك . اللهم إني أعوذ بك من إمام سوء إن أحسنت لم يقبل ، وإن أسأت لم يغفر . هكذا قال عليه الصلاة والسلام ))

[أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة]

11- يفتح له عملاً صالحاً قبل موته

 عن شريح بن النعمان رضي الله عنه قال : وله صحبة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( إذا أراد الله بعبد خيرا عسله ، قيل : وما عسله ؟ قال : يفتح له عملا صالحاً قبل موته ، ثم يقبضه عليه ))

[أخرجه الطبراني]

 يقبضه وهو في طاعة ، وهو في دعوة ، وهو في منسك ، وهو في الحج ، وهو في العمرة ، وهو يقرأ القرآن ، يقبضه بأحسن أعماله .
 عن عمرو بن الحمق الخزاعي رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

(( إذا أراد الله بعبد خيرا استعمله ، قيل : وما استعماله ؟ قال : يفتح له عملا صالحا بين يدي موته ، حتى يرضى عنه من حوله ))

[أخرجه لطبراني]

 معنى استعمله : كقوله تعالى :

﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾

[سورة طه الآية:41]

 يعني أنت وعلمك ، وإمكاناتك ، وطاقاتك ، ومالك ، موظف لخدمة عباد الله ، وأجرك على الله .

﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾

[سورة التوبة الآية: 111]

 يعني مصدر رخاء للناس ، مصدر أمن وطمأنينة ، مصدر علم ، مصدر سعادة ، يسعد من حوله بدعوته ، يسعد من حوله بمعروفه ، يسعد من حوله بنصائحه ، يسعد من حوله بأخلاقه الطيبة ، بمروءته بسماحته بكرمه ، ببشاشته ، مصدر سعادة للآخرين .
 فهذه الأحاديث التي كلها تبدأ بقوله عليه الصلاة والسلام : إذا أراد الله بعبد خيراً ..
 لابد من أن تنطبق على المؤمن ، ولابد من أن يطبق بعضها على المؤمن ، ولابد من أن ينطبق أحدها على المؤمن ، فإن لم ينطبق على المؤمن ولا واحد من هذه الأحاديث ، فهذه علامة النفاق .
 أيها الإخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا لغيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني ..
الخطبة الثانية :
 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم .

 

آفات تقود الإنسان إلى الأخطاء

 أيها الإخوة الكرام ؛ ما أعظم أن يكون الإنسان حليماً ، وأن يكون عالماً ، وأن يكون عابداً ، وأن يكون شجاعاً ، وأن يكون جواداً ، وأن يكون سموحاً ، وأن يكون حسيباً ، لكن النبي عليه الصلاة السلام نبهنا إلى أن كل خصلة من هذه الخصال الحميدة ، التي يرمقها الناس بملء عيونهم ، هذه الخصال الحميدة قد تصيبها آفات تذهب رونقها ، وتهلكها ، وتمحقها ، فقد قال عليه الصلاة والسلام :

((آفَةُ الْعِلْمِ النِّسْيَانُ ))

[أخرجه الدرامي]

 إذا حضرت مجلس علم ، إذا حضرت خطبة ، وقيل في الخطبة أحاديث رائقة ، وآيات محكمات ، واستنبط الخطيب من هذه الآيات أحكاماً دقيقة ، ومعاني عميقة ، وأعجبت بها ، فلما خرجت من المسجد لم يبق في ذهنك شيء ، فلما سُئلت عن الخطبة أو الدرس قلت والله خطبة عظيمة ، ما وجه عظمتها ؟ والله لا أذكر .. فهذه آفة كبيرة تصيب المتعلمين ، النسيان . لذلك :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾

[سورة الأحزاب الآية:41]

 تدارسوا العلم ، احفظوا العلم ، ليسأل بعضكم بعضاً ما الأحاديث التي رويت في الخطبة ، أين مصدرها ؟ كيف سأحفظها ؟ كيف أنتفع بها ؟ كيف أعلمها الناس ؟ قال عليه الصلاة والسلام :

((آفَةُ الْعِلْمِ النِّسْيَانُ ))

[أخرجه الدرامي]

(( آفة الظرف الصلف ، وآفة الشجاعة البغي ، وآفة السماحة المن ، وآفة الجمال الخيلاء ، وآفة العبادة الفترة ، وآفة الحديث الكذب ، وآفة العلم النسيان ، وآفة الحلم السفه ، وآفة الحسب الفخر ، وآفة الجود السرف ، وآفة الدين الهوى ))

[أخرجه القضاعي في مسند الشهاب ، والبيهقي في شعب الإيمان ، والديلمي عن علي]

(( وآفة العبادة الفترة ))

 يعني تعبد الله عز وجل بتكاسل ، تقوم إلى الصلاة كسولاً ، تذهب إلى الحج مستطلعاً سائحاً ، وتعود محملاً بالبضائع ، تصوم ونفسك تشتهي ساعة الإفطار ، وتحضر من الطعام ما لذ وطاب ، إذا فعلت هذه العبادات بفتور فهذه آفة كبرى . آفة العبادة الفترة ..

