الخطبة : 0418 - يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل - مرض الإيدز. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0418 - يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل - مرض الإيدز.


1992-12-04

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا لرُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، وما سمعت أذنٌ بِخَبر . اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين ، اللَّهمّ ارْحمنا فإنّك بنا راحِم ، ولا تعذّبنا فإنّك علينا قادر ، والْطُف بنا فيما جرَتْ به المقادير ، إنَّك على كلّ شيءٍ قدير ، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أكْلُ أموال الناس بالباطل من كبائر المحرّمات :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ أكْلُ أموال الناس بالباطل من كبائر المحرّمات ، حتى إنَّها قد تُلغي فضائل العبادات وثوابها ، والإنسان أيها الأخوة حينما يعتقدُ أنَّه إذا صلى الفريضة ، وصام رمضان ، وحجّ البيت ، أنّه بهذا قد أدَّى ما عليه من واجبات دينيّة ، وانْطلق بعد ذلك يكسبُ المال كما يريدُ وكما يشتهي وكما يُمليهِ عليه الهوى ، إنّ هذا الإنسان إن فعل ذلك فهو جاهلٌ جهلاً كبيرًا في حقيقة الدِّين ، تسعة أعشار المعاصي تتأتّى من كسْب الأموال ، لهذا كان عليه الصلاة والسلام يدْعو فيقول : "اللهمّ ارزقني طيِّبًا واستعملني صالحًا" . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَقَالَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ ))

[مسلم عن أبي هريرة]

 

الدِّين وحْدةٌ لا تتجزّأ :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ لا بدّ من فهْمٍ دقيق لِحَقيقة هذا الدِّين ، هذا الدِّين العظيم منهجٌ تفصيليّ ، يُغطَّي كلّ نشاطات الإنسان ، فلا ينبغي أن نفصِلَ بين العبادات والمعاملات ، لا ينبغي أن نفْصِلَ بين كسْب الأموال وبين إنفاقها ، لا ينبغي أن نفْصِل بين الأعمال والقربات، الدِّين وحْدةٌ لا تتجزّأ ، ونظامٌ كامل لا يُؤْتِي أكلهُ ، ولا تُقْطفُ ثِمارهُ إلا إذا طبَّقْتَهُ كلّه .
 فيا أيها الأخوة الأكارم ؛ إلى كتاب الله عز وجل ، يقول الله عز وجل :

﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾

[ سورة النساء : 188]

 أرْوَعُ ما في هذه الآية أنّ مال أخيك وصفَهُ الله عز وجل بأنَّه مالُك ، وهذا من مُقتضيات الأخوة الإيمانيّة ، بل من مقتضيات الأخوة الإنسانيّة ، مالُ أخيك في الإنسانيّة ، أو مال أخيك في الإسلام ، أو مال أخيك في الإيمان هو مالكَ ، هو مالُكَ من زاويَةٍ واحدة ، من زاوية وُجوب الحِرْص عليه ، لا من زاوية أكله ، لا من زاوية الانتفاع به ، هو مالكَ من زاوية وُجوب الحِفاظ عليه ، والمعنى الآخر أنَّك إذا أكلْت مالَ أخيك فافتقرَ أخوك فأنت مكلّف به ، فكأنّك أكلْتَ مالك ، دِقَّة هذه الآية أنّ هذه الأموال يجبُ أن تكون متداولَةً بين أفراد كلّ المجتمع، إذا كانت الكتلة النّقديّة - بالتعبير الحديث - متداولَة بين كلّ أفراد المجتمع سَعِدَ المجتمع ، وتعاطف المجتمع ، وتآلفَ المجتمع ، وارتقى المجتمع ، أما إذا جُمِّعَت الأموال بأيْدٍ قليلة ، وحُرِمَتْ منها الكثْرة الكثيرة ، اخْتلَّ توازُن المجتمع ، وكلّ المُشكلات التي تعانيها الإنسانيّة من فجْر التاريخ وإلى يوم القيامة تعودُ في بعض أسبابها ، وفي بعض أهمّ أسبابها إلى اختِلال التوازن في توزّع المال بين الناس .

