الخطبة : 0345 - آيات من سورة البقرة3 ( الخطاب الإلهي ) - البعوضة والحوت. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0345 - آيات من سورة البقرة3 ( الخطاب الإلهي ) - البعوضة والحوت.


1991-05-10

الخطبة الأولى:
 الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين . اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم ، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر ، والطف بنا فيما جرت به المقادير ، إنك على كل شيء قدير.

شمولية الإسلام :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ انطلاقاً من أنه لا شيء يعلو على فهم كتاب الله ، ومن أن بعض الصحابة الكرام قال : " من قرأ البقرة وآل عمران جدّ في أعيننا " أي عظم في أعيننا ، وفي مطلع سورة البقرة ربنا سبحانه وتعالى بيّن أصناف البشر الثلاثة : المؤمنون والكفار والمنافقون ، وبعد أن عرض هذه النماذج خاطب الناس جميعاً . ماذا يعني قوله تعالى : يا أيها الناس ؟ أي أن الناس جميعاً مدعوون إلى رحمة الله ، أي أن الناس جميعاً مطلوبون لإكرام الله، أي أن الناس جميعاً خلقوا لهدف واحد ، أي أن الناس جميعاً خلقوا للجنة ، أي أن الناس جميعاً خلقوا لكي يرحمهم الله عز وجل . في الأرض جهة تقبل هؤلاء الناس دون هؤلاء ، وترجو هذه الطبقة دون هذه الطبقة ، وهذا الأصل دون هذا الأصل ، وهذا العرق دون هذا العرق ، هذا في الأرض ، أما في السماء فيا أيها الناس إن أكرمكم عند الله أتقاكم ، الناس سواسية كأسنان المشط ، ليس بين الله عز وجل وبين عباده قرابة إلا طاعتهم له ، هذا مما توحيه كلمة يا أيها الناس ، أي أنت أيها الإنسان مادمت إنساناً ، مادام فيك قلب ينبض فأنت مدعو إلى الله ، مدعو إلى مائدته ، مدعو إلى عطائه ، مدعو إلى إكرامه ، مدعو إلى رحمته ، مدعو إلى هداه، لا تقل : أنا كذا ، أنا لست أهلاً لهذا ، يا أيها الناس ألست من الناس ! هذه عمومية الإسلام ، هذه شمولية الإسلام ، هذه أممية الإسلام ، الناس جميعاً مدعوون إلى الله عز وجل ، هم عبيده وهو ربهم .

 

أصل الدين معرفة الله و معرفة أمره :

 يا أيها الناس ؛ ماذا طلب منا خالق الناس ؟ هذا الخالق العظيم ، وهذا الرب الرحيم، وهذا المسير الحكيم ، ما هو الطلب الأول ؟ ما هو الطلب الجامع المانع ؟ ما هو الطلب الشامل ؟

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾

[ سورة البقرة : 21]

 هذا هو الدين ، هل عرفت الرب ؟ هل عرفتم أن لكم رباً عظيماً ؟ هو الذي خلق، وهو الذي أمدكم بكل ما تحتاجونه ، أمدكم بالرعاية المادية والمعنوية والتربوية والإرشادية ، أنعم علينا بنعمة الإيجاد ، وأنعم علينا بنعمة الإمداد ، وأنعم علينا بنعمة الإرشاد .
 في هذا الأمر نقطتان أساسيتان : أن يعرف الإنسان الله ، جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال يا رسول الله : " علمني من غرائب العلم ؟ - هذه الطرف التي إذا تعلمتها وتحدثت بها في الناس ارتفع شأني ، علمني إياها - قال : وماذا صنعت في أصل العلم؟ - ما قيمة غرائب العلم ؟ ما قيمة هذه المعلومات ؟ ما قيمة هذه الطرف ؟ ما قيمة هذه المحفوظات ؟- قال : وما أصل العلم ؟ قال : هل عرفت الرب ؟ "
 الله عز وجل له أسماء كثيرة ، إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة ، هل تعلم أيها الأخ المسلم أن أقرب الأسماء إليك هو الرب ، من التربية ، هو الذي خلق ، يعرف كل حاجاتك ، هيأ لك كل متطلباتك ، أمدك بكل ضرورياتك ، هذا هو الرب ، خلقك ، أمدك ، نظر إلى اتجاهاتك ، عالجك ، ضيق عليك ، وسع عليك ، إذاً لا بدّ من معرفة الرب ، قال : هل عرفت الرب ؟ أصل الدين معرفة الله عز وجل ، ومعرفة الله كما قلت أيها الأخوة من خلال الكون ، ومن خلال الفطرة ، ومن خلال العقل ، ومن خلال القرآن ، والطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق ، أي شيء في الكون يدل عليه .

