الخطبة : 0126 - الهدف من الصيام - صوموا تصحوا . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0126 - الهدف من الصيام - صوموا تصحوا .


1986-05-02

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا برُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله ، سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بِخَبر . اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

رمضان شهر التوبة والغفران :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ عن سلمة بن وردان قال : سمعت أنساً رضي الله عنه يقول : ارتقى رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر درجة فقال : آمين ، ثم ارتقى درجة فقال : آمين ، ثم ارتقى الدرجة الثالثة فقال : آمين ، ثم استوى وجلس فقال أصحابه : يا رسول الله ، علام أمنت ؟ قال :

((أتاني جبريل عليه السلام فقال : رغم أنف من ذكرت عنده فلم يصلّ عليك ، فقلت : آمين ، ورغم أنف من أدرك أبويه أو أحدهما فلم يدخل الجنة ، فقلت : آمين ، ورغم أنف من أدرك رمضان فلم يغفر له إن لم يغفر له فمتى ؟ فقلت : آمين))

[ أخرجه أبو نعيم ]

 رغِمَ أنفُ عبْدٍ بِمَعنى خابَ وخسرَ ، علاقتنا من الحديث بالفقرة الثالثة .

((رغم أنف من أدرك رمضان فلم يغفر له إن لم يغفر له فمتى ؟ فقلت : آمين ))

 لأنّ رمضان شهر التوبة والغفران ، ودوْرةٌ مكثّفة في ثلاثين يومًا ، يجتهد العبد فيها كي يطهِّرَ نفسهُ من الدَّنَسِ ، ويسْمو بها في معارج السماء .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ نحن على أبواب شهر رمضان ، وأيّام لا تزيد عن سبعة ، أو تقلَ عن عشرة أيّام وسنكون في رمضان ، لئلا يصبح رمضان جزءاً من عاداتنا وتقاليدنا ، ولئلا يصبح طقسًا من طقوسنا ؛ أعمال نؤدِّيها ولا ندري لمَا نؤدِّيها النبي عليه الصلاة والسلام ذكر هذا ، فمثل المنافق كالناقة عقلها أهلها فلا تدري لا لِمَ عُقلَتْ ؟ ولا لِمَ أُطلقَتْ ‍!! عامّة المسلمين يأتي رمضان فيصومون ، ويأتي العيد فيُفطرون ، وهم على ما هم عليه من البُعد ، والمخالفات ، والانحرافات ، والمعاصي ، فلئلا يصبح رمضان من عاداتنا ، وتقاليدنا ، ولئلا يصبح طقسًا لا معنى له ، ولئلا ينطبق علينا قول النبي عليه الصلاة والسلام :

((مثل المنافق كالناقة عقلها أهلها فلا تدري لا لِمَ عُقلَتْ ؟ ولا لِمَ أُطلقَتْ ؟))

 نريدُ رمضان عبادة ، لا نريدهُ عادات ، إذا رافقَتْ هذه العبادة معاصٍ فليس رمضان عندئذٍ عبادة ، إنّه عادة ، النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

((من لم يدَع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدَعَ طعامهُ وشرابه ))

[ البخاري عن أبي هريرة]

أنواع الصوم :

 والإمام الغزالي رحمه الله تعالى يقول : هناك صَوم العوام ، وهناك صومُ الخواصّ ، وهناك صوْم خواصّ الخواص . صوم العوام أن يمتنع عن الطعام والشراب ، وعن بقيّة المفطرات التي تعرفونها فقط ! وهو هو ، وأما صوم الخواص فهو الامتناع عن كلّ معصيَة وإثمٍ ظاهر وباطن ، وأما صوم خواص الخواص فهو الامتناع عمّا سوى الله سبحانه وتعالى ، شتّان بين من يدافع التدنّي وبين من يتابعُ الترقّي ، شتّان بينهما .
 أيها الأخوة الكرام ، لئلا يصبح رمضان عادةً من عوائدنا ، طريقةً من طرق حياتنا، طقسًا من طقوسنا التي لا معنى لها ، يجبُ أن يكون رمضان عبادةً كما أرادها الله عز وجل ، يجبُ أن يكون رمضان كما شرعه الله عز وجل ، قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 183]