 

طرائق كَسب المال غير المشروع :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ الربا ، والغشّ ، والاحتِكار ، والغَبْن ، والميْسِر ، والسرقة، والغلول ، والرّشْوة ، هذه كلّها طرائق لِكَسب المال غير المشروع ، ولِحِكمة أرادها الله عز وجل أنّ الثّروات تنْمو سريعًا ، نموًّا هندسيًّا عن طريق الأساليب غير المشروعة ، ولكنّ الطّرق المشروعة لِكَسب الأموال تُنَمِّي الأموال ، ولكن تُنَمِّيها نماءً معْقولاً ، ونماءً مقبولاً ، ونماءً لا يُحدثُ اختِلالاً بين طبقات المجتمع ، لا شكّ أنّ رُوّاد المساجد هم صَفْوة المجتمع ، لا شكّ أنّ هؤلاء الذين يأتون إلى بيوت الله ينضبطون بأمر الله ، فما أبعدهم عن المَيْسر ، وما أبعدهم عن السّرقة ، وما أبعدهم عن الغلول ، وما أبعدهم عن الرّشْوَة ، وما أبعدهم عن الرّبا ، ولكن كثيرًا ما يُداخِلُ علاقاتهم الماليّة غشّ ظاهرٌ أو خفيّ ، احْتِكار عن وعيٍ ، أو عن غير وعي ، غَبْنٌ مَقْصود أو غير مقصود ، لذلك لن أُعالج موضوع السرقة ، ولا موضوع الميسر ، ولا موضوع الغلول ، ولا موضوع الرّشوة ، ولا موضوع الربا فإنّ طلاّب العلم ، ورُوَّاد المساجد ، والذين آمنوا بالله عز وجل ، والْتَزَموا أمْرهُ بعيدون بُعْد الأرض عن السماء عن هذه الطرائق غير المشروعة في كسْب الأموال ، ولكنّ الغشّ والاحْتِكار يمكن أن يُداخل علاقات المسلمين كما قلتُ قبل قليل عن وَعْيٍ أو عن غير وَعي ، وبِشَكلٍ مقصود أو غير مقصود .

 

تداول الأموال بين الناس للحفاظ على التوازن الاجتماعي :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ الآية الكريمة ، وهناك آيتان أخريان في الموضوع نفسه ، قال تعالى :

﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾

[ سورة النساء : 188]

 هذه الأموال يجب أن تكون متداولة بينكم ، وفي آيةٍ أخرى حينما حرَّم الله الربا ، جاء التعليل لأن لا يكون دولة بين الأغنياء منكم ، لئلاّ تجمَّع الأموال في أيْدٍ قليلة ، وتُحْرم منها الكثْرة الكثيرة فَيَخْتلّ التوازن الاجتماعي ، ومع اخْتلال التوازن الاجتماعي يضطرب السلوك الإنساني .
 الآية الكريمة وصَفَتْ مال أخيك بأنّه مالُك من زاويَة ضرورة الحفاظ عليه ، ومن زاوية أنَّك مكلّف به ، فلو أفقرْتهُ لكنتَ مكلّفًا أن تغْنِيَهُ ، فما جدْوى أن تأكل مالهُ ثمّ تُعينهُ ؟ على كُلٍّ حينما قال الله عز وجل : لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ؛ هناك أكْلٌ لأموال الناس بالحق ، قال تعالى :

﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾

[ سورة النساء : 29]

 

الفرق بين كسب المال و بين أكله :

 هناك كسْبٌ للمال ، وأكلٌ له ، ولكن بِطريقة شرعها الله عز وجل ، هذا الهامش بين ثمن الشّراء وثمن المبيع هو مسموحٌ به في الشّرع ، وقد أجازهُ النبي عليه الصلاة والسلام .
 دقِّقوا في هذه الأحاديث أيها الأخوة ، النبي عليه الصلاة والسلام هو الذي بيّن كتاب الله ، فقد قال في خطبة الوداع فيما رواه عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ ذَكَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( قَعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ وَأَمْسَكَ إِنْسَانٌ بِخِطَامِهِ أَوْ بِزِمَامِهِ قَالَ : أَيُّ يَوْمٍ هَذَا ؟ فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ ، قَالَ : أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ ؟ قُلْنَا : بَلَى ، قَالَ : فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا ؟ فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ ، فَقَالَ : أَلَيْسَ بِذِي الْحِجَّةِ ؟ قُلْنَا : بَلَى ، قَالَ : فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا لِيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ ))

