الخطبة : 0105 - التوبة - دودة القز . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0105 - التوبة - دودة القز .


1985-11-22

الخطبة الأولى :

 الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي هدانا لهذا و ما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا الله، وما توفيقي و لا اعتصامي و لا توكلي إلا على الله، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقرارا بربوبيته و إرغاما لمن جحد به و كفر، و أشهد أن سيدنا محمدا صلى الله عليه و سلم سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر، اللهمّ صلِّ و سلم و بارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه و من تبعه إلى يوم الدين، اللهم ارحمنا، فإنك بنا راحم، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر، والطف بنا فيما حرت به المقادير إنك على كل شيء قدير اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

وصفٌ بليغ موجز لله عز وجل :

 أيها الأخوة المؤمنون، قيل للإمام عليٍّ كرم الله وجهه: حدّثنا عن ربك؟ فقال الإمام رضي الله عنه: سبحان ربي، لا يُدرك بالحواس، و لا يُقاس بالناس، فوق كل شيء، وليس تحته شيء، وهو في كل شيء لا كشيء في شيء، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، ليس بجسم و لا صورة و لا معدود و لا محدود و لا متبعِّض و لا متجزِّئ، و لا متناه و لا متلون، و لا يُسأل عنه بمتى كان، لأنه خالق الزمان، و لا يُسأل عنه باين يوجد، لأنه خالق المكان، و كل ما خطر ببالك فالله سبحانه و تعالى بخلاف ذلك، يقول الحق، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
 وصفٌ بليغ موجز لسيدنا علي لله عز وجل، سبحان ربي لا يُدرك بالحواس،، و لا يُقاس بالناس، فوق كل شيء، وليس تحته شيء، وهو في كل شي ليس كشيء في شيء، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير ليس بجسم و لا صورة ولا معدود ولا محدود ولا متبعِّض ولا متجزِّئ، و لا متناه ولا متلون، ولا يُسأل عنه بمتى كان، لأنه خالق الزمان، و لا يُسأل عنه بأين يوجد، لأنه خالق المكان و كل ما خطر ببالك فالله سبحانه و تعالى بخلاف ذلك، يقول الحق، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير"

علي رضي الله عنه كما وصفه بعضهم :

 أيها الأخوة المؤمنون، الإمام علي كرم الله وجهه كما وصفه بعضهم: كان بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلاً و يحكم عدلا، يتفجَّر العلم من جوانبه، و ينطق بالحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا و زهرتها، و يستأنس بالليل ووحشته، كان و اللهِ غزير العَبرة، طويل الفكرة، يقلب كفَّه، يخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما قصُر، و من الطعام ما خشُن، كان فينا كأحدنا يجيبنا إذا سألناه، وينبئنا إذا استنبأناه، ونحن مع تقريبه إيانا، وقربه منا لا نكاد نكلمه لهيبته، و لا نبتدره لعظمته، يعظِّم أهل الدين و يحب المساكين، لا يطمع القويُّ في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، و أقسم بالله لقد رأيته في بعض مواقفه و قد أرخى الليل سدوله وغارت نجومُه متمثِّلا في محرابه، قابضا على لحيته، يتململ تململ الحزين، و يبكي بكاء اليتيم، و يقول: يا دنيا غُرِّي غيري، إليَّ تعرضتِ، أم إليّ تشوفت، هيهات هيهات لقد طلقتكِ ثلاثا، لا رجعة فيها، فعمركِ قصير، خطرك حقير، آهٍ من قلة الزاد و بُعد السفر ووحشة الطريق " كيف وصف الله سبحانه و تعالى و كيف كان هو، والنبي عليه الصلاة و السلام استعاذ من آخر الزمان حيث يعمُّ الفساد، و يصبح همُّ الرجل بطنُه، و قبلته زوجته، و يصبح أغنياءُ الناس بخلاءَهم، و يصبح مشورة النساء تطغى على الناس عندئذ قول عليه الصلاة و السلام:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ خِيَارَكُمْ وَأَغْنِيَاؤُكُمْ سُمَحَاءَكُمْ وَأُمُورُكُمْ شُورَى بَيْنَكُمْ فَظَهْرُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ بَطْنِهَا وَإِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ شِرَارَكُمْ وَأَغْنِيَاؤُكُمْ بُخَلَاءَكُمْ وَأُمُورُكُمْ إِلَى نِسَائِكُمْ فَبَطْنُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ ظَهْرِهَا ))

[ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

من آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً :

 أيها الأخوة المؤمنون، وصلنا في سورة الأنفال إلى بعض آياتها الأخيرة، ومن آيات سورة التوبة قوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾

[سورة التوبة: 38]

 لذلك قال عليه الصلاة و السلام: من آثر دنياه على آخرته خسرهما معا، ومن آثر آخرته على دنياه ربحهما معا.
 أيها الأخوة المؤمنون، خطب النبي عليه الصلاة و السلام في بعض خطبه فقال: أيها الناس اقبلوا على ما كلفتموه من صلاح آخرتكم، و أعرضوا عما ضمن لكم من أمر دنياكم" من أصبح و أكبر همه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه، و شتت عليه شمله و لم يؤته من الدنيا إلا ما قُدر له..."

من يساهم في بناء المسجد و من يصلي فهو من عُمّار المسجد :

 ومن آيات سورة التوبة قوله تعالى:

﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُهْتَدِينَ﴾

[ سورة التوبة: 18]

 العلماء وقفوا عند كلمة "يعمر" إنها لمن يساهم في بناء مسجد و من يساهم في صيانته هو من عُمّار المسجد، و إن من يصلي في المسجد و يحضر مجالس العلم هو من عماره أيضا، و إن من يقيم فيه الصلاة و يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر هو أيضا من عماره، و لكن عمار المسجد قصرهم اله عز وجل على المؤمنين بالله و اليوم الآخر، قال تعالى:

﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ﴾

[ سورة التوبة: 18]

الذي يرتاد المساجد للدنيا وحدها لن يكون من المهتدين :

 فإذا خشي غير الله لا يعمر مساجد الله، لفتة دقيقة، إذا خشيت غير الله لن تستطيع أن تعمر المساجد الله، أما إن لم تخش إلا الله فأنت ممن يعمر مساجد الله، قال تعالى:

﴿ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُهْتَدِينَ﴾

[ سورة التوبة: 18]

 لماذا كلمة " فعسى" لأن الذي يرتاد المساجد و يبتغي من هذا الارتياد الدنيا وحدها لن يكون هذا من المهتدين، إذا كان ارتيادك للمسجد في إخلاص و صدق:

﴿ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُهْتَدِينَ﴾

[ سورة التوبة: 18]

لا تستوي عند الله الأعمال.... :

 لكن الله سبحانه و تعالى يقول:

﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 19]

 يعني هناك أعمال ظاهرها طيِّب، لكن الإنسان إذا اكتفى بها و لم يلتفت بقلبه إلى الله عز وجل، ولم يخلص لله عز وجل، و لم يلتزم بأمر الله عز وجل، و لم ينضبط بأمر الله عز وجل، و لم يقبل على الله عز وجل، إذا قام ببعض الأعمال الطيبة و ترك إصلاح نفسه، ترك ذات بينه فاسدة، أهمل نفسه جعلها تهتم بالدنيا، و جمع بين بعض الأعمال الطيبة، و بين إهمال نفسه، فهذا لا يستوي مع من آمن بالله و اليوم الآخر، و جاهد في نفسه، و جاهد الجهاد الأكبر جهاد النفس و الهوى، لذلك يقول الله عز وجل:

﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 19]

