الخطبة : 0104 - أمسك عليك لسانك - سمك السلمون. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0104 - أمسك عليك لسانك - سمك السلمون.


1985-11-15

الخطبة الأولى :

 الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي هدانا لهذا و ما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا الله، وما توفيقي و لا اعتصامي و لا توكلي إلا على الله، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقرارا بربوبتيه و إرغاما لمن جحد به و كفر، و أشهد أن سيدنا محمدا صلى الله عليه و سلم سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر، اللهم صل و سلم و بارك على سيدنا محمد، و على آله و أصحابه، و على ذريته و من والاه و من تبعه إلى يوم الدين، اللهم ارحمنا، فإنك بنا راحم، و لا تعذبنا فإنك علينا قادر، والطف بنا فيما حرت به المقادير إنك على كل شيء قدير اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

المنجيات الثلاثة :

 أيها الأخوة المؤمنون، سيدنا عقبة جاء النبي عليه الصلاة و السلام فسأله عن النجاة، ما الذي ينجيك؟ فقال عليه الصلاة و السلام بكلامه الجامع المانع الفصل، قال عليه الصلاة و السلام:

((عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا النَّجَاةُ قَالَ أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ))

[الترمذي عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ]

 هذه الأشياء الثلاثة تنجي الإنسان من عذاب الله، لأن ابن آدم إذا أصبح فإن الأعضاء كلها تذكر اللسان و تقول: يا لسان اتق اله فينا، فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، و إن اعوججنا اعوجَجنا " الأعضاء كلها تخاطب اللسان كل يوم تقول:يا لسان اتق اله فينا، فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، و إن اعوججنا اعوجَجنا " فلما سئل النبي عليه الصلاة و السلام عن النجاة، قال لسيدنا عقبة:

((عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا النَّجَاةُ قَالَ أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ))

[الترمذي عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ]

من استقامة الإنسان أن يستقيم لسانه :

 هذا اللسان كما يقول عليه الصلاة و السلام:

((عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ وَلَا يَدْخُلُ رَجُلٌ الْجَنَّةَ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ))

[أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ]

 سيدنا سعد سأل النبي عليه الصلاة و السلام:

(( عَنْ مُعَاذٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي جَهَنَّمَ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ ))

[أحمد عن معاذ]

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ قَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ))

[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 لا يلقي لها بالا، يفرق فيها بين اثنين، يفسد العلاقة بين أخوين، يسبب حزنا طويلا لإنسان، بكلمة سخرية، يسبب شقاقا بين زوجين بكلمة يقولها لا يلقي لها بالا، يهوي بها في جهنم سبعين خريفا.
 أيها الأخوة المؤمنون، جزء أساسي من استقامة الإنسان أن يستقيم لسانه، وليسعك بيتك، أي طوبى لمن وسعته السنة، و لم تستهوه البدعة، ذكر الله أنيسي، و الرضا غنيمتي، و الفقر فخري، و الشوق مركبي، و الحب أساسي، و الثقة كنزي، هذه من شمائل النبي عليه الصلاة و السلام و العلم سلاحي.

 

إذا عرفت الحق لا ينبغي أن تحيد عنه :

 من سورة الأنفال التي كنا قد بدأنا شرح بعض آياتها في الخطب الماضية قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾

[سورة الأنفال: 27-29]

 أي لا تخونوا الله، بمعنى أنك إذا عرفت الحق لا ينبغي أن تحيد عنه، فإاذ حدت عن الحق فقد خنت الله، وإذا عرفت سنة النبي عليه الصلاة و السلام التي لم ينطق بها عن الهوى و حدت عن هذه السنة فقد خنتها، و الطبيب الذي يخون معلوماته و ينصح بغير ما يعرف ابتغاء مال عاجل فقد خان رسالته، و المحامي مثلا الذي يقول للموكل: دعوتك رابحة، وهو يعلم أن القوانين النافذة لا تجيز لهذه الدعوة بالنجاح، ماذا خان هذا المحامي؟ خان علمه ابتغاء عرض من الدنيا قليل، فالخيانة من معانيها أنك إذا حدت عن طريق الحق فقد خنت الله عز وجل، وإن حدت عن طريق النبي عليه الصلاة و السلام فقد خنته، وإن حدت عنهما فقد خنت أمانتك التي وكّلك الله بها، قال تعالى:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ﴾

