الخطبة : 0344 - آيات من سورة البقرة2 ( النماذج البشرية ) - فوائد الصلاة والحجامة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0344 - آيات من سورة البقرة2 ( النماذج البشرية ) - فوائد الصلاة والحجامة.


1991-05-03

الخطبة الأولى:
 الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين . اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الهدف الذي رسم في القرآن للإنسان عليه أن يسعى إليه بخطا ثابتة وعزم أكيد :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ في الخطبة السابقة وضحت بعضاً مما تشير إليه الآيات الكريمة في أول سورة البقرة ، فالمتقون هم الذين يؤمنون بالغيب ، والغيب ما غاب عن حواسك وما غاب عن عقلك ، الغيب الأول أو قمة الغيب أن تؤمن بالله عز وجل الذي لا تدركه الأبصار ، إلا أن العقل يصل إلى الله تعالى ، أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً ، وأن تؤمن أيضاً بما أخبر الله به ، وما أخبر الله به يخرج عن دائرة حسك ، وعن دائرة عقلك ، ولا سبيل لليقين به إلا الخبر الصادق .

﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 3]

 وبينت أن الإنفاق أن تنفق شيئاً ينتفع الناس به ، فالعلم رزق ، والقوة رزق ، والجاه رزق ، والخبرة رزق ، والعضلات رزق ، وأي شيء ينتفع به الناس رزق .

﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 3]

 أما الهدى فهو الدلالة الموصلة إلى المطلوب ، ومن لوازم الهدى أن هناك من يهدي وهناك من يُهدى ، وهناك هدف تسعى إليه ، هذا الهدف إذا رسمته أنت ، أو رسم لك من بني البشر ربما اهتزت قيمته في منتصف العمر ، وربما تلاشت قيمته وأنت على شفير القبر، ولكن إذا أخذت هذا الهدف ممن خلق السموات والأرض كان هذا الهدف ثابتاً وسعيت إليه ولم تصب بخيبة أمل ، وما من شعور أيها الأخوة أمض في حياة الإنسان من الشعور بالندم ، ومن الشعور بالخسارة ، فالمؤمن لم يتخذ هدفاً رسمه هو بدافع من شهواته ، ولا بدافع من نزواته ، ولا بدافع من أهوائه ، ولكن الهدف الذي رسم في القرآن لهذا الإنسان جعله هدفاً ، لذلك هو يسعى إليه بخطا ثابتة ، وبعزم أكيد ، وبتفاؤل كبير .
 فالمؤمنون يؤمنون بالغيب ، ويقيمون الصلاة ، ومما رزقناهم ينفقون ، جانب عقلي وجانب انفعالي وجانب سلوكي .

﴿ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى﴾

[ سورة البقرة : 4-5]

 جاءت كلمة [ على ]  كما ذكرت في الأسبوع الماضي لتبين أن المهتدي أعظم من الهدى ، وأن الهدى جاء ليرفعك لا ليذلك ، جاء ليطلقك من أسر الشهوات لا ليقيدك ، الهدى جاء ليجعلك مكرماً ، لكن الكفر فوق الكافر ، من كفر فعليه كفر ، والضلال يأتي ليجعلك مقيداً .

﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 81]

أصناف البشر ثلاثة ؛ مؤمن و كافر و منافق :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ هذا ملخص ما جاء في الخطبة السابقة ، ربنا سبحانه وتعالى في مطلع سورة البقرة رسم ثلاثة نماذج بشرية موجودة في كل زمان ومكان : المؤمنون والكافرون والمنافقون ، الشيء الذي يلفت النظر أن المؤمنين وردت أوصافهم في أربع آيات ، وأن الكفار وردت أوصافهم في آيتين فقط ، وأن المنافقين وردت أوصافهم في ثلاث عشرة آية ، لماذا ؟ لأن النفاق داء عضال لكنه باطني ، أي أن المنافق يكون غارقاً في النفاق ولا يدري أنه منافق ، وهذا من خطورة المرض ، الأمراض الخطيرة هي التي لا أعراض ظاهرة لها ، أما أي مرض يرافقه ألم شديد ، أو أي شعور معين فهذا المرض يتنبه له الإنسان في الوقت المناسب ، فربنا سبحانه وتعالى بيّن في هذه السورة أصناف البشر الثلاثة .