[ عن أبي هريرة ]

 مال أخيك حرامٌ عليك أن تأكل منه شيئًا إلا من القناة التي سمح الله بها ، لأنّك إذا أكلْت مال أخيك ، والله لا أُبالغ فيمكن أن تُلغى صلاتك ، وأن يُلغى صيامك ، وأن يُلْغى حجّك ، وأنْ يُلغى جهادُك ، ويمكن أن يبطل كلّ عملك ، ركعتان من روع خير من ألف ركعة من مخلّط ، من لم يكن له ورعٌ يصدّه عن معصيَة الله إذا خلا لمْ يعبأ الله بِشَيءٍ من عمله .
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ مَالُهُ وَعِرْضُهُ وَدَمُهُ حَسْبُ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ ))

[أبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

 أن تنْهش بِعِرْضِهِ ، وأن تغتابَهُ ، أن تقول عنه ما ليس لك بحقّ أن تقوله ، أن تلصِقَ به تهْمةً كاذبة ، نهشْت في عرْضِهِ ، وعرْضهُ حرامٌ عليك ، وماله حرامٌ عليك ، ودمُه حرامٌ عليك ، هذا هو المجتمع المسلم ، مجتمع المساواة ، ومجتمع الإخاء ، ومجتمعُ المحبّة ، ومجتمع القيَم ، ويقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه البيهقي في شعب الإيمان ، وأخرجه أحمد عَنْ عَمْرِو بْنِ يَثْرِبِيٍّ قَالَ خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ :

((أَلَا وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ شَيْءٌ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ ))

[أحمد عَنْ عَمْرِو بْنِ يَثْرِبِيٍّ]

 هذا الحديث أضاف معنًى جديدًا ، أي إذا كنت ذكِيًّا ، أو قويًّا ، أو محتالاً بِطَريقة أو بأُخرى ، أكلْتَ مالَ أخيك ، إما أحْرجْتهُ ، أو اسْتَحيا منك ، أو أخْجلْتَهُ ، أو احْتلْتَ عليه ، هذا أكْلُ مال الناس بالباطل ، ما أُخِذ بِسَيف الحياء فهو حرام :

((أَلَا وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ شَيْءٌ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ ))

[أحمد عَنْ عَمْرِو بْنِ يَثْرِبِيٍّ]

 إلا أنْ يُعْطِيَك المال ، ونفسهُ طيِّبة ، ونفسهُ مرتاحةٌ ، ونفسهُ مهنِّئة ، كأنَّ لسان حالِهِ يقول لك : كُلْه هنيئًا مريئًا . عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((مَنْ انْتَهَبَ فَلَيْسَ مِنَّا ))

[الترمذي عَنْ أَنَسٍ]

 نُهْبةً مهما قلَّتْ ، قلم رصاص ، شيءٌ لا قيمة له ، ورَعُ المؤمن فوق ذلك ، والإيمان عفَّة عن المحارم ، عفّة عن المطامع ، الإمام الشافعي سأله أحد الشّعراء ، قال :

يدٌ بِخَمس مِئينٍ عسْجَدٍ وُدِيَت  ما بالُها قُطِعَتْ في رُبْع دينار ؟
***

 لو أنَّ يدًا قُطِعَت بحادثٍ أليم دِيَّتُها خمسُمئة دينار ذهبي ، أما إذا سرقَتْ رُبع دينار فتُقْطَع ، فأجاب الإمام الشافعي :

عِزُّ الأمانة أغلاها وأرخصها  ذلّ الخيانة فافْهَم حِكمة الباري
***

 لمّا كانت أمينة كانت ثمينة ، فلمّا خانَت هانَتْ.

