الخطبة : 0420 - حقيقة الإنسان في القرآن2 - نعمة البيان - تذكية الذبيحة . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0420 - حقيقة الإنسان في القرآن2 - نعمة البيان - تذكية الذبيحة .


1992-12-18

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر . وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر . اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين . اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرِنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الإنسان حادث و ممتحن و كادح :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ في الخطبة السابقة بدأت موضوعاً حول حقيقة الإنسان في القرآن ، وذكرت أنه حيثما وردت كلمة الإنسان معرفة بأل فتعني أي إنسان ، جنس الإنسان ، ونوع الإنسان ، وقد وردت آيات كثيرة تزيد عن عشرين آية تعرف بحقيقة الإنسان ، وهل من موضوع أخطر وأهم بالنسبة إلى الإنسان من أن يعرف ذاته لا من زاوية المتوهمين ، ولا من زاوية الماديين ، ولا من زاوية الحالمين ، ولكن من زاوية رب العالمين ؟ القرآن الكريم حدثنا عن الإنسان ، وسألخص لكم سريعاً موضوع الخطبة السابقة .
 الإنسان حادث ، والحادث لابد له من محدث ، والمحدث سيسأل وسيحاسب ، قال تعالى :

﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ﴾

[سورة الإنسان : 1]

 والإنسان ممتحن .

﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً ﴾

[سورة الإنسان : 2]

 سرّ وجوده على هذه الأرض أنه ممتحن .

﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾

[سورة الملك: 2]

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾

[سورة العنكبوت: 2]

﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾

[سورة المؤمنون: 30]

 سرُّ وجودنا على هذه الأرض من أجل أن نُمتحن .

﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾

[سورة الفجر : 15]

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ من لوازم الامتحان أن يهب الإنسان قوة إدراكية :

﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً ﴾

[سورة الإنسان : 2]

 ومن لوازم الابتلاء التكليف ؛ افعل ولا تفعل .

﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾

[سورة الإنسان : 3]

 ومن لوازم الابتلاء أن الإنسان مخير .

﴿إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ﴾

[سورة الإنسان : 3]

 ومن لوازم الاختيار المسؤولية ، ومن لوازم كل هذا أن الإنسان تحت المراقبة الشديدة .

﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾

[سورة النساء: 1]

﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴾

[سورة الفجر: 14]

 ومن خصائص الإنسان في القرآن أن الإنسان كادح ، فطبيعة الحياة الدنيا مبنية على بذل الجهد ، لكن الحياة الآخرة أساسها الطلب ، اطلب تعطى ، في الدنيا اسع ، الدنيا دار عمل ، والآخرة دار جزاء ، الدنيا دار تكليف ، والآخرة دار تشريف . ومن خصائص الإنسان في القرآن الكريم أن الله سبحانه وتعالى أودع فيه قابلية التعلم والتعليم ، وهذا موضوع الخطبة اليوم .

 

البيان نعمة جليلة منحها الله عز وجل للإنسان :

 بادئ ذي بدء : منحه البيان .

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

[سورة الرحمن: 1-4]

 البيان نعمة جليلة ، من خلال البيان يحصّل الإنسان المعارف والعلوم ، ومن خلال البيان يمنح الإنسان معارفه وعلومه ، يحصل ويعطي ، ومن خلال البيان يعبر الإنسان عن مشاعره ، وعن عواطفه ، وعن أحاسيسه ، وعن مواجده ، ومن خلال البيان يتعرف الإنسان إلى ما عند الآخرين من مشاعر ، ومن عواطف ، ومن أحاسيس . وقد قال الله عز وجل :

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

[سورة الرحمن: 1-4]

 أخر خلق الإنسان على تعليم القرآن لعلة بلاغية ، وهو أن هذا الترتيب ترتيب رتبي لا ترتيب زمني ، أي لا معنى لحياة الإنسان من دون منهج ، حياة الإنسان من دون منهج إلهي عبث ، خبطة عشواء ، حركة في ظلام ، حركة غير مجدية .