[ سورة الأحزاب: 72 ]

إذا تخلى الإنسان عن حمل الأمانة فقد خان الأمانة :

 حينما يتخلى الإنسان عن حمل الأمانة و يسهو ويلهو و يرى الدنيا كل شيء و يتغافل عن الآخرة و يحيد عن طريق الحق فقد خان الله و رسوله و أمانته، لذلك الآية الكريمة ذيّلها الله سبحانه و تعالى بقوله: و أنتم تعلمون.." تعلم أن كسب هذا المال غير مشروع، فإذا كسبته بهذه الطريقة فقد خنت الله ورسوله وخنت الأمانة، تعلم علم اليقين أن إلقاء النظر على هذه المرأة لا يجوز، هذه لا تحل لك، فإذا نظرت إليها فقد خنت الله و رسوله و أمانتك، و تعلم علم اليقين أن مصاحبة فلان لا تجوز، فإذا صاحبته خنت الله و رسوله و أمانتك، لذلك الله عز وجل يقول:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ ﴾

[سورة الأنفال: 27]

الخيانة بمعنى أن تعرف شيئاً و تحيد عنه :

 الخيانة بمعنى أن تعرف شيئا و تحيد عنه، أن تعرف سنة المصطفى في زواجه وتحيد عنها، قال عليه الصلاة و السلام: من تزوج المرأة لجمالها أذلَّه الله، من تزوجها لمالها أفقره الله، من تزوجها لحسبها زاده الله دناءة فعليك بذات الدين تربت يداك " فإذا اخترت زوجة رقيقة الدين و آثرت الدنيا على الآخرة فقد خنت رسول الله، وهذا حديثه، النبي عليه الصلاة و السلام ليس ككل البشر، إنما هو نبي مرسل، إن كلامه من عند الله، لا ينطق عن الهوى.

الأموال والأولاد تكشف الرجال على حقيقتهم :

 الشيء الذي جاء بعد هذه الآية، قال تعالى:

﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ﴾

[سورة الأنفال 28:]

 أي أنتم أيها العباد تنكشفون على حقيقتكم بالأموال و الأولاد، المال يكشف الرجل عن حقيقته، إعطاء المال فتنة، و حرمانه فتنة، إعطاء المال يكشف الرجل عن حقيقته، يكشف سخاءه، يكشف ما ينطوي عليه من كِبر، يكشف حرصه على الدنيا، يكشف أنانيته، و قد يكون المال كاشفا لمزاياه الطيبة، يكشف حبه للآخرين، و يكشف سخاءه، يكشف تواضعه ن و الأولاد كذلك، قال تعالى:

﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾

[سورة الأنفال 28:]

دعوة عامة للمؤمنين بعدم التنازع :

 ومن آيات سورة الأنفال قوله تعالى:

﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾

[سورة الأنفال 46:]

 أي هذه دعوة عامة للمؤمنين، إذا تنازعتم ضعفتم، ومعنى تفشلوا أي تضعفوا، إذا تنازعتم فيما بينكم ضعفتم و طمع فيكم عدُّكم، أما تذهب ريحكم، شأنكم العالي بين الناس، سمعتكم العطرة هذه تتلاشى، تضعفون و تذهب سمعتكم الطيبة بين الناس بسبب التنازع، لذلك قال عليه الصلاة و السلام:

((عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا ))

[مسلم عَنْ أَبِي مُوسَى]

 و قال عليه الصلاة و السلام:

((عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُؤْمِنُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ إِنْ اشْتَكَى رَأْسُهُ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ))

[مسلم عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ]

