الخطبة : 0057 - أخلاق سيدنا عمر بن الخطاب . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0057 - أخلاق سيدنا عمر بن الخطاب .


1975-12-15

الخطبة الأولى :

الحمد لله نحمده ، و نستعين به و نسترشده و نعوذ به من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، و من يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لك ، إقراراً بربوبيته و إرغاماً لمن جحد به و كفر ، و أشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق و البشر ، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلي وسلم و بارك على سيدنا محمد و على آله و أصحابه و ذريته و من تبعه ذي إحسان إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أخلاق سيدنا عمر رضي الله عنه في الإسلام

أيها الإخوة المؤمنون ؛ قال عليه الصلاة والسلام :

((اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ بَعْدَ أَنْ تَعْلَمُوا فَلَنْ يَأْجُرَكُمُ اللَّهُ بِالْعِلْمِ حَتَّى تَعْمَلُوا))

[أخرجه الدرامي عَنْ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ عَنْ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ]

علينا أن نطبق الإسلام ونعيشه بكل دقيقة من حياتنا
أجل أيها الإخوة إن المثل العليا لا تعيش إلا بالمثل الحيِّ ، وإن الإسلام اليوم لا ينهض من كبوته ما لم يطبقه المسلمون تطبيقاً كاملاً ، وأن الفرق بيننا وبين المسلمين الأوائل أنهم طبقوا الإسلام وعاشوه في كل دقيقة من دقائق حياتهم ، فاتسعت رقعته ، وعلا شأنه ، وظهرت عظمته ، ونحن تركنا العمل بأحكامه ، واستسلمنا لأهوائنا ، فانحسر نفوذه ، وكسرت شوكته ، وقوي أعداؤه ، وأن الدعوة إلى الله اليوم لا تحتاج إلى ثقافة واسعة واطلاع عميق بقدر ما تحتاج إلى إخلاص وصدق واستقامة .
سيدنا عمر رضي الله عن عمر مثلٌ صارخ للمسلم الذي يحس بمسؤولية انتمائه إلى الإسلام ، لقد وطن نفسه على أن يكون أول من يجوع إذا جاع الناس ، وآخر من يشبع إذا شبعوا، وكان يقول " كيف يعنيني شأن الناس إذا لم يصبني ما يصيبهم " .
وحينما أصاب المسلمين أزمة شديدة في اللحم والسمن صار يأكل الزيت حتى أنَّت أمعاؤه ، وقرقرت ، فوضع كفه على بطنه وقال :

(( لتمرنن أيها البطن على الزيت ما دام السمن يباع بالأواقي ))

