الخطبة : 0389 - أحاديث شريفة عن الإيمان - علم النفس الإسلامي. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0389 - أحاديث شريفة عن الإيمان - علم النفس الإسلامي.


1992-04-10

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكُّلي إلا على الله . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر . وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم ، رسول الله سيِّد الخلق والبشر ، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر . اللهمَّ صل وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريَّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين . اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم ، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر ، والطف بنا فيما جرت به المقادير ، إنك على كل شيء قدير . اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الإيمان المنجي أن تحبّ لأخيك ما تحب لنفسك :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ في خطبة يوم الجمعة من أول أيام العيد تحدَّثت عن موضوعٍ دقيق ، هو أن النبي عليه الصلاة والسلام وصف المؤمن بصفات :

(( الإيمان عفيف عن المحارم ، عفيف عن المطامع ))

[الجامع الصغير عن محمد بن النضر]

 و الإيمان أن تحب الله عزَّ وجل ، و :

(( الإِيمانُ قَيَّدَ الفَتْكَ لا يَفْتِكُ مؤمِن ))

[أبو داود عن أبي هريرة ]

 إلى آخر هذه الأحاديث التي كانت موضوع خطبة يوم الجمعة من أول أيام العيد ، وبيَّنت وقتها أن الإنسان يميلُ إلى الرضا عن عقله ، وعن إيمانه ، وعن قناعاته ، ولكنه لا يرضى عن رزقه ، ولا عن حظوظه من الدنيا . ولئلا يقع الإنسان في وهمٍ كبير ، أن يتوهَّم أنه ذو إيمانٍ كبير وهو ذو إيمانٍ قليل ، بيَّنت لكم تِلْكَ الأحاديث الشريفة التي وردت في الكتب الصحيحة ، وفي كتاب الجامع الصغير حول تعريفات الإيمان ، وقد وجدت لِزاماً عليّ أن أُكمِّل هذا الموضوع بموضوعٍ آخر ، هما متعاكسان لكنهما متكاملان .
 الموضوع الآخر هو أن النبي عليه الصلاة والسلام من خلال أحاديثه الشريفة ، ومن خلال سننه الفعلية والإقرارية ، يبين أن بعض الأعمال تنفي عن الإنسان الإيمان ، وفي أقل تقدير تنفي عنه كمال الإيمان ، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول مثلاً :

(( لا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحبُّ لِنَفْسِهِ ، وحتى يكره لها ما يكره لنفسه ))

[ الأذكار النووية عن أنس ]

 هذا مقياسٌ آخر ، أيْ إذا كانت هذه الصفة مُنْطَبِقَةً على إنسان فهذا الإنسان لم يؤمن بعدُ ، أو لم يبلغْ الإيمان المُنَجِّي ، أو أنه لم يبلغ الإيمان الكامل الذي يرقى به إلى الله عزَّ وجل ، ما دام لا يحب لإخوانه المؤمنين ، ولا لإخوانه المسلمين ما يحبُّ لنفسه ، بل ما دام لا يحب لأخيه في الإنسانية ، وهذا تفسيرٌ دقيقٌ يقوم على أن المُطْلَق على إطلاقه ، النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال :

(( لا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ... ))

[ الأذكار النووية عن أنس ]

 لأخيه أوردها النبي عليه الصلاة والسلام مُطْلَقَةً ، وما دامت مطلقةً فهي تشير إلى أوسع دائرةٍ تتعلَّق بأخيك ، إنها دائرة الإنسانية ، فـ . .

(( لا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحبُّ لِنَفْسِهِ ، وحتى يكره لها ما يكره لنفسه ))

[ الأذكار النووية عن أنس ]

 في الإنسانية ، فأية دعوةٍ تقوم على عَصبيةٍ ، أو على عُنصريةٍ ، أو على فرزٍ للناس ، هذه الدعوة في أساسها باطلة ، لأنها تقوم على ما يناقض دعوة النبي عليه الصلاة والسلام ، فمن أحب لنفسه شيئاً لم يحبه للآخرين ، وكره لنفسه شيئاً لم يكْرَهه للآخرين ، فهذا دليل ضعف إيمانه ، أو انعدام إيمانه في قلبه .