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾

[ سورة البقرة : 21]

 من كلمة اعبدوا ربكم لا بدّ من فهم شيئين : لا بدّ من معرفة الرب ، ولا بدّ من معرفة الأمر الذي نعبد به الرب ، إذاً أن تعرف ماذا أمر وماذا نهى ، ما حكم الله في هذا ؟ ما حكم الله في هذا الزواج ؟ في هذا الطلاق ؟ في هذه الشركة ؟ في هذه العلاقة ؟ في هذه التجارة؟ في هذه النزهة ؟ في هذه السهرة ؟ في هذا اللقاء ؟ هذا هو المقصود أن تعرف الله عز وجل ، وأن تعرف أمره ، بالكون تعرفه وبالقرآن تعبده ، أمره في القرآن وتفصيله في السنة .

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾

[ سورة البقرة : 21]

 هذا الأمر الموجه إلى الناس كافة ، إلى البشر جميعاً ، أسودهم وأبيضهم ، أصفرهم وأحمرهم ، غنيهم وفقيرهم ، قويهم وضعيفهم .

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾

[ سورة البقرة : 21]

علة العبادة :

 لماذا تعبدوه ؟ ما علّة العبادة ؟

﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾

[ سورة البقرة : 21]

 هل في الأرض كلها جهة تستحق أن تقدم حياتك من أجلها ؟ هل في الأرض كلها جهة مهما علا شأنها هي مؤهلة أو تستأهل أن تقدم شبابك من أجلها ؟ هل في الأرض كلها جهة تستحق أن تقدم مالك من أجلها ؟ عمرك ؟ شبابك ؟ مالك ؟ طاقتك ؟ حياتك ؟ ذكاءك ؟ خبراتك ؟ ليس إلا جهة واحدة هي الخالق .

﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾

[ سورة البقرة : 21]

 مسكين هذا الإنسان الذي وضع إمكاناته كلها في خدمة إنسان ابتغاء وجهه ومن أجله ما أضيع عمره وما أشدّ خسارته .

﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾

[سورة الكهف : 103-104]

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾

[ سورة البقرة : 21]

 يجب أن نعرف الخالق ، ويجب أن نعرف الرب ، ويجب أن نعرف المسير ، ويجب أن نقتطع من وقتنا الثمين ، ومن زهوة وقتنا ، ومن أفضل أوقاتنا وقتاً نتلو فيه كتاب الله ، وقتاً نتعلم فيه كتاب الله ، وقتاً نطبق فيه كتاب الله .

 

عبادة الله تقي الإنسان من إقبال الدنيا و إدبارها :

 يا أيها الأخوة الأكارم :

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 21]

 يا رب هذا الفعل تتقون أين مفعوله ؟ تتقون ماذا ؟ لماذا أخفى الهو مفعول هذا الفعل؟
 أيها الأخوة الأكارم ؛ في اللغة العربية إذا أغفل المفعول أطلق الفعل ، تتقون كل خطر ، تتقون كل ألم ، تتقون كل ندم ، تتقون كل حسرة ، تتقون كل إحباط ، تتقون كل خيبة أمل ، تتقون كل تمزق ، تتقون كل ضيق ، تتقون أي شيء يزعجكم ، أي شيء يخيب ظنكم، أي شيء يحبط أعمالكم ، أي شيء يوقعكم في اضطراب داخلي .

﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 21]

 أخفى الله المفعول ، إذا قلنا : تتقون النار فهذا في الآخرة ، أما إذا قلنا : تتقون ، فهذا في الدنيا والآخرة ، في مقتبل الحياة وفي منتصفها وفي خريفها ، في حالة الصحة والمرض، في إقبال الدنيا وإدبارها لعلكم تتقون .