 هل من آيةٍ أوضحُ من هذه الآية ؟

 

أوامر الله تعالى معلَّلةٌ بِمَصالح خلقه :

 الإمام الشافعي رحمه الله تعالى عنه يقول : " أوامر الله تعالى معلَّلةٌ بِمَصالح خلقه" قال تعالى :

﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء َالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾

[ سورة العنكبوت: 45 ]

 قال تعالى :

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾

[ سورة التوبة: 103 ]

 قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾

[ سورة البقرة : 183]

 الهدف الذي رسمه الله من الصّيام التقوى ، ما التقوى ؟ أن تنظر بِنُور الله تعالى ، وأن تمتلِكَ رؤيةً صحيحة .

 

الغاية من الصّيام امتلاك رؤية صحيحة و هي التقوى :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ ما من إنسانٍ على وجه الأرض إلا ويبتغي الخير لنفسه ، والسلامة ، والخير ، والرِّفْعة ، ولكن لماذا يبتغي إنسانٌ الخير فينتهي به الأمر إلى الشرّ ؟ ما الفرق بين الطائعين والعصاة ؟ ما الفرق بين الأشقياء والسّعداء ؟ ما الفرق بين المؤمنين والكافرين ؟ ما الفرق بين الذين عرفوا الله والذين لم يعرفوه ؟ فرقٌ واحدٌ هو الرؤية ، فإما أن تملكَ رؤيةً صحيحة ، وإما ألا تملكها ، لذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو فيقول :" اللهمّ أرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه " سيّدنا يوسف عليه وعلى نبيّنا أفضل الصلاة والسلام حينما دعَتْهُ امرأة ذات منصبٍ وجمال ، ما الذي رآه ؟ لماذا امتنعَ ؟ إذا دُعِيَ إنسانٌ إلى ما دُعِيَ إليه هذا النبي الكريم لماذا يقْدِمُ إنسان ويحجم إنسان مع أنّ الشهوة التي أوْدعها الله في الإنسان واحدة ؟ قال تعالى :

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ﴾

[ سورة آل عمران : 14]

 الشهوة التي أوْدَعَها الله في الأنبياء هي نفسها أودعها الله في عامّة الناس ، لمَ يحجم هذا النبي الكريم ؟ ولم يُقدم هذا الإنسان اللئيم ؟ ما الذي بين الموقفين ؟ إنّها الرؤية الصحيحة ، لذلك الصّيام من أجل أن تمتلك الرّؤية الصحيحة ، وهذه هي التقوى ، قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[ سورة الحديد : 28]

 اتّقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور الله تعالى ، التقوى وردَت في القرآن الكريم في مئتين وزيادة من مواضع القرآن الكريم ، وهي ليْسَت الطاعة ، فالطاعة شيء ، والتقوى شيءٌ آخر ، فالتقوى أن تمتلك الرؤية ، قال تعالى :

﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ﴾

[ سورة الأنعام : 75]

 بدافع الفطرة أنت تحبّ السلامة ، وتحبّ الزيادة ، والخلود ، والكمال ، فما الفرق بين العصاة والمؤمنين ؟ أنّ المؤمنين اسْتناروا بِنُور الله تعالى ، والعصاة كانوا في ظلامٍ ، قال تعالى :

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ﴾

[ سورة طه : 124-126]

 لا خيار لكم ؛ إما أن تستنير بنور الله تعالى ، وإما أن يكون الرجل في ظلماتٍ بعضها فوق بعض ، فالذي في نور الله تعالى يرى الحقّ حقًا ، والخير خيرًا ، والباطل باطلاً ، والانحراف انحرافًا ، والمال الحرام حرامًا ، والمعصيَة معصيَة ، والذي في عمى الشهوة يرى المعصيَة مغنَمًا ، والمال الحرام مكسبًا ، والطاعة غباءً ، وطاعة الله من التقهْقُر ، وتقليد الأجانب تقدُّمًا نحو الهاويَة ، هذا الذي في عمى القلب ، والله سبحانه وتعالى يقول :

﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾

[ سورة الحجّ : 46]

 قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾

[ سورة البقرة : 183]

 هذا هو التعليل ؛ إن لم تحصَل لكم التقوى في رمضان فما حقَّقْتم الهدف الذي من أجله شُرِعَ الصّيام .

 

التقوى اسْتنارةٌ بِنُور الله تعالى :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ التقوى اسْتنارةٌ بِنُور الله تعالى ، ونورُ الله لا يُهدى لعاصٍ ، قال الشاعر :

شكوْتُ إلى وكيعٍ سوء حفظي  فأرشدني إلى ترْك المعاصي
وقــــــــــــــال : إنّ العلـــــــم نــــــورٌ  ونور الله لا يُهدى لعاصـــي
***

 إذا أردت أن ترى الحق حقًا ، والخير خيرًا ، والشر شرًا ، والباطل باطلاً ، والانحراف انحرافًا ، والحرام حرامًا ، والمعصيَة معصيَة فلا بدّ من أن يستنير قلبك بنور الله تعالى ، ونور الله لا يُهدى لعاصي ، لابدّ من أن تُطيع الله تعالى ، لذلك إذا عقَدْتَ العزم أن تُطيع الله سبحانه وتعالى في كلّ صغيرةٍ وكبيرة ، إذا وقفْت للصلاة لابدّ من أن تعْرُج نفسك إلى الله سبحانه وتعالى ، ولابدّ من أن تتَّصل به ، لأنّ الحجُبَ قد هتَكْتها باستقامتك ، الحُجُب الكثيفة قد مزَّقتها بِتَوبتك ، إذا صحَّتْ التوبة زالَت الحجُب ، فإذا زالَت الحُجب أقْبلْت على الله سبحانه وتعالى ، فإذا أقبلْت على الله استنار قلبك بنور الله تعالى ، عندئذٍ تكون على شيءٍ من التقوى ، رأيْتَ الخيرَ خيرًا فأقبلْت عليه ، ورأيت الشر شرًا فأعرضْت عنه ، ورأيت الطاعة مغْنمًا، والمعصيَة خسارةً ، وحبَّ الله تعالى عقلاً ، وحبّ الدنيا جنونًا ، ورأيت الخير في طاعة الله تعالى ، والشرّ في معصيتِهِ ، والفوْز في التقرُّب منه ، والخسران في البُعد عنه ، هذه الرؤية لا يعرفها إلا من امتلكها ، تكون في رمضان ، ورمضان شهرُ التقوى بِنَصّ القرآن الكريم ، قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾

[ سورة البقرة : 183]

الاستعداد التام لشهر رمضان :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ كان من الممكن أن أُؤَخِّر هذه الخطبة إلى الجمعة القادمة، ولكن أردْتُ أن تكون في هذه الجمعة كي نسْتعِدَّ لهذا الشّهر العظيم ، وكي نحُلَّ المشكلات ، ونؤدّي الحقوق ، ونعقد العزم قبل أن يأتي رمضان يجبُ أن يكون رمضان خالصًا لله عز وجل .