 و قال عليه الصلاة و السلام:

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ التَّقْوَى هَاهُنَا وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ))

[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

لو طبَّق المسلمون هذه الآيات لصاروا كمثل الجسد الواحد :

 و قال تعالى:

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾

[ سورة المائدة:2]

 و قال تعالى:

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾

[ سورة الحجرات: 10 ]

 وقال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ ﴾

[ سورة الحجرات: 11 ]

 و قال تعالى:

﴿ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ﴾

[ سورة الحجرات: 12 ]

 و قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ﴾

[ سورة الحجرات: 12 ]

 هذه الآيات كلها لو طبَّقها المسلمون لصاروا كمثل الجسد الواحد، و لما تنازعوا، و لما ذهب ريحهم و أعلى الله شأنهم، و قد قال الله عز وجل:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 أيها الأخوة المؤمنون، هذه الآية متعلقة بالحياة الاجتماعية، قال تعالى:

﴿ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾

[ سورة الأنفال: 46 ]

 إذا عزَّ فهُن أنت، كن لأخيك عونا له على الشيطان، ولا تكن عون الشيطان على أخيك.

الكافر شرٌّ من كل الحيوانات التي تدب على وجه الأرض :

 ومن آيات سورة الأنفال أيها الأخوة الأكارم قوله تعالى:

﴿ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ﴾

[ سورة الأنفال: 55 ]

 كلمة شر أساسها أشر، ككلمة خير من أسماء التفضيل، أي شرُّ دابة تدبُّ على وجه الأرض هو الكافر:

﴿ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾

[ سورة الأنفال: 55 ]

 لأن الكافر أعرض عن الله عز وجل، وبإعراضه عن الله امتلأت نفسه شهوات منحطة، فصار من أجل تلبية شهواته يأخذ مال هذا ويظلم هذا و يستعلي على هذا حتى صار كتلة من الشر، لذلك إذا مات العبد الفاجر استراح الناس منه لأنه يؤذيهم، قال تعالى:

﴿ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة الأنفال: 55 ]

 أي هذا الكافر شرٌّ من كل الحيوانات التي تدب على وجه الأرض، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ﴾

[سورة البينة: 6]

 أي شر ما برأ الله عز وجل.

الفالح من زكى نفسه و طهرها :

 ومن آيات هذه السورة الكريمة آية دقيقة جداً لو تفحصناها لعرفنا أن المؤمن وحده هو الموفَّق في الحياة الدنيا، قال تعالى:

﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ ﴾

[ سورة الأنفال: 59]

 أي هذا الذي ترك الله عز وجل، حاد عن طريق الحق، لا يأخذن به الظن، لا يذهبن به الظنُّ إلى أنه هو الذكي، إلى أنه هو الرابح، إلى أنه هو المفلح، إلى أنه هو الحذر، لا، هذا ليس هو الموفَّق، ليس المتفوِّق، ليس الفالح، قال تعالى:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون: 1 ]

 قال تعالى:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى* وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ﴾

[ سورة الأعلى: 15-16 ]

 هذا الذي زكى نفسه و طهرها من الدرن، طهرها مما سوى الله، هذا الذي أفلح عند الله، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴾

[سورة النور: 52]

 طاعة الله هي الفوز، و كفاك على عدوك نصرا أنه في معصية الله، يكفيك عليه نصراً، قال تعالى:

﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

[سورة القصص: 83]

المؤمنون هم السابقون :

 لذلك قال تعالى:

﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ ﴾

[ سورة الأنفال: 59]

 إياهم أن يظنوا أنهم بكفرهم و شططهم و انحرافهم وبعدهم وسخريتهم بالدين و تنكبهم لطريق الحق و انغماسهم في الملذات و اقتناصهم للشهوات واستعلائهم في الأرض، إياهم أن يظنوا أنهم سبقوا المؤمنين، المؤمنون هو السابقون، الدليل: قال تعالى:

﴿ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ ﴾

[ سورة الأنفال: 59]