 

الكلام على نوعين ؛ كلام ذو دلالة مقصودة وكلام ذو دلالة غير مقصودة :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ يقول العلماء : إن الكلام على نوعين ؛ كلام ذو دلالة مقصودة ، وهو الذي يُعد الإنسان مسؤولاً عنه مسؤولية كلية ، وكلام ذو دلالة غير مقصودة ، وهذا يسميه القرآن اللغو . قال تعالى :

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴾

[سورة المؤمنون: 1-3]

 أيها الأخوة الأكارم ؛ الكلام ذو الدلالة المقصودة منه ما هو خير أو خيره غالب ، ومنه ما هو شر أو شره غالب ، أنت كإنسان من خصائصك العظمى أنك تتكلم ، أن الله منحك نعمة البيان ، هذا البيان إما أن ترقى به إلى أعلى عليين ، وإما أن يهبط به الإنسان إلى أسفل سافلين ، فالكلام ذو الدلالة المقصودة منه ما هو خير ، أو منه ما يغلب عليه الخير ، ومنه ما هو شر ، أو منه ما يغلب عليه الشر ، ومنه ما استوى خيره وشره ، ومنه ما هو لا علاقة له لا بالخير ولا بالشر . دخل عليه الصلاة السلام إلى المسجد فرأى رجلاً تحلق الناس حوله فقال : من هذا ؟ وهذا في البلاغة اسمه سؤال العارف ، فهو يعرف من هذا ، قال : من هذا ، قالوا : نسابة يا رسول الله ، قال : وما نسابة ؟ قالوا : يعرف أنساب العرب ، فقال عليه الصلاة والسلام: ذاك علم لا ينفع من تعلمه ، ولا يضرّ من جهل به . إذاً هناك كلام مقصود الدلالة خير أو يغلب عليه الخير ، وهناك كلام مقصود الدلالة شر أو يغلب عليه الشر ، وهناك كلام استوى فيه الخير والشر ، وهناك كلام مباح ليس فيه خير فيطلب ، وليس فيه شر فيُنهى عنه . هذا أنواع البيان الذي يتحدث به الإنسان . الله جل جلاله ضرب مثلاً للكلام مقصود الدلالة الخير ، سماه القرآن بكلمة موجزة (الكلمة الطيبة) قال تعالى :

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾

[سورة إبراهيم: 24-25]

 وأما الكلمة ذات الدلالة المقصودة الشريرة التي يغلب عليها الشر فسماها القرآن بالكلمة الخبيثة .

﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ ﴾

[سورة إبراهيم : 26]

 أنت إنسان ومنحك الله البيان ، وبالبيان ترقى ، وبالبيان تسفل ، فما أمثلة الكلمة الطيبة ؟ قيل : التوحيد ، إذا دعوت الناس إلى التوحيد ، إذا بينت للناس أنه لا إله إلا الله ، إذا وضحت للناس أنه لا معطي ولا مانع ، ولا رافع ولا خافض ، ولا معز ولا مذل إلا الله . إذا بينت للناس أن الأمر كله بيد الله ، إذا بينت للناس أنه لا يقع شيء إلا بأمره ، وبإرادته ، وبعلمه ، وأسماء الله الحسنى كلها داخلة في أفعاله ، إذا بينت للناس هذا أرحتهم ، قال تعالى :

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾

[سورة الشعراء: 213]

 إذا وحدت أيها المؤمن وعلمت الناس التوحيد أرحتهم من أعباء ثقيلة ، أرحتهم من الحقد ، وأرحتهم من الشك ، وأرحتهم من الشرك ، وأرحتهم من الغيظ ، وأرحتهم من الضغوط النفسية التي تفعل فعل السموم في أجسامهم .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ مثل الكلمة الطيبة كلمة التوحيد ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام : " أفضل كلمة قلتها أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله " لهذا جمع الله رسالات الأنبياء جميعاً في آية واحدة ، قال :

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾

[سورة الأنبياء: 25]

 كلمة التوحيد من الكلمات الطيبة ، تنزيه الله عز وجل عن كل ما لا يليق به ، هذا هو التسبيح ، من الكلمات الطيبة تنزيه الله عز وجل عن كل ما لا يليق به إنه حقيقة التسبيح ، قل : سبحان الله ، كل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك .

﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾

[سورة الأعراف : 180]

الحقائق التي يقوم عليها الإيمان :

 يقوم الإيمان على حقائق ثلاث ، على الإيمان بوجود الله ، وعلى الإيمان بوحدانيته ، كل شيء أراده الله وقع ، كل ما أراده الله وقع ، وكل ما وقع أراده الله ، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة ، وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق ، هذه كلمة طيبة ، أن تعرف الناس بالله ، أن تعرفهم بوجوده ، بوحدانيته ، بكمالاته ، أن تعرفهم برسوله .

﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ﴾

[سورة المؤمنون: 69]

 أن تعرفهم بسنة رسول الله القولية والعملية ، أن تعرفهم بشمائله النبوية ، أن تعرفهم بحقيقة هذا الكتاب ، هذا كله من الكلمة الطيبة .

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾

[سورة إبراهيم: 24-25]

 وقد ورد في الخطبة السابقة أن الرجل يتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى لا يلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجات يوم القيامة ، وأن الرجل يتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً .
 وهذا الذي سأل النبي عليه الصلاة والسلام قال : " ما تخاف عليّ ، فأمسك النبي بلسانه وقال : هذا " عشرات المعاصي يمكن أن تفتت المسلمين ، عن طريق الغيبة والنميمة ، يمكن أن تجعلهم متباغضين ، متدابرين ، متحاسدين ، يمكن أن تضعفهم عن طريق الكلمة الخبيثة .

 

البيان الشفهي :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ من الكلمة الطيبة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، من الكلمة الطيبة إصلاح ذات البين ، من الكلمة الطيبة الدعوة إلى الله عز وجل ، من الكلمة الطيبة تمسيك الناس بالهدى الإلهي ، هذا كله من الكلم الطيب مادام الإنسان قد عُلم البيان ، قد أودع الله فيه هذه القدرة التعليمية فينبغي أن يوظفها في الحق ليرتفع بها إلى أعلى عليين ، وإن لم يفعل ذلك هوى بها إلى أسفل سافلين ، وأما الكلمة الخبيثة فهي كلمة الكفر ، إذا دعوت الناس إلى غير الله ، إذا بينت لهم مثالب موهومة في الدين ، إذا حببتهم بالدنيا ، إذا كرهتهم بأمر الله ، إذا حببت إليهم الكفر والفسوق والعصيان ، هذه كلها كلمات الكفر ، كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار ، دعوة إلى الباطل ، دعوة إلى عقيدة وضعية ، دعوة إلى أن يُعبد غير الله في الأرض ، هذا كله من الكلمات الخبيثة التي بيّن الله عز وجل أخطارها في القرآن الكريم .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ أما الكلام المباح فهو الذي لا خير فيه يرجى ، ولا شر ينهى ، فهو مضيعة للوقت ، وهذا هو اللغو الذي نهى الله عنه ، قال تعالى :

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾

[سورة المؤمنون: 1-3]

 من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه .

﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً ﴾

[سورة الفرقان: 72]

﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾

[سورة القصص : 55]

البيان الكتابي :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ هذا عن البيان الشفهي فماذا عن البيان الكتابي ؟ انتبهوا إلى قوله تعالى :

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾

[سورة العلق : 1-5]