 

الأمانة أبرز شيء في حياة المؤمن :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ أبْرزُ شيءٍ في حياة المؤمن أمانتهُ ، والأمينُ مَوثوق ، والأمين يغْتني ، لأنَّه ملكَ أثْمَنَ شيء ، ملكَ ثقة الناس جميعًا ، الأمانة غِنًى كما قال عليه الصلاة والسلام ، إذًا مَنْ انْتَهَبَ فَلَيْسَ مِنَّا ، لا تقُل لا قيمة لها ، الأمانة لا تتجزّأ ، أمينٌ في أقلّ الأشياء ، وفي أكثرها ، في أدقِّها ، وفي أجلّها ، في أقلّها قيمة ، وفي أكثرها قيمةً ، ليْسَت الأمانة أمانة درْهمٍ ودينار ، ربّما كانت أمانة وقْتٍ ، ربّما كانت أمانة صِدْق .
 عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((مَنْ أَخَذَ مِنْ الْأَرْضِ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ خُسِفَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ))

[البخاري عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ]

 اغْتِصاب الأراضي ، واغْتِصاب البيوت ، هذا يدخُل في هذا الحديث الشريف ، كما قلتُ قبل قليل : الموضوعات الثلاثة التي يمكن أن يقع بها المسلم وهو لا يدري في بيعِهِ وشرائه ، وفي كسْبِه للأموال ، وفي تعامُله مع الناس ، الغشّ .

 

تعريف الغش و أساليبه :

 تعريف الغشّ هو أكل أموال الناس بالباطل ، قولاً واحدًا ، فالغِشّ أنواع كثيرة ، وصُوَرٌ شتَّى ، يرْجعُ معظمها إلى المخادعة ، أساس الغشّ المخادعة ، والإنسان حينما يُخادِع يظهرُ شيئًا ، ويُخفي أشياء ، إظهار شيءٍ ، وتسليطُ الأضواء عليه ، وإخفاءُ أشياء ، ووضْعها في الظلام ، هذا سرّ الغشّ ، ومن ذلك الكذب في التعريف ، إذا قال لك : هذا الرّداء ، وهذا الثوب خيوطُه من الصوف الخالص ، ولم تكن كذلك ، هذا كذبٌ في التعريف ، فإذا عُرِّفَ الرديء بأنَّه جيّد ، وإذا عرِّف ذو السِّعْر الرخيص بأنّه ذو سعرٍ جيّد ، فقد غشَشْتَ وأنت لا تدري.
 من الغشّ دسّ الرديء في ثنايا الجيّد ، وهذا ممّا يقعُ فيه معظمُ تجّار الغذاء ، يُغشّ السّمن الرديء بالسّمن الجديد ، الزّيت الرديء بالزيت الجيّد ، ويُعطي صفات الزّيت الجيّد. ومنه كذبٌ في بيان الواقع والحقيقة ، فإذا قال البائع : اشْتريْتُهُ بِكَذا وكذا ليُضيّق هامش ربْحِهِ ، فتقْنَعَ بِشِراء هذه السِّلْعة ، فهذا غشّ في ذِكْر رأس مالك ، وأنت لسْتَ مكلَّفًا أن تحلفَ الأيْمان المغلّظة على أنّ رأس مالك هو كذا وكذا .
 ومن الغشّ إخفاء العَيْب ، فيه عيبٌ ظاهرٌ أو خفيّ ، إخفاءُ العَيب غشّ ، والتلاعبُ بالوزْن غشّ ، والتلاعب بالكيل والعدد والطول والحجم والمساحة ، كلّ هذا من الغشّ ، إذا اشْتَريْتَ ثوبًا تكيلهُ والقماشُ مرخى ، وإذا بعْتَ ثوبًا تبيعهُ والقماش مشدود ! هذا من الغشّ ، فكما تشتري بِعْ ، وكما تبِعْ تشتري ، فالتلاعبُ بالوَزن ، وبالكَيل ، والعدد ، والطول ، والحجم ، والمساحة ، هذا من الغشّ .
 التلاعب بِثَمن الشّراء ، وحلْف الأيْمان المغلّظة ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

((الْحَلِفُ مُنَفِّقَةٌ لِلسِّلْعَةِ مُمْحِقَةٌ لِلْبَرَكَةِ ))

[البخاري عن أبي هريرة]