 لا بد من الموت، قال تعالى:

﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ* ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾

[سورة الغاشية:25ـ 26]

 لا بد من عودة إلى الله عز وجل، قال تعالى:

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾

[ سورة القصص: 61]

 وقال تعالى:

﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾

[ سورة السجدة: 18 ]

 و قال تعالى:

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾

[ سورة الجاثية: 21 ]

الذكاء و التفوق و النجاح في طاعة الله عز وجل :

 إذا ظننت أنك ذكي و أنت بعيد عن طريق الحق فهذا هو الضلال بعينه، إذا ظننت أنك متفوق و أنت لست على الطريق الحق فهذا هو الضلال البعيد، إذا ظننت أنك فوق الناس و أن الناس لن يحصوك و أنت بعيد عن طريق الحق فهذا هو الضلال البعيد، الذكاء كل الذكاء، والتفوق كل التفوق، و الفلاح كل الفلاح، والنجاح كل النجاح في طاعة الله عز وجل، لأن العاقبة لك، يكفي أنه إذا جاء ملك الموت و رأيت جنة عرضها السموات و الأرض يقول الله عز وجل:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ* إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ* فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ* فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ* قُطُوفُهَا دَانِيَةً* كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾

[ سورة الحاقة : 19-24]

 لا المال وحده يسعِد، و لا الزوجة وحدها تسعد، و لا الشأن العالي وحده يسعد، و لكن الله سبحانه و تعالى هو الذي يسعد، فإذا كنت معه كان معك، و إذا أقبلت عليه أقبل عليك، و إذا صليت على نبيه عليه الصلاة و السلام تجلى الله على نبيه وعليك بالرحمة.

من آمن بالرسول و نصره و صدقه له جنة عرضها السموات و الأرض :

 أيها الأخوة المؤمنون، قال تعالى:

﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا ﴾

[ سورة الأنفال: 59]

 إياهم أن يظنوا هذا، قال تعالى:

﴿ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ ﴾

[ سورة الأنفال: 59]

 أين أبو جهل؟ أين أبو لهب؟ أين الصدِّيق؟ الصديق و الفاروق و ذو النورين و عليُّ بن أبي طالب، هؤلاء الذين آمنوا بالنبي و نصروه و عزروه ووقروه و اتبعوا النور الذي أنزل معه، و فدوه بأرواحهم و أنفسهم، هؤلاء في جنة عرضها السموات و الأرض، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ﴾

[ سورة الأنفال: 36]

 وقال تعالى:

 

﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ* فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ * فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ ﴾

 

[سورة القصص: 76-81]

 أين قارون؟

السابق هو المؤمن :

 أيها الأخوة المؤمنون، آية دقيقة، قال تعالى:

﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا ﴾

[ سورة الأنفال: 59]

 و قال تعالى:

﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ * لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ ﴾

[سورة آل عمران: 196-198]

 كل هذه الآيات و الشواهد على قوله تعالى:

﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا ﴾

[ سورة الأنفال: 59]

 السابق هو المؤمن، قال تعالى:

 

﴿ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ* قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ * إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ * قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ﴾

 

[سورة المؤمنون: 104-116]

من قبل بالإسلام و لم يتحرك كان الإسلام حجة عليه يوم القيامة :

 الآية الأخيرة في سورة الأنفال وهي قوله تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ﴾

[ سورة الأنفال: 72]

 - شيء جميل - أي هؤلاء الذين قبلوا بالإسلام و لم يتحركوا، و لم ينضبطوا، و لم يأخذوا موقفاً علنياً، و لم يهتموا بتطبيق شرعه، هؤلاء لا شأن لهم عند الله، ما لم يأخذ الإنسان موقفاً عملياً فلا شأن له عند الله، " و الذين آمنوا، الله سبحانه و تعالى وصفهم بالإيمان:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ﴾

[ سورة الأنفال: 72]