 من أين جاء لظلم؟ لأنك إذا أعرضت عن الله عز وجل و لم تقبل عليه و اكتفيت ببعض الأعمال الطيبة التي يثني الناسُ بها عليك لا بد من أن هذا الإعراض سيولِّد خبثا في النفس، سيولد شهوة، لا بد أن تترجم الشهوة إلى ظلم أو عمل، والله لا يهدي القوم الظالمين، يعني المالُ وهو شيء ثمين لا يقبل عليك إذا كنت معرضا عنه، يعطيك الله من المال ما شئت، و لكن لن يسمح لك بالإقبال عليه إن لم تكن مخلصا إليه، الله سبحانه و تعالى يريدك قبل مالك، يريد نفسك أن تلتفت إليه، لا يكتفي ربُّنا سبحانه و تعالى أن تنفق من مالك في إعمار المسجد، لا بد أن تلتف إليه.

الهجرة هي الترجمة العملية للإيمان :

 لذلك يقول الله سبحانه و تعالى:

﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴾

[ سورة التوبة: 20]

 الذين آمنوا وهاجروا، الإيمان هو اليقين عن طريق البحث الذاتي،و الهجرة هي الترجمة العملية للإيمان، المهاجر من هجر ما نهى الله عنه:

((عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ ))

[مسلم عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ]

إذا أطعت أباك وعصيت ربك فقد آثرته على الله و رسوله :

 قال تعالى:

﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ * يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾

[ سورة التوبة: 20-22]

 يا أيها الذين آمنوا، كلام فيه إشفاق، كلام فيه نصح، رب العزة ينصحكم أيها المؤمنون، ألا تستجيبون له، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾

[ سورة الأنفال: 24 ]

 قال تعالى:

﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 24]

 ما معنى أن يؤثر الإنسان أباه أو أخاه أو زوجه أو عشيرته على الله و رسوله؟ يعني إذا أطعت أباك وعصيت ربك، فقد آثرته على الله و رسوله، إذا أطعت زوجتك وعصيت ربك فقد آثرتها على الله و رسوله، إذا ابتغيت مالا من طريق حرام و ضربت بالحرام عُرض الحائط فقد آثرت المال على الله و رسوله، إذا ابتغيت مسكنا بطريق غير مشروع وآثرته على الاستقامة فقد آثرته على الله و رسوله.

باب السماء مغلق إن آثرتم أموالكم وتجارتكم على الله و رسوله :

 قال تعالى:

﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا﴾

[ سورة التوبة: 24]

 أي لن تصلوا إلى شيء، انتظروا و لن تصلوا، أي الطريق مسدود، يعني باب السماء مغلق، يعني باب الإقبال مغلق، يعني لن تستفيدوا من هذا الدين، إن آثرتم هؤلاء على الله و رسوله، لن تقطفوا ثمارها، لن تسعوا به، لن تطمئنوا، لن تتوازنوا لن ترضوا إذا آثرتم آباءكم و إخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموالكم وتجارتكم ومساكنكم على الله و رسوله.

 

الإيثار يحمل الإنسان على الفسق :

 أما الشيء الدقيق في هذه الآية أن الله سبحانه و تعالى يقول:

﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 24]

 يعني إذا آثرت هؤلاء لا بد من أن يحملك هذا الإيثار على الفسق، إذا آثرت متجرا لا يرضي الله عز وجل، أو آثرت بيتا فيه غصب للحقوق، أو آثرت أخا أو أبا أو زوجا أو عشيرة على الله و رسوله فإن هذه المؤاثرة لا بد أن تحمل صاحبها على الفسق و الفجور، قال تعالى:

﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 24]

المشركون هم عين النجاسة :

 الله سبحانه و تعالى يقول:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ﴾

[ سورة التوبة: 24]