 

ثمرات الإيمان :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ المؤمن لأنه آمن بالله ، آمن بخالقه ، آمن بربه ، آمن بمسيره ، آمن بالوجود ، وآمن بالوحدانية ، وآمن بالكمال ، هذا المؤمن شعر بانسجام مع ذاته ، لأن فطرة الإنسان تقتضي الإيمان ، ولأن عقل الإنسان يقتضي الإيمان ، فأول ثمرة من ثمرات الإيمان سلام مع ذات الإنسان ، القلب يعقل ، والفكر يؤمن ، والعين ترى ، واللسان ينطق ، والأذن تسمع ، وهناك انسجام بين هذه الحواس وبين القلب والفكر ، ليس في الحياة شيء أشدّ إيلاماً من التناقض ، من التذبذب ، من احتقار الذات ، من الانهيار الداخلي ، المؤمن في سلام مع نفسه ، لأنه آمن بقلبه ، وأدرك بعقله ، وتكلم بلسانه ، ورأى بعينه .
 هذا الانسجام بين القلب وبين الفكر وبين الجوارح انسجام يورث طمأنينة وسلاماً مع نفسك ، وفضلاً عن هذا الانسجام الذي يقطفه المؤمن كثمرة من ثمار إيمانه هناك سلام مع مجتمعه ، لماذا ؟ لأنه سار على منهج الله عز وجل ، هذا لي وهذا ليس لي ، هذا حلال وهذا حرام ، هذا يرضي الله وهذا لا يرضي الله ، لمجرد أنه يطبق منهج الله عز وجل الناس كلهم يحبونه ، لأنه ما اعتدى ولا طغى ولا بغى ولا تجاوز الحدود .
 الثمرة الثانية أن المؤمن يجني سلاماً مع مجتمعه ، في بيته مع أهله وأولاده ، مع طلابه ، مع زبائنه ، مع مرؤوسيه ، مع من رافقه ، مع زملائه ، سلام مع نفسك وسلام مع مجتمعك ، فإذا جاء ملك الموت فأنت في سلام مع ربك .

﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ ﴾

[سورة الحجر : 46]

﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ﴾

[سورة الزمر : 73]

 أولى ثمرات الإيمان التي تجنيها في الدنيا أنك تكتشف فطرتك وتنسجم معها ، تهتدي بعقلك إلى الله فينسجم إيمانك مع ما يعطيه عقلك من أدلة وبراهين .

 

الكافر يحقق السلام مع نفسه و لكنه يفقد السلامة مع مجتمعه :

 ولكن الكافر ؟

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾

[ سورة البقرة : 6-7]

 ربما بدا لأول وهلة أن الكافر في سلام مع نفسه ، بمعنى أنه أنكر وجود الله عز وجل ، أو أنكر بعض أسمائه وتكلم بهذا ، ليس هناك تناقض ولكن حين كفر بالله عز وجل من لوازم كفره بالله أنه كفر بمنهجه ، فإذا كفر بمنهجه تحرك حركة عشوائية بلا قيد ولا شرط وبلا منهج ، بلا قاعدة ، بلا قانون ، بلا قيم ، بلا أمر ، بلا نهي ، هذه الحركة التي بدافع من نزواته ومصالحه ومطامحه وشهواته أوقعته في العدوان . إذاً الكافر وإن بدا لك أول وهلة أنه في سلام مع نفسه لكنه وقع في حرب طاحنة مع من حوله .
 وهناك شيء آخر : من جانب الله عز وجل وقع تحت العقاب الإلهي ، وتحت آلام الحسرة ، وتحت الندم ، وتحت مشاعر الخسران ، ومشاعر خيبة الأمل ، فإن حقق الكافر الذي أعلن عن كفره ما يسمى سلاماً مع نفسه لكنه فقد السلامة مع مجتمعه ، وفقد السلام مع ربه .