 

الانضباط وفق منهج الله و محبة النبي علامة الإيمان :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ يقول عليه الصلاة والسلام :

(( لا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحبُّ لِنَفْسِهِ ، وحتى يكره لها ما يكره لنفسه ))

[ الأذكار النووية عن أنس ]

 فإذا توافر عكس ذلك فهذا دليل انعدام الإيمان ، أو انعدام الإيمان المُنَجِّي ، أو انعدام كمال الإيمان . حديثٌ آخر يقول عليه الصلاة والسلام :

((لن يستكمل مؤمن إيمانه حتى يكون هواه تبعاً لما جئتكم به ))

[الدر المنثور عن ابن عمر ]

 أيْ أنَّ ميوله ، رغباته ، شهواته إذا كانت منضبطةً وفق منهج الله عزَّ وجل فهذه علامة إيمانه ، أما إذا اشتهى ، ومالَ ، وأحب ما يُغْضب الله عزَّ وجل ، ما دام هناك مفارقةٌ بين ما تحب وبين منهج الله عزَّ وجل ، فهذه علامة ضعف الإيمان ، أو علامة أن الإيمان الذي ينطوي عليه الإنسان لا يُنَجِّيِهِ من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة . .

(( لن يستكمل مؤمن إيمانه حتى يكون هواه تبعاً لما جئتكم به ))

[ من الدر المنثور عن ابن عمر ]

 لهذا ورد في السنة أنه :" طوبى لمن وسعته السنة ولم تستهوه البدعة " من استهوته البدع ولا سيما المحرَّمة ، وأحبَّها ، على الرغم من أنها مخالفةٌ لشرع الله عزَّ وجل ، فهذا دليل بُعْدِهِ الشديد عن حضرة الحق جلَّ وعلا ، وعن منهجه القويم . ويقول عليه الصلاة والسلام :

(( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين))

[ الجامع الصغير عن أنس]

 وكيف يكون النبي أحبَّ إليك من نفسك ؟ وكيف يكون النبي أحب إليك من ولدك؟ وكيف يكون النبي أحب إليك من والدك ومن الناس أجمعين ؟ حينما تؤثر سُنَّته على حظوظ نفسك فإنك تحبه أكثر مما تحب نفسك ، وحينما تؤثر سنته على حبِّك لأولادك فهذه علامة إيمانك ، وحينما تؤثر سنته على حبك للناس أجمعين ، أيْ لو أنك طبَّقت سنته فغضب الناس عليك ، لا تبالي بغضبهم ما دمت مطبقاً لسنة النبي عليه الصلاة والسلام .
 والناس أيها الأخوة دائماً ممتحنون ؛ بين أن يطبقوا ما يتوهّمون لصالحهم ، وبين أن يطبقوا ما هو واردٌ في السنة النبوية المطهرة ، إذاً :

(( لا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحبُّ لِنَفْسِهِ ))

[ من الأذكار النووية عن أنس ]

 و :

(( لا يؤمن أحدكم حتى يكره لها ما يكره لنفسه ))

 و :

(( لن يستكمل مؤمن إيمانه حتى يكون هواه تبعا لما جئتكم به ))

[الدر المنثور عن ابن عمر ]

 و :

(( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين))

[ الجامع الصغير عن أنس]

أفعال تبعد المسلم عن حقيقة الإيمان :

 حديثٌ آخر يوجِّه فيه النبي عليه الصلاة والسلام أنظار المؤمنين إلى أن بعض الأفعال إذا فعلوها ، وناقضت هذه الأشياء التي ذكرها النبي ، فقد وقعوا في بُعْدٍ شديدٍ عن حقيقة الإيمان . يقول عليه الصلاة والسلام :

(( والله ما آمن - قالها ثلاثاً - فقال أصحابه : خاب وخسر يا رسول الله . قال: والله ما آمن من بات شبعان وجاره إلى جانبه جائعٌ وهو يعلم ))

[ من شرح الجامع الصغير ]

 ويكمِّل هذا الحديث حديثٌ آخر . .

(( من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ))

[ المعجم الأوسط عن حذيفة ]

 فيا أيها الأخوة الأكارم ؛ هذه الأشياء التي إذا فعلها الإنسان بَعُدَ عن الإيمان ، أو بَعُدَ عن الإيمان المنجي ، أو بَعُدَ عن كمال الإيمان ، عندئذٍ لا ينفعه إيمانه من الله شيئاً .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ ليس عنا ببعيد قول النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال :

(( دخلت إمراة النار في هرة حبستها لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض ، حتى ماتت ))

[ مُتَّفَقٌ عَلَيْه عن ابن عمر]

