الخطبة : 0069 - يوم القيامة - مشهد واحد من مشاهد يوم القيام. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0069 - يوم القيامة - مشهد واحد من مشاهد يوم القيام.


1984-12-28

الخطبة الأولى :

الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً .
اللهم أرِنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ولا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر .
وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر .
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين .
اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علمنا ، وأرِنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

مشاهد من يوم القيامة المدعمة بآيات القرآن

رغم أنف امرئ أدرك رمضان فلم يُغفر له
أيها الإخوة الكرام ؛ في الأسبوع الذي سبق رمضان ، قلت في الخطبة

((أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر ، فارتقى درجة فقال آمين ، ارتقى الثانية فقال آمين ، ارتقى الثالثة فقال آمين ، فقالوا يا رسول الله على ما آمنت قال : جاءني جبريل ، وقال لي رغم أنف امرئ أدرك رمضان فلم يُغفر له ، إن لم يغفر له فمتى ))

ساق القرآن الكريم لنا مجموعة مشاهد من يوم القيامة
وها نحن نودع هذا الشهر الكريم ، فماذا حصلت أيها الأخ الكريم ؟ ماذا حصلت من رمضان ؟ هذه النتائج التي حصلتها يجب أن تكون معك طوال العام ، هذا الذي حصلته يجب أن تسعد به في كل أشهر السنة .
على كلٍ ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم ساق لنا مشاهد ، الحقيقة في القرآن الكريم حقائق صُبت على شكل عبارات ، وفي القرآن مشاهد صُورت ، إما أن يعبر القرآن الكريم بالفكرة ، قال تعالى :

﴿وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾

[سورة الضحى الآية:4-5]

هذه عبارة بالفكرة ، وإما أن يعبر القرآن الكريم بالصورة ، ساق القرآن الكريم لنا مجموعة مشاهد من يوم القيامة ، ما مغزاها ؟ ما هدفها ؟ لو أنك أردت أن تحذر السائقين من أخطار السرعة فعرضت عليهم مشاهد حية لحوادث مروعة ، إن هذه المشاهد أبلغ في نفس السائق من آلاف العبارات التي تلقى على مسامعه .

1- الحديث الذي يدور بين المنافقون والمؤمنون

أحد هذه المشاهد المتعلقة بيوم القيامة ، ربنا سبحانه وتعالى يقول في سورة
الحديد :

﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آَمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾

[سورة الحديد الآية:13]

فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب
في هذا اليوم يلتقي المؤمنون والمنافقون ، وهؤلاء المنافقون يتكلمون فيقولون :

﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آَمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾

[سورة الحديد الآيات: 12-15]

يعني أعطونا شيئاً من نوركم ، تفضلوا علينا شيئاً من أنواركم .

﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا ﴾

هذا النور الذي حصلناه الآن إنما حصلناه في الدنيا ، ولا يُكتسب إلا في الدنيا ، لو أنكم في الدنيا كنتم مخلصين ، لكانت لكم أنواركم في هذا اليوم العصيب .

﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾

ألم نكن معكم في الدنيا ؟ ألم نصل معاً في مسجد واحد ؟ ألم نحج معاً ؟ ألم نعتمر معاً ؟ ألم نفعل بعض الطاعات معاً .

﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ﴾

ماذا أجاب المؤمنون ؟

﴿ قَالُوا بَلَى ﴾

هذا النور الذي حصله المؤمنون يوم القيامة إنما حصل بالدنيا
كنتم معنا .

﴿قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾

بالدنيا ، أحببتم الدنيا ، تعلقتم فيها ، انغمستم فيها ، كانت شغلكم الشاغل ، كانت مبلغ علمكم .

﴿قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ﴾

بنا ، كنتم تنتظرون أن يُوقع بنا ، أن تصيبنا مصيبة .

﴿وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ ﴾

في وعد الله عز وجل ، ووعيده ، لم تكونوا متأكدين مما يقوله الله عز وجل ، كنتم شاكِّين ، كنتم مرتابين .