 

المنافق ازدواجي في عقيدته و خواطره و سلوكه :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ أما المنافق فهذا الذي وقع في تناقض مع نفسه :

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة البقرة : 8]

 ربنا عز وجل نفى عنهم الإيمان ، ودقة القرآن أيها الأخوة الله سبحانه وتعالى لم يقل : ومن الناس من يؤمن بالله ، لا ، بل قال : من يقول آمنا ، هو يدّعي الإيمان ، يفتري على الله كذباً ، يزعم ، يوهم ، يكذب ، يدلس ، يزور ، وكل إنسان يدّعي أنه مؤمن وأن إيمانه كإيمان الصحابة ، وأنه ذو إيمان قوي يجب أن يوضع على إيمانه إشارة استفهام ، لأن المؤمن في وجل ، لأن المؤمن في قلق شريف ، لأن المؤمن يخاف من النفاق .

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾

[ سورة البقرة : 8-9]

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ ربنا عز وجل يقول :

﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾

[ سورة البقرة : 9]

 أي إذا شعر الإنسان بأعراض مرض معين وتوجه إلى الطبيب وأمره أن يحلل ، فذهب إلى المحلل وأعطاه أن النتائج سلبية ، وأن الأرقام عالية جداً عن الحد الطبيعي ، فهذا المريض إذا زور هذه الأرقام للطبيب وجعلها طبيعية يكون قد خدع من ؟ ما خدع إلا نفسه ، إذا قرأ الطبيب التحليل ورأى أن النسب كلها طبيعية يقول : جيد والأمر بسيط ليس هناك مرض ، أي هذا الذي يخدع الله أو يخدع المؤمنين هو في الحقيقة يخدع نفسه .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ الإنسان إذا أراد أن يمدحه الناس وهو ليس كذلك إنما يحتقر نفسه ، إنما يحترم الناس على حساب احتقار نفسه ، شعور دقيق جداً لا يعرفه إلا من فقده ، هذا الشعور يسمى احترام الذات ، المنافق يحتقر ذاته لأنه يسعى لسمعة جوفاء ، لأنه يسعى لمدح الناس ، يستجدي مديحهم ، يستجدي استحسانهم ، يستجدي ثنائهم وهو ليس كذلك، إنه في حرب مع نفسه ، باطنه في واد وظاهره في واد ، سريرته في واد وعلانيته في واد ، أفكاره في واد وما يعلن عنه في واد ، هذا أكبر مرض يعاني منه المنافق أنه في حرب مع نفسه ، لأنه ازدواجي في عقيدته ، ازدواجي في خواطره ، ازدواجي في مشاعره ، ازدواجي في سلوكه .

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة البقرة : 8]

 نفى عنهم الإيمان .

﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾

 أيها الأخوة الأكارم ؛ المؤمن في بداية الطريق يحتاج لمصارحة مع نفسه ، ويجب ألا يعنى كثيراً بأقوال الناس فيه ، لأنه إذا أراد سمعة بين الناس كان ذلك على حساب بنيانه الداخلي ، فالمنافق يسعى لمديح الناس ، يسعى لعلاقته الطيبة مع الناس ، ولكنه أمام نفسه محتقر ، احترام الذات شعور ثمين جداً لا يعرفه إلا من فقده .

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة البقرة : 8]

 نفى عنهم الإيمان مع أنهم ادعوا هذا الإيمان ، كلّ يدعي وصلاً بليلى وليلى لا تقرّ لهم بذاك .