 الدعوة إلى القراءة ، النبي عليه الصلاة والسلام معني بهذه الآيات ، ولكن أن يكون النبي معنياً بهذه الآيات لا يلغي أن هذه الآيات موجهة بالتبعية إلى أتباع النبي ، إلى أمة النبي عليه الصلاة والسلام ، فالجماد كما تعلمون شيء يشغل حيزاً له وزن ، له طول وعرض وارتفاع هذا الجماد ، ولكن النبات شيء يشغل حيزاً وينمو ، لكن الحيوان شيء يشغل حيزاً وينمو ويتحرك ، أما الإنسان فشيء له طول وعرض وارتفاع ، ويشغل حيزاً وينمو ويتحرك ويفكر ، فإذا عطل الإنسان فكره فقد عطل إنسانيته ، إذا عطل فكره هبط مستواه إلى المستوى الذي قبله ، إذا كانت حياته طعاماً وشراباً واستمتاعاً وكفى ، فقد هبطت مرتبته ، فلذلك خاطب الله سبحانه وتعالى الإنسان من خلال خطابه للنبي عليه الصلاة والسلام قال : اقرأ . . اقرأ ، تتبع حقائق الأشياء ، اقرأ كل شيء ، تأمل كل شيء ، أودعت فيك قوة إدراكية ، استعملها ، لا تعطل عقلك ، لا تعطل هذه القوة التي ترقى بها ، اقرأ باسم ربك الذي خلق ، ولتكن قراءتك هادفة ، اقرأ من أجل أن تعرف ربك ، اقرأ من أجل أن تعرف مهمتك في الحياة الدنيا ، اقرأ من أجل أن تفلح في الدنيا والآخرة ، لا تكن قراءتك عشوائية ، لا تكن قراءتك غير هادفة .

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾

[سورة العلق : 1-5]

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ يتضح من هذه الآيات أن الله سبحانه وتعالى حينما أمر الإنسان أن يقرأ أودع فيه قابلية التعلم والتعليم ، وأن الإسلام في أساسه مبني على التعلم والتعليم، فخطبة الجمعة وصلاة الجمعة هي العبادة الأساسية في الإسلام التي من تركها من غير عذر نكتت نكتة سوداء في قلبه . يظن بعض الأخوة الأكارم أنه لمجرد أن صلى صلاة الجمعة ، وأدرك مع الإمام ركعة فقد سقط عليه الوجوب ، العبرة من صلاة الجمعة أن تسمع الخطبة ، والقصد من سماع الخطبة أن تسمعها من أولها إلى آخرها لذلك من بكّر إلى المسجد فكأنما قرب بدنة ، الذي بعده فكأنما قرب بقرة ، الذي بعده فكأنما قرب شاة ، الذي بعده فكأنما قرب دجاجة ، ثم تجلس الملائكة لتستمع إلى الخطبة ، ماذا أراد النبي عليه الصلاة والسلام من خلال هذا الحديث ؟ أن يحث المسلمين على أن يأتوا إلى المسجد مبكرين ، وعلى أن يستمعوا إلى الخطبة بكاملها ، فهي موضوع موحد له مقدمة ، ولها صلب ، ولها خاتمة .

 

تفوق الإنس على الجن في قابلية التعلم و التعليم :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ الإنسان من خلال قصة سيدنا آدم حينما قال الله له : يا آدم أنبئهم بأسمائهم ، حينما أمر الملائكة بالسجود لآدم ، يتضح أن الإنسان متفوق في قابلية التعلم على الجن والملائكة ، يتضح هذا من قوله تعالى :

﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ ﴾

[سورة الرحمن: 33]

 قدم الله الجن على الإنس لأن الجن أقدر من الإنس على عبور السموات والأرض، لكن في آية أخرى قال :

﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ﴾

[سورة الإسراء : 88]

 قدم الإنس على الجن لأن الإنس متفوق على الجن والملائكة في قابلية التعلم والتعليم ، هذه هوية الإنسان ، هذه حقيقة الإنسان ، الله سبحانه وتعالى حينما ميز آدم عليه السلام بأن عرفه بأسمائه ، قال العلماء : إن ذريته من بعده ورثت عنه قابلية التعلم ، لا مفردات العلم ، لذلك قال تعالى :

﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾

[سورة النحل: 78]