 معنى كلمة نجس شيء دقيق أيضا، الله سبحانه و تعالى لم يقل: إنما المشركون نجسون، لأن كلمة نجس صفة، و الشيء النجس يطهر بالماء، و لكن المشركين هم عين النجاسة، فهل تطهر النجاسة، إنها النجاسة، لذلك ربنا سبحانه و تعالى يحذِّرنا من أن نقيم علاقة مع مشرك، من أن نشاركه في تجارة، من أن نزوجه، لأن المشرك لا بد من أيجرّنا إلى معصية الله، لا بد من أن يجرنا إلى غضب الله ن لا بد من أن يكون كسبه للمال حراما، لا بد من أن تكون علاقاته بين لناس غير صحيحة، لا بد من أن يبني ربحه على الربا، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾

[ سورة التوبة: 24]

الله عز وجل هو الرزاق ذو القوة المتين :

 لو أن لك شريكا لا يرضي الله في أعماله، و في تصرفاته، و في كسب المال و في إيداع المال و استثمار المال، ويأتيك منه ربحٌ وفير، فاتلُ هذه الآية:

﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾

[ سورة التوبة: 24]

 لا تخش إلا اله، اتخذ الله صاحبا و دع الناس جانبا، صلِّ ركعتين في جوف الليل لظلمة القبور، و صم يوما ليوم النشور، و حجَّ حجة لعظائم الأمور، يا سيدي ما فعل الله بك؟ قال: طاحت تلك العبارات، و ذهبت تلك الإشارات، و لم يبق إلا رُكيعات ركعناها في جوف الليل.

النبي عليه الصلاة والسلام هو قدوتنا :

 أيها الأخوة المؤمنون، النبي عليه الصلاة والسلام كان قدوة لنا، توفي ابنه إبراهيم، وهو في عمر الورود كما يقولون، ماذا قال النبي المصطفى؟الله سبحانه و تعالى يقول:

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾

[ سورة الأحزاب: 21]

 وقف النبي الكريم صاحب القلب الرحيم، وقف المصطفى أمام ابنه المسجى أمامه وقال له: يا إبراهيم أنا لا أملك لك من الله شيئا" قيسوا على هذه الكلمة، أنا لا أملك لك من الله شيئا، قال هذا للسيدة فاطمة:

((عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ لَمَّا نَزَلَتْ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الصَّفَا فَقَالَ يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ يَا صَفِيَّةُ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا سَلُونِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتُمْ))

[ مسلم عَنْ عَائِشَةَ]

 من يبطئ به عمله لم يسرع به نسبه، لكن التاريخ يروي أن النبي عليه الصلاة و السلام قال: يا إبراهيم - وهو مسجى أمامه - أنا لا أملك لك من الله شيئا، يا إبراهيم إذا جاءتك الملائكة فقل لهم: الله ربي، و رسول الله أبي، الإسلام ديني، ما إن أتم النبي هذه الكلمات حتى سمع صوت بكاء شديد، التفت نحو جهة البكاء فإذا عمر رضي الله عنه يبكي بكاء شديدا، فقال: يا عمر: ما الذي يبكيك؟ قال: يا رسول الله ابنك لم يبلغ الحلم و لم يجر القلم و ليس في حاجة إلى تلقين، فماذا يفعل ابن الخطاب و قد بلغ الحلُم و جرى عليه القلم ولم يجد ملقِّنا مثلك يا حبيب الله، ماذا يفعل؟ ألم يقل سيدنا عمر ليت أم عمر لم تلد عمر، ليتها كانت عقيما، ألم يقل هذا الخليفة العظيم ليتني أقدم على ربي لا لي و لا علي " ألم يقل هذا الخليفة العظيم: لو أن بغلة في العراق تعثرت لحاسبني الله عنها، لِمَ لمْ تصلح لها الطريق يا عمر " ألم يقل هذا الخليفة رضي الله عنه حينما امتحن بعض ولاته: ماذا تفعل إذا جاءك الناسُ بسارق أو ناهب؟ قال: أقطع يده، قال: فإن جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل فسأقطع يدك، إن الله قد استخلفنا عن خلقه لنسدَّ جوعتهم، ونستر عورتهم، و نوفّر لهم حرفتهم، فإذا وفينا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها، إن هذه الأيدي خلقت لتعمل، فإذا لم تجد في الطاعة عملا التمست في المعصية أعمالا، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلها بالمعصية " ألم يشتكِ بدويٌّ من فزارة قدم المدينة مسلما وهو جبلة بن الأيهم، استدعاه عمر، قال: ما القصة؟ ما شأن هذا الفزاري الجريح؟ قال: لست ممن ينكر شيئا، أنا أدبت الفتى أدركت حقي بيدي، قال عمر رضي الله عنه: أرضِ الفتى " لا بد من إرضائه، ما زال ظفرك عالقا بدمائه أو يهشمنَّ الآن أنفك، و تنال ما فعلته كفُّك، قال: كيف ذاك يا أمير، هو سوقة، وأنا عرش و تاج، كيف ترضى أن يخرّ النجم أرضا، قال له: نزوات الجاهلية ورياح العنجهية قد دفناها، أقمنا فوقها صرحا جديدا، و تساوى الناسُ أحرارا لدينا و عبيدا، فقال جبلة: كان وهْمًا ما جرى في خلدي أنني عندك أقوى و أعز، أنا مرتد إذا أكرهتني، فقال: عنق المرتد بالسيف تُحد، عالَم نبنيه كلُّ صدع فيه بشبا السيف يُداوى، و أعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى " هذا عمر ن و مع ذلك كان يقول: ليت أم لن تلد عمر، ليتها كانت عقيما " ليتني أقدم على ربي لا لي و لا علي، مرة قال له بعض أصحابه: ما رأينا خيرا منك بعد رسول الله، فحدَّق فيهم جميعا، و كاد يأكلهم بنظرته،إلى أن قال أحدهم: لا و اللهِ لقد رأينا من هو خير منك، قال: ومن هو؟ قال: هذا الرجل، أبو بكر، قال: صدقت و كذبتم جميعا " عدّ سكوتهم عن الحق كذبا، قال: واللهِ لقد كنتُ أضل من بعيري، و كان أبو بكر أطيبَ من ريح المسك.

النبي عليه الصلاة والسلام يعلمنا العقيدة الصحيحة :

 أيها الأخوة المؤمنون، من أجل عمر فيما يروي المفسِّرون نزل قوله تعالى:

﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ﴾

[سورة إبراهيم: 27]

 و شاءت الصدف أو لم تشأ، أو أن الله قدَّرها أن الشمس كُسفت لموت إبراهيم، هكذا ظن بعض أصحاب النبي، ربطوا بين كسوف الشمس و بين موت إبراهيم، فتهامسوا بينهم، لقد كُسفت الشمس لموته، بلغ ذلك النبي عليه الصلاة و السلام، فما كان منه إلا أن قال:

(( قَالَ زِيَادُ بْنُ عِلَاقَةَ سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يَقُولُ انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَادْعُوا اللَّهَ وَصَلُّوا حَتَّى تَنْكَشِفَ ))

[مسلم عن الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ]

 كان بإمكان النبي عليه الصلاة و السلام أن يسكت، إذا سكت سرى وهم بين أصحابه، أن هذه الشمس إنما كسفت لموت ابنه إبراهيم، قال:

(( قَالَ زِيَادُ بْنُ عِلَاقَةَ سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يَقُولُ انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَادْعُوا اللَّهَ وَصَلُّوا حَتَّى تَنْكَشِفَ ))

[مسلم عن الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ]

 أيها الأخوة المؤمنون، يعلمنا النبي عليه الصلاة و السلام العقيدة الصحيحة، يعلمنا النبي عليه الصلاة و السلام الموقف العلمي، البعد عن الدجل و الخزعبلات و الخرافات، ما اتخذ الله وليا جاهلا، لو اتخذه لعلَّمه، كن عالما أو متعلما أو مستمعا أو محبا، و لا تكن الخامسة تهلك.
 أيها الأخوة المؤمنون، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا و زنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا لغيرنا، و سيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكِّيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، و العاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني والحمد لله رب العالمين.