 

صفات المنافقين :

﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾

 الله سبحانه وتعالى ما قال : يخادعون الله ويخادعون الذين آمنوا ، قال : يخادعون الله والذين آمنوا ، أي إذا خدعت الذين آمنوا فكأنما خدعت الله عز وجل ، وإذا خدعت الله عز وجل فكأنما خدعت الذين آمنوا ، والله سبحانه وتعالى لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء ، علم ما كان وعلم ما يكون وعلم ما سيكون وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون ، يعلم السرّ وأخفى ، يعلم علانيتك ، ويعلم سرك ، ويعلم ما خفي عنك أنت أيضاً .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ قال الله تعالى متابعاً صفات المنافقين :

﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾

[ سورة البقرة : 10]

 قال بعض المفسرين : هذا المرض هو حبّ الدنيا ، وقال عليه الصلاة والسلام: " حب الدنيا يعمي ويصم " وقال عليه الصلاة والسلام : " حب الدنيا رأس كل خطيئة " وقال عليه الصلاة والسلام : " الدنيا جيفة طلابها كلابها " وقال عليه الصلاة والسلام : " ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما يأخذ المخيط إذا غمس في مياه البحر " وقال عليه الصلاة والسلام : " لو أن الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء ".
 دخل عمر الفاروق عليه رضوان على النبي صلى الله عليه وسلم وكان مضطجعاً على حصير ، وقد أثر الحصير في خده الشريف ، فبكى عمر ، فقال النبي الكريم : يا عمر ما يبكيك ؟ قال : رسول الله ينام على الحصير وكسرى ملك الفرس ينام على الحرير ، هناك روايتان : الأولى تقول : أن النبي عليه الصلاة والسلام قال : يا عمر أما ترضى أن تكون الدنيا لهم والآخرة لنا ؟ والرواية الثانية تقول : قال يا عمر : إنما هي نبوة وليست ملكاً .

﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾

[ سورة البقرة : 10]

 أي إذا سعيت إلى تأمين طعامك وشرابك . . وإلى تأمين مواد عيشك . . وإلى زواج مشروع كما أمر الله عز وجل . . وإلى شراء منزل تأوي إليه ، هذه ليست الدنيا التي ذمها الله عز وجل ، إذا سعيت إلى مقومات حياتك فأنت في عبادة ، إذا سعيت إلى مقومات حياتك من دون أن تخرج عن منهج الله عز وجل فأنت في عبادة ، ولكن إذا حملتك الدنيا على معصية . . إذا حملك طلب الدنيا على معصية . . إذا دفعك حب الدنيا إلى ارتكاب فاحشة . . إذا دفعك حب الدنيا إلى اقتناص ما ليس لك ، فهذا هو الحب الذي ذمه الله عز وجل في قرآنه الكريم ، قال تعالى :

﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً﴾

[ سورة البقرة : 10]

 حينما تحول هذا الحب إلى انحراف ، حب الدنيا شيء كامن في النفس إذا أصرّ عليه الإنسان انقلب إلى عمل ، فالشيء الكامن أصبح سلوكاً ، والشيء الكامن أصبح انحرافاً ، والشيء الكامن أصبح عدواناً ، والشيء الكامن أصبح طغياناً .

﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 10]

 هناك ازدواجية في حياتهم ، هناك إعلان وهناك إبطان ، هناك علانية وهناك سر، هناك ما يقال وهناك ما لا يقال .

 

الحكمة من إفاضة الله سبحانه وتعالى في وصف المنافقين :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ لماذا أفاض الله سبحانه وتعالى في وصف المنافقين ؟ لأنه المرض الخطير الذي يستشري بين المؤمنين ، لأن الله جلً جلاله يقول في كتابه العزيز:

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾

[سورة النور:55]

 هذا وعد الله عز وجل ، هذا وعد خالق الكون ، فإن لم يحقق الوعد يجب أن نشك في إيمان المؤمنين ، يجب أن نشك في مصداقية دعوتهم ، لا أن نشك في مصداقية وعد الله عز وجل ، يا أيها الأخوة الأكارم ؛

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 11]

 المؤمن كما وصفه النبي عليه الصلاة والسلام قال : " ليس منا من فرق " ليس من طبع المؤمن الإفساد ، ولكن الإفساد من طبع المنافق ، سمة أساسية من سمات المنافق ، يفسد العلاقات ، يفسد الترابطات بين الزوج وزوجته ، وبين الأخ وأخيه ، وبين الشريك وشريكه ، وبين الجار وجاره ، دائماً يسعى لإفساد العلاقات بين الناس .