 أي حينما يُعذَّب الحيوان بلا سبب ، وبلا طائل ، حينما يُقتل الطير تحقيقاً لهواية الصَيْد ليس غير ، هذا العصفور الذي قُتِلَ لغير مأكلةٍ يأتي يوم القيامة وله دويٌ كدوي النحل يقول : يا ربي سله لمَ قتلني ؟ تعذيب الحيوان ينفي عن الإنسان الإيمان ، لأنه مخلوق ، وربنا سبحانه وتعالى هو الذي خلقه ، فإذا أردت أن تعذِّبه بلا سبب ، وبلا جدوى ، ومن دون طائل ، وبلا عُذْر فعندئذٍ هذا يؤكد أنك لا تعرف الله عزَّ وجل .
 أريد أن أوضِّح لكم ذلك بمثل : لو أن إنساناً عنده ضغطٌ مرتفعٌ جداً ، هذا الضغط المرتفع ربما قاده إلى الهلاك ، إلى انفجارٍ في أحد شرايين المخ ، هذا الإنسان حينما يُكْثر من أكل الملح هل تعتقدون أنه طبيب ؟ لا والله . هل تعتقدون أنه مُمَرِّض ؟ لا والله . هل تعتقدون أنه مثقَّف ؟ لا . هل تعتقدون أنه قرأ في حياته مقالةً عن ضغط الدم ؟ لا . فحينما يفعل الإنسان فعلاً هذا الفعل يؤكِّد جهله . فالإنسان حينما يعذب حيواناً هذا يعني أنه لا يعرف الله أبداً ، لا يعرف أن الله سوف يقتصُّ منه ، لا يعرف أن الله سوف يحاسبه ، لا يعرف أنه في قبضة الله عزَّ وجل ، فهذا الموضوع اليوم موضوعٌ معاكسٌ للموضوع السابق ، هناك أفعال إذا فعلها الإنسان كأنك تنفي عنه الإيمان ، فإذا أحب نفسه ولم يحب إخوانه المؤمنين ، إذا أحب نفسه ولم يحب إخوانه في الإنسانية ، إذا كره لها شيئاً ولم يكره لهؤلاء ، إذا كان هواه على خلاف ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام ، إذا آثر حظوظ نفسه وحظوظ أولاده وحظوظ أقربائه على سنة النبي عليه الصلاة والسلام ، فهو لا يحب النبي ، ولا يعرف قدره ، ولا قدر سُنته .

 

مضمون الدين مضمون سُلوكي و تعامُلي و أخلاقي :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ ليس عنكم ببعيد قول النبي عليه الصلاة والسلام :

(( إن فلانة تذكر أنها تكثر من صلاتها وصيامها وصدقتها ، غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها ، فقال عليه الصلاة والسلام : هي في النار ))

[أحمد والبزار عن أبي هريرة ]

 دققوا في قول النبي :

(( تذكر أنها تكثر - ومعنى تكثر أي أنها تصلي الفرائض والنوافل - من صلاتها وصيامها وصدقتها ، غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها ، فقال عليه الصلاة والسلام : هي في))

 معنى ذلك أن مضمون الدين مضمون سُلوكي ، مضمون تعامُلي ، مضمون أخلاقي ، مضمون قيَمي ، وليس مضمون الدين مضمون طقوس ، ولا مضمون أفعال وأقوال تفعلها وانتهى الأمر ، حقيقة الدين مواقف ، أخلاقيَّات ، مبادئ ، قيَم ، انضباط ، الدين في أساسه خيرٌ للناس جميعاً ، فإذا طُبِّقت العبادات ولم تكن هناك معاملاتٌ راقية ، إذا طُبِّقَت العبادات ولم تكن هناك معاملاتٌ أخلاقية ، إذا طبقت العبادات ولم تكن هنا معاملاتٌ تَنمُّ عن فضلٍ وعن نضجٍ فهذا ليس هو الدين الذي أراده الله عزَّ وجل .

 

من علامات الإيمان أن تحب الإنسان لأنه مؤمن :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ كما قال عليه الصلاة والسلام :

(( ثلاث من كنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان . . . وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ))

[ مسلم عن ابن عمر ]

 أي من علامات الإيمان أن تحب إنساناً لا تَرْبِطك به لا قرابةٌ ، ولا نسبٌ ، ولا مصاهرةٌ ، ولا شراكةٌ ، ولا جوارٌ ، ولا تجارةٌ ، ولا مصلحةٌ ، ولا شيءٌ من هذا القَبيل ، لا يربطك به إلا أنه مؤمن وقد أحببته لله . .