(( وآفة الشجاعة البغي ))

 إذا وهبك الله شجاعة ، وإقداماً وقوة ، وزادك بسطة في العلم والجسم إياك أن تبغي على أحد ، إياك أن تطغى ، إياك أن تتجاوز على أحد فإذا بغيت فالبغي آفة الشجاعة ، ولا قيمة للشجاعة عند الله ، لأن البغي أتلفها والبغي أذهب رونقها ، والبغي حطمها وفرغها من مضمونها .

(( وآفة الجود السرف ))

 إذا وهبك الله خلق الجود ، الكرم ، فإياك أن تكون مسرفاً :

﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾

[سورة الإسراء الآية: 27]

(( وآفة السماحة المن ))

 إذا كنت سموحاً وأعطيت من مالك ، ومن حين إلى آخر تقول للذي أعطيته المال : لي فضل عليك ، لا تنس هذا الفضل ، لقد فعلت معك كذا وكذا .. هذا الكلام أذهب هذه الصفة الراقية ، أذهب قيم السماح ..

(( وآفة الجمال الخيلاء ))

 إن وهبك الله شكلاً حسناً ، ووجهاً قسيماً ، وملامح محببة ، وخطوطاً مألوفة ، إن كنت كذلك فإياك أن تختال على عباد الله ، لا تمش في الأرض مرحاً ، لا تته بهذا الجمال على عباد الله ، فمن فعل ذلك فربما فقده .
 دُعيت امرأة إلى أن تطيع الله ورسوله في لباسها ، لم تستجب ، قالت عندي جمال لابد من أن يظهر ، لم تمض إلا أيام حتى احترقت ، احترقت وتشوه كل هذا الجمال .

(( وآفة الجمال الخيلاء ، وآفة الحسب الفخر ))

 إن كنت من أسرة عريقة ، مشهود لها بالفضل والحسب إياك أن تفتخر لا تقل أنا ابن فلان .
 لا تقل أصلي وفصلي أبداً ، إنما أصل الفتى ما قد حصل .

(( وآفة الحلم السفه ))

 يعني حليم ، حليم ، إلى درجة أن الناس يستهينوا بك ، ولا يقيمون لك وزناً ، هذه آفة .. لست بالخب ولا الخب يخدعني . هكذا قال عمر رضي الله عنه .
 يقول الإمام الشافعي : ما تكبر علي متكبر مرتين .. لا أسمح له بذلك .

(( التكبر على المتكبر صدقة ))

[ نقل القاري عن الرازي أنه كلام ، ثم قال لكن معناه مأثور. انتهى. والمشهور على الألسنة حسنة بدل صدقة ]

 صحابي جليل ركب فرسه بين يدي المعركة واختال بها ، فقال عليه الصلاة والسلام : إن الله ليكره هذه المشية إلا في هذا الموطن .

(( وآفة الحلم السفه ))

 يعني لا تحاسب أحداً إطلاقاً ، سيدنا عمر مر في الطريق ، فرأى رجلاً قاعداً لم يأبه له ، فعلاه بالدرة ، قال : ويحك ألا تهاب سلطان الله ؟ .

(( وآفة الحلم السفه ))

 خاف الناس شدته ، فقيل له : يا أمير المؤمنين إن الناس هابوك ، فبكى ، فقال : والله يا أبا ذر ، في قلبي من الرحمة ما لو علموها لأخذوا عباءتي هذه ، ولكن هذا الأمر لا يناسبها إلا ما ترى .
 ما رأيت أزهد من عمر ـ هكذا قالت السيدة عائشة ـ كان إذا سار أسرع ، وإذا أطعم أشبع ، وإذا قال أسمع ، وإذا ضرب أوجع .

(( آفة الظرف الصلف ، وآفة الشجاعة البغي ، وآفة السماحة المن ، وآفة الجمال الخيلاء ، وآفة العبادة الفترة ، وآفة الحديث الكذب ، وآفة العلم النسيان ، وآفة الحلم السفه ، وآفة الحسب الفخر ، وآفة الجود السرف ، وآفة الدين الهوى ))

(( وآفة الظرف الصلف ))

 إن كنت ظريفاً ، متكلماً ، متحذلقاً ، تحفظ أشياء كثيرة ، إياك أن تكون صلفاً ، متعجرفاً ، متغطرساً .
 النبي صلى الله عليه وسلم أثنى على الظرف ، والحلم ، والعلم ، والعبادة ، والشجاعة ، والجود ، والسماحة ، والجمال ، والحسب . ولكن لكل خصلة من هذه الخصال آفة تمحقها ، وتذهبها ، وتعدم فضلها .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت تباركت ربنا وتعاليت ، لك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك اللهم هب لنا علاً صالحاً يقربنا إليك .
 اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ، ما تحول به بيننا وبين معصيتك ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين .
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين .
 اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك .
 اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين .
 اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً ، وسائر بلاد المسلمين .
 اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء .
 اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب .
 اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء .
 اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين .
 اللهم ارزقنا التأدب ونحن في بيوتك يا رب العالمين .
 اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى إنك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018