الخطبة : 0066 - لا يجتمع الكذب مع الإيمان - الاستخارة - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0066 - لا يجتمع الكذب مع الإيمان - الاستخارة


1984-12-14

الخطبة الأولى :

 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً .
 وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ولا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر .
 وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر .
 اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين .
 اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علمنا ، وأرِنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

تمهيد .

 أيها الإخوة الكرام ؛ في مطلع الخطبة الماضية ، تحدثت لكم عن أن سيدنا جعفر رضي الله عنه كلم النجاشي ، وقد سأله عن هذا الدين الجديد الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام ، فقال : " أيها الملك ، كنا قوماً أهل جاهلية ، نأكل الميتة ، ونعبد الأصنام ، ويأكل القوي منا الضعيف ، ونقطع الرحم ، ونسيء الجوار ، حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته ، وصدقه ، ونسبه ، وعفافه ، فدعانا إلى الله لنوحده ، ونترك ما يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم " .
 وقفت في الخطبة الماضية ، عند قول سيدنا جعفر رضي الله عنه حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته ، وصدقه ، ونسبه ، وعفافه ، فكأن هذه الصفات الأربع قوام شخصية النبي عليه الصلاة والسلام ، بل هي قوام كل مؤمن ، فأن يصلي المؤمن ، وأن يصوم ، وأن يقوم بالعبادات ، ثم لا تجده صادقاً فليس بمؤمن ، وقد حدثتكم بالخطبة السابقة عن موضوع الصدق ، وأن المؤمن له صفات تميزه عن الآخرين ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال ، قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم :

(( بُنِي الإسلامُ على خَمْسٍ ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي]

 معنى ذلك أن الإسلام شيء ، وهذه الأعمدة التي بني عليها الإسلام شيء آخر ، الإسلام بناء أخلاقي ، بني على شهادة أن لا إله إلا الله ، بني على إقام الصلاة ، إيتاء الزكاة ، صوم رمضان ، حج البيت ، هذه دعائم ، ولكن الإسلام بناء آخر ، مبني على هذه الدعائم ، بناء الإسلام سمو في النفس ، صدق وأمانة ، إخلاص واستقامة ، ورع وكف ، هذا هو الإسلام ، وهذا هو المسلم ، فإذا ضيع المسلمون هذه الأخلاق وتمسكوا بصلاة جوفاء ، وبصيام أخرق ، وبحج شكلي ، وبزكاة يباهون الناس بها ، فأين هم ، وأين الإسلام ؟! هم في وادٍ والإسلام في واد آخر .

صفات المؤمن .

 لذلك أيها الإخ الكريم ؛ راقب نفسك طوال اليوم :
 أنت مسلم ما دمت صادقاً .
 أنت مسلم ما دمت أميناً .
 أنت مسلم ما دمت أخلاقياً .
 فإذا تخليت عن هذه القيم وكنت كغيرك من الناس ، وزدت على الناس بالصلاة والصيام ، كانت صلاتك وصيامك مبعث تنفير الناس من الإسلام ، عن أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

((يُطبع المؤمن على الخلال كلها ، إلا الكذب والخيانة ))

[أخرجه الإمام أحمد]

 فإذا كذب أو خان ، ليس مؤمناً ، يا رسول الله أيكون المؤمن جباناً ؟ أغلب الظن أنه شجاع ولكن النبي عليه الصلاة والسلام قال نعم ، يعني في بعض الأحيان ، في بعض حالات الضعف الإنساني ، قد يكون ويبقى مؤمناً ، أيكون المؤمن بخيلاً ؟ وأغلب الظن أن المؤمن كريم ولكن في ساعات الضعف الإنساني قد يبخل ويبقى مؤمناً ، فلما قيل يا رسول الله ، أيكون المؤمن كذاباً ؟ قال : لا ، لا يجتمع الكذب مع الإيمان .
 تحدثت في الخطبة السابقة عن أحوال الكذب ، عن الكذب في الدين وهذا أخطر أنواع الكذب ، عن الكذب على الأطفال ، وهذه كذيبة من قال لابنه تعال هاك ، ليعطه شيئاً ولم يعطه شيئاً فقد كُتبت عليه كذيبة ، عن عبد الله بن عَامِرٍ أَنَّهُ قَالَ :