***

الخطبة الثانية :
 الحمد لله رب العامين، وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، و أشهد أن سيدنا محمداً سيد الأولين و الآخرين.

الدود خلقه الله سبحانه و سخره خصيصاً لبني الإنسان :

 الحمد لله رب العامين، وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، و أشهد أن سيدنا محمدا عبده و رسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صل و سلم و بارك على سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين.
 أيها الأخوة المؤمنون، هناك دود الدود الذي خلقه الله سبحانه و تعالى، و الأصح أن نقول: الذي سخره الله سبحانه و تعالى خصيصا لنا، إكراما لبني الإنسان، هذه الدودة لعابُها تخرجه من فمها، ما إن يتعرض للهواء حتى يجفّ، و إذا جف كان خيطا حريريا، لا يستطيع بني البشر أن يقلدوه، فإذا مسكت قطعة قماش من الحرير الصناعي و قطعة قماش من الحرير الصحيح غير المزيّف، حيري دود القز ترى بونا شاسعا، و مسافة كبيرة بين النسيجين، لأن هناك فرقاً دقيقاً بين الخيطين.

تشبيه خيط حرير دود القز كلمعان اللؤلؤ :

 هذا اللعاب الذي تفرزه دودة القز من فمها بقطر دقيق، قطر دقيق و متانة شديدة، على دقته متين، و على متانته له لمعان يأخذ بالأبصار، شبَّه بعضهم خيط حرير دود القز كلمعان اللؤلؤ، خيط دقيق مع متانة متينة و لمعان يأخذ بالألباب، هذه الدود أيها تفرز من فمها لعابا تستطيع أن تخرج خيطا طوله ست بوصات في الدقيقة الواحدة، و تستطيع أن تنسج خيطا مستمرا طوله ثلاثمئة متر تقريبا، أو ألف قدم، لو أخذت شرنقة ووضعتها في ماء ساخن، ثم أخذت طرف الخيط و لففته على بَكرة، إن هذا الخيط يزيد طوله عن ألف قدم، في دقة بالغة و لمعان أخّاذ و متانة متينة.
 إنه دود القز أيها الأخوة، و قد قرأت أن هناك دودا ينتج خيطا ذهبي اللون، هناك دود ينتج خيطا فضِّيا، و هناك دود ينتج خيطا ذهبيا، تبارك الله الخلاّق لما يشاء، إن الشرانق إذا اجتمع خمس و عشرون ألف شرنقة تشكل هذه رطلا من الحرير، هناك أناس في العالم كثيرون يعملون على تربية هذا الدود و على إنتاج هذا الحرير الذي يفوق حدّ التصور، صنعُ مَن؟

التفكر في ملكوت السموات و الأرض طريق لمعرفة الله عز وجل :

 الله سبحانه و تعالى يقول:

﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾

[ سورة النمل: 88 ]

﴿ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ﴾

[سورة السجدة: 7 ]

 إن لم نفكر فيما حولنا، إن لم نفكر فيما سخر الله لنا، إن لم نفكر في طعامنا و شرابنا، إن لم نفكر في بنية أجسامنا، إن لم نفكر في ملكوت السموات و الأرض، كيف نعرف الله سبحانه و تعالى، هذا مثل حيّ من خلق الله و من عظمة إكرامه للإنسان.

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، و تولنا فيمن توليت، و بارك لنا فيما أعطيت، و قنا و اصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي و لا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، و لا يعز من عاديت، تباركت ربنا و تعاليت، اللهم أعطنا و لا تحرمنا، و أكرمنا و لا تهنا، و آثرنا و لا تؤثر علينا، و أرضنا وارض عنا، و اقسم لنا من خشيتك مت تحول به بيننا و بين معصيتك، و من طاعتك ما تبلغنا بها جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، و متعنا اللهم بأسماعنا و أبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، و انصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، و لا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك و لا يرحمنا، مولانا رب العالمين، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب و ترضى، إنه على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018