﴿وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمْ الْأَمَانِيُّ ﴾

انغمستم بالحياة الدنيا وزينتها حتى جاء أمر الله
كانت أذهانكم مفعمة بالأماني ، بالطموحات التي تنقضي الأعمار ولا تنقضي .

﴿قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمْ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾

الشيطان قال لكم : افعلوا ما شئتم فالله غفور رحيم ، افعلوا ما شئتم فسيد المرسلين يشفع لكم ويدخلكم جميعاً الجنة .

﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمْ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمْ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾

﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ﴾

إلى متى ؟..
إلى متى أنت باللذات مشغول وأنت عن كل ما قدمت مسؤول
إلى متى ؟ ..

2- تصوير الإنسان وهو على فراش الموت

مشهد آخر من مشاهد يوم القيامة ، في سورة الواقعة يقول الله عز وجل :

﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾

[سورة الواقعة الآيات:83-94]

﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾

تصوير الإنسان وهو على فراش الموت
كان هذا الإنسان على سرير النزاع ، بدأت روحه تنسحب من جسده .

﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ ﴾

أنتم حوله متحلقون ، بعضكم يضع يده على جبينه وبعضكم يقيس نبضه ، وبعضكم يضع سماعة القلب على قلبه ، وبعضكم يذهب ليأتي له بكأس ماء .

﴿ فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ ﴾

أقرب إلى هذا الميت منكم .

﴿ فَلَوْلَا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ* تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾

إن كنت أيها الإنسان تستطيع أن تُرجع روحك إلى جسدك فافعل ما تشاء ، أما إن كنت مديناً إلى الله عز وجل إليه ترجعون

﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾

إن كنت كذلك فلا ينبغي أن تعصيه من أنت إليه راجع ، من مصيرك إليه ..

3- المؤمنون وهم في الجنة

إن المتقين في جنات وعيون
مشهد آخر ولكنه يبعث في النفس الأمل ، من سورة الذاريات ، ربنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ ﴾

الإحسان ثمن الجنة .

﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ﴾

هذا قيام الليل .

﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾

صلاة الفجر .

﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ حَقٌّ﴾

في هذا المسجد خمس جمعيات خيرية جاءت لتأخذ التبرعات منكم .

﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾

4- أعمال الإنسان تسجل بخيرها وشرها

مشهد آخر من سورة ق ، يقول الله عز وجل :

﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾

أتت هذه النفس ، وساق الله لها أعمالها كلها ، مع شهود على هذه الأعمال .

﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا ﴾

حسبت لكل شيء حسابه إلا هذه الساعة ، أعددت لكل شيء عدته إلا هذا اللقاء .

﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا ﴾

فكشفنا عنك غطائك فبصرك اليوم حديد
لم تكن تحب أن تسمع بالموت ، كنت إذا ذُكر الموت تقول : دعونا من هذا الحديث لماذا أنتم تتشاءمون ؟

﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ ﴾

كُشف القناع ، صار الحق واضحاً ، الحقيقة متألقة كالشمس ما عرفه الأنبياء في الدنيا ، وكبار المؤمنون ، والمؤمنون سيعرفه أهل الأرض جميعاً ساعة اللقاء .

﴿ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ * وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾

أعمال الإنسان تسجل كلها بخيرها وشرها
هذا الملك الذي أوكل بتسجيل أعمالك .

﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾

هذا كشف بأعماله ، هذا سجل دقيق لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها .

﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ * أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ * قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾

هو الضال .

﴿ قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيد ﴾

5- تحذير الله للذين كفروا

هذا مشهد آخر من مشاهد يوم القيامة في سورة الزمر ، قال تعالى :

﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ ﴾

ألم تأتكم أيات الله لكنكم لهوتم بالحياة الدنيا
آيات الكون ، وآيات القرآن ، ألم تحضروا مجلس علم ، ألم تجلسوا في خطبة فيُتلى عليكم القرآن وآيات رب الكون ،

﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا
بَلَى ﴾

والله سمعنا بهذا في الدنيا ، ولكن لم نهتم به ، لم نكترث له ، لم نعره أذناً صاغية ، لم نبال به ، قلنا هذا كلام الأولين ، هذا كلام كبار السن نحن شباب ، الدنيا متفتحة أمامنا ، هذا كلام لا يصلح لنا ، يصلح للكبار