 أي القناعة حصلت في هذا، أين التطبيق؟ لا شأن لك عند الله إلا إذا طبقت، هذا الذي يستمع إلى الخطب و يتأثر بها،و يذهب إلى البيت، و بيته فيه معاص، و فيه مخالفات، ليته لم يستمع لهذه الخطب، لماذا؟ لأنها كانت حجة عليك يوم القيامة، وهو يعلم، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة الأنفال: 27]

 كما قال اليهود: سمعنا و عصينا، ولكن المؤمنين الصادقين يقولون: سمعنا و أطعنا، أي إذا استمعت إلى خطبة و تأثرت بها و ذهبت إلى البيت فشمِّر، شمروا فإن الأمر جد، و تأهبوا فإن السفر قريب، و تزودوا فإن السفر بعيد، بمعنى مكان السفر، و خففوا أثقالهم فإن في الطريق عقبة كؤود لا يجتازها إلا المخفون، و أخلص النية فإن الناقد بصير، و خفف الأثقال فإن في الطريق عقبة كؤود، وجدد السفينة فإن البحر عميق، و أكثر الزاد.

تعريف المهاجر :

 أيها الأخوة المؤمنون، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ﴾

[ سورة الأنفال: 72]

 كيف نهاجر؟ قال عليه الصلاة و السلام:

(( الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ ))

[النسائي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]

 إذا تركت المنهيات فأنت مهاجر، ما تعريف المهاجر مرة ثانية؟ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ))

[مسلم عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ]

 إذا عبدت الله في زمن الفتنة، في آخر الزمان، حيث الفتن يقظى، و حيث الشهوات مستعرة، و حيث الدنيا تدعوك من كل حدب و صوب، وحيث المعاصي على قارعة الطريق، إذا عبدت الله في مثل هذا الزمان فهذه العبادة كهجرة خالصة لله عز وجل، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ﴾

[ سورة الأنفال: 72]

قصة ثابت بن قيس مع النبي صلى الله عليه وسلم :

 أيها الأخوة المؤمنون، هذه الآيات تلوتها عليكم، و بيّنت بعض ما وفَّقني الله به إلى معانيها، سأريكم حالة من حالات الصحابة كيف كانوا يفهمون كتاب الله عز وجل، و كيف كانوا يأخذونه مأخذاً جدياً، أي أحدنا يستمع إلى آية وهو يخالفها، و يذهب و ينام، وكأنه لا شيء قد حدث، لكنك لو عرفت من عصيت، لو عرفت من تخالف، لا تنظر إلى صِغر الذنب و لكن انظر على من اجترأت، قد نقرأ القرآن، قد نستمع إلى درس علم، قد نستمع إلى خطبة، ويذكر الخطيب آية نحن لا نطبقها، و نذهب إلى البيت و نحن نحنُ.
 الصحابي الجليل ثابت بن قيس كان ضعيف السمع، و ضعيف السمع يرفع صوته فوق الحد الطبيعي بشكل لا شعوري، ثابت بن قيس نزل قوله تعالى وهو:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾

[سورة الحجرات: 2]