 ومن الغشّ التزوير في منشأ البِضاعة ، فالشاري ظنّها صُنِعَت في البلد الفلاني ، لكنّك بعْتهُ هذه الآلة وقد صُنِعَت في بلدٍ نامٍ ، عندهُ ترخيص لهذه الشركة ، فلو علِمَ أنّ هذه السِّلْعة لم تُصَنَّع في هذا البلد ، بل صُنِّعَت في بلدٍ آخر أقلّ مُسْتوًى في الصّناعة لم يشْتر هذه السلعة .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ مرجعُ هذا كلِّه ضعْفُ الإيمان ، يظنّ الإنسان أنَّه إذا فعل هذا يزْدادُ رزقًا ، لكنّ الله جلّ جلاله أكَّدَ في آيات كثيرة ، أنّ هذه الأساليب لا تنمِّي الرّزق ، بل تزيد الإنسان عند ربّه ضعَةً ، وتبْعِدُه عن الله عز وجل ، ويستطيعُ حتى أصحاب المِهَن الراقيَة مِمَّن يُجْمعُ الناس على منْحِهم الثّقة الغاليَة ، يستطيعون هؤلاء وهم يقدِّمون خدماتٍ علميّة أن يغشُّوا ، فإذا طالبْتَ المريضَ بتَحليل ليس مفيدًا ، وليس ضروريًا ، فهذا غشّ ، وإذا توكّل المحامي لمُوَكِّل وهو يعلم النتيجة سلفًا ، فهذا نوعٌ من أنواع الغشّ ، وإذا أمضى المدرّس الوقت في حديث لا يمدّ إلى الدرس بصِلة ، فهذا نوعٌ من الغشّ ، وأصحابُ المِهَن الراقِيَة مِمَّن تعارفوا الناس أنَّها مِهَن راقِية فلأنهم موثوقون بإمكانهم أن يتوسَّعوا في الغشّ إلا من عصمهُ الله ، إلا من عصمه إيمانهُ بالله ، وراقب الله عز وجل في كلّ حركاته وسكناته .

معرفة الورع و الاستقامة في البيع و الشراء لا في الصلاة و الصيام :

 يا أيها الأخوة الأكارم يجب أن نعلم علْم يقين أنّ الله جلّ جلاله قادرٌ على إتلاف كلّ المال الذي حصّله الإنسان بأتفه الأسباب ، هذا المال الذي جمعهُ في عمر مديد ، قد يُتلفُه الله بسبب تافه ، فالإنسان حينما يُخالف منهج الله عز وجل ، يُقامرُ بِحَياته ، يُقامرُ بِسلامته ، يُقامرُ بِمُستقبله ، إنَّه يضحِّي بأثْمَن شيء في حياته ، إنَّها صلتُهُ بربّه ، حينما يغشّ الإنسان ، وحينما يكذب ، وحينما يتلاعب فيكسبُ مالاً لا حقّ له به ، هذا نوعٌ كبير من أنواع الكبائر ، هذه الكبائر هي التي تحجب الإنسان عن الله عز وجل .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ بل إنّ بعض العلماء أضاف فقال : إنَّ عرْض البِضاعة بِطَريقةٍ مُغْرِيَةٍ تزيدُ في مزاياها ، وتخفي عُيوبها نوعٌ من الغشّ ، إنّ توجيه المشتري إلى بِضاعةٍ كاسدة رديئة ، استِغلالاً لِجَهله نوعٌ من الغشّ ، إنّ وضْعَ المشتري في جوّ نفسي معيّن بأساليب ذكيّة تدْفعُهُ إلى اتِّخاذ قرار الشِّراء ، دون تفحّص ، أو دون تمهّل فهذا نوعٌ من الغشّ ، فقد تبيعُ البيت ، وتقول له : معك ساعة ، إما أن تقول لي : اشْتَريْتُ ، وإما هناك إنسان آخر سيَشْتري ، والبيت أعجبهُ إلا أنّ فيه مشكلة رهْن ، وضَعتهُ بِظَرفٍ نفسي ، ومنعْتهُ من كشْف سِجِلِّه العقاري، هذا غشّ .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ هذا هو الدّين ، الدِّين يظهر هنا ، تديُّنك ، وخوفك ، وورعك ، واستقامتك ، وهويّتك كمُسلم لا تظهر في صلاتك وفي صيامك ، بل تظهر في بيعِكَ وشرائك ، وفي صناعتك ، أحيانًا قد تُضاف إلى بعض الأغذيَة مواد ضارّة ، تزيدُها نصاعةً فيرتفِعُ ثمنها ، هؤلاء الذين يأكلونها مسلمون ، هؤلاء عبادٌ لله عز وجل ، هؤلاء بنْيان الله ، فإذا أردْت أن تفْسِدَ حياتهم ، أو أن تفسِدَ أمعاءهم ، أو أن تُفْسِدَ أجهزتهم من أجل أن يزداد ربْحُك ، فأنت لسْتَ مسلمًا ولو صلَّيْتَ في الصفّ الأوّل ، ولو حججْتَ كلّ عام ، هذا لا يرفعُكَ عند الله، يرفعُكَ ورعُك واستقامتك ، يرفعُكَ وقوفك عند حدود الله عز وجل .