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 10]

 يدعون الإصلاح وهم في الحقيقة مفسدون ، يدعون الصواب وهم في الحقيقة مخطئون ، يدعون أنهم على حق وهم في الحقيقة على باطل .

﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ﴾

[ سورة البقرة :12-13]

 نظرة المنافق للمؤمن على أنه سفيه ، على أنه ضعيف العقل ، على أنه من المرتبة الدنيا الاجتماعية ، النظرة الطبقية أيها الأخوة ليست من صفات المؤمن ، المؤمن أخو المؤمن ، المسلم أخو المسلم ، لا يحقره ، ولا يظلمه ، ولا يخذله ، ولا يسلمه ، المسلم أخو المسلم ، إن لم تشعر أنك أنت وأخوك في مرتبة واحدة فليس من الإسلام في شيء ، كلكم يسمع أن صحابياً جليلاً من أصحاب النبي عليهم رضوان الله في ساعة غضب تكلم بكلمة ما ينبغي أن يتكلمها ، خاطب سيدنا بلالاً فقال : يا بن السوداء ، فلما سمع النبي عليه الصلاة والسلام قال : يا فلان إنك امرؤ فيك جاهلية ، طف الكيل ، فما كان من هذا الصحابي وقد شعر بخطئه الكبير إلا وضع خده على الأرض ليدوس عليه بلال .
 هكذا ، حينما افتدى سيدنا الصديق سيدنا بلالاً من أمية بن خلف قال له : والله لو دفعت به درهماً واحداً لأعطيتك إياه ، رأى الصديق في هذا الكلام إهانة لهذا المؤمن الصادق فقال : والله لو طلبت مئة ألف درهم لأعطيتك ، نقده الثمن ووضع يده تحت إبطه تعبيراً عن المساواة التامة بين المؤمنين وقال : هذا أخي ، وكان سيدنا عمر إذا علم أن بلالاً قد قدم المدينة كان يخرج إلى ظاهرها لاستقباله .

 

الخلق كلهم عند الله سواسية ليس بينه وبينهم قرابة إلا طاعتهم له :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ الإسلام سوى بين الناس ، كلكم من آدم وآدم من تراب، لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى ، إن أكرمكم عند الله أتقاكم ، النبي عليه الصلاة والسلام خاطب سيدنا سعد بن وقاص هذا الذي ما فدى النبي واحداً من أصحابه إلا هو ، قال : " ارم سعد فداك أبي وأمي " قال : " هذا خالي أروني خالاً مثل خالي " ماذا قال عنه سيدنا عمر ؟ قال : يا سعد لا يغرنك أنه قد قيل خال رسول الله ، فالخلق كلهم عند الله سواسية ، ليس بينه وبينهم قرابة إلا طاعتهم له . يجب أن تشعر أنك عبد لله ، وأن أي إنسان مهما علت مرتبته هو عبد لله ، وأن أي إنسان مهما دنت مرتبته فهو عبد لله ، وبإمكان هذا الإنسان أن يكون أعلى منك عند الله ، هذا الشعور الموضوعي يجعلك متواضعاً ، يجعلك ذا منطق واضح ، وذا قيم ثابتة .

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ﴾

[ سورة البقرة :13]

 قل لي من تقدر أقل لك من أنت ، إذا كنت تعظم أصحاب الأموال فأنت على شاكلتهم ، أما إذا كنت تعظم المؤمنين وترى فيهم مكانة كبيرة فأنت مؤمن ورب الكعبة .