 ماذا فعل ثابت بن قيس؟ كان صوته مرتفعاً، هذه الآية ظنها تنطبق عليه، فدخل بيته واعتزل مجلس رسول الله صلى الله عليه و سلم، و دخل على زوجته حزيناً، يعني أسأل الله أن تجيبني إجابة صادقة، يعني شعرت أنك لا تطبق هذه الآية هل تدخل إلى البيت و أنت حزين كاسف البال، هل تقول لك امرأتك: ما حالك؟ ما شأنك؟ ما الذي طرأ عليك؟ قد تظن أن المحل فيه مشكلة كبيرة، قد تظن أن في صحتك مرضاً، تقول لها: لا، هناك آية لا أطبقها، هل أنت في هذا المستوى، هذا الصحابي الجليل اعتزل مجلس رسول الله صلى الله عليه و سلم و دخل على زوجته حزيناً و قال: أغلقي علي الباب فأنا قد أحبط الله عملي، لأنني كنت أرفع صوتي في مجلس رسول الله، أي حزن حقيقي، امتلأ قلبه حزناً، كاد قلبه يعتصر، إن هذه الآية تنطبق عليه، و قد أحب الله عمله، النبي عليه الصلاة و السلام من شدة حبه لأصحابه و حجره عليهم و رأفته بهم واهتمامه بهم كان يسأل عنهم، يتفقدهم، فقال عليه الصلاة و السلام مرة: أين ثابت لا أراه؟ فقال بعض لأصحابه: يا رسول الله هو في البيت، وقصته كذا و كذا، بالمناسبة قال بعض العلماء: المؤمن في المسجد كالسمك في الماء، و المنافق في المسجد كالعصفور في القفص " الناس في مساجدهم، و الله في قضاء حوائجهم، أي إذا كنت أنت في البيت فإنك بأعيننا، و أهلك بعين الله عز وجل، و أولادك برعايته، و الأمور منتظمة، الناس في مساجدهم، و الله في قضاء حوائجهم " فقال جاره: يا رسول الله أنا اسأل عنه، فذهب إليه و قال يا ثابت: ما شأنك؟ قال: و اللهِ لا اذهب إلى النبي حتى يصفح عني، فبلغ ذلك النبيَّ عليه الصلاة و السلام فقال: ائتوني به، فجاء ثابت، و قال النبي عليه الصلاة و السلام: أبشر يا ثابت فإنك ستعيش حميدا و تموت شهيدا و تدخل الجنة " قبل أن يجيبه هذه الإجابة سأله سؤالا أخير، قال له: ما حالك يا ثابت؟ قال: يا رسول الله كنتُ ارفع صوتي في مجلسك فرأيت أن الله قد أحبط عملي، قال:أبشر يا ثابت فإنك ستعيش حميدا و تموت شهيدا و تدخل الجنة " ولحق النبيُّ عليه الصلاة و السلام بالرفيق الأعلى و لم يمت ثابت، و لست في مستواها، هل يداخل قلبك الحزنُ؟ هل تتألم، هل تحس أنك قد حبط عملك؟ أما تقرأ القرآن و لست مطبقاً منه شيئاً، و تلهو و تسهو و تقول: هذه خطبة لطيفة و هذا درس رائع، و هذا الدرس ممتع، وهذه الآية جميلة، و أنت في واد و القرآن في واد، أهكذا المسلم؟ أهكذا الذي يحب الله و رسوله.

 

تعصي الإله وأنت تظهر حب ه ذاك لعمري في المقال بديـعُ
لو كان حبُّك صادقا لأطعتـه  إن المحب لمن يحب يـطيعُ
***

 أيها الأخوة المؤمنون، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا و زنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا لغيرنا، و سيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكِّيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، و العاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني والحمد لله رب العالمين.

 

 

***

الخطبة الثانية :

 

 

 الحمد لله رب العامين، وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، و أشهد أن سيدنا محمدا سيد الأولين و الآخرين.

سمك السلمون:

 أيها الأخوة المؤمنون، من الآيات الدالة على عظمة الله عز وجل، الآيات العلامات، الآيات كونية و قرآنية، وها نحن قد تلونا على مسامعكم بعض الآيات القرآنية، فماذا عن بعض الكونية؟ في البحار سمك اسمه السلمون، وله اسم آخر اسمه حوت سليمان، هذه الأسماك لها سلوك حيَّر العلماء، و لا يمكن أن يُفسَّر سلوكها إلا في ضوء القرآن، قال تعالى:

﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾

[ سورة طه: 49-50]