﴿بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ * وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ﴾

يعني إلى أبد الآبدين ، أنتم في نعيم مقيم أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر

﴿سلام عليكم طِبْتُمْ﴾

سلام عليكم طبتم فادخلوها بسلام آمنين
في الدنيا ، لأنكم طبتم في الدنيا استحققتم هذا المكان عند الله ،

﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ ﴾

ومن أوفى بعهده من الله ، ومن أصدق من الله حديثاً ،

﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنْ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾

لولا الأرض لما كانت الجنة ، لولا أنك خُلقت في الأرض وزودت بالفكر والحرية ، ولولا أن الله عز وجل وضع في نفسك ميولاً ، إن اتقيت الله فيها ارتقيت ، وإن تركت ما حرم الله عليك منا ارتقيت ، وإن أقبلت على ما كلفك الله به ارتقيت .

﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنْ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ إِلَّا ﴾

6- حديث أهل الجنة

مشهد آخر من سورة الصافات ، هذا المشهد يقع لكل منا ، يقول الله عز وجل ، أهل الجنة في الجنة يتسامرون ، أهل الجنة في الجنة على سرر متقابلين ، يتحادثون ، قال قائل منهم :

﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾

من أحاديث أهل الجنة أنهم يسألون عن أصحابهم في الدنيا
يعني في الدنيا ، صاحب ، صديق ، زميل ، جار ، قريب

﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾

كنت على صلة معه وثيقة ، كان يسكن إلى جواري ، كان في عملي ذاته ، كان صديقاً لي في العمل ، كان قريباً لين ، كان ابني .

﴿إِنِّي كَانَ لِي قرين يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ﴾

يعني هل أنت تصدق هذا الكلام ، هذا كلام الأولين ، هذا كلام خرافة ، هذا كلام الضعاف ، هذه غيبيات ، هذه أشياء ليست واقعية ، ليست علمية .

﴿أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِين أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ﴾

ما هذا الكلام ، الموت نهاية الحياة ، ولا شيء بعد الموت ، ومن مات ورجع وقال هناك آخرة .

﴿أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِين أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ﴾

هذا قول القرين ، هذا طرحه في الدنيا ، هكذا كان يقول ، كان يرى أن الدين من الغيبيات ، في طور من أطوار البشرية كانت تخاف كل شيء ، فصنعت هذه الأفكار .

﴿أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِين أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ﴾

الغافل يعتقد أن الموت هو نهاية الحياة أما المؤمن يعرف أن هناك أخره
فأهل الجنة إذا خطر ببالهم إنسان ، لا يحتاجون أن يركبوا مربكة ليصلوا إليه ، يكفي أن يخطر في بالهم أن يروا مصيره ، إذا خطر ببالك فلان ، تنظر إليه في الجنة أم في النار .

﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ ﴾

هذا مصر من يقول هذه الكلمات .

﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ * قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِي ﴾

لو استمعت إليك ، لو صدقتك ، لو ماشيتك ، لكنت معك الآن .

﴿ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِي * وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنْ الْمُحْضَرِينَ * أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾

هذا استفهام إنكاري ، فيه طعم السخرية ، يقول هذا المؤمن الذي حاز الجنة ، لهذا القرين السوء .

﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى﴾

لمثل هذا فليعمل العاملون
كان يقول موت واحد ، يموت الإنسان وانتهى كل شيء .

﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾

هذا هو الفلاح ، هذا هو النجاح ، هذا هو التفوق ، هذا هو الذكاء ، أن تكسب الآخرة .

﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾

﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾

[سورة الأحزاب الآية:71]

﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ ﴾

التنافس ينبغي أن يكون في الآخرة
هذه الطاقة البشرية ، هذا النشاط البشري ، هذا الفكر المتألق ، هذه العضلات المفتولة ، هذا المال الكثير ، يجب أن يُبذل في هذا الموضوع .

﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ ﴾

﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾

[سورة المطففين الآية:26]

هنا التنافس ، هنا التسابق ، هنا الغيرة ، تغار منه في الدنيا فتزيد عليه ، والموت موعدكم جميعاً ، التنافس ينبغي أن يكون في الآخرة .
انظر لمن هو أدنى منك ، فذلك حري أن لا تحتقر نعمة الله عليك وفي الآخرة انظر لمن هو فوقك ، في أمر الآخرة انظر لمن هم سبقوك في الإيمان ، وفي أمر الدنيا انظر إلى النعم التي أنت مغمور بها ، دع ما ينقصك وانظر لما عندك ..

7- حسرة أهل النار

مشهد آخر من سورة الأحزاب ، يقول الله عز وجل :

﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَ ﴾

حسرة أهل النار بسبب غفلتهم في الحياة الدنيا
يا ليت ، وما تنفع يا ليت ؟ .. جاءت بعد فوات الأوان

﴿ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَ * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنْ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا ﴾

هذا حال أهل الدنيا الذين غفلوا عن الله عز وجل ،

﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنْ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا ﴾

مشهد الفرقان يأخذ بالألباب ، يقول الإنسان يوم القيامة ، يقول الله عنه :

﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً﴾

[سورة الفرقان الآيات:27-29]

﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾

[سورة إبراهيم الآية:22]

8- النفخ بالصور

وهذا مشهد آخر من مشاهد يوم القيامة ..
فإذا نفخ بالصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتسألون
ربنا سبحانه وتعالى يقول في سورة المؤمنون :

﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾

[سورة المؤمنون الآية:101]

أم ، أب ، صديق ، أنا من هذا الجماعة .

﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾

[سورة المؤمنون الآية:101]

أنا ابن فلان .

(( يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار ، أنا لا أغني عنك من الله شيئاً ، لا يأتوني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم ، من يبطئ به عمله ، لم يسرع به نسبه ))

﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾

[سورة هود الآية: 45-46]

﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ * فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ﴾

يعني آثرنا الدنيا ، آثرنا شهواتنا ، آثرنا ما يفعله عامة الناس ، آثرنا التيار العام الانغماس في الشهوات ، آثرنا اتباع الغربيين ، ولو دخلوا جحر ضب لدخلناه ، آثرنا أن نقلدهم ، في عاداتهم ، وتقاليدهم ، في احتفالهم ، في تبذلهم ، في اختلاطهم ، في قذارتهم ، في انحطاطهم ..

﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ * إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾

[سورة المؤمنون الآيات :106-110]

تسخرين ، شيخ ، إذا الدين صلى ، تمشيخ .

﴿وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾

﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾

أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون
يا أهل الدنيا ، يا من تعلقتم بها ، يا من انغمستم إلى قمة رؤوسكم فيها .

﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾

[سورة المؤمنون الآيات:112-115]

ما في حساب ، ما في مسؤولية ، ما في وقوف بين يدي الله عز وجل ..

﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾

الله ذكر لنا صورا من يوم القيامة من أجل أن نتعظ
تعالى الله أن يخلقنا عبثاً ، تعالى الله أن لا يكون يوم القيامة فيحاسب القوي عن الضعيف ، والظالم عن المظلوم ، تعالى الله :

﴿إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ * وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ * وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾

أيها الإخوة المؤمنون ؛ هذه مشاهد ، هذه صور عُرضت علينا قبل وقتها ، من أجل أن نتعظ بها ، لا تنسى المثل الذي سقته قبل الخطبة ، إذا أردنا أن نحذر السائقين ، من مغبة السرعة ، مهما تلونا على مسامعهم ، أفكاراً دقيقة قد لا تجدي ، إذا عرضنا أمام أعينهم مشاهد حية ، من نتائج السرعة أحداث مروعة ، جثث ملقاة على الأرض ، سيارات مهشَّمة ، إن هذه الصور أبلغ ألف مرة من أن نسمعكم حقائق مجردة ، فربنا عز وجل في كتابه الكريم ، عبر عن بعض الحقائق بالعبارة المباشرة ، وعبر عن بعضها الآخر بالصور ، وهذه صور يوم القيامة .
أيها الإخوة الكرام حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا وتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :

 

الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم .

تصوير مشهد الناس حينما يحشرون

أيها الإخوة الكرام ؛ مشهد واحد ساقه النبي عليه الصلاة والسلام من مشاهد يوم القيامة السيدة عائشة قالت له يا رسول الله ، بعد أن قال :
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما :

(( يُحْشَر النَّاس يوم القيامة عُراة ، حفاة ، غُرلا))

[أخرجه البخاري ومسلم]

يُحْشَر النَّاس يوم القيامة عُراة ، حفاة ، غُرلا
السيدة عائشة رضي الله عنها ، استوقفتها هذه الكلمة عراةً ، ذكور وإناث وعراة فقالت يا رسول الله أينظر الناس إلى بعض ؟ فقال سيد المرسلين يا عائشة ، الأمر أفظع أن يعنيهم ذلك ، هم في هول وشدة أفظع من أن يعنيهم ذلك ..
وقالت السيدة عائشة رضي الله عنها : يا رسول الله أيعرف بعضنا بعضاً يوم القيامة ؟ ..
يعني إذا وقعت عين الابن على أمه ، إذا وقعت عين الأب على ابنه إذا وقعت عين الأخ على أخيه ، الجار على جاره ، الشريك على شريكه ..
أيعرف بعضنا بعضاً يوم القيامة ، قال نعم يا أم المؤمنين ، إلا في ثلاثة مواطن ، على العرصات ، وعند الميزان ، وإذا الصحف نشرت .
لا تأخذ موقفاً متردداً أي لا تكن إمعة
في هذه المواقف لو اطلعت على أمك لا تعرفها ، وهي التي ربتك وفيما سوى هذه المواقف قد يعرف بعضنا بعضاً ، قد تلتقي أم بابنها تقول له يا بني ، أين أنت ، جعلت لك بطني وعاءً في الدنيا وصدري سقاء ، وحجري وطاءً ، فهل من حسنة يعود علي خيرها اليوم ، تستجديه ، يقول لها : ليتني أستطيع ذلك يا أمي فإني أعاني مما أنت تعانين .
هذا كلام رب العالمين ، إما أنه كلام الله عز وجل ، وهو الصادق وإما قل هذا ليس كلام الله ، إن كان كلام الله ، كيف يقر لك قرار وتنام لك عين ، وأنت على معصية الله ، والموت قريب ، وقد يأتي ملك الموت فجأة ، كيف ؟. ..
لا تأخذ موقفاً متردداً ، لا تكن إمعة ، من هو الإمعة ؟ .. أنا مع الناس ، إن أحسنوا الناس أحسنت ، وإن أساؤوا أسأت ، لا .. هذا كلام الله ، إما أن هذا الكلام كلام الله ، فكل ما فيه صدق ، ويجب أن آخذه مأخذ الجد .. image

 

﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ * فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾

 

[سورة النجم الآيات:59-62]

أيها الإخوة المؤمنون :
من آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً ، ومن آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً ، يقول الله عز وجل في الحديث القدسي :

(( عبدي خلقت لك السماوات والأرض ولم أعي بخلقهن ، أفيعيني رغيف أسوقه لك كل حين ، وعزتي وجلالي لي عليك فريضة ، ولك علي رزق ، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك ، وعزتي وجلالي ، إن لم ترض بما قسمته لك ، فلأسلطن عليك الدنيا ، تركض فيها ركض الوحش في البرية ، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي ، أنت تريد وأنا أريد ، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد ))

الدعاء :

اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت تباركت ربنا وتعاليت ، لك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك
اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك .
اللهم أعطنا ولا تحرمنا , أكرمنا ولا تهنا , آثرنا ولا تؤثر علينا
اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ، ما تحول به بيننا وبين معصيتك ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون علينا مصائب الدنيا ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين .
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين .
اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك .
اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب
اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين .
اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً ، وسائر بلاد المسلمين .
اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء .
اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب ، اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء .
اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين .
اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام والمسلمين ، وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى إنك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018