الخطبة : 0145 - المحبة - قل إن كان آباؤكم - الطاقة الكهربائية. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0145 - المحبة - قل إن كان آباؤكم - الطاقة الكهربائية.


1986-10-31

الخطبة الأولى :

 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا برُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، وما سمعت أذنٌ بِخَبر .
 اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين ، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

لِمَ لمْ تكن كلمة المسلمين هي العلية في هذا الوقت ؟!

 أيها الإخوة الأكارم ؛ يعدّ المسلمون اليوم ما يزيد عن ألف مليون ‍! فلِمَ لمْ تكُن كلمتهم هي العليا ؟ للإجابة عن هذا السّؤال .

1- آثروا محبة آبائهم على طاعة الله .

 يقول الله عز وجل :

﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة الآية : 24 ]

﴿ فَتَرَبَّصُوا ﴾

 أي الطريق أمام مسدود .

﴿ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ﴾

 آيةٌ واحدة ، لو تأمّلها الإنسان ، ولو تدبّرها ، لو عقلها ، لعرف أنّه في اللّحظة التي يؤثر أباه ، أو ابنه ، أو أخاه ، أو زوجته ، أو عشيرته ، أو المال ، أو التّجارة ، أو المسكن الذي يرضاه ، يؤثر هذه كلّها أو أحدها على الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربّصوا . السؤال الدّقيق : لِمَ ختمَ الله هذه الآية بقوله تعالى :

﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾

 يعني إذا أمرك أبوك أن تعصي الله تعالى ، ورأيْتَ أنّ مصالحك متعلّقة به وأنّ هذا البيت الذي تسكنهُ ، لو أغضبْتهُ لأخرجك منه ، وأنّ هذا الإرث العريض لو أغضبْتهُ لحرمك منه ، أمرك أن تعصي الله تعالى ، أمرك أن تأكل مالاً حرامًا ، أمرك أن تفعل ما يغضب الله ، إذا آثرْتَ مصالحك مع أبيك على طاعة الله عز وجل فالطريق إلى الله تعالى مسدود ، وحينما تؤثرُ مصالحك المتعلّقة بأبيك على طاعة الله ، لابدّ من أن يحملَكَ هذا الإيثار على فسْق ، أو معصيةٍ ، أو فجور .

﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ ﴾

 قليل جدًّا هم الآباء الذين يأمرون أبناءهم بالمعصية ، ولكن إذا حدَث هذا فلا طاعة لمخلوق لمعصية الخالق ، قال تعالى :

﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً ﴾

[ سورة لقمان الآية : 15]

 أُناسٌ كثيرون يخْلطون بين الإحسان إلى الآباء ، وبين العبادة ، العبادة لله وحدهُ ، والإحسان إلى الوالدين ، أما إذا تناقض الإحسان مع العبادة ، فلا طاعة لمخلوق لمعصية الخالق .

﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ ﴾

 بِمَعنى أنّكم آثرتم أن تُرضوهم على حِساب دينكم ، وعلى حساب شرْعكم ، وطاعة ربّكم ، ورِضاء الله عز وجل ، إن آثرْتم ذلك انطلاقًا من مصالحكم التي ترونها متعلّقة بهم ، فالطريق إلى الله تعالى مسدود ، تربَّصوا ؛ اقْعُدوا ، ولن ترتقوا ، ولن تقبلوا ، ولن ترفعوا ، ولن تقرّبوا .

﴿ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ﴾

 أيُّ أمرٍ هذا ؟ حتى تروْن نتيجة أعمالكم ، حتى تروْن أنّ هذا الذي أرضيْتهُ في معصية الله تعالى سخِطَ الله عنه ، وأسخط عنك هذا الذي أرضيتهُ في معصية الله تعالى ، قسْ على الأب أشخاصًