الخطبة : 0353 - الهجرة - أمّ معبَد. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0353 - الهجرة - أمّ معبَد.


1991-07-12

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا لرُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله ، سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بِخَبر . اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين ، اللَّهمّ ارْحمنا فإنّك بنا راحِم ، ولا تعذّبنا فإنّك علينا قادر ، والْطُف بنا فيما جرَتْ به المقادير ، إنَّك على كلّ شيءٍ قدير ، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الهجرة هي المظهر العمليّ للإيمان :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ الهجرة ، هجرة النبي صلى الله عليه وسلّم وأصحابه الكرام من مكّة إلى المدينة من أبْرَز أحداث الدعوة الإسلاميّة ، ويمكن أن نسْتعرضَ وقائع الهجرة ، ولكنّ وقائع الهجرة معروفةٌ عند كلّ المسلمين ، بل يحْسُن بنا أن نسْتنبط من وقائع الهجرة العِبَر والمواعظ لتكون دروسًا لنا في حياتنا المقبلة .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ حُقّ للهِجرة أن تكون بداية التاريخ الإسلاميّ ، وحُقّ لها أن تكون علمًا على التديّن ، أيْ علامةً على التديُّن الصحيح لأنّها المظهر العملي للإيمان ، اعْتقِد ما شئْت ، ما لم تأخذ موقفًا ، ما لم تتحرّك ، ما لمْ تكفّ ، ما لم تعطِ ، وما لم تأخذ ، ما لم يكن لك موقفٌ ممَّا تعتقد فلا قيمة لاعتقادك ، ما لم يكن لك موقف أساسهُ الوصْل أو القطع، العطاء أو المنْعُ ، الرّضا أو الغضب ، ما لم يكن لك موقفٌ مبنيّ على ما تعتقد فلا قيمة لما تعتقد ، والدليل أنّ الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾

[ سورة الأنفال : 72]

 أن تقول : أنا عواطفي إسلاميّة ، تمنِّياتي إسلاميّة ، أنا أتعاطف مع المسلمين ، ولسْتَ ملْتزِمًا بمنهج الله عز وجل ، لا هذا التعاطف ، ولا هذه العواطف ، ولا تلك التمنّيات لها شأنها عند الله تعالى ، تعلَّموا ما شئْتم فوالله لن تؤجروا حتى تعملوا بما علمتم ، إذًا حُقّ للهِجرة أن تكون بداية التاريخ الإسلاميّ ، وحُقّ لها أن تكون علمًا ؛ أيْ دليلاً على التديّن الصحيح ، لأنّها المظهر العمليّ للإيمان ، وأقوى دليل ما قاله الواحد الدّيان :

﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾

[ سورة الأنفال : 72]

 الإسلام أيّها الأخوة ليس قناعةً فحسْب ، بل هو قيامٌ والْتِزامٌ ، وليس ثقافةً ليس غير، بل هو إذعانٌ واسْتِسلام بربّ الأكوان ، والهجرة مظهرٌ لهذا الالْتزام ، وذاك الإذْعان ، إنّ الهجرة أيّها الأخوة قِمَّة التّضْحيَة بالدنيا من أجل الآخرة ، وذرْوَة إيثار الحقّ على الباطل ، الهجرة ليْسَت انتقال رجلٍ من بلد قريب إلى بلدٍ بعيد ، وليْسَت ارْتِحال مفتقرٍ من أرضٍ مجْدبةٍ إلى أرض مخصبة ، إنّها إكراهُ رجلٍ آمنٍ في سرْبِهِ ، ممْتدّ الجذور في مكانه ، إنّها إكراهُ رجلٍ على إهدار مصالحه ، والتّضحيَة بأمواله ، وتصفيَة مركزه ، والنجاة بِشَخصِه مِن أن يُفْتَنَ في دينه ، هذه الصّعاب أيّها الأخوة لا يُطيقها إلا مؤمن ، يخافُ على سلامة إيمانه ، ويسعى إلى مرضاة ربّه ، أما الهيّاب الخوار القلق فما يستطيعُ شيئًا من ذلك ، قال تعالى :

﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾

[ سورة النساء : 66]

الدلائل والعِبَر التي تؤْخذُ وتُستفاد من الهجرة :

1 ـ على الإنسان أن يكون من أنصار الحق و مؤيديه :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ من الدلائل والعِبَر التي تؤْخذُ وتُستفاد من الهجرة أنّ بين مبادىء الحقّ ، وأوهام الباطل ، وبين عناصر الخير ، وقِوى الشّرّ ، وبين رُسل الهداية ، وشياطين الغوايا تناقضًا كبيرًا ، وصِراعًا مسْتمرًّا ، وحربًا ضروسًا ، قال تعالى :

﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾

[ سورة الأنفال : 30]

 ماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلّم حتى مكرَ به هؤلاء ؟ إنّهم يعرفونه قبل غيرهم، يعرفون صدْقهُ ، يعرفون أمانتهُ ، يعرفون عفافهُ ، يعرفون نسبَهُ ، يعرفون أنّه ما فعلَ شيئًا إلا أنْ دعاهم إلى الله ليُوحِّدوه ، وليعْبدوه ، ويُعَرِّفهم بما نهاهم عنه ، وما أمرهم به من أداء الأمانة ، وصلة الرّحم ، وحُسْن الجوار ، والكفّ عن المحارم والدّماء ، ويعرّفهم بما نهاهم عنه من الفواحش ، وقول الزور ، وأكل مال اليتيم ، وقذف المحصنات ، إنَّهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ، إنَّه رحمةٌ مهداة ، ونعمة مُزجاة ، أَمِثْلُ هذا المخلوق الأوّل يُمْكرُ به ؟ أَمِثلُ هذا الإنسان الكامل يُكادُ له ؟ ألَمْ أقل لكم قبل قليل إنَّها معركة الحقّ بالباطل ، ولكن ما دامَتْ كلمة الله هي العليا ، وما دامَتْ إرادتهُ هي النافِذَة ، فما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن ، وما دام أنّه ما من دابّة إلا هو آخذٌ بِنَاصِيَتها فلم أراد الله عز وجل أن يكون هذا الصِّراع بين الحقّ والباطل ؟ الجواب عن هذا السّؤال ؛ إنَّه الابتلاء ، قال تعالى :

﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾

[ سورة هود : 7]

 لِيَكون النجاح في هذا الابتلاء ثمَنَ العطاء الأبديّ .

 

الدنيا دار تكليف و الآخرة دار تشريف :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ الدنيا في حقيقتها دار تكليف ، وابتلاء ، وانقطاع ، كما عرَّفها النبي عليه الصلاة والسلام ، والآخرة دار تشريف ، وجزاء ، وخُلود ، إنَّ الابتلاء يكشفُ حقيقة المؤمن ، يكشفُ حقيقتهُ لنفسِهِ أوَّلاً ، ولِمَن حولهُ ثانيًا ، إنّ الابتلاء يكشفُ ثبات المؤمن على مبدئِهِ ، وإصرارهُ على مرضاة ربّه ، إنّ الابتلاء يكشفُ حبّه لله تعالى ، يكشفُ أنَّه يضحِّي من أجل دينه بالغالي والرّخيص ، والنفس والنفيس ، إنَّهُ يكشفُ صبرهُ على الشدائد ، حفاظًا على دينه ، والشدائد تدْفعهُ إلى التوكّل ، وبالتَّوكّل يُصرفُ عنه السوء ، وتُساقُ إليه الخيرات ، ونتائج التوكّل تزيدُهُ معرفةً بربّه ، وحبًّا له ، إنّ هذه المعاني أيّها الأخوة مُسْتنبطةٌ من قوله تعالى :

﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾

[ سورة محمد : 4]

 وكفاكم مؤونتهم ، وقال تعالى أيضًا :

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ﴾

[ سورة محمد :31]

 ألمْ يقل عليه الصلاة والسلام في بعض خطبه : " إنّ هذه الدنيا دار الْتِواء ، لا دار استواء ، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح ، فمن عرفها لم يفرح لرَخاء ، ولم يحْزن لِشَقاء ، قد جعلها الله دار بلْوى ، وجعل الآخرة دار عُقبى ، فجعل بلاء الدنيا لِعَطاء الآخرة سببًا ، وجعل عطاء الآخرة من بلْوى الدنيا عِوَضًا ، فيأخذ ليُعْطي ، ويبْتلي ليَجزي ".

 

العاقبة للمتقين :

 ولكن يا أخوة الإيمان ، ماذا بعد الابتِلاء ؟ ماذا بعد الابتِلاء في الدنيا ؟ إنَّه الجزاء في الدنيا والآخرة ، الحِفظُ والنّصْر للمؤمنين ، والإحباط والخِذلان لأعدائهم ، فالعاقبة للمتّقين ، ورحمة الله قريبٌ من المحسنين ، قال تعالى :

﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾

[ سورة الصافات : 171-173]

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ اسْتمعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلّم يُخاطبُ الذين مكروا به في الأمس لِيُثْبتوه ، أو يقتلوه ، أو يخرجوه ، ها هم أولاء الآن قَتْلى وصرْعى في ساحة المعركة ، وقد أمر بهم أن يُدفنوا في القليب أي البئر ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( كَانَ إِذَا قَاتَلَ قَوْمًا فَهَزَمَهُمْ أَقَامَ بِالْعَرْصَةِ ثَلَاثًا وَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ أَمَرَ بِصَنَادِيدِ قُرَيْشٍ فَأُلْقُوا فِي قَلِيبٍ مِنْ قُلُبِ بَدْرٍ خَبِيثٍ مُنْتِنٍ قَالَ ثُمَّ رَاحَ إِلَيْهِمْ وَرُحْنَا مَعَهُ ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ وَيَا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَيَا شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَيَا وَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبُّكُمْ حَقًّا فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا ؟ قَالَ : فَقَالَ عُمَرُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُكَلِّمُ أَجْسَادًا لَا أَرْوَاحَ فِيهَا ؟ قَالَ : وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ ، قَالَ قَتَادَةُ : بَعَثَهُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِيَسْمَعُوا كَلَامَهُ تَوْبِيخًا وَصَغَارًا وَتَقْمِئَةً قَالَ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ لَمَّا فَرَغَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ أَقَامَ بِالْعَرْصَةِ ثَلَاثًا ))

[أحمد عَنْ أَبِي طَلْحَةَ]

 هؤلاء الأعداء الذين مكروا برسول الله ، أرادوا أن يُثْبتوه ، أو يقتلوه ، أو يخرجوه ، هذا مصيرهم ، أما هؤلاء الأنصار الذين هاجر إليهم النبي عليه الصلاة والسلام فقد قدَّموا مثلاً رائعًا من أمثلة التضحيَة والإيثار ، ونموذجًا فذًّا للتعاوُن بين المؤمنين ، كلّ هذا كان تعبيرًا عن عمْقِ إيمانهم ، وسُموّ مشاعرهم ، لقد زكَّى الله صنيعهم ، إذْ يقول في القرآن الكريم :

﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

[ سورة الحشر : 9]

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ استَمِعوا معي أيضًا إلى كلمة سعْد بن معاذ سيّد الأنصار يخاطب النبي صلى الله عليه وسلّم عشِيَّة معركة بدْر ، حيثُ تجسِّدُ هذه الكلمة موقفَ الأنصار: " يا رسول الله لقد آمنَّا بك وصدَّقناك ، وشهدْنا أنّ ما جئتَ به هو الحق ، وأعطَيْناك على ذلك عُهودنا ، ومواثيقنا على السمع والطاعة ، فامْضِ يا رسول الله لما أردْت فنحن معك ، فو الذي بعثكَ بالحق لو اسْتعرضْتَ بنا البحر فخُضْتهُ لخُضْناهُ معك ، ما تخلّف مِنَّا رجلٌ واحد ، وما نكرهُ أن تلقى بنا عدوّنا غدًا ، إنّا صُبُرٌ في الحرب ، صُدُقٌ عند اللّقاء ، فَصِلْ حِبالَ من شئْت ، واقْطَعْ حِبالَ مَن شئْتَ ، وعاد مَن شئْتَ ، وسالِمْ من شئْت ، وخُذْ من أموالنا ما شئْت ، وأعْطِنا ما شئْتَ ، وما أخذْت منَّا كان أحبّ إلينا ممَّا تركْت ، فلعلّ الله يُريك منَّا ما تقرّ به عيْنُك".
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ الخلاصة أنّه شتَّان بين من يُعارضُ الحقّ ، وبين من يؤيِّدُهُ، وشتَّان بين من يصدّق النبي ، وبين من يكذّبُه ، وشتان بين من يُخْرجُه ، وبين من يؤْويه ، وشتّان بين من يُقاتلهُ ، ومن ينْصره ، وشتّان بين المؤمن وغير المؤمن ، قال تعالى:

﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾

[ سورة السجدة : 18]

 قال تعالى :

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾

[ سورة الجاثية : 21]

 هذا هو الدّرسُ الأوّل ، كُنْ من أنصار الحقّ ، كُنْ مِن مؤيِّدي الحقّ ، كُنْ مع الشّرع ، وكن مع ما يأمرك به العقل ، كُن مع حظوظ الآخرة ، ولا تكن مع حظوظ الدنيا ، كُن دعْمًا لأهل الحق ، ولا تكن دعْمًا لأهل الباطل ، قال تعالى :

﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾

[ سورة المائدة : 2]

2 ـ أخذ التدابير و الاحتياطات ثم التوكل على رب الأرض و السموات :

 هذا هو الدرس الأوّل فماذا هو الدرس الثاني ؟ الدرسُ الثاني ما من مخلوقٍ على وجْه الأرض يستحقّ النَّصْر كرَسُول الله لأنّه سيّد ولد آدم ، إنَّه المخلوق الأوّل ، إنّه النبي ، إنَّه الرسول المعصوم ، إنَّه حبيب الله ، إنَّه خليل الله ، ومع ذلك ؛ ماذا فعل النبي حينما هاجرَ؟ رسَمَ خِطَّة محكمةً ، كتَمَ تحرُّكهُ ، وقصْدهُ ، واسْتأجرَ دليلاً ذا كفايةٍ عاليَة ، واختار غار ثوْر الذي يقعُ جنوب مكّة تَضْليلاً للمُطاردين ، وحدّد لكلّ شخصٍ مهمّة أناطها به ، فَمِن واحدٍ لِتقصّي الأخبار ، وآخر لِمَحو الآثار ، وثالثٍ لإيصال الزاد ، وكلّف سيّدنا عليًّا رضي الله عنه أن يرتدِيَ برْدهُ ويتسجَّى على سريره تَمْويهًا على المحاصرين الذين أزمعوا قتلهُ ، لماذا فعل النبي كلّ هذا وهو النبي المعصوم ، وهو النبي المؤيّد ، وما من مخلوق أجْدر من أن ينصرهُ الله منه؟ لماذا فعل هذا ؟ فعل هذا تعليمًا لنا وتشريعًا .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ إنّ هذه التدابير التي اتَّخَذها النبي صلى الله عليه وسلّم على كثْرتها ، ودِقَّتها ، ليْسَت صادرةً عن خوفٍ شخصي ، ولم يكن اعْتِمادُه عليها ، بِدليل أنَّه كان في غاية الطمأنينة حينما وصل المطاردون إلى الغار ، وتحلّقوا حولهُ ، بحيثُ لو نظر أحدهم إلى موطئ قدمهِ لرآهُ وصاحِبَهُ ، فما زاد أن قال : لا تحْزن إنّ الله معنا ، يا أبا بكر ما ظنُّك باثْنَين الله ثالثهما ؟ ويروي بعضهم أنّ أبا بكر رضي الله عنه قال : يا رسول الله لقد رأوْنا ، فقال عليه الصلاة والسلام : يا أبا بكر ألمْ تقرأ قوله تعالى :

﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴾

[ سورة الأعراف : 198]

 لقد أخذ النبي عليه الصلاة والسلام كلّ التدابير والاحتياطات ، ثمّ توكّل على ربّ الأرض والسموات ، وهذه حقيقة التوكّل ، إن لم تفعل هذا فلسْت متوكِّلاً ، إن لم تأخذ بالأسباب كلّها فلسْت متوكِّلاً ، ولسْتَ منْسَجِمًا مع منهج الإسلام ، إن لم تأخذ بكلّ الأسباب ، إن اعْتَمَدْتَ عليها فهذا شرْك ، وإن لم تأخذ بها فهذه معصِيَة ، والصواب أن تأخذ بها ، وأن تعتمد على الله تعالى .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ كلّكم يعرف أنَّه ما من إنسانٍ أحقّ بِنَصْر الله من رسول الله ومع ذلك أخذ بكلّ الأسباب ، وتوكَّل على رب الأرباب ، وهذا درسٌ بليغٌ يجبُ أن يوضعَ بين يدي المسلمين .
 أيّها الطالب ، اُدْرُس وخُذ بكلّ الأسباب ، وتوكّل على الله ، أيّها الصانع أتْقِن عملك، وخُذْ بكلّ الأسباب ، وتوكّل على الله ، أيّها المزارع خُذ بكلّ الأسباب ، وتوكّل على الله ، لا نرتقي إلا بهذه الطريقة ، أما إذا أهْملنا الأسباب فقد أهْمَلنا شطرًا من الدِّين .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ حينما فهم المسلمون الأوائل التَّوَكّل هذا الفهم الصحيح ، رفْرفَتْ راياتهم في مشارق الأرض ومغاربها ، واحْتَلُّوا مركزًا قياديًّا بين الأمم والشّعوب ، واليوم إذا أراد المسلمون أن ينتصروا على أعدائهم ، وأن يستعيدوا دوْرهُم القيادي بين الأُمم ما عليهم إلا أنْ يضعوا هذا الدّرس البليغ في الهجرة بين أعْيُنهم .
 سيّدنا عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال : " ما علِمْتُ أنّ أحدًا من المهاجرين هاجرَ إلا مُتَخَفِّيًا ، إلا عمر بن الخطّاب فإنّه لمَّا همّ بالهِجرة تقلَّدَ سيْفَهُ ، وتنكّب قوسهُ ، ومضى قِبَلَ الكعبة ، والملأُ من قريشٍ بفِنائها ، وقال لهم : من أراد أن يثْكِلَ أُمَّه ، أو أن يُيتِّمَ ولده ، أو أن يُرَمِّلَ زوْجته فلْيلْقني وراء هذا الوادي " هذا سؤال كبير ؛ أيَكُون عمر أشْجَعَ من رسول الله ؟ أيُّهما الأصْوَب ؟ ما فعلهُ النبي حينما أخذ بكلّ الأسباب أم ما فعلهُ عمر حينما هاجر علانيَةً متحدِّيًا الكفار ؟ هذا سؤالٌ مكانه هذه الخطبة .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ معاذ الله بادئ ذي بدء أن يكون عمر أشْجَعَ من رسول الله، لأنّ سيّدنا عليّ بن أبي طالب يقول : " كنَّا إذا حَمِيَ البأْسُ واحْمَرَّتْ الحِدَق - أي في الحرب- اِتَّقَيْنا بِرَسول الله ، لم يكن أقربَ من العدوّ منه " ولكنّ عمر أو أيَّ مسلمٍ آخر غير رسول الله صلى الله عليه وسلّم يُعَدّ تصرُّفُهُ تصرُّفًا شخصيًّا ، يُعَبّرُ عن ذاته ، ولا يُعَبِّرُ عن الشّرْع ، ولا يُعتبر تصرّف أيّ مسلم حجّة تشريعيّة ، له أن يتَّخِذ من الطُّرُق والأساليب والوسائل ما يحْلو له، ويتَّفقُ مع رغبتهِ ، أما النبي عليه الصلاة والسلام فهو مُشرِّع فجميعُ تصرّفاته المتعلّقة بالدِّين تُعدُّ تَشريعًا ، فلو أنّ النبي عليه الصلاة والسلام هاجرَ كما هاجرَ عمر ، لكانتْ طريقة اقْتِحام الأخطار تشريعًا ، ولكان الأخْذُ بها واجبًا ، ولظنَّ الناسُ أنَّه لا يجوز أخْذ الحيطَة والحذَر ، ولألقى الناس بأيديهم إلى التّهْلُكة اقْتِداءً بِنَبيِّهم ، مع أنّ الله جلّ وعلا جعل نواميس السماء والأرض مبْنِيَّة على الأسباب والمُسبَّبات ، وجعل شرْعهُ الحنيف متوافقًا معها ، فما عند الله لا يُنال إلا بالأسباب التي جعلها الله ثمنًا لها ، قال تعالى :

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً * فَأَتْبَعَ سَبَباً ﴾

[ سورة الكهف : 83-85]

3 ـ الهجرة في حقيقتها موقفٌ نفسي قبل أن تكون رحلة جسديّة :

 درسٌ ثالثٌ في الهجرة ، فالدرس الأوّل ؛ كُنْ مع أهل الحقّ ، ولا تكن مع أهل الباطل ، الدرس الثاني خُذْ بالأسباب وتوكَّل على ربّ الأرباب ، أما الدرس الثالث ؛ فالهجرة في حقيقتها موقفٌ نفسي ، قبل أن تكون رحلة جسديّة ، إنّها هجران للباطل ، وانْتِماءٌ للحق ، إنَّها ابتعادٌ عن المنكرات ، وفِعلٌ للخيرات ، إنَّها ترْكُ المعاصي ، وانهِماكٌ في الطاعات ، المُهاجر الحق هو الذي هجرَ ما نهى عنه الله ورسوله ، قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ))

[البخاري عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو]

 وباسْتِطاعتك ان تكون أنت مهاجرًا ، في أيّ زمانٍ ومكان ، باسْتِطاعة كلّ مسلمٍ على وجه الأرض أن يكون في مرتبة المهاجر ، لأنّ النبي عليه الصلاة والسلام عرَّف المهاجر فقال :

((وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ ))

باب الهجرة من المعصيَة إلى الطاعة مفتوحٌ إلى يوم القيامة :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ إذا كان باب الهجرة مِن مكّة إلى المدينة قد أُغْلق بعد الفتح ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((يَوْمَ الْفَتْحِ لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا ))

[ البخاري عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ]

 فإنّ باب الهجرة من المعصيَة إلى الطاعة مفتوحٌ إلى يوم القيامة ، الانتقال من مكّة إلى المدينة أُغلق ، والآن إذا سافرْت من مكّة إلى المدينة لا تُعدّ مهاجرًا ، لأنّ مكَّة قد فُتِحَت :

((لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْح))

 ولكن في أيّ وقت ، وفي أيّ عصْر ، وفي أيّ مِصْر ، إذا انتقلْت من المعصيَة إلى الطاعة فأنت مهاجر ، بل إنّ عبادة الله في زمن كثرَتْ فيه الفِتَن ، واسْتَعرَتْ فيه الشهوات ، وعمّ فيه الفساد ، إنّ عبادة الله في هذه الأجْواء ، تُعَدُّ هِجرةً خالصة إلى الله ورسوله ، فقد قال عليه الصلاة و السلام :

((الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَالْهِجْرَةِ إِلَيّ))

[الترمذي عن مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ]

 إذا رأيت النساء كاسياتٍ عاريات ، إذا رأيْت أكثر مال الناس حرامًا ، إذا رأيْت الناس قد جعلوا القرآن وراء ظهورهم ، إذا انغمسَ الناس في الملذّات ، إذا قيَّموا أنفسهم فيما يملكون ، إذا كنتَ في آخر الزمان ، عن مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ رَدَّهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَالْهِجْرَةِ إِلَيّ))

[الترمذي عن مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ]

4 ـ الابتعاد عن الهجرة في سبيل الشيطان :

 آخرُ درسٍ من دروس الهجرة ، هذه الهجرة في سبيل الرحمن ، ولكنّ هناك هجرةً في سبيل الشيطان ، حينما تكون الهجرة ابْتِغاء دنيا يُصيبها الرّجل ، أو ابتِغاء مالٍ وفيرٍ يُحصّلهُ ، وحينما تكون الهجرة بذلاً للخِبرات والطاقات والإمكانات لغير بلاد المسلمين ، وحينما تكون الهِجرة هروبًا من تحمّل المسؤوليّة ، وفِرارًا من البذْل والتّضْحِيَة ، وحينما تكون الهجرة إضعافًا للمسلمين ، وتقْوِيَةً لأعدائهم ، وحينما تكون الهجرة تمكينًا للعدوّ من احْتِلال الأرض ، واسْتِثمار خَيراتها ، وحينما تكون الهجرة من بلدٍ تُقام فيه شعائر الدِين ، إلى بلدٍ فُرِّغَت منه كلّ القِيَم ، وحينما تكون الهِجرة تَضْييعًا للدِّين والعِرْض ، وكسبًا للدّرْهم والدّينار ، حينما تكون الهجرة كذلك، فهي هجرةٌ في سبيل الشيطان .
 اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علّمتنا ، وزدْنا علمًا ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