((لا يؤمن أحدكم حتى يحب المرء لا يحبه إلا لله ))

[ أحمد عن أنس]

(( ثلاث من كنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان . . . وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ))

[ مسلم عن ابن عمر ]

للجار المسلم القريب ثلاثة حقوق :

 والنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( لا يؤمن بالله من لا يكرم جاره ))

[ من كنز العمال عن علي ]

 هذا الذي يؤذي جاره ، يمنع عنه أساسيات الحياة ، يحجب عنه الشمس ، يحجب عنه الريح ، يتقصَّد إيذاءه ، ألم يرد أن النبي عليه الصلاة والسلام قال :

(( أتدرون ما حق الجار ؟ إن استعان بك أعنته ، وإن استنصرك نصرته ، وإن استقرضك أقرضته ، وإن مرض عدته ، وإن مات تبعت جنازته ، وإن أصابه خير هنأته ، وإن أصابته مصيبة عزيته ، ولا تستعل عليه بالبناء فتحجب عنه الريح إلا بإذنه ، وإذا اشتريت فاكهة فأهد له ، فإن لم تفعل فأدخلها سرا ولا يخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده ، ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها ))

[ من تخريج أحاديث الإحياء عن عمرو بن شعيب ]

 لذلك :

(( لا يؤمن بالله من لا يكرم جاره ))

[ من كنز العمال عن علي ]

 أيُّ جارٍ له حقٌ عليك ، وقد عدّ العلماء أن أربعين بيتاً من على يمين الرجل كلّهم جيران ، وأربعين بيتاً من على شماله من الجِوار ، وأربعين بيتاً من أمامه جيران ، وأربعين بيتاً من خلفه جيران ، وقد نضيف أن أربعين بيتاً من فوقه جيران ، وأربعين بيتاً من تحته جيران ، والجار له حقٌ عليك ولو كان غير مُسْلمٍ ، له حقٌ واحد ، والجار المسلم له حقَّان ؛ حق الجوار وحق الإسلام ، والجار المسلم القريب له ثلاثة حقوق ؛ حق الجوار ، وحق الإسلام ، وحق القرابة ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

(( لا يؤمن بالله من لا يكرم جاره ))

[ من كنز العمال عن علي ]

نفي الإيمان عن الكاذب و عمن لا يؤمن بالقضاء و القدر :

 ويقول عليه الصلاة والسلام :

(( لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر من إذا حدَّث كذب ))

[ من الدر المنثور عن أبي الدرداء ]

 الكذب ينفي عنك الإيمان ، المؤمن لا يكذب ، إيذاء الجار ينفي عنك الإيمان ، ألا تحب الناس إلا لمصلحةٍ ينفي عنك الإيمان ، أن تؤثر حظوظك النفسية وحظوظ أولادك وأسرتك على سُنة النبي عليه الصلاة والسلام ينفي عنك الإيمان ، أن تكون أهواؤك في واد وشرع الله في واد هذا ينفي عنك الإيمان ، ألا تحب للآخرين ما تحب لنفسك هذا ينفي عنك الإيمان . هذه الخطبة مكملةٌ للخطبة السابقة .

(( لا يؤمن العبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشرِّه ))

[ من زيادة الجامع الصغير عن جابر ]

 هذا الذي يقول : هذه نعمة والحمد لله ، وهذه نعمة . أما إذا جاءت الأمور على غير ما يريد ، إذا هو يشكك في رحمة الله عزَّ وجل هذا ليس مؤمناً ، هذا ينفي عنك الإيمان إن لم تؤمن بالقدر خيره وشره من الله تعالى ، لأنه لا يقع شيءٌ في الكون إلا إذا أراده الله ، وإذا أراد الله شيئاً وقع ، وإرادة الله متعلقةٌ بالحِكمة المطلقة ، وحكمَته متعلقةٌ بالخير المُطْلَق ، فإذا آمنت بالخير على أنه من الله ، وبالشر على أنه دفعك إلى التشكّك برحمة الله عزَّ وجل ، فأنت لم تبلغ الإيمان المُنَجِّي أو الكامل .