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 21]

إعجاز القرآن الكريم :

 من هو ربكم ؟

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً ﴾

[ سورة البقرة:22]

 هذا إعجاز القرآن الكريم ضمن كل ما في الأرض من سهول ومن ترب خصيبة، من أغوار ، من جبال شاهقة ، من مستودعات للمياه ، من ثروات باطنية ، من معادن ومن أشباه المعادن ، من غابات ، من نباتات من أزهار ، من أطيار ، من أسماء ، من بحيرات ، من مناظر جميلة ، من ثروات ثمينة ، من بيئة موافقة ، حرارة رطوبة مناخ رياح أمطار سحب.

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً ﴾

[ سورة البقرة:22]

 كل هذه المعاني ، كل اليسر ، كل الحاجات ، كل ما يحتاجه الإنسان في الأرض، الأرض جعلها الله فراشاً ، وفي آية أخرى جعلها مهاداً ، كيف أنك تمهد للوليد بفراش وثير مريح، وفي آية ثالثة جعلها ذلولاً ، جعلها تأمرها فتطيعك ، لكل شيء له علامة وعلامات وبالنجم هم يهتدون ، أعطاك الأشياء وأعطاك طريقة استعمالها ودلك عليها .

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً ﴾

[ سورة البقرة:22]

 من أجل أن تطمئنوا ، شحت السماء قليلاً فاضطرب الناس ، هذه التربة تنبت من شأنها أن تنبت ، وهذه البذرة من شأنها أن تنبت ، وأن تنبت أضعافاً كثيرة كي تعمل في الزراعة، وهذا الحجر يصمد وهذا الحديد قاس ، وهذا متين ، من أعطى خواص الأشياء ؟ خواص المعادن ؟ خواص المواد ؟ خواص العناصر ؟

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً ﴾

[ سورة البقرة:22]

 هذا هو ربكم ، أودع في صدر المرأة هذا الحليب .

﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾

[ سورة البلد : 8 -10]

 في حليب الأم مناعة الأم كلها ، في حليب الأم مادة تمنع التصاق الجراثيم بالأمعاء، في حليب الأم مادة مطهرة ، في حليب الأم ميزات كثيرة جداً لا تظهر آثار انعدامها إلا في سنوات متأخرة ، قد تقرأ كتاباً من ألفي صفحة ومراجعه خمسمئة مرجع ومصدر كل هذا بالعين التي هي من آيات الله الدالة على عظمته .

 

نعم الله عز وجل تعرف الإنسان بربه و تدله على الطريق الصحيح :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ لا بدّ من جولة في خلق السموات والأرض ، لا بدّ من وقفة متأنية في خلق الإنسان ، إياكم أن تستهلكوا ، إياكم أن تستهلككم الحياة ، إياكم أن تصبحوا عجلة تدور بلا معنى ، إيانا أن نكون جميعاً نأكل ونشرب وننام ونصحو ويوماً كيوم حتى يأتي الأجل وبضاعتنا من الآخرة زهيدة ، هذه الدار الآخرة ، هذه الدار المديدة ماذا أعددنا لها ؟ ماذا أعددنا لساعة اللقاء ؟ ماذا أعددنا لنزول القبر ؟ ماذا أعددنا لمغادرة الدنيا ؟ هل نحن قادمون على حياة أعظم حتى لا نندم على تركها ؟ هذا موضوع خطير ، هذا موضوع مصيري أن يقف الإنسان في زحمة الحياة ، أن يقف الإنسان والعجلة تسير ، أن يقف الإنسان والناس مزدحمون حول الدنيا ، أن يقف ليسأل أين كنت ؟ وإلى أين المصير ؟ وما هي جدوى حياتي ؟
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ ربنا يبين هذه الموضوعات للدراسة ، إذا ذكر الله بعض الآيات فهي عنوانات وليست بعض الموضوعات ، عنوانات لموضوعات كبيرة .

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً ﴾

[ سورة البقرة:22]

 أي اعبدوا الذي جعل لكم الأرض فراشاً ، أي مستقرة ، لو أنها مضطربة ، الهواء لطيف لو اشتد الهواء لأصبح مئتا ألف إنسان في عداد القتلى من شدة الهواء ، خمسون ألفاً تحت الأنقاض حينما اضطربت الأرض ، هذه كلها آيات دالة على نعم الله عز وجل .