 

الإسلام واضح نقي و ظاهر جلي :

﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا﴾

  إذا لقوهم في أماكن عامة قالوا : نحن مؤمنون ،

﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾

  الذي يقال في الخلوة ليس حقاً ، الحق ما قيل في الجلوة ، ما قيل على ملأ ، ما قيل أمام الناس ، النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

((قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ))

[ ابن ماجه عن العرباض ]

 ليس في الإسلام عمل يعمل في السر ، ليس في الإسلام عمل يعمل في الخلوات، الإسلام واضح نقي ، ظاهر جلي ، الحق ما أمكنك أن تقوله على رؤوس الأشهاد لأن معك الدليل ، الحق لا يخشى من البحث فيه لأنه حق ، ولأن دليله معه ، لكن الذي يقال في الخلوات ويقال في الاجتماعات المغلقة هذا ليس حقاً ، بمعنى أن الإنسان إذا التقى مع أخ وأسرّ له سريرة لا يستطيع أن يبوح بها أمام الناس ، هذا شيء قد لا يرضي الله عز وجل .

﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾

[ سورة البقرة :14-15]

استهزاء المنافقين بالمؤمنين و تفضيلهم الضلالة على الهدى :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ أنت تستهزئ بالمؤمن هذا الذي عرف ربه ، أنت تستهزئ باستقامته ، أنت تستهزئ بحبه لربه ، أنت تستهزئ بمؤاثرته طاعة الله على طاعة خلقه ، إذا استهزأت به فقد تجرأت على خالقه ، من أكرم مؤمناً فكأنما أكرم ربه ، ومن أساء الظن بأخيه فكـأنما أساء الظن بربه ، هؤلاء المنافقون يؤتون باللغة الدارجة ، يتحدثون عن المؤمنين في خلواتهم كلاماً لا يرضي المؤمنين ، أجدب عرض عليه كذا وكذا فرفض أين عقله ؟ جاءته فرصة سانحة فلم يستغلها لأنها تخالف أمر الله عز وجل .

﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾

[ سورة البقرة :14-15]

 خالق الكون يستهزئ بهم ، وكيف يستهزئ بهم ؟ الله عز وجل يقول :

﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً ﴾

[سورة النساء: 145]

 من الرابح ؟ استهزأ في حياته بالمؤمنين ، رآهم ضعاف العقول ، رآهم في سذاجة على حسب زعمه ، رآهم قد ضيعوا دنياهم من أجل آخرتهم ، رآهم في مؤخرة الركب على تقديره هو .

﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾

[ سورة البقرة :15-16]

 أي نصيبه من الدنيا أنه كان ضالاً ، وأما الهدى فكان متاحاً له ، كان ممكناً من الهدى ، جاءه كتاب الله ، جاءه من يفسره له ، أودع الله فيه عقلاً ، زوده بفطرة نقية ، جعل الحوادث كلها تؤكد ما في كتاب الله ، إن تأمل في الحوادث عرف الله ، وإن أعمل عقله عرف الله ، وإن أصغى إلى فطرته عرف الله ، يكفي أن تراقب الحوادث ترى أن الله عز وجل يحدث هذه الحوادث كآيات دالة على وجوده ، وعلى عدالته ، وعلى كماله ، وعلى وحدانيته ، من أي طريق شئت فالطريق سالك ، الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق ، الكون طريق ، والعقل طريق ، والقرآن طريق ، والأحداث طريق ، والفطرة طريق ، والمصائب طريق ، وكل شيء في الكون يدل على مكون الكون .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ الإسلام واضح ، الإسلام نقي ، الإسلام صفحة بيضاء ، الإسلام يعمل تحت الأضواء ، الإسلام دين الله ، الإسلام منهج الله ، الإسلام مرتكز إلى قوانين العقل ، الإسلام مرتكز إلى قوانين الفطرة ، الأحداث كلها تؤكد ما في القرآن .

﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾

[سورة النحل: 112]

 كل الأحداث تؤكد ما في القرآن ، والقرآن يكشف لك سرّ الأحداث ، الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق .

﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾

[ سورة البقرة :14]

سرّ نجاح المؤمن أنه أحسن الاختيار :

 هؤلاء ضعاف العقول ، هؤلاء غيبيون ، هؤلاء ليسوا واقعيين ، هؤلاء حالمون، هؤلاء ضيقو الأفق ، هؤلاء ما رأوا مباهج الدنيا ، من قال لكم ذلك ؟ سيدنا عمر عرف كيف يختار الباقية على الفانية ، بطولة المؤمن في حسن اختياره ، لو أنه اختار الدنيا لكان متفوقاً على كل أهل الدنيا ، ولكن عرف الباقية وعرف الفانية فاختار الباقية على الفانية ، سرّ نجاح المؤمن أنه أحسن الاختيار ، اختار خالق الكون :

﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾

[سورة طه: 72-73]

 خير منك وأبقى في سعادتنا معه ، هو أهل التقوى وأهل المغفرة .

﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾

[سورة القصص: 61]

 البطولة فيك أيها الأخ الكريم في حسن اختيارك ، إذا اخترت شيئاً ينتهي عند الموت لم تحسن الاختيار ، إذا اخترت جمع المال وآثرته على معرفة الله ما أحسنت الاختيار، إذا اخترت اقتناص اللذائذ على ما عند الله من سعادة ما أحسنت الاختيار ، إذا اخترت دنيا عاجلة بين يديك على آخرة آجلة لا تنقضي ما أحسنت الاختيار ، قل لي ماذا تختار أقل لك من أنت ، أين عقلك ؟ أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً ، لأن الله يبقى وما سواه يفنى .

﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾

[سورة الرحمن: 26-27]

 أيها الأخوة الأكارم ؛

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ ﴾

  الدنيا مرحلة تتاجر بها .

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾

[سورة الصف: 10-11]

 إذا لم يربح التاجر هل بقي له رأس ماله ؟ نقول نعم ، أما هنا :

﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ﴾

  وذهب رأس مالهم ، الخسارة الماحقة أن يذهب ربحك مع رأس مالك .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ في القرآن الكريم آيات كثيرة جداً في سورة التوبة وفي سورة المنافقون وفي سور أخرى كلها تصف أحوال المنافقين ، والمرض الخطير الذي يمكن أن يستشري بين المؤمنين هو مرض النفاق ، فإذا قرأت أوصاف المنافقين في كتاب الله فليكن هذا الوصف معياراً دقيقاً تزن فيه نفسك ، وقد قال الحسن البصري : من صفات المؤمن أنه يخاف النفاق ولا يطمئن من النفاق إلا المنافق .
 اللهم اهدنا فيمن هديت ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

فوائد الصلاة و الحجامة :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ روى الإمام البخاري : عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( إِنَّ أَمْثَلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَامَةُ ))

 حديث صحيح ورد في البخاري ، والنبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث أخرى يقول :

((إذا اشتد الحر فاستعينوا بالحجامة ، لا يتبيغ الدم بأحدكم فيقتله ))

[الحاكم عَنْ أَنَسٍ]

 يقول العلماء : تبيغ الدم هو تهيج الدم ، وبالمصطلح الحديث ارتفاع الضغط ، أو ارتفاع التوتر الشرياني ، هناك علاقة بين الدورة الدموية وبين الدورة الفلكية ، فإذا اشتد الحر كما قال عليه الصلاة والسلام فاستعينوا بالحجامة لا يتبيغ الدم بأحدكم فيقتله ، رواه الحاكم في المستدرك عن أنس مرفوعاً وصححه وأقره الإمام الذهبي .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ في الإنسان كما تعلمون معامل لكريات الدم الحمراء ، هذه المعامل متوضعة في نقي العظام ، ولا أبالغ إن قلت إن حياة الإنسان متوقفة على عمل هذه المعامل وعلى نشاطها ، وهناك مرض خطير تعرفونه جميعاً هو فقر دم اللامصنع ، أي هذه المعامل تتوقف فجأة عن صنع كريات الدم الحمراء بلا سبب معروف عند الأطباء ، واكتشف حديثاً أن هذه المعامل معامل كريات الدم الحمراء التي تنتج في الثانية الواحدة مليونين ونصف المليون من الكريات ، هذه المعامل كلما نقص الدم من الأوعية الدموية زاد نشاطها وصانت نفسها ، والحجامة في ظاهرها إنقاص لكمية الدم في الأوعية الدموية ، لذلك إذا ارتفع التوتر الشرياني وإذا هاج الدم في الأوعية مع قدوم الحر قال عليه الصلاة والسلام : " إذا اشتد الحر فاستعينوا بالحجامة لا يتبيغ بأحدكم الدم فيقتله" .
 شيء آخر : النبي عليه الصلاة والسلام ما كان أحد يشتكي إليه وجعاً في رأسه إلا قال له : احتجم ، الصداع أو الشقيقة هو في حقيقته احتباس الدم في أوعية المخ ، أو ضعف التروية الكافية لأوعية المخ ، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام في الطب النبوي أشار لمن يعاني من الصداع المزمن . . لمن يعاني من الشقيقة . . لمن يعاني وجعاً في رأسه أشار عليه بأن يحتجم .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ أخرج البخاري في صحيحه عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ فِي رَأْسِهِ مِنْ شَقِيقَةٍ كَانَتْ بِهِ))

 كلكم يعلم أيها الأخوة أن الإنسان حينما يصلي ، حينما يركع وحينما يسجد ينخفض رأسه عن مستوى قلبه ، هذا الانخفاض يسبب ارتفاعاً في الضغط الشرياني ، فإذا رفع المصلي رأسه فجأة هبط الضغط إلى أدنى مستوياته ، من ارتفاع الضغط وانخفاضه في الركعة ثلاث مرات ، في الركعتين ست مرات ، في الأربع ركعات إلى آخره ، هناك عدد كبير من ارتفاع رأسه وانخفاضه في الركعة الواحدة ، هذا يكسب الشرايين مرونة ، هذه المرونة تقي انفجارها في المخ ، أي إذا قلنا : إن الصلاة هي صحة إضافة إلى أنها عبادة لا نكون قد بالغنا في هذا الأمر ، هي صحة وهي في الوقت نفسه عبادة ، فالذي يصلي يدفع بدمه إلى أسفل عند السجود ، فإذا رفع رأسه انخفض الضغط ، من ارتفاع الضغط وانخفاضه يتولد ما يسمى بمرونة الشرايين ، بلين الشرايين ، وهذه المرونة وهذا اللين يقيان الإنسان انفجار الشرايين عند ارتفاع الضغط المفاجئ .
 إذاً الحجامة وقاية والصلاة أيضاً وقاية ، وقد ذكرت سابقاً في خطبة قديمة أن امرأة ذهبت إلى بلد أوربي تستطبب من وجع في رأسها مزمن ، فما كان من الطبيب إلا أن قال لها : هل أنت مسلمة ؟ قالت : نعم ، قال : أتصلين ؟ قالت : لا ، قال : صلي يذهب ما بك ، امتلأت غيظاً ، قدمت من بلاد بعيدة وتجشمت المتاعب ودفعت الأموال الطائلة لتقول لي : صلّي ، هنا أجابها الإحابة العلمية : الإنسان إذا صلى ارتفع مستوى تروية الدم لشرايين المخ ، هذا كله أيها الأخوة من المسلمات في الطب ، أي إذا عبدت الله عز وجل وأديت الصلاة كما أراد الله فضلاً عن أنها عبادة هي وقاية من الأمراض التي يشعر الناس بخوف منها .
 عباد الله ، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018