 لكن أودع فيكم قدرات هائلة ، أودع فيكم قابليات هائلة ، أودع فيكم استعدادات هائلة ، دققوا في هذه الآية :

﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾

[سورة النحل: 78]

 معنى ذلك أن الإنسان مزود بالسمع ليسمع الحق ، مزود بالبصر ليرى آيات الله عز وجل ، مزود بالفكر ، وحيثما جاءت كلمة الأفئدة بعد السمع والبصر فتعني الفكر ، مزود بفكر يكشف له حقائق الأشياء ، الفكر يستنبط ، الفكر يستنتج ، الفكر يحاكم ، الفكر يوازن ، إذاً لا تعلمون شيئاً ، ولكن قابليتكم للعلم عظيمة جداً .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ أما هذا الإنسان الذي يعطل أدوات المعرفة فلا يستعملها فيما خُلقت له ، لا ينتفع بها ، يستعملها لأموره الحياتية العادية ، أو يستعملها في غير ما خُلقت له ، أو يستعملها للشر ، هذه الطاقة الفكرية ، هذه القدرة الإدراكية ، هذه القدرة على المحاكمة والاستنتاج والربط والتصور والتخيل والتذكر والاستقراء والحكم ، هذه القدرات الفكرية خلقها الله فيك لتتعرف بها إلى الله ، فإن عطلتها عن التعرف إلى الله عز وجل فقد احتقرتها ، فقد عطلت ميزتها ، فقد عطلت بها إنسانيتك ، أما إذا استخدمتها في غير ما خُلقت له من إيقاع بين الناس، من بث للكفر والضلال ، فهذه جريمة ما بعدها جريمة ، لذلك يقول الله عز وجل :

﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ﴾

[سورة الأنفال : 22]

 الصم : أعطاه سمعاً فلم يسمع به الحق ، بقي أصمّ ، أعطاه بصراً فلم يبصر به الحقائق ، بقي أعمى ، أعطاه فكراً لم يعمل هذا الفكر فبقي معطلاً ، هذا من شر الدواب عند الله عز وجل .

 

من عطل سمعه و بصره فهو أضلّ من الأنعام :

 آية أخرى أيها الأخوة دقيقة جداً قال تعالى :

﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾

[سورة الأعراف : 179]

 الإنسان - أيها الأخوة - محاط بملايين الآيات الدالة على عظمة الله ، على رحمته ، على عدالته ، على عطائه ، على نعمه ، ومع ذلك يعمى .

﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾

[سورة الحج : 46]

﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾

[سورة الأعراف : 179]

 لماذا هم أضلّ ؟ حينما يعطل الإنسان سمعه وبصره لا يستمع إلى الحق ، ولا يبصر آيات الله ، ولا يفكر ، لماذا أضلّ من الأنعام ؟ لأنه مكلف ، الأنعام ليست مكلفة ، حينما حرمها الله عز وجل من نعمة السمع والبصر والفكر ، لم يكلفها ، لكن الإنسان كُلف ، فإذا عطل هذه القوة الإدراكية فقد نزل مستواه عن الحيوان .

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾

[سورة البينة : 6]

 أي شر ما برأ الله .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ ورد في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال:

((من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة ))

[ مسلم عن أبي هريرة ]

 أي حينما تخرج من بيتك ، تتجه إلى بيت من بيوت الله لتستمع إلى خطبة الجمعة ، أو لتحضر مجلس علم فيه تفسير لكتاب الله ، أو سنة رسول الله ، أو سيرة رسول الله، هل تعلم أن هذا الطريق ينتهي بك إلى الجنة ، إلى السعادة الأبدية ، هذا كلام المصطفى ، ولا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى .

((من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة ))

[ مسلم عن أبي هريرة ]

من دعا إلى هدى فله أجر من تبعه إلى يوم القيامة :

 وفي الحديث الصحيح :

(( مَنْ دعا إلى هُدى ... ))

[مسلم وأبو داود والترمذي ومالك عن أبي هريرة ]

 هذا هو الأخذ ، هذا هو التلقي ، فماذا عن العطاء ؟ فماذا عن الإلقاء ؟

(( مَنْ دعا إلى هُدى كان له من الأجرِ مِثْلُ أجور مَنْ تَبِعَهُ ، لا ينقصُ ذلك من أجورهم شيئاً..))