المال المكتسب عن طريق الغشّ مال حرام :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ غبنُ المسترسل ربا ، من هو المسترسِلُ ؟ الجاهل ، إنسان جاهل في قيمة البضاعة ، وفي نوعيّتها ، يشتري هذه البضاعة أوّل مرّة ، وهناك بعض التّجار عندهم حاسّة سادسة ، يعرفون من خلالها أنّ هذا الشاري جهول بقيمة البضاعة ، وبِنَوعها ، لذلك يتَّخذونه مَطِيّة لِمُضاعفة أرباحهم ، عن أبي أمامة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

((غبن المسترسل حرام))

[الطبراني عن أبي أمامة]

 فخُلاصة الخلاصة أنّ كلّ مالٍ يكسبُه الإنسان عن طريق الغشّ ، والغشّ مخادعةٌ؛ إظهارُ شيءٍ ، وإخفاءُ أشياء ، تلاعُبٌ بالسِّعر ، وتلاعبٌ بالوزن ، بالمساحة ، بالعدد، بالكَيل ، بالمزايا إخفاء للعيوب ، هذا المال الذي يكسبُه الإنسان من هذا الطريق مالٌ حرامٌ ، وهو سحْتٌ ، وظلمٌ ، وهو من أكل أموال الناس بالباطل .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ حينما نقول كلمة الغشّ تنطلقُ أذهاننا إلى أنّ البائع يغشّ الناس ، كما يكون الغشّ في البيع يكون في الشّراء ، فالنبي عليه الصلاة والسلام نهى عن تلقّي الرُّكْبان ، إذا تلقَّيْت إنسانًا يحملُ بضاعةً ومنعْتهُ من أن يصل إلى السوق لِيَعرف حقيقة السّعر ، اسْتَغَلَّيْتَ جهلهُ بالسّعر هذا اليوم ، وأخذْت هذه البِضاعة بسِعْر أقلّ من سعرها الحقيقي ، فهذا الشاري هو غاش أيضًا ، هناك بائع غاشّ ، وهناك شار غاشّ ، فالنبي عليه الصلاة والسلام نهى عن تلقّي الرُّكْبان ، لشراء بضاعتهم ، بل إنّه نهى عن كلّ جهالةٍ تمكِّنُ البائع أو الشاري من الغشّ ، وتفضي إلى المنازعة ، وسواءٌ - دقِّقوا - في الإثم أنّ تغشّ المسلمين ، أو غير المسلمين ، لأنّ الحقّ لا يُفَرَّق ولا يُجَزَّأ ، والخلق كلّهم عِيالُ الله وأحبّهم إلى الله أنفعهم لعِيالِهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا فَقَالَ : مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ ؟ قَالَ : أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ ؟ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي ))

[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 بل إنّ غِشّ غير المسلمين أشدّ إثمًا لأنَّه يؤدِّي إلى جرْح مكانة هذا الدّين الحنيف، فأنت أيها المسلم على ثغرةٍ من ثغر الإسلام ، فلا يُؤْتَيَنَّ من قِبَلك ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا فَقَالَ : مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ ؟ قَالَ : أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ ؟ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي ))

[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 

الدِّين التِزامٌ بالمنهج الإلهي في كلّ نشاطات الحياة :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ النبي عليه الصلاة والسلام أثنى على التُّجار الذين إذا حدَّثوا لمْ يكْذبوا ، وإذا وعدوا لمْ يخلفوا ، وإذا ائْتمنوا لم يخونوا ، وإذا باعوا لم يُطروا ، وإذا اشْتروا لم يذُمُّوا ، وإذا كان عليهم لم يمطِلوا ، وإذا كان لهم لم يعسِّروا ، وقال عليه الصلاة والسلام : " من عامل الناس فلم يظلمهم ، وحدّثهم فلم يكذبهم ، ووعدهم فلم يخلفهم ، فهو مِمَّن كملت مروءته ، وظهرت عدالته ، ووجبَت أخوّته ، وحرُمَت غيبتُه ".
 فالدِّين التِزامٌ بالمنهج الإلهي في كلّ نشاطات الحياة .
 اللهمّ علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علّمتنا ، وزدنا علماً ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