(( رغم أنف من أدرك رمضان فلم يغفر له إن لم يغفر له فمتى ؟ ))

 وثبت في الصحيحين أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال :

((ينزل اللّه تبارك وتعالى في كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير ، فيقول : هل من سائل فأعطيه ؟ هل من داع فأستجيب له ؟ هل من مستغفر فأغفر له ؟))

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]

 أبواب السماء مفتّحةٌ في رمضان ، وعلى مصارعها ، يا باغِيَ الخير أقْبِل ويا أيها التائبُ تُبْ إلى الله من كلّ ذنب ، قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

[ سورة التحريم : 8]

 قال تعالى :

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ* وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾

[ سورة الزمر : 53-56]

 ها هي أبواب رمضان قد فتحَت ، ها هي أبواب التوبة قد فتحَت ، ها هي أبواب المغفرة قد فتحَت ، إذا رجع العبد إلى الله نادى منادٍ في السموات والأرض أن هنِّئوا فلانًا فقد اصطلح مع الله ، للّه أفْرحُ بتوبة عبده من الضال الواجد ، والعقيم الوالد ، والظمآن الوارد .

 

شهر رمضان لا يحتملُ أيّة مخالفة أو معصيَة :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ شهرٌ على الأبواب ، وشهرٌ قد تنجو فيه من عذاب النار ، وتسعدُ فيه بعد شقاءٍ مديد ، هذا الشهر الكريم لا يحتملُ أيَّة مخالفة ولا أيّة معصيَة ، ولا خروج عن شرع الله ، لا كذب ولا نميمة ولا نظْرة ، خمس يفطرن الصائم ، وينقضن الوضوء : الكذب. والنميمة . والغيبة . والنظر بشهوة . واليمين الكاذب .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ لا عبرة بِتَرك الطعام والشراب وحدهما ، تركهما هو من صيام الجهلة والعوام ، وصيام الدهماء والسوقة ، ولكنّ المؤمنين يتوبون إلى الله سبحانه وتعالى من كلّ ذنبٍ ، ومن كلّ مخالفة ، وأنت أيّها الأخ الكريم تعرف الحلال من الحرام ، الحرام بيِّنٌ ، والحلال بيِّنٌ ، بيّنان كالشّمس ، وبينهما أمورٌ مشتبهات لا يعرفها كثيرٌ من الناس ، إن وقعتَ في شبهةٍ فاسأل عنها أهيَ معصيةٌ أم طاعة أم مباح أم مكروه أم مندوب ؟ قال تعالى :

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

[ سورة النحل : 43]

 وقال تعالى :

﴿الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾

[ سورة الفرقان : 59]

 السؤال نصف العلم .

من لم يبنِ صيامه على استقامة و توبة فلا فائدة من هذا الصيام :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ لاشكّ أنّ في رمضان موضوعاتٍ كثيرة نعالجها من على هذا المنبر ، ولكن أردْتُ قبل كلّ شيء ، وبادئ ذي بدء أنّ صيام الإنسان إن لمْ يُبْنَ على استقامةٍ، وتوبةٍ ، ورجْعةٍ ، وإنابةٍ فهو لا يُجدي ، ويصبحُ كعاداتنا الكثيرة ، وتقاليدنا ، أعمال نقوم بها ، نأكل حتى منتصف الليل ، ثمّ نتسحّر وننام !! فإذا أمْضيْت السهرة فيما يغضبُ الله تعالى فأين أنت من الصّيام ؟ فإذا أمْضيْت السّهرة في اختلاط فأين أنت من الصّيام ؟ إذا كان في بيعك وشرائك شبهة فأين أنت من الصّيام ؟ إذا أطلقت بصركَ في الحرام فأين أنت من الصّيام ؟ قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾

[ سورة فاطر : 5]

 الغرور هو الشيطان ، يغرّك بالله تعالى ، ويقول لك : افعل هذه ولا تثريب عليك ، ولن تحاسبَ عليها ، هذا من وسوسة الشيطان .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطّى غيرنا إلينا ، فلْنَتَّخِذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتْبعَ نفسه هواها ، وتمنّى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