(( دَعَتْنِي أُمِّي يَوْمًا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدٌ فِي بَيْتِنَا فَقَالَتْ هَا تَعَالَ أُعْطِيكَ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا أَرَدْتِ أَنْ تُعْطِيهِ قَالَتْ أُعْطِيهِ تَمْرًا فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَا إِنَّكِ لَوْ لَمْ تُعْطِهِ شَيْئًا كُتِبَتْ عَلَيْكِ كِذْبَةٌ ))

[أخرجه وأبو داود]

 وعن امرأة قالت إني لا أشتهي هذا الطعام وهي تشتهيه كتب عليها كذبة ، ووصلت إلى الكذب في البيع والشراء ، راقب الباعة المسلمين هؤلاء الذين يصلون ، هؤلاء الذين يُحسبون على الله عز وجل مسلمين ، هؤلاء الذين يدعون أنهم مسلمون ، هؤلاء الذين كُتب على صحيفتهم أنهم مسلمون ، تراهم يحلفون كذباً ، عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

((الْحَلِفُ مُنَفِّقَةٌ لِلسِّلْعَةِ مُمْحِقَةٌ لِلْبَرَكَةِ ))

[أخرجه البخاري ومسلم]

 يحلفون كذباً ، ويقولون كذباً ، ويدلسون ، ويخفون العيوب ، ولا يظهرونها ، ويخفون نوع البضاعة ، ويذكرون نوعاً ليس هو بالصحيح ، ويرفعون السعر ، هذا كله ليس من إخلاص المسلم ؛ لأنهم أشركوا بالله ، لأنهم ظنوا أن هذه الطريقة تزيد من أرباحهم ، وأنهم إذا فعلوا هذا عاشوا ، فإذا صدقوا ماتوا ، هذا كلام لا يقوله إلا جاهل .

 

الصدق والعدل شيئان متلازمين

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾

[سورة النساء الآية:135]

 قوامين : وقوامين جمع مفردها قوام ، وقوام صيغة مبالغة اسم الفاعل ، لم يقل كونوا قائمين ، قال كونوا قوامين ، شديدي القيام بالقسط .

﴿وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا ﴾

 هذه الآية يجب أن تكون شعار المؤمن في الحياة .

﴿ كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ﴾

 يُروى أن قاضياً شهيراً في العصور الغابرة ، جاء أمير المؤمنين الذي عينه يريد أن يعفيه من منصبه ، فقال هذا الأمير ولمَ ، وليس في الأمة من هو أعدل منك ، قال : يا أيها الإمير طُرق بابي البارحة فجاءني الغلام بطبق من رطب ، وقد شاع في المدينة أنني أحب الرطب ، فقلت لغلامي من قدم هذا الطبق ، قال : فلان ، أو ذكر لي شكله ، فعرفت أن هذا الإنسان له قضية عندي ، عندئذ رددت الطبق وكان هذا الطبق ، أو هذا الرطب في بواكيره ، يعني في أوله ، وكنت ممن يحبه ، وشاع في الناس ذلك ، في اليوم التالي حين دخل علي الخصمان ليتخاصما ، يا أمير المؤمنين والله ما استويا في نظري ، يعني تمنيت أن يكون صاحب الحق هو الذي قدم طبق التمر ، تمني مع أنني رددته ، قلت يا أمير المؤمنين ، والله ما استويا في نظري مع أنني رددت الطبق ، فكيف لو قبلته ..
 لذلك عن عَائِشَةُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

(( لَيَأْتِيَنَّ عَلَى الْقَاضِي الْعَدْلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَاعَةٌ يَتَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي تَمْرَةٍ قَطُّ ))

[أخرجه الطبراني]

 قاض إلى الجنة ، وقاضيان إلى النار .
 أيها الإخوة الأكارم ؛ لو عرفتم دقة الميزان الذي توزن به الأعمال يوم القيامة لغيرتم من طرائقكم في الحياة ، لو عرفتم هول الموقف ، ودقة الحساب ، قال تعالى :

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾

[سورة الزلزلة الآية:7-8]

 يروي التاريخ أن رجلاً دخل على عمر بن الخطاب وعنده سيدنا علي ابن أبي طالب رضي الله عنهما جميعاً ، وهذا الرجل يدعي على سيدنا علي ، فقال سيدنا عمر : يا أبا الحسن خاطبه بكنيته ، قف إلى جنب الرجل كي يساويه مع خصمه ، فلما قضى له وانتهى الأمر وعاد إلى مجلسه وجده قد حنق عليه ، فقال يا علي ، أوجدت علي ؟ قال : نعم ، قال : ولمَ ؟ قال : لمَ قلت لي يا أبا الحسن ولم تقل لي يا علي .

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾

 يعني إذا حُكمت في موضوع فقل الحق ولو كان مُرَّاً ، ولا تأخذك في الله لومة لائم ، إذا عاملت أولادك فكن عادلاً ، عن النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ :

((أَنَّ أُمَّهُ بِنْتَ رَوَاحَةَ سَأَلَتْ أَبَاهُ بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ مِنْ مَالِهِ لِابْنِهَا فَالْتَوَى بِهَا سَنَةً ثُمَّ بَدَا لَهُ فَقَالَتْ لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا وَهَبْتَ لِابْنِي فَأَخَذَ أَبِي بِيَدِي وَأَنَا يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمَّ هَذَا بِنْتَ رَوَاحَةَ أَعْجَبَهَا أَنْ أُشْهِدَكَ عَلَى الَّذِي وَهَبْتُ لِابْنِهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا بَشِيرُ أَلَكَ وَلَدٌ سِوَى هَذَا قَالَ نَعَمْ فَقَالَ أَكُلَّهُمْ وَهَبْتَ لَهُ مِثْلَ هَذَا قَالَ لَا قَالَ فَلَا تُشْهِدْنِي إِذًا فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ ))

[أخرجه البخاري ومسلم]

 الحقيقة الصدق يلتقي مع العدل ، قد يقول أحدكم كيف تحدثنا عن العدل ؟ العدل أحد أنواع الصدق ، إن كنت تعدل ، والشاهد إن كان صادقاً يشهد بالحق ، والقاضي إن كان صادقاً مع الله عز وجل يحكم بالعدل .

الصدق مع الله سبحانه وتعالى

 شيء آخر في الصدق ، أن الصدق بمعناه الضيق أن تقول ما رأيت أو أن تقول حقاً ، وأن لا تقول باطلاً ، لكن الصدق له معنى آخر قال عليه الصلاة والسلام مشيراً إلى هذا المعنى الدقيق :
 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا ))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود]

 هذا موضوع آخر ، هذا الصدق من نوع آخر ، هذا الصدق في طلب الحقيقة ، هذا الصدق في طلب الجنة ، هذا الصدق في طلب مرضاة الله ، هذا الصدق في أن تكون مؤمناً ، إما أن يكون الرجل صادقاً في طلبه ، وإما أن يكون كاذباً في طلبه ، الصادق لا تقف أمامه كل العقبات ، مهما كانت العقبات أمامه كأداء فإنه يتجاوزه وأما الكاذب فإنه يرجع بأول عقبة ظهرت في الطريق .
 لو أن امرأً لم يتكلم كذباً في حياته قط ، وسار في طريق الإيمان ظهرت له عقبة ، إن كان صادقاً يتجاوزها ، فإن كان صادقاً يتجاوزها ولا يجعلها عقبة تحول بينه وبين هدفه ، فإن كان كاذباً يتخذها حجة يقول لا أستطيع ، فالإنسان الآن يعرف نفسه تماماً ، ما إذا كان صادقاً أو كاذباً ، صادقاً بمعنى الإلحاح في الطلب ، وكاذباً بمعنى النفاق ، فإن كان صادقاً لا يسمح بعقبة ما أن تقف بينه وبين هدفه ، لو أنه ضيق ذات اليد لا يبالي ، طاعة الله ورسوله خير ، لو عُرض عليه مبلغ كبير وهو في أمسِّ الحاجة إليه ، هذا العرض لا يجعله عقبة بينه وبين الله عز وجل ، لو خاف شيئاً وهذا الخوف حمله على التولي عن طريق الحق لا يفعل هذا ، الصادق يتجاوز كل العقبات التي تقف في طريقه إلى الله عز وجل ، وغير الصادق يتخذ من أصغر عقبة حجة كبيرة ، ويقول لا أستطيع الزمان صعب .
 بهذا الكلام صرنا في موضوع آخر ، الصدق هنا الإلحاح في الطلب ، قال تعالى :

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾

[سورة الأحزاب الآية: 23]