وصف أمّ معبد للنبي الكريم :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ في أثناء طريق الهجرة مرَّ عليه الصلاة والسلام وصاحبهُ بأمّ مَعْبد ، قيل لها : يا أمّ معبَد ، صفيه لنا ؟ قالتْ : رأيْتُ رجلاً ظاهر الوضاءة - أي متألّق- أبْيَضَ الوجْه ، حسنَ الخَلْق ، وسيمًا ، قسيمًا ، إن صمَتَ فعليه الوقار ، وإن تكلّم سماه وعلاه البهاء ، فهُو أجْملُ الناس ، وأبهاهُم من بعيد ، وأحْسنهم وأجملهم من قريب ، حُلْوُ المنطق ، فصْلٌ لا نزرٌ ولا هذر ، كأنّ منْطِقَهُ خرزات نظمٍ يتحدَّرْن ، ربْعةٌ ، لا بائن من طولٍ ، ولا تقْتَحِمهُ عَينٌ من قِصَر ، غُصنٌ بين غُصْنَين ، فهو أنْظرُ الثلاثة منظرًا ، وأحْسنهُم قدرًا ، له رفقاء يحفّون به ، إن قال أنْصَتُوا لقوله ، وإن أمر تبادروا لأمره ، محفودٌ محشودٌ ، لا عابسٌ ولا مفنِّد ، قال زوجُ أمّ معْبَد : يا أمّ معبد ، هو والله صاحب قريش ، ولقد همَمْتُ بأن أصْحبهُ ولأفْعَلَنَّ إن وجدتُ إلى ذلك سبيلاً .
 تروي كتب السيرة أنّ النبي صلى الله عليه وسلّم لمّا خرج من مكّة مهاجرًا إلى الله ، دعا ربّه بهذا الدّعاء ، سوف أدعوهُ تأسِّيًا بالنبي صلى الله عليه وسلّم ، قال : " الحمد لله الذي خلقنا ولم نكن شيئًا ، اللهمّ أعنَّا على هَول الدنيا ، وبوائق الدَّهر ، ومصائب الليالي والأيّام ، اللهمّ اصْحبنا في سفرنا ، واخْلفنا في أهلنا ، وبارك لنا فيما رزقتنا ، ولك فذَلِّلْنا ، وعلى صالح الخلق فقوِّمنا ، وإليك ربّنا فحبِّبْنا ، وإلى الناس فلا تكِلنا ، ربّ المستضعفين وأنت ربّنا ، نعوذ بِوَجهك الكريم الذي أشرقَت له السماء والأرض ، وكُشِفَتْ به الظلمات ، وصلح عليه أمْرُ الأوّلين والآخرين ، أن تُحِلّ علينا غضبك ، وأن تنزل بنا سخطك ، ونعوذ بك من زوال نعمتك ، وفجأة نقمتك ، وتحوُّل عافيَتِك ، وجميع سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوّة إلا بك " هذا دُعاء النبي صلى الله عليه وسلّم حينما هاجر .

الدعاء :

 اللهمّ اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيْت ، وتولَّنا فيمن تولّيْت ، وبارك اللّهم لنا فيما أعْطيت ، وقنا واصْرف عنَّا شرّ ما قضَيْت ، فإنَّك تقضي ولا يُقضى عليك ، إنَّه لا يذلّ من واليْت ، ولا يعزّ من عادَيْت ، تباركْت ربّنا وتعاليْت ، ولك الحمد على ما قضيْت ، نستغفرك اللهمّ ونتوب إليك ، اللهمّ أعنا على الصيام والقيام وغضّ البصر وحفظ اللّسان ، اللهمّ هب لنا عملاً صالحًا يقرّبنا إليك ، اللهمّ أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنّا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارضَ عنَّا ، أصْلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصْلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصْلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا ، واجْعل الحياة زادًا لنا من كلّ خير ، واجعل الموت راحةً لنا من كلّ شرّ ، مولانا ربّ العالمين ، اللهمّ اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمَّن سواك ، اللهمّ لا تؤمنَّا مكرك ، ولا تهتِك عنَّا سترَك ، ولا تنسنا ذكرك ، يا رب العالمين ، اللهمّ إنَّا نعوذ بك من عُضال الداء ، ومن شماتة العداء ، ومن السَّلْب بعد العطاء ، يا أكرم الأكرمين ، نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الذلّ إلا لك ، ومن الفقر إلا إليك ، اللهمّ بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحقّ والدِّين ، وانصر الإسلام ، وأعزّ المسلمين ، وخُذ بيَدِ وُلاتهم إلى ما تحبّ وترضى ، إنَّك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018