 هذه الأسماك تولد في رؤوس الأنهار في أمريكا، منابع الأنهار، و تهاجر من منابع الأنهار إلى مصبَّاتها، و من مصباتها إلى نهاية المحيط الأطلسي، يعني إلى سواحل فرنسا، ثم تعود من سواحل فرنسا إلى مصبات هذه الأنهار و إلى مكان ولادتها، لا تظن أن هذا كلام، إن بحوثاً استغرقت عشرات السنين، هناك مركز بحوث وُضع في بعض الأنهار، أحصى مليوني سمكة من نوع السلمون تعود من مسقط رأسها كل يوم و لمدة شهرين، كل يوم مليوني سمكة و لمدة شهرين، وهذا السمك كان بعض العلماء قد وضع عليه قطعة معدنية فيها تاريخ هجرته، فلما عاد عرفوا مدة الرحلة، أما السؤال الكبير الذي يحيِّر العقول: كيف رجع هذا السمك من المحيط الأطلسي إلى مصب النهر إلى رأس النهر؟ لو أتينا بأحد علماء البحار و أركبناه قارباً و له عينان مبصرتان و قلنا له: اتجه و أنت على سواحل فرنسا إلى مصب الأمازون، هذا الإنسان العاقل المفكر، لو أنه عالم كبي في علم البحار لا يستطيع أن يصل إلا بالخرائط و الإحداثيات و الاتصالات اللاسلكية و عناء و أشياء كثيرة، أما سمكة في باطن البحر، في أعماق البحر، لو أنها حادت في زاوية انطلاقها درجة واحدة لجاءت في نهر آخر، لو أنها حادت ثلاث درجات لتغيِّر مكان اتجاهها من أمريكا الشمالية إلى الجنوبية، فكيف تستطيع هذه السمكة وهي لم تُؤت ما أوتي الإنسان أن تعود من سواحل فرنسا إلى مصب النهر الذي خرجت منه، ثم تتابع سيرها في النهر نفسه و قد تصعد الشلاَّل، و هناك صور دقيقة أُخذت لسمك السلمون وهو يصعد الشلال ليعود إلى مسقط رأسه، فتولد هناك و تموت، من سيّرها؟ قال تعالى:

﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾

[ سورة الأعلى: 1-3]

 قال تعالى:

﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾

[ سورة طه: 49-50]

 قال تعالى:

﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا*فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا*قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا*وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾

[ سورة الشمس:7-9]

 أي لو دققنا في سلوك الحيوان لوجدنا منه العجب العجاب، هذا عن سمك السلمون، وهناك عن ثعابين البحار، وهناك عن الطيور في السماء، من يسيِّرها؟ من يعطيها هذه القدرة على معرفة أهدافها ليلاً أو نهاراً؟ مهما ضلَّلها الإنسان لا بد من أن تصل إلى هدفها.

لله في خلقه كتابان الكون و القرآن :

 أيها الأخوة المؤمنون، الكون قرآن صامت، و القرآن كون ناطق، و القرآن قرآنان كما قال بعض الأئمة المصلحين، إن لله في خلقه كتابين الكون و القرآن، قال تعالى:

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

[سورة فاطر: 1]

 وقال تعالى:

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴾

[سورة الكهف: 1]

 القرآن في كفة، و الكون في كفة، قال تعالى:

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾

[سورة الواقعة: 75-76]

 فنحن لابد من أن نفكّر مرتين، مرة في آيات القرآن، و مرة في آيات الكون، فإذا فكَّرنا في آيات الكون عرفنا عظمته، و إذا فكرنا في آيات القرآن عرفنا منهجه، فإذا عرفنا و سرنا إليه وفق منهجه سعدنا في الدنيا و الآخرة.

 

الدعاء:

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، و تولنا فيمن توليت، و بارك لنا فيما أعطيت، و قنا و اصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي و لا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، و لا يعز من عاديت، تباركت ربنا و تعاليت، اللهم أعطنا و لا تحرمنا، و أكرمنا و لا تهنا، و آثرنا و لا تؤثر علينا، و أرضنا وارض عنا، و اقسم لنا من خشيتك مت تحول به بيننا و بين معصيتك، و من طاعتك ما تبلغنا بها جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، و متعنا اللهم بأسماعنا و أبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، و انصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، و لا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك و لا يرحمنا، مولانا رب العالمين، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب و ترضى، إنه على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018