 لو أتيح لإنسان . ونرجو الله سبحانه وتعالى جميعاً أن يرزقنا حجاً مبروراً وسعياً مشكوراً ، وذنباً مغفوراً ، لو أتيح لإنسان أن يذهب إلى الحج ، وأتيح له أيضاً أن يقبل الحجر الأسود ، أو الحجر الأسعد وهو يمين الله في أرضه ، وأن يعاهد الله عز وجل ، وهو في هذا المكان المقدس ، وهو يفاوض كفَّ الرحمن في الأرض أن يعاهده على الطاعة طوال حياته ، فإذا عاد إلى بلده ـ انتبهوا ، هو عاهده في هذه اللحظة المباركة ، وفي هذا المكان المقدس ، وهو يصافح كفَّ الرحمن ويفاوضه ، عاهده على الطاعة في كل أمور حياته ، أن يطيع الله في زوجته ، أن يطيعه في جيرانه ، أن يطيعه في أولاده ، أن يطيعه في عمله ، أن يطيعه في عباداته ـ لو أن إنساناً عاهد الله سبحانه وتعالى على الطاعة ، وعاد إلى بلده ، فارتكب معصية واحدة ، ماذا نقول ؟ لم يكن صادقاً في ذلك الوعد ، ولم يكن صادقاً في ذلك العهد ، إذاً الصدق هنا اليقين الكلي ، والإلحاح الشديد في طلب مغفرة الله عز وجل ، وطلب رضوانه ، لذلك ربنا عز وجل أثنى على بعض الأنبياء ، فقال :

 

﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً﴾

[سورة مريم الآية:54]

 فإذا عاهد الله في ساعة الشدة ، قلنا قبل عدة أسابيع أن هناك أناساً يتعرفون إلى الله في الشدة ، إذا تعرفت إلى الله في الشدة ، وعاهدته وأنت تحت وطأة المرض ، أن تتوب إليه توبة نصوحاً ، أو عاهدته وأنت بين براثن الخوف أن تتوب إليه توبة نصوحة ، وعاهدته وسيف مسلط فوق رأسك عاهدته على الطاعة ، فما بالك إذا رُفعت عنك هذه الشدة تعود إلى ما كنت عليه ، إن فعلت هذا فأنت كاذب في عهدك ووعدك وتوبتك ، وإن بررت بما وعدت ، ووفيت ما عاهدت فأنت صادق .

 

معاني الصدق .

 خطبة اليوم عن معنى آخر من معاني الصدق :
 إذا عاهدت الله فكن صادقاً .
 وإذا أعلنت أنني أود رضاه فكن صادقاً .
 لتكن علانيتك كسريرتك ، وهذا من علامات المؤمن ، سريرته كعلانيته ، وظاهره كباطنه ، وورعه في بيته كورعه بين الناس .

(( ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط ))

(( ومن لم يكن له ورع يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله بشيء من عمله ))

 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا ))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود]

الصدق في طلب الحق

 الآن الموضوع الآخر ، الإنسان إما أن يكون صادقاً مع الله وإما أن يكون كاذباً معه ، وقد يكون الكاذب مع الله صادقاً مع الناس ، ولكنه ليس صادقاً في طلب مرضاته ، ليس مصراً على نيل الجنة ، ليس حريصاً على نيل رضاه ، ليس متشبثاً في طاعته ، بينما الصادق لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة ، لا تلههم الدنيا بأكملها ، لا يغترّ بها ، لقوله عليه الصلاة والسلام :

(( الدنيا تغرُّ وتضرُّ وتمرُّ ))

 يا أيها الإخوة المؤمنون ؛ سؤال دقيق يلخص هذه الخطبة ، راقب نفسك إن وجدت عقبة صغيرة ، تحول بينك وبين حضور مجالس العلم ، يعني الضيف زارك في وقت يتضارب مع مجلس العلم ، إذا تركت الصلاة لشيء تافه إذا حلفت كذباً لشيء تافه ، إذا أرضيت مخلوقاً وعصيت ربك لشيء تافه ، فالأمر خطير ، هذا الإنسان كاذب مع الله ، ليس صادقاً في طلب مرضاته ، ليس حريصاً على رضاه ، ليس حريصاً على الجنة هذا أخطر أنواع الكذب ، أن يكون في طلبه كاذباً .
 أحياناً مثلاً يذهب إنسان إلى دولة أجنبية ليدرس ينتسب إلى الجامعة وبعدها يرسل إلى أهله أن الدروس صعبة ، والجامعة فوق مستواه ولقي عمل حر ، واستقر في هذا العمل ، ماذا نقول ؟ هذا الرجل كاذب في طلب العمل ، يعني وجد عمل دخله وفير ، فاستقر به وترك الدراسة ، هو ذهب من بلده إلى هناك ليدرس ، وليأخذ الدكتوراه ولكن لأن دخلاً وفيراً تحقق له ، وتحقق مع هذا الدخل رفاه بسيط ، فترك الدراسة كلها ، نقول هذا إنسان كاذب في طلب العلم ، أما الصادق في طلب العلم لا يصرفه شيء عن طلبه ، كل مغريات هذا البلد لا تصرفه عن طلب العلم ، لذلك يعود ويحمل الدكتوراه ، نقول هذا صادق في طلب العلم .
 قد ينتسب إنسان إلى الجامعة ، فإذا عمل عملاً حراً يسيراً ترك الدراسة ، نقول : هذا كاذب في طلب العلم ، معنى الكذب والصدق أخذ منحى آخر ، إما أن تكون صادقاً في طلب الحق ، وإما أن تكون كاذباً ، علامة الصادق لا يثنيه شيء عن هدفه ، لا تقف أمامه عقبة مهما تكن كأداء ، يذللها ، يحطمها ، يتجاوزها ، يقفز عليها ، وأما الكاذب يحتج بشيء يسير ، ويقول لا أستطيع ، الأمر صعب إني أخشى ، إني أخاف ، إني أقلق ..
 فيا أيها الإخوة الأكارم ؛ كونوا صادقين في طلب الحق ، ربنا عز وجل أثنى على عباده الصادقين ، وقال في حق بعض العباد الذين تزلزلوا يوم الخندق :

﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾

[سورة الأحزاب الآية:12]

 أما الصادقين :

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾

[سورة الأحزاب الآية:23]

 علامة أخرى من علامات الصدق ، أن الإنسان الصادق في طلب الحق ، يطلب الحق في الرخاء وفي الشدة ، في الصحة والمرض ، في الغنى والفقر ، وفي الأمن والخوف ، في إقبال الدنيا وإدبارها ، في البحبوحة وفي الشدة ، في أحواله كلها ، كل هذه الأحوال لا تؤثر على طلبه للحق ، بينما الكاذب في طلب الحق إن جاءه خير اطمأن به ، وإن كان الأمر غير ذلك انقلب على وجهه ، يطلب الحق في الرخاء ويستغني عنه في الشدة ، يطلب الحق في الفقر ويستغني عنه في الغنى .
 يعني أشخاص كثيرون فتحوا محلات تجارية ، وراجت تجارتهم وربحوا أرباحاً طائلة ، فلم تعد تراهم في مجلس العلم ، أين فلان ؟ مشغول والله .

﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا﴾

[سورة الفتح الآية:11]

 والله مالنا فاضين أستاذ ، بدك ما تؤاخذنا ، هذا كاذب في طلب الحق ، الصادق لا يثنيه شيء ، لا مال ، ولا موطن ، ولا بيع شديد ، ولا تجارة رابحة ..

﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾

[سورة النور الآية:37]

 أيها الإخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا وتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :

 

 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم .

مفهوم الاستشارة والاستخارة

 أيها الإخوة الكرام ؛ أخ كريم سألني قبل أسبوعين عن دعاء الاستخارة ، قبل كل شيء موضوع الاستخارة يقابله موضوع الاستشارة ، الإنسان يستشير أهل الرأي والحكمة ، وأهل الخبرة من المسلمين في أعماله ، هو يزمع أن يفتح محلاً تجارياً مثلاً ، يسأل أهل الخبرة الصادقين المخلصين من إخوانه المؤمنين ، يسألهم يستشيرهم ، هل هذا المكان مناسب ، هل بيع هذه البضاعة في هذا المحل مناسب ، كم يجب أن أنفق على هذا المكان ؟ يعني هذه الاستشارة لابد منها ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

((ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار، ولا عال من اقتصد ))

[أخرجه الطبراني]

 من استشار الناس استعار عقولهم ، عقل راجح ، استعرته كله في استشارة ، استشر قبل أن تشتري بيتاً ، قبل أن تفتح هذا المحل ، قبل أن تقدم على هذا العمل ، قبل أن تخاطر ، قبل أن تغامر ، استشر أهل الرأي والحكمة من المؤمنين ، أما غير المؤمنين لا يُستشارون ؛ لأنهم قد يشيرون عليك بمعصية ، وقد يورطونك ، وقد يوقعونك في أزمات لا حلَّ لها ، استشر أهل الرأي والحكمة من المؤمنين ، ولكن الاستخارة لله عز وجل .
 أولاً : لا استخارة في شيء حرمه الله عز وجل ، الأشياء المحرمة ليس فيها استشارة ولا استخارة ، ولكن الأشياء المباحة كالزواج مثلاً عليك أن تستشير وأن تستخير ، أن تستشير العقلاء من قومك ، وأن تستخير الله عز وجل ، إذا كنت مصراً على فتاة معينة ، فالاستخارة فاسدة ، ما دمت متعلقاً بها ، ولم تفوض أمرك إلى الله عز وجل فالاستخارة فاسدة ، لا يحق للمرء أن يستخير الله عز وجل في شأن من شؤون حياته إلا إذا كان مفوضاً لله عز جل ، يستوي عنده الزواج منها وعدم الزواج منها ، إن كنت في هذه الحالة الآن أنت أهل للاستخارة ، ما الاستخارة ؟ أن تصلي ركعتين خالصة لله عز وجل ، ثم تدعوا بهذا الدعاء ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّه عَنْهمَا قَالَ :