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾

[ سورة البقرة:22]

 البناء الشيء المحكم ، السماء بناء وجعلها سقفاً مرفوعاً محفوظة :

﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾

[سورة الحج: 65]

 جعلك تطمئن إلى ما تحتك وإلى ما فوقك ، تريد أن تأكل :

﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ﴾

 هذا من فعل الله وحده ، لا تقل : منخفض جوي ، لا تقع في هذه العبارات الجوفاء ، لا تكن أسير عادات لا معنى لها .

﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ﴾

  هذا الذي تأكله رغيف الخبز ، طبق الطعام ، الخضار والفواكه خصيصاً لكم ، خلق لكم ، صمم لكم ، لو أنك جائع جوعاً شديداً ، ورأيت مائدة طيبة وأكلت ألا تسأل : من أطعمني ؟ من صاحب هذه المائدة حتى أقول له شكراً ؟ المرء يقول : اشتريت هذه من المحل كذا بضاعته جيدة ، ودفعت ثمن الفواكه كذا ، وكأن الله لا علاقة له بما تأكل وبما تشرب ، أما المؤمن إذا شرب كأس الماء ، وإذا تناول الطعام فدائماً يرى فضل الله عز وجل ، هذا الإيمان رؤية مستمرة لفضل الله ، شعور بأنك مغمور برحمة الله ، إذا رأيت نعم الله عز وجل هو أوجدك ، وهو أمدك ، وهو أرشدك ، وهو أعطاك ، بقي عليك أن تعبده ، أن تسأل عنه ، أن تتعرف عليه ، أن تتعرف إلى أمره ، أن تقول : أين أنا ؟ أن تقول : أين المصير ؟ ألم تسمعوا بالحديث الشريف الذي يقول الله عز وجل فيه :" عبدي - في الساعة التي ينزل فيها بالقبر - رجعوا وتركوك ، وفي التراب دفنوك ، ولو بقوا معك ما نفعوك ، ولم يبق لك إلا أنا وأنا الحي الذي لا يموت" .
 ليس لهذا الإنسان إلا الله إلى أبد الآبدين ، كيف علاقتك به الآن ؟ هل أنت مقيم على معصيته ؟ هل تبحث عن أمره فتطبقه ؟

 

عدم الاتجاه إلى غير الله و نسب الفضل إليه :

﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً﴾

  لا تقل : فلان وعلان وزيد وعبيد ، وهذا الجهة تسعدني وهذه تؤذيني ، وهذه ترفعني وهذه تخفضني ، لا تر مع الله أحداً ، إذا رأيت مع الله أحداً فهذا شرك واضح .

﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾

  هذا خلق الله يدل عليه ، وهذا كتابه يدل عليه .

﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾

[ سورة البقرة: 23]

 إذاً الدليل على أن هذا القرآن كلام الله هو إعجازه .

﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ﴾

[سورة الإسراء: 88]

 الدليل الأول على أن هذا القرآن كلما تلوته . . وكلما تدبرته . . وكلما وقفت عند آياته . . وكلما وقفت عند إشاراته . . وكلما وجدت الأمر الإلهي . . شموله . . صدقه . . صلاحه لكل زمان ومكان ، ازددت يقيناً أن هذا كلام الله ، ولا يعقل أن يكون كلام بشر ، لا يمكن أن يكون هذا الكلام من صنع بشر ، لذلك ربنا عز وجل أشار إلى السموات والأرض .

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً﴾

[ سورة البقرة:22]

 لا تتجه إلى غير الله ، لا تنسب الفضل لغير الله ، لا تعزُ النعمة إلى غير الله ، لا تر مع الله أحداً فاعلاً في الكون ، لا ترجُ غير الله ، لا تخف من غير الله ، لا ترهب من غير الله ، لا تسع إلى غير الله .

﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة البقرة:22]

 أن الله هو الخالق .

 

المبادرة إلى الأعمال الصالحة :

 الله عز وجل نقلنا إلى كتابه قال :

﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾

[ سورة البقرة: 23]

 في شك ، في تساؤل لعله كلام محمد ، لعل محمداً عبقري الجنان ، لعله كان ذكياً جداً نظم هذا الكتاب وأوهم الناس أنه كلام الله .

﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾

[ سورة البقرة: 23-24]

 هذا هو المصير ، إن لم تؤمن بآيات الله الكونية ، وإن لم تؤمن بآياته القرآنية ، وإن أنكرت الخالق ، وأنكرت منهجه ، وتحركت على هواك وفق مزاجك ووفق مصالحك ، أين المصير؟ يقول عليه الصلاة والسلام في حديث مخيف : " بادروا بالأعمال الصالحة فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا ؟" لو أن إنساناً قال : هذا الدين خرافي وهذه غيبيات ، وأنا أريد أن أكون إنساناً واقعياً علمانياً ، أي هذه الدنيا ما مصيرها ؟

((...هل تنتظرون إلا فقراً منسياً ، أو غنى مطغياً ))

[ الحاكم عن أبي هريرة ]

 الغنى المطغي أيها الأخوة مصيبة من أكبر المصائب ، أي أن يحملك المال على أن تعصي الواحد الديان ، أن يحملك المال على الغرور ، أن يحملك المال على أن ترى نفسك كبيراً ، أن يحملك المال على أن تتحدى الآخرين ، الله كبير .

(( هل تنتظرون إلا فقراً منسياً ، أو غنى مطغياً ، أو مرضاً مفسداً ))

[ الحاكم عن أبي هريرة ]

 غدة صغيرة لا يزيد حجمها عن حبة العدس يمكن أن تقلب الحياة إلى جحيم ، أنبوب صغير لو سدّ ، قناة الدمع لو سدت ، أنت بحاجة إلى أن تمسح دموعك بمنديل باستمرار، لو أن هذه الجفون ارتخت مرض اسمه ارتخاء الجفون لا ترى الشخص إلا إذا أمسكت بجفنيك ورفعتهما ، لو أن شرياناً سدّ في الدماغ شلل . . جنون . . فقد ذاكرة ، لو أن الكبد تعطل عن وظائفه ثلاث ساعات تتوقف الحياة ، لو أن الكليتين توقفتا فجأة ، لو أن دسام القلب له وضع غير صحيح ، إلى أين تسير أنت أيها الإنسان ؟ على أي شيء تعتمد ؟ لذلك يقول صلى الله عليه وسلم :

((هل تنتظرون إلا فقراً منسياً ، أو غنى مطغياً ، أو مرضاً مفسداً ، أو هرماً مفنداً))

[ الحاكم عن أبي هريرة ]

 ألا ترى الذين تقدم بهم السن ولم يكونوا في شبابهم طائعين كيف أن عمرهم أصبح ثقيلاً على من حولهم ؟ كيف أنهم يردون إلى أرذل العمر ؟ إلى سن الطفولة المتأخرة ؟ لكيلا يعلم من بعد علم شيئاً :

(( أو هرماً مفنداً ، أو موتاً مجهزاً ، أو الدجال فشر غائب ينتظر ، أو الساعة والساعة أدهى وأمر ))

[ الحاكم عن أبي هريرة ]

عاقبة من لم يتقِ الله و ينفذ أوامره :

﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾

  هذا الردع ، ما قيمة هذه الدعوة الإلهية من دون الردع وبيان المصير ؟

﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾

[ سورة البقرة: 24]

 أما إذا فعلتم ، وأما إذا آمنتم بخالقكم وربكم من خلال آياته الكونية ، ودرستم آياته القرآنية وعملتم بها :

﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 25]

 هذا كلام خالق الكون ، لا يوجد حل وسط إما أن تؤمن به فتسعى بكل طاقتك ، وإما ائت بالدليل على أنه ليس كلام الله ، كن ذا موقف واضح ، هذا الموقف الضبابي ، التردد، الأمور كلها غير واضحة ، لا . . ليس هذا من شأن المؤمن ، إما أن تؤمن أن هذا كلام الله ، يجب ألا تنام الليل من باب المبالغة طبعاً ، يجب أن تسعى بكل طاقتك لمعرفة خالقك ، لمعرفة منهجه ، للإعداد لساعة اللقاء ، وإن كان عندك الدليل القطعي أن هذا ليس كلامه فائت به .

﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾

[ سورة البقرة: 23]

 فإن لم تأت بالدليل فعليك أن تسعى بكل طاقتك لمعرفة ربك ، واستغلال هذه الحياة الثمينة لأن العمر ساعة فاجعله طاعة .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ هذه آيات من سورة البقرة دعوة للناس جميعاً :

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 21]

﴿يَا أَيُّهَاالَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾

[سورة الأنفال : 24]

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

البعوضة و الحوت :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ الآية التالية تناسب موضوع الخطبة الثانية :

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً ﴾

[ سورة البقرة: 26]

 لا أعتقد أن في الأرض كلها مخلوق أهون على الناس من البعوضة ، أي لو أنك قتلت هرة تقف ماذا أفعل كي يسامحني الله عز وجل ؟ لو قتلتها خطأً تقف ، ثم إذا قتلت بعوضة بماذا تشعر ؟ هل تشعر أنك قتلت نفساً ، يمكن أن تقتل آلاف البعوض وأنت مرتاح الضمير ، لهوانها على الناس ، لذلك النبي الكريم قال :

(( لو أن الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء ))

[مسلم وأبو داود عن جابر بن عبد الله ]

 قال : إن الله خالق الكون لا يستحيي أن يضرب لكم مثلاً بعوضة :

﴿ مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ﴾

[ سورة البقرة: 26]

 قال : هذه البعوضة لها ثلاثة قلوب ؛ قلب مركزي ولكل جناح قلب ، هذه البعوضة تملك جهاز رادار بكل ما في هذه الكلمة من معنى ، الغرفة مظلمة وهناك إنسان نائم على فراش وهي في أعلى السقف تتجه إلى جبينه ، وتملك جهاز تحليل دم ، أخوان ينامان على فراش واحد تتجه إلى أحدهما دون الآخر ، وجهاز تمييع للدم ، وجهاز للتخدير ، أربعة أجهزة تملكها البعوضة ، جهاز رادار وجهاز تحليل وجهاز تمييع وجهاز تخدير ، وجناح البعوضة يرف في الثانية أربعة آلاف رفة إلى درجة الطنين ، قد تمر من جنب أذنك بعوضة تحس بالطنين فقط ، هذا الطنين يعني أربعة آلاف رفة في الثانية .

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ﴾

[ سورة البقرة: 26]

 قلب مركزي ، وقلب لكل جناح ، وأربعة آلاف رفة في الثانية ، وجهاز رادار ، وجهاز تحليل ، وجهاز تخدير ، وجهاز تمييع ، وإذا أرادت أن تقف على سطح أملس زود الله أرجلها بمحاجم تعتمد على تفريغ الهواء ، وإذا أرادت أن تقف على سطح خشن لها مخالب لهذه الأرجل ، تستخدم المخالب أو المحاجم .

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ﴾

[ سورة البقرة: 26]

 ليست البعوضة أقل شأناً من الحوت الأزرق الذي يبلغ وزنه أكثر من مئة وخمسين طناً ، ويستهلك وليده في الرضعة الواحدة ثلاثمئة كيلو ، ثلاث رضعات تقدر بطن من الحليب يومياً ، وإذا أراد الحوت أن يأكل أكلة متوسطة يملأ بها معدته يحتاج إلى أربعة أطنان من السمك ، هذه وجبة ليست دسمة ، هذا هو الحوت ، ليس خلق البعوضة بأقل من خلق الحوت ، والدليل :

﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾

[سورة تبارك:3]

﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾

[سورة طه:49- 50]

 خلق كامل بدءاً من الفيروسات التي لا ترى إلا بالمجاهر الإلكترونية ، وهناك مخلوقات أدق من ذلك ، والمجرات التي تبعد عنا ستة عشر ألف مليون سنة ضوئية ، ذلكم الله رب العالمين ، من الذرة إلى المجرة نظام واحد ، إتقان واحد ، صنع الله الذي أتقن كل شيء .

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾

[ سورة البقرة: 26]

 يخشعون ، يزدادون إيماناً ، يزدادون تعظيماً ، يزدادون خشوعاً ، يزدادون انصياعاً لله عز وجل ، يتجدد إيمانهم بهذه الآيات .

﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ ﴾

[ سورة البقرة: 26]

 حينما تتبع شهوتك وتنحرف عن أمر الله لن تؤمن ، لأن العقل أصبح في خدمة الشهوة ، يفلسف الشهوة ، يبرر الشهوة ، يبحث عن حجج تغطي انحرافه ، أما إذا استقمت على أمر الله فترى الحق حقاً ، والدعاء النبوي : " اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه " .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018