 

الإيمان المنجي أن يكون باطنك كظاهرك :

 شيءٌ آخر أيها الأخوة ، دققوا في هذا الحديث ، يقول عليه الصلاة والسلام :

((لا يؤمن عبدٌ حتى يكون لسانه وقلبه سواء ))

[ من كنز العمال عن أنس ]

 الازدواجية ؛ أن يكون لك موقفٌ معلن وموقف حقيقي ، لك ظاهر ولك باطن ، تفعل شيئاً في جلوتك وتفعل شيئاً آخر في خَلوتك ، تفعل شيئاً أمام الناس وتفعل شيئاً آخر فيما بينك وبين نفسك .

((لا يؤمن عبدٌ حتى يكون لسانه وقلبه سواء ))

[ من كنز العمال عن أنس ]

 ما في قلبك على لسانك ، وما ينطق به لسانك هو في قلبك ، وظاهرك كباطنك ، وعلانيَّتك كسريرتك ، وخلوتك كجلوتك ، وأنت مسافر كما أنت مقيم ، ومع من تحب في عدالتك وأحكامك كمن مع من لا تحب ، لهذا قال عليه الصلاة والسلام :

(( أمرني ربي بتسعٍ ؛ خشية الله في السر والعلانية ، كلمة العدل في الغضب والرضى ، القصد في الفقر والغنى ، وأن أصل من قطعني ، وأن أعفو عمن ظلمني ، وأن أعطي من حرمني ، وأن يكون صمتي فكراً ، ونطقي ذكراً ، ونظري عبرةً ))

[ رزين عن أبي هريرة]

(( وحتى يأمن جاره بوائقه ))

[ من كنز العمال عن أنس ]

 أحياناً يفعل إنسانٌ شيئاً في بيته من دون أن يؤذي أحداً على الإطلاق ، من دون أن يسبب أي أذىً لإنسان ، إذا به يفاجأ بأن أحد جيرانه قد اشتكى عليه ، وقد سبَّب له مصائِب كثيرة ، فأين هذا الجار ؟ هذا الجار لا تؤمن بوائقه ، أي لا تؤمن شروره . .

(( وحتى يأمن جاره بوائقه ))

[ كنز العمال عن أنس ]

 أن يأمن جارك بوائقك ، وأن تكرم جارك ، وأن يكون لسانك وقلبك سواء ، وأن تؤمن بالقدر خيره وشره من الله تعالى ، وألا تكذب إطلاقاً ، وأن تحب المرء لا تحبه إلا لله ، وأن تحب لأخيك في الإنسانية ، أو لأخيك المسلم ، أو لأخيك المؤمن ما تحبه لنفسك ، وأن تكره له ما تكره لنفسك ، وأن يكون هواك تبعاً لما جاء به النبي ، وأن تحب سنة رسول الله أكثر مما تحب نفسك وحظوظها ، وأولادك ، ووالدك ، والناس أجمعين ، إذا كنت كذلك فأنت في حظيرة الإيمان ، وأنت ممن شملهم قول النبي العدنان عليه أتم الصلاة والسلام .

 

ما ينفي عن الإنسان الإيمان أيضاً :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ بقي مجموعة أحاديث لها علاقةٌ بهذه الخطبة ، يقول عليه الصلاة والسلام :

((لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا))

[ من الأذكار النووية عن عمرو بن شعيب ]

 ليس منا ، تستحي بمظاهر المسلمين ، تستحي بما سَنَّه لهم النبي عليه الصلاة والسلام ، تحب عادات الأجانب ، تحب أن تحتفل في بيتك كما يحتفل الأجانب ، تحبُّ أن تقلِّدهم ؛ في طعامك ، وشرابك ، وأعيادك ، واحتفالاتك ، هذا الذي يتشبه بغير المسلمين النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

((لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا))

[ من الأذكار النووية عن عمرو بن شعيب ]

(( ليس منا من تطيَّر - التشاؤم ، والسوداوية - ولا من تطيَّر له ، أو تكهن أو تكهِّن له ، أو سحر أو سحر له ))

[ من الدر المنثور عن عمران بن حصين ]

 السحر ، والكهانة ، والتشاؤم ، هذه كلها تنفي عن الإنسان الإيمان .