((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ يَقُولُ إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ ثُمَّ لِيَقُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ وَاقْدُرْ لِيَ الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ أَرْضِنِي قَالَ وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ ))

[أخرجه البخاري والترمذي والنسائي وأبو داود وابن ماجة وأحمد]

 لأنه

﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[سورة البقرة الآية:216]

 قد يتزوج رجل امرأة فتقوده إلى النار ، ويكون هلاكه على يدها ، هلاكه إلى الأبد ، فإن كان بك خير يخلق الله عقبة كأداء بينك وبين الزواج منها ، تحزن أنت لا تحزن .

﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[سورة البقرة الآية:216]

 رجل تزوج امرأة فلما دخل عليها لم تعجبه إطلاقاً ، شعرت عليه قالت يا أنس قد يكون الخير كامناً في الشرِّ ، لم يبالِ بهذا الكلام وترك البيت وهام على وجهه عشرين عاماً ، عاد بعدها إلى المدينة ، فدخل إلى المسجد ، فرأى شاباً وسيماً قسيماً يحدث الناس ، والناس متحلقون حوله بأعداد كبيرة ، فقالوا : من هذا ؟ قالوا : هذا مالك ابن أنس ، يعني ابنه فجاءه ، وقال له : يا بني قل لأمك : قد يكون الخير كامناً في الشر فلما ذهب إليها وكلمها قالت يا بني هذا أبوك ، كل هذا الخير بصحيفة هذا الأب .

﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

[سورة البقرة لآية:216]

 قد تفوتك بعثة ، والخير كله في فواتها ، وقد تفوتك امرأة خطبتها والخير كلها في فواتها ، وقد يكون دخلك محدوداً ، والخير كله في هذا الدخل المحدود ، لا تندب حظك ، ليس في الإمكان أبدع مما كان لذلك

((فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ .. اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ - قد يكون الأمر خير لك في دنياك فقط لا في دينك ، يعني مصلحة متعلقة بالنساء ، قد تفتن صاحبها ، قد يكون هذا خير لك في دنياك ، أرباح طائلة ، ولكن ليس في دينك - اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي - في الدين والدنيا والآخرة ، اللهم ارزقنا العفو والعافية ، والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة ، ثلاث مواطن - فَاقْدُرْهُ لِي _ اسمح لي فيه يا رب - وَيَسِّرْهُ لِي ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاصْرِفْهُ عَنِّي - أما أجمل شيء في هذا الدعاء : وَاصْرِفْنِي عَنْهُ - يعني يا رب لا تجعلني أتعلق به - وَاقْدُرْ لِيَ الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ أَرْضِنِي قَالَ وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ ))

 لكن هناك حديث أحفظه :

(( ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه وآخرته ))

 الحديث الآخر :

(( ما كان الله ليعذب قلباً بشهوة تركها صاحبها في سبيل الله ))

 لا يتعذب ، ينسيه الله إياها ..
 هذا دعاء الاستخارة ، إن كان الأمر مباح ، كالزواج أو العمل أو عرضت لك وظيفة ، أو عمل حرّ ، أو ما شاكل ذلك ، أو إقامة ، أو زواج ، في هذه الأمور المباحات ، استشر أولاً ، واستخر الله ثانياً والاستخارة أن تكون في مباح ، من دون إصرار على شيء ما ..

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت تباركت ربنا وتعاليت ، لك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك
 اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك .
 اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ، ما تحول به بيننا وبين معصيتك ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون علينا مصائب الدنيا ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين .
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين .
 اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك .
 اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين .
 اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً ، وسائر بلاد المسلمين .
 اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء .
 اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب .
 اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء .
 اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين .
 اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام والمسلمين ، وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى إنك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018