شغل سيدنا عمر نفسه بشأن الناس والفقراء
وقد أمر يوماً بنحر جذور ، وتوزيع لحمه على أهل المدينة ، وقام المختصون بإنجاز المهمة ، بيد أنهم استبقوا لأمير المؤمنين أطيب أجزاء الذبيحة ، وعند الغداء وجد سيدنا عمر أمامه على المائة سنام الجذور وكبده ، وهما أطيب ما فيه فقال : من أين هذا ، قيل من الجذور الذي ذُبح اليوم ، فقال : وهو يزيح المائدة بيده الأمينة : بخٍ بخٍ بئس الوالي أنا إن طعمت طيبها وتركت للناس كراديسها ، يعني عظامها .
وذات يوم يتلقى من أحد ولاته هدية من الحلوى ، وحينما وضعت بين يديه سأل الرسول الذي حملها إليه ما هذا ؟ قال : حلوى يصنعها أهل أذربيجان ، وقد أرسلني بها إليك عتبة بن فرقد، وكان والياً على أذربيجان ، فذاقها عمر فوجد لها طعماً شهياً فسأل الرسول : أوكل المسلمين هناك يطعمون هذا ؟ قال الرجل : لا ، وإنما هو طعام الخاصة ، فأعاد عمر إغلاق الوعاء جيداً ، وقال للرجل أين بعيرك خذ حملك هذا وارجع به لعتبة ، وقل له عمر يقول لك اتق الله وأشبع المسلمين مما تشبع منه .
كان سيدنا عمر تقيا وكان يأمر ولاته بالتقوى أيضا
هذا أيها الإخوة موقفه من نفسه وإحساسه بالمسؤولية تجاهها ، فهو أول من يجوع إذا جاع الناس ، وآخر من يشبع إذا شبعوا .
أما موقفه من أهله وأسرته فكان يستند إلى إدراك عميق أن أمانة المسؤولية تتجلى في علاقات الحاكم بأهله ، هل لهم قانون ؟ وللناس قانون ؟ أم أنهم والناس سواسية أمام قانون واحد وعدالة واحدة .
وكان رضي الله عنه إذا سنَّ قانوناً أو حظر أمراً جمع أهله أولاً وقال لهم : " إني قد نهيت الناس عن كذا وكذا ، وإن الناس ينظرون إليكم كما ينظر الطير إلى اللحم ، فإن وقعتم وقعوا ، وإن هبتم هابوا ، وإني والله لا أوتَيَ برجل منكم ، وقع فيما نهيت الناس عنه ، إلا ضاعفت له العذاب لمكانه مني ، فمن شاء منكم فليتقدم ومن شاء فليتأخر .
 أكد سيدنا عمر أنه وعائلته والناس سواسية أمام قانون وعدالة واحدة
أيها الإخوة ؛ إن القرابة من عمر عبء كبير ومسؤولية مضاعفة ، وليست مغنماً أو استطالة أو طغياناً ، وها هو ذا ينفذ هذا المبدأ عملياً مع ابنه عبد الله ؛ خرج إلى السوق يوماً في جولة ، فرأى أبلاً سماناً تمتاز عن بقية الإبل بنموها وامتلائها ، فقال: إبل من هذه ؟ قالوا إبل عبد الله بن عمر وانتفض أمير المؤمنين كأنما القيامة قد قامت ، وقال : عبد الله بن عمر بخٍ بخٍ يا بن أمير المؤمنين وأرسل في طلبه من فوره وأقبل عبد الله يسعى وجلاً وحين وقف بين يدي والده ، قال له :
ما هذه الإبل يا عبد الله ؟ فأجاب : إنها إبل أنضاء أي هزيلة ، اشتريها بمالي ، وبعثت بها إلى الحمى ـ أي المرعى ـ أتاجر فيها وأبتغي ما يبتغي المسلمون .
فعقّب عمر قائلاً : ويقول الناس حين يرونها ؛ ارعوا إبل ابن أمير المؤمنين ، اسقوا إبل ابن أمير المؤمنين ، ثم صاح به ، يا عبد الله بن عمر خذ رأسمالك الذي دفعته في هذه الإبل ، واجعل الربح في بيت مال المسلمين .
اتصف سيدنا عمر بالعدل
أيها الإخوة ؛ إن عبد الله بن عمر لم يأت أمراً منكراً ، إنما يستثمر ماله الحلال في تجارة حلال ، وهو بدينه القوي وأخلاقه الأمينة فوق كل شبهة ، ولكن لأنه ابن أمير المؤمنين ، يحرمه أمير المؤمنين مما هو له حق ، مظنة أن تكون بنوته لعمر قد هيأت له من الفرص ما لا يتوفر لغيره من الناس ، إن أهل عمر رزئوا بقرابة عمر ، بدل أن يهنئوا بها .
هذا موقفه من أهله وأسرته ، فهم أول من تطبق عليهم التعاليم وآخر من يحق لهم أن يشتكوا ، والقرابة من عمر مغرمٌ وليست مغنماً .
كان يطبق التعاليم أولا على أهل بيته كونهم قدوة
أما موقفه من ولاته ، فهو موقف يستند إلى إخلاص عمر لله ورسوله والمؤمنين ، فكان يقول : " من استعمل رجلاً لمودة أو قرابة لا يحمله على استعماله إلا ذلك فقد خان الله ورسوله والمؤمنين " .
جلس يوماً بين أصحابه ، وقال : أعياني أهل الكوفة ، إن استعملت عليهم ليناً استضعفوه ، وإن وليت القوي شكون ، ولوددت لو أني وجدت قوياً مسلماً أميناً أستعمله عليهم ، فقال أحد جلسائه : أنا والله أدلك على القوي الأمين المسلم ، قال عمر متحفزاً من هو ؟ موقفه من ولاته يستند إلى إخلاصه لله ورسوله والمؤمنين
قال الرجل عبد الله بن عمر ، فأجاب أمير المؤمنين : والله ما أردت الله بهذا ، ثم اختار والياً آخر وكان عمر مثلاً أعلى لولاته ، وكيف لا يهابه الولاة وقد سبقهم إلى كل ما أمرهم ، وها هو ذا يحدد خطته في أول خطبة خطبها بعد أن أصبح أميراً للمؤمنين .
أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وصلوا ما بينكم وبين ربكم تسعدوا ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :

 

الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم .

الدعاء :

اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم صن وجوهنا باليسار ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء .
اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت ، واصرف عنا شر الأعمال لا يصرفها عنا إلا أنت .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018