مرض الإيدز :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ مرض الإيدز ، هذا المرض الذي يُعدّ الآن طاعون هذا العصْر ، وهذا المرض - إن صحَّ التعبير - ردّ السماء على فسْق أهل الأرض ، هذا المرض وصفتْهُ منظمة الصحّة العالمية في نشرة عمّمتها على كلّ أنحاء العالم في عام ألف وتسعمئة وتسعين ، قالتْ في ثنايا هذه النشْرة : إنّ خليط الأمراض التي يُسبّبُها فيروس الإيدز خليط مرْعِبٌ ، أوّل هذه الأمراض داء المتكيّسات الرئويّة ، التهاب السحايا ، أمراض الجهاز العصبي، أورام الدّماغ ، اضْطراب الكلام ، اضطراب السُّلوك ، اضطرابات نفسيّة تؤدّي إلى الجنون ، إسهالٌ حادّ يؤدّي إلى هُزال شديد ، ظهور أخماج في الفمّ ، وبالتحديد منطقة اللّسان والحنَك ، أغشيَة قرْحِيّة مائلة إلى البياض ، تقرّحات مزمنة ، أورام في الحنك واللثّة ، أورام خبيثة في الجلد، ثآليل على الجلد ، هذه بعض أخلاط الأمراض المرعِبَة ، وحتى الآن ومع التأكيد لمْ يُكتشَف عِلاج فعّال لِمُقاومة هذا الفيروس ، وليسَ ثمَّة دواءٌ معروف ، ورد في الحديث الشريف فقد أخرج الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:

((يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ))

[الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ]

 أعلنوا الفاحشة جهارًا ، وافتخروا بها ، وفي مقدّمة هذه النّشرة قيل : إنّ هذا المرض ألغى كلّ الإنجازات الطبيّة التي حقّقها الإنسان في عشرين قرنًا .

 

الفرق بين من يمتنع عن الفاحشة خوفاً من الله و بين من يمتنع خوفاً من المرض : :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ الآن إلى الأسباب ، فمُعظم الإصابات بالإيدز سببها العلاقات الجنسيّة غير الشرعيّة ، قال تعالى :

﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً ﴾

[ سورة الإسراء : 32]

 لكن شتّان أيها الأخوة بين من يمتنعُ عن الفاحشة خوفًا من الله عز وجل ، وطاعةً له ، وإرضاءً له ، وبين من يمتنعُ عنها الآن خوفًا من هذا المرض الخبيث ، شتان بين الامتناعَيْن ! امتناع العبوديّة ، وامتناع الخوف ، امتناع ابتغاء رِضوان الله ، وامتناعٌ ناتجٌ عن حبّ الذات ، شتّان بين الامتناعَيْن .
أيها الأخوة الأكارم ؛ يبْدو على المُصاب مظاهر الصّحة ، كيف أنّ الزنا تمَّ سِرًّا، وكيف أنّ الشُّذوذ الجنسي تمَّ سِرًّا ، في أمكنةٍ مظلمةٍ ، و بعيدًا عن أنظار الناس ، كذلك هذا المرض يتسلّل سرًّا ، ويبقى فترى خمس سنوات أو أكثر دون أن يشعر المُصاب أنَّه مُصاب ، لا يعرف إلا إذا حلّل دمهُ .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ يبْدو على المُصاب مظاهر الصّحة ، ولكنّه قادرٌ على نقل العدوى إلى الآخرين ، إنّ آخر إحصائيّة ، وهو الذي أذْهلني ، أنّ هذه النّشرة وُزِّعَت سنة ألف وتسعمئة وتسعين ، وقد نُشِرَ مقالٌ في كتاب الصفّ الثالث الثانوي للفرع الأدبي والعلمي حول هذا الموضوع ، وقد نقلتُ لكم هذه المعلومات من كتاب المطالعة للصف الثالث الثانوي : إنّ آخر إحصائيّة لمنظّمة الصّحة العالمية كان أنّ عدد المُصابين يقدّر بمليوني مُصاب ، هذا أحدث إحصاء ، منهم نصف مليون طفل ، أما عدد الحاملين لهذا المرض فهو اثنا عشر مليون شخص ، وقالوا : في نهاية القرن العشرين قد يرتفع العدد إلى أربعين مليوناً ، لكنّ الذي أذهلني أنّ نشْرةً قبل عامين ذكرَت عدد المُصابين ، ففي عام تسعين قدَّر العلماء أنّ المصابين خمسة ملايين فقط والآن اثنا عشرة مليوناً ، بِزِيادة سبعة ملايين في عامين .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ أغربُ ما في التقرير هو أنّ التربيَة الوقائيّة يجب أن تعتمد على تزويد الأفراد بالمعرفة والقِيَم التي تثري الفرْد والمجتمع وتجعلهُ في مستوى راقٍ ، هذا ما يفعلهُ الدِّين ، المعرفة والقِيَم إلى أن تصبح حياة الفرْد راقيَة في معاملاته وعلاقاته ، وأخذه وعطائه .