(( وليس منا من خبب امرأةً على زوجها أو عبداً على سيده ))

[ من الأذكار النووية عن عمرو بن شعيب ]

 حينما تفسد علاقة أختك بزوجها ، لا لشيء إلا لتستعلي عليه ، حينما تُفسد علاقة موظفٍ برب العمل ، حينما تفسد علاقة شريكٍ بشريكه ، حينما تفرِّق بين أمٍ وابنها ، بين أخٍ وأخيه ، بين جارٍ وجاره ، لست مؤمناً ، هذا الذي يوقع بين الناس العداوة والبغضاء ، يفسد العلاقة بينهم ، هذا الذي يفرق ولا يجمع ليس من المؤمنين في شيء . هذه أحاديث خطيرة ، ليس الإسلام أن تصلي فقط ، وأن تصوم فقط ، وأن تحج البيت فقط ، وأن تؤدّي زكاة مالك ليس غير ، الإسلام أن تكون مطبِّقاً لهذه السنة النبوية .
 و يقول عليه الصلاة والسلام :

(( ليس منا من دعا إلى عصبية ))

[ من الجامع الصغير عن جبير بن طعم ]

 هذا الذي يعبَّر عنه اليوم بكلمة )عُنْصُري) هذا الذي ينحاز إلى قومه على حقٍ أو على باطل ، ينحاز إلى أقربائه على حقٍ أو على باطل ، ينحاز إلى أولاده ولو ظلموا ، ينحاز إلى أولاده ولو أجحفوا ، ينحاز إلى زوجته ولو طَغَتْ وبغت ، ويكره الآخرين لا لشيء إلا لأنهم لا يلوذون به ، هذا المنطلق منطلق عُنصري ، يكره الناس لا لشيء إلا لأنهم لم يعظّموه التعظيم الكافي ، حينما تنطلق من عصبيةٍ ، إما عصبية عائلية ، أو عصبية قَبَلِيّة ، أو عصبية أُسَرْيَّة ، أو عصبية إقليميّة ، حينما تنحاز إلى قومٍ لا لأنهم على حق بل لأنهم قومك فقط ، لذلك :

وما أنا إلا من غزية إن غوت  غويت وإن ترشد غزية أرشدِ
* * *

 هذا البيت قاله أحد الشُعراء وهو يعبِّر عن العصبية بأعلى مظاهرها . .

وما أنا إلا من غزية إن غوت  غويت وإن ترشد غزية أرشدِ
* * *

 النبي عليه الصلاة والسلام قال :

((لا تَكونوا إمَّعَةً تقُولونَ إنْ أحسَنَ النَّاسُ أحسناً وإنْ ظَلَموا ظَلَمن ))

[ الترمذي عن حذيفة ]

 يكفي أن تقول : يا أخي الناس كلهم هكذا . فأنت عصبي ، فأنت عُنْصُرِيّ ، أين الحق ؟ أين سُنة النبي عليه الصلاة والسلام ؟ إذا أساء الناس تسيء معهم ، وهل أنت مُغَطَّى؟ ألم يقل أحد الولاة عندما سأل سيدنا عمر : " إن أناساً قد اغتصبوا مالاً ليس لهم ، لست أقدر على استخلاصه منهم إلا أن أمسهم بالعذاب ، فإن أذنب لي فعلت . قال : ويحك ، يا سبحان الله ! أتستأذنني في تعذيب بشر ؟ وهل أنا لك حصنٌ من عذاب الله ؟ وهل رضائي عنك ينجيك من سخط الله ؟ أقم عليهم البيِّنة فإن قامت فخذهم بها ، فإن لم تقُم فادعهم إلى الإقرار ، فإن أقروا فخذهم بإقرارهم ، فإن لم يقروا فادعهم لحلف اليمين ، فإن حلفوا فأطلق سراحهم ، وايم الله لأن يلقوا الله بخيانتهم أهون من أن ألقى الله بدمائهم ".
 أيها الأخوة الأكارم ؛

(( ليس منا من دعا إلى عصبية ))

[ من الجامع الصغير عن جبير بن طعم ]

 كأن تؤثر ابنتها على الحق ، تدافع عنها ، وتقوّي بَغْيَهَا لأنها ابنتها ، وهي ضدُّ فتاةٍ أُخرى ليست ابنتها ، ضدها لأنها ليست ابنتها ، هكذا . هذه المُنْطَلَقَات أساسها التَعَصُّب ، وأساسها الانحياز الأعمى ، يقول عليه الصلاة والسلام :

(( ليس منا من دعا إلى عصبية ))

[ من الجامع الصغير عن جبير بن طعم ]

 كن مع الحق ولو كان الحق مُراً ، ولا تأخذك في الله لومة لائم ، وكن قوَّاماً للحق ولو على نفسك ، هكذا قال الله عزَّ وجل . .