[مسلم وأبو داود والترمذي ومالك عن أبي هريرة ]

 كل من دعوتهم إلى الله ، وتعرفوا إلى الله ، واستقاموا على أمره ، كل أعمالهم في صحيفتك ، كل شأنهم عند الله في صحيفتك ، كل ما لهم عند الله لك مثله في صحيفتك ، هذا شيء مغرٍ جداً :

(( مَنْ دعا إلى هُدى كان له من الأجرِ مِثْلُ أجور مَنْ تَبِعَهُ، لا ينقصُ ذلك من أجورهم شيئاً..))

[مسلم وأبو داود والترمذي ومالك عن أبي هريرة ]

 والحديث الذي تعرفونه جميعاً :

(( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له ))

[ رَوَاهُ مُسلِم عن أبي هريرة ]

 وروى الإمام الترمذي عن سيدنا أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

((من خرج في طلب العلم ))

[الترمذي عن أنس ]

 الموظف إذا سافر وحدث له في الطريق حادث ، وهو أثناء أداء مهمته تُحسب له تقاعدية تكافئ راتبه تماماً مدى الحياة ، لأن هذا الحادث أصابه في أثناء أداء عمله ، هذا الإنسان يفعل هذا . يقول النبي عليه الصلاة والسلام :

((من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع))

[الترمذي عن أنس ]

 أنت الآن بمهمة ، حينما تخرج من بيتك تطلب العلم ، فأنت في ذمة الله ، فكل ما يصيبك يرفعك عند الله ، ولا يصيبك إلا الخير .
 وروى الإمام الترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

(( نَضَّرَ الله امرأً سمع منَّا شيئاً فبلَّغَهُ كما سمعه ، فَرُبَّ مُبَلَّغ أوْعَى من سامع ))

[أبو داود وصححه الترمذي وابن حبان ولفظه رحم الله امرأً عن ابن مسعود]

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ النساء نصف المجتمع ، ورواد المساجد ينبغي أن يحدثوا أهلهم بما سمعوا ، نضر الله امرأً سمع منا شيئاً فبلغه كما سمعه ، فرب مبلغ أوعى من سامع ، إذا بلغت مضمون الخطبة ، أو مضمون الدرس لأهلك فقد بلغت العلم ، إلى متى تتلقى ؟ لابد من أن تلقي .
 شيء آخر آيها الأخوة ؛ رواد المساجد لا يزيدون عن عشر سكان أهل هذه البلدة، تسعة أعشار هؤلاء أين هم ؟ ماذا يفعل رواد المساجد مع تسعة أعشار هذه البلدة ؟ هم مقصرون إذاً .

(( نَضَّرَ الله امرأً سمع منَّا شيئاً فبلَّغَهُ كما سمعه، فَرُبَّ مُبَلَّغ أوْعَى من سامع ))

[أبو داود وصححه الترمذي وابن حبان ولفظه رحم الله امرأً عن ابن مسعود]

 لا تنسوا قوله تعالى :

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾

[سورة فصلت: 33-34]

 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا لغيرنا وسيتخطى غيرنا إلينا ، الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

تعظيم قيمة العلم :

 أيها الأخوة الكرام ؛ إذا كان القانون يمنع تداول العملة المزورة ، ومع الإنسان جهاز يكشف هذه العملة المزورة ، ولم يستخدم هذا الجهاز ، وضُبط متلبساً في ترويج عملة مزورة ، هل يستطيع أن يقول لا أدري ؟ ماذا يُقال له ؟ معك الجهاز استخدم هذا الجهاز ، هذا المثل تمهيد لأن الإنسان مسؤول ، قال تعالى :

﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً ﴾

[سورة الإسراء: 36]

 أي إذا قبلت فكرة مغلوطة ، ولم تستمع إلى الحق من أفواه أهل الخبرة فأنت مسؤول ، روج لك صديقك فكرة ليست صحيحة ، لم تذهب إلى عالم تثق به وتسأله ، فهذا السمع مسؤول عنه ، كان بإمكانك أن تسمع ، رأيت ظاهرة لم تبحث عن تفسيرها الصحيح ، رأيت بعينيك أشياء لا ترضي الله ، ولكن لم تر بعينيك آيات الله الدالة على عظمته فإن :

﴿ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً ﴾

[سورة الإسراء: 36]

 إن لم تستخدم الفكر فأنت مسؤول ، إن لم تستخدم العين في النظر في آيات الله فأنت مسؤول ، إن لم تستخدم السمع فأنت مسؤول .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ ما من قيمة تواضع عليها الناس وعظموها إلا أهملها القرآن ولم يلتفت إليها إلا قيمة العلم ، قال تعالى :

﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً ﴾

[سورة طه: 114]

  وقال تعالى :

﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾

[سورة المجادلة: 11]

 وقال تعالى :

﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾

[سورة آل عمران: 18]

 وقال تعالى :

﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾

[سورة الزمر: 9]

تذكية الذبيحة :

 أما الموضوع العلمي- أيها الأخوة - قال تعالى :

﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾

[سورة المائدة : 3]

 التذكية في الشرع إنهار الدم ، أن يجري دم الذبيحة إلى خارج أوعيتها الدموية ، فالنبي عليه الصلاة والسلام أمرنا أن نفري الأوداج - شرايين الرقبة - وهذا الذبح يجب أن يكون مقروناً بالقصد لله تعالى ، وذكر اسم الله عليه ، والعين المجردة تستطيع أن تميز الذبيحة المذكاة من غير المذكاة ، الذبيحة غير المذكاة زرقاء اللون ، وقد قال عنها العلماء : إن بقاء الدم في الذبيحة يجعل هذا الدم يتحلل ، وتخرج منه حموض تؤدي إلى تيبس لحم الذبيحة بعد ثلاث ساعات ، ثم تنفرد الجراثيم الهوائية واللاهوائية لإحداث تفاعل مع الدم ينتج عنه رائحة كريهة ، وتأثير سام وانتفاخ في لحم الذبيحة ، هذا كله من بقاء دم الذبيحة ، لذلك أمرنا النبي عليه الصلاة والسلام أن نذكي الذبيحة ، وتذكيتها بإخراج الدم ، ولم يأمرنا أن نقطع الرأس كلياً، لأن القلب ينبض نبضات نظامية من مركزه الذاتي ، أما النبضات الزائدة فيتلقاها من الدماغ ، فإذا بقي الرأس متصلاً بالذبيحة فإن أمراً عصبياً من الدماغ يأمر القلب برفع نبضاته إلى مئة وثمانين ، عندها تصبح مهمة القلب بعد الذبح إخراج كل الدم من الذبيحة فإذا لحمها وردي .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ ذكرت هذا من أجل أن يتقي الإنسان أكل لحم لم يذبح على الطريقة الإسلامية ، الله عز وجل أكرمنا بلحوم مذبوحة على الطريقة الإسلامية فلا ينبغي للإنسان أن يلتفت إلى لحم غير مذكى ، أي دمه فيه ، وهذه من الآثار الخطيرة في الذبيحة غير المذكاة ، وقد يسأل سائل كيف نأكل السمك من دون ذبح ؟ العلماء قالوا : إن السمكة حينما يصطادها الصياد ينتقل دمها كله إلى غلاصمها ، وكأنها ذُبحت تماماً ، وهذا اكتشفه العلم والنبي عليه الصلاة والسلام قال : " حلت لكم ميتتان ؛ السمك والجراد " . فالسمك حينما يُصطاد ينتقل دمه كله إلى غلاصمه .

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018