 

السلامة في التمسّك بمبادئ الدِّين :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ شيءٌ آخر لفتَ نظري ، أنّ مقالةً نُشِرَت قبل يومين في إحدى الصحف الثلاث التي تصدر في دمشق ، في نهاية المقالة كتب كاتب المقال : من سلك سلوكًا سليمًا سلِمَ من الإصابة ، فعَوْدة إلى الدِّين والأخلاق ، والعادات والتقاليد الحميدة ، إنّ هذه العودة تُجَنِّبنا وتحمينا من هذا المرض الخبيث ، ومن بقيّة الأمراض الأخرى ، بمعنى أنّنا عُدنا إلى الدِّين مقهورين ، وهنيئًا لمن اختارهُ طَوْعًا ، لكنّ العالم كلّه الآن عاد إلى الدِّين مقهورًا لأنّه الحلّ الأمْثل ، لأنّ السلامة في التمسّك بمبادئ الدِّين ، وما لم يفعل الإنسان اليوم السُّلوك الذي يفرضهُ عليه الدِّين فإنّ متاعب كثيرة تنتظرهُ في حياته ، ولا تنْسَوا قوله تعالى :

﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾

[ سورة السجدة: 18 ]

 قال تعالى :

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾

[ سورة الجاثية: 21 ]

 قال تعالى :

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة النحل : 97]

 ليس من الحكمة الاستفاضة في هذا الموضوع في بيوت الله لأنّ رُوّاد المساجد والحمد لله ملتزمون بأوامر الشرع ، ومُطَبِّقون للدِّين ، هؤلاء نعطيهم هذه المعلومات للموعظة فقط، لِيَعوا كيف أنّ البشريّة من أقصاها إلى أقصاها حينما جنحَت وحكَّمَت العقل ، وحكَّمَت الشَّهوة ، وضربَت بأوامر الدِّين عرض الطريق دفعَت الثَّمَن باهظاً ، وها هي الآن تعود إلى جادّة الدّين ، أن يقف رجلٌ كبير مسؤول في دولة غربيّة ، لِيَحثّ الناس على العفّة لِدَرء هذا الخطر الكبير ، هذا هو الدِّين ، أن يصْدر في دولةٍ تُعْلنُ أنَّه لا إله قرار يمنعُ تناوُل المشروبات الكحوليّة ، هذه عَوْدةٌ إلى الدِّين ، ولكن عودةُ المقهور لا عَوْدة المختار ، المؤمن ينظر في الكون ، فإذا هذا الكون يدلّ على خالق عظيم ، ولا بدّ لهذا الخالق العظيم من توجيه حكيم ، والقرآن هو التوجيه الحكيم ، شتان بين من يعرف الحقيقة بعد فوات الأوان ، وبين من يعرفها قبل فوات الأوان ، شتّان بين من يمتنعُ عن الفاحشة خوفاً من الله عز وجل ، وطاعةً له ، وإرضاءً له ، وبين من يمتنع عنها حفاظًا على صحّته ، وحفاظًا على سلامته .

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018