(( ليس منا من عمل بسنة غيرنا ))

[ من الجامع الصغير عن ابن عباس]

 و :

(( من غش فليس منا ))

[ من الجامع الصغير عن أبي هريرة ]

 هذا الذي يقول : أنا عندي أولاد ، والناس هكذا ، كل الناس هكذا يغشون هذه المادة كي يعيشوا يا أخي ، كي نعيش . هذا ينفي عنك الإيمان ، حينما تغش المسلمين فأنت لست مسلماً ، والحديث الآخر :

(( ليس منا من غشنا ))

[ من الجامع الصغير عن ابن مسعود ]

 أما الأخطر :

(( من غش فليس منا ))

[ من الجامع الصغير عن ابي هريرة ]

 لو غششت مجوسياً فلست من المسلمين ، لو غششت كافراً ، لو غششت مُلْحِداً فلست من المسلمين . .

(( ليس منا من غش ))

  و :

((ليس منا من غشنا ))

 و :

(( لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ ))

[ سنن أبي داود عن أبي سعيد ]

(( ويحك يا شاب هلا بالقرآن تتغنى؟ ))

[ من كنز العمال عن أبي سلام ]

 كلام الله عزَّ وجل ألا يطربك ؟ ألا يشجيك ؟ ألا يسعدك ؟ . .

((ليس منا من وسع الله عليه ثم قتر على عياله))

[مسند الشهاب للقضاعي عن عائشة]

 البخيل بعيدٌ عن الله ، بعيدٌ عن الناس ، بعيدٌ عن الجنة . .

((ليس منا من وسع الله عليه ثم قتر على عياله))

[مسند الشهاب للقضاعي عن عائشة]

الإيمان أن تحب الله عزَّ وجل :

 فيا أيها الأخوة الأكارم ؛ بعيداً عن مصطلحات علماء العقيدة ، وبعيداً عن مصطلحات الفقهاء ، وعن المعنى اللغوي للإيمان ، وعن المعنى الاصطلاحي ، وعن حدوده، وعن هل الإيمان يزيد وينقص ؟ بعيداً عن هذه التعقيدات الإيمان أن تحب الله عزَّ وجل . .

(( الإِيمانُ قَيَّدَ الفَتْكَ لا يَفْتِكُ مؤمِن ))

[أبو داود عن أبي هريرة ]

(( الإيمان عفيف عن المحارم ، عفيف عن المطامع ))

[الجامع الصغير عن محمد بن النضر]

(( الإيمان الصلاة ))

[ من كنز العمال عن أبي سعيد ]

 هذا موضوع الخطبة السابقة ، وموضوع الخطبة اليوم : من تشبَّه بغيرنا ، أو تطيَّر، أو تكهن ، أو سحر ، أو خبب امرأةً على زوجها أو عبداً على سيده ، أو دعا إلى عصبية ، أو من غش ، أو من غشنا ، من لم يتغنَّ بالقرآن ، من لم يجل كبيرنا ، من لم يرحم صغيرنا ، من لم يعرف لعالمنا حقه ، من وسَّع الله عليه ثم قتر على عياله هذا ينفي عنه الإيمان .
 فيا أيها الأخوة الأكارم ؛ الأحاديث نوعان : نوعٌ إذا توافر فيك فأنت مؤمنٌ ورب الكعبة ، ونوعٌ إذا توافر فيك فأنت على شفا خطرٍ عظيم ، فينبغي أن تقف ، وأن تتأمل ، وأن تفكر .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزَن عليكم ، واعلموا أن مَلَكَ الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا ، وسيتخطَّى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

أنواع النّفس :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ قد نقول : إن علم النفس علمٌ حديث ، يتحدَّث عن طبيعة النَفْس ، وعن قوانينها ، وعن الهَيَجان ، وعن الغَضب ، وعن الدوافع ، وعن الحاجات ، وعن أحوال النفس في قوتها وضعفها ، في سموها وانحطاطها ، ونغفل أو نتغافل عن أن في القرآن الكريم عِلْماً للنفس من عند الخالق جلَّ وعلا .
 وقع قبل أيام تحت يدي كتاب اسمه : " علم النفس الإسلامي " تصفَّحته فرأيت فيه العَجب العُجاب ، رأيت أن كل مصطلحات علم النفس ، وكل قوانين عِلم النفس - في الأعم الأغلب - قد وردت بشكلٍ أو بآخر في القرآن الكريم . فمن هذه الأبواب التي وردت في هذا الكتاب - كتاب علم النفس الإسلامي - أنواع النَفْس ، هذا يُعَبَّر عنه بالنماذج البشرية ، هناك نماذج متكررة ، فربنا عزَّ وجل وصف النفس المُطمئنة ، هناك نفسٌ مطمئنة ، وهناك نفسٌ لوَّامة، وهناك نفسق زكيّة ، وهناك آياتٌ كثيرةٌ تصف هذا النموذج ، فـ . .

﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي ﴾

[ سورة الفجر : 27-30]

 النفس المطمئنة هي التي عرفت ربها ، و اطمأنت إليه ؛ اطمأنت إلى أسمائه الحسنى وصفاته الفضلى ، اطمأنت إلى وعده ووعيده ، اطمأنت إلى جنَّته ، اطمأنت إلى وحدانيته ، اطمأنت إلى أنه لا إله إلا هو . وهناك نفسٌ تقع في الدرجة الثانية هي النفس الزكيّة، الطاهرة من كل دَنَس ، من كل عَيْب ، من كل صفةٍ خسيسة ، النفس الزكية التي تُعطي ما عليها وتأخذ ما لها ، من دون أن تجحف ، من دون أن تطغى ، من دون أن تبغي ، من دون أن تظلم . .

﴿أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً ﴾

[ سورة الكهف : 74]

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾

[ سورة الشمس: 9-10]

﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾

[ سورة الشمس: 7-8]

 فالنفس الزكيَّة ، فلان زكي ، أي طاهر ، لا يحقد ، ولا يحسد ، ولا يبغي ، ولا يظلم، ولا يتجاوز حدودَه ، معطاءٌ ، خَيِّر ، يحب السِلْم ، يكره العدوان ، يكره البغي والظلم ، هذه النفس الزكية ورد ذكرها في القرآن الكريم في آياتٍ كثيرة . وأما النفس التي أثنى الله عليها وهي نفس عامة المؤمنين فهي النفس اللوَّامة ، قال :

﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ﴾

[ سورة القيامة: 1-2]

 هذا الذي كلَّما تكلَّم كلمةً فحصها ، وحاسب نفسه عليها ؛ أيجوز أن أقول هذه الكلمة ؟ لعلها غيبة ؟ لعلها نميمةٌ ؟ لعلها تسخط الله عزَّ وجل ؟ وقد قال عليه الصلاة والسلام:

((إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بأساً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً

((

[ من الجامع الصغير عن ابي هريرة ]

 هذه النفس اللوامة نفسٌ أثنى الله عليها ، والمؤمن يجب أن يكون لواماً ، يسأل نفسه دائماً ، يحاسبها في الدنيا حساباً عسيراً حتى يكون حسابها يوم القيامة يسيراً ، يحاسب نفسه على الدِرهم فضلاً عن الدينار ، يحاسب نفسه على النظرة ، يحاسب نفسه على الكلمة ، يحاسب نفسه على أيّ عدوانٍ معنوي أو مادي على حقوق الإنسان ، هذه النَفس اللوَّامة نموذجٌ آخر ورد في القرآن الكريم . وهناك نفسٌ حاسدةٌ . .

﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾

[ سورة البقرة : 109 ]

 النَفْس البَعيدة عن الله عزَّ وجل تحسُد الناس . وهناك نفسٌ آثمةٌ تقع فيما حرَّم الله.

﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾

[ سورة النساء : 111 ]

 نفسٌ آثمة ، ونفسٌ حاسدة ، ونفسٌ أمَّارةٌ بالسوء . .

﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ﴾

[ سورة يوسف : 53]

 ونفسٌ ظالمةٌ ، ونفسٌ مخادعةٌ ، ونفسٌ شاذةٌ ، ونفسٌ مُسْتَكبرةٌ عاتيةٌ ، ونفسٌ بخيلة.
 فيا أيها الأخوة الأكارم ؛ إذا قرأتم القرآن وجاءت الأوصاف لهذه النفوس ، اسأل نفسك هذا السؤال الخطير : من أي النماذج أنت ؟ من المطمئنة ، أم من الزكية ، أم من اللوَّامة ، لا سمح الله أم من الحاسدة ، أم من الآثمة ، أم من الأمَّارة بالسوء ، أم من الظالمة ، أم من الخادعة ، أم من المستكبرة العاتية ، أم من البخيلة ؟ بابٌ من أبواب علم النفس أن يوصف لك النموذج البشري الذي يتكرر في كل زمانٍ وفي كل مكان .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018