صوموا تصحوا :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ أوامر الله سبحانه وتعالى لا تُحدّ فوائدها ، لازلنا في الصّيام فإذا أمرنا الله سبحانه وتعالى بِتَرْك الطعام والشراب ، كلّ عمل ابن آدم له إلا الصّوم فإنّه لي ، كيف ؟ أي قد يقول الأب لابنه : اجْتَهِد ، والاجتهاد له ، لا تكذب ! وترْك الكذب له ، نظِّف أسنانك ، وتنظيف الأسنان له ، أيُّ أمرٍ يأمر الأب به ابنه يعود خير هذا الأمر على الابن وحدهُ ، أحيانًا يأمر الأب ابنه أن يدَعَ الطعام ، والطعام مباح ، هذا الأمر له حكمةٌ أخرى ، فالله سبحانه وتعالى وله المثَل الأعلى أمرَنا بِتَرْك الغيبة ، وأمرَنا بترك النميمة ، وغضّ البصر ، والصلاة ، فأيّ أمْرٍ أمرَنا به إنّما يعود خيره علينا وحْدنا ، ولكنّه أمرنا بالصّيام ، فالطعام مباح، والماء مباح ، فهذا الترْك يعني شيئًا واحدًا هو الإخلاص لله عز وجل ، العبادات أكثرها يتمّ بشَكلٍ علَنِيّ ، وقد يُداخل المرء في هذه العبادات بعض الزهوّ ، ولكنّ الصّيام عبادة الإخلاص ، أنت في البيت ولا يراك أحد ، لا زوجتك ولا أولادك ، أنت في غرفةٍ والباب مغلق ، فما الذي يمنعك أن تشربَ كأس ماءٍ بارد والحرّ شديد ؟ يمْنعُك شيءٌ واحد هو مراقبتك لله عز وجل ، فهذه العبادة تنمّي الإخلاص لله عز وجل ، لو جلسْنا الساعات الطِّوال لِنَستنبط فوائد الصّيام ، فهذه الساعات لا تكفي ، لأنّ أمر الله سبحانه وتعالى مبارك ، ومعنى مبارك أي كثير الخير ، لا يُعقلُ أن نحصي فوائد الصّيام ، ولكنّ الصيام من العبادات التي تعلِّم الإخلاص لله عز وجل، وقوّة الإرادة ، والصّبر ، والصوم نصف الصبر ، والصبر نصف الإيمان ، فالصّيام ربع الإيمان، لأنّ الصّيام نصف الصبر ، والصبر نصف الإيمان ، ويعلّم الإخلاص ، والإرادة ، والنّظام ، فلابدّ أن تأكل في وقتٍ معيّن ، وأن تفطر في وقتٍ معيّن ، وتتعلّم الصّبر ، وفوق ذاك وذاك لا بدّ من أن يكون للصّيام فوائد جسميّة كثيرة .
 من هذه الفوائد أنّ المعِدَة والجهاز الهضمي تأخذ إجازةً في رمضان ، جهاز الدوران والقلب يستريح ، جهاز الكليتين والتّصفية يستريح ، هذه الأجهزة الخطيرة التي إذا أصابها العطب انقلَبَت حياة الإنسان إلى شقاء ، إذا توقّفَت الكليتان توقفًا مفاجئًا ، شيءٌ لا يُحتمل ، وإذا أُصيب القلب بالضّعف ، وضاقَت الشرايين وتصلّبَت ، واحتشى القلب ، هناك أمراضٌ تصيب القلب لا تعد ولا تُحصى ، هناك أمراضٌ تصيب الأوعية لا تعد ولا تُحصى ، هناك أمراضٌ تصيب المعدة والأمعاء لا تعد ولا تُحصى ، وأمراض تصيب الكبد ، وأمراض تصيب جهاز البول ؛ هذه الأجهزة الخطيرة من جهاز دوران وهضم ، وجهاز طرح الفضلات ، هذه الأجهزة الصّيام وقايةٌ لها ، لا نقول الصّيام علاج ، ولكن وقاية .
 قرأتُ مقالةً عن أمراض القلب فلفتَ نظري في مقدّمتها الكلام التالي : إنّ عمل القلب وسلامته منوطٌ بِحَجم الطعام في المعدة ونوعيتِهِ ، القلب وسلامته وانتظامهُ ، والشرايين ومرونتها ؛ هذه الأشياء متعلّقة بِنَوع الطعام وحجمه في المعدة ، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام أمرنا بالاعتدال في الطعام والشراب ، والله سبحانه وتعالى أمرنا ، قال تعالى :

﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾

[ سورة الأعراف : 31]

 من تجاوزَ الحدّ في الطعام والشّراب ، يأتي شهرُ الصّيام ليُصلح الخطأ والاعوِجاج، والتعفّنات التي في جهاز الهضم ، وليُصلحَ الوزن الذي زاد عن حدّه الطبيعي ، إنّ الأغلاط التي يرتكبها الإنسان في السنة يأتي الصّيام لِيَضَع لها حدًّا ، أما إذا كان الإنسان مطبِّقًا للسنّة النبويّة فشهر رمضان يزيدهُ صحَّةً ونشاطًا ، في كتاب الإحياء عقدَ الغزالي فصلاً ، أو بابًا كبيرًا عن فضائل الجوع ، فقال : الخير كلّه مجموعٌ في خزائن الجوع ، ليس معنى هذا الجوع الشديد ، ولكن الاعتدال في الطعام والشراب ، لأنّ البِطْنة تذهب الفِطْنة ، كثْرة الطعام ، وإدخال الطعام على الطعام ، وإكثار وجبات الطعام ؛ هذه تصيب الإنسان بالكسل ، والخمول ، والركود ، والأمعاء بالتعفّن ، والقلب بالإرهاق ، حينها يأتي شهرُ الصّيام ليُجدِّدَ الصّحة ، جسمُكَ مطِيَّتُكَ في هذه الدنيا ، لنا عُمُرٌ محدود ، ولكن إما أن نمضيه واقفين نشيطين ، وإما أن نمضيه مسْتلقين على أسرّتنا ، وشتّان بين الحالتين .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ لا يتّسع الوقت كلّه للحديث عن فوائد الصّيام . عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم :

(( صوموا تصحوا ))

[الطبراني عن أبي هريرة]

 ومعنى الصحّة هنا الوقاية من الأمراض ؛ إنّك إذا أدَّيْتَ صيام هذا الشهر على التمام والكمال فقد وقيْتَ جسْمك من الأمراض الوبيلة التي لا قِبَلَ لك بها ، ولكن هذا الذي يمتنعُ عن الطّعام والشّراب في النهار فإذا جلسَ إلى المائدة أكل أكْل الجمال ، هذا لمْ يحقّق الهدف من الصّيام ، لابدّ من الاعتدال في الطعام والشراب ، في أيّام الصّيام ، أما إذا جعلت الوجبات الثلاث النهاريّة في رمضان ليليّة !! فماذا حقّقْت ؟ ثلاث وجبات ، مع الإفطار وجبة دسِمَة تجعلهُ يقعدُ فلا يقوم ، وعند منتصف الليل وجبةٌ أخرى ، وعند السّحور وجبة أخرى ، فهذا قلبَ وجبات النهار إلى وجبات ليليّة ، وما فعل شيئًا ، بقيَتْ والأمراض والإرهاق كما هو .

 

الدعاء :

 اللهمَّ اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَّنا فيمن توليت ، وبارِك اللهمَّ لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرَّ ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك .
 اللهمَّ أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا .
 اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهوّن به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا. اللهم استر عيوبنا ، واغفر ذنوبنا ، واقبل توبتنا ، وفكَّ أسرنا ، وأحسن خلاصنا ، وبلغنا مما يرضيك آمالنا ، واختم بالصالحات أعمالنا . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ارزقنا حجاً مبروراً ، وسعياً مشكوراً ، وذنباً مغفوراً . اللهم اكتب الصحة والسلامة للحجاج والمسافرين ، والمقيمين والمرابطين ، في برّك و بحرك من أمة محمدٍ أجمعين. اللهمَّ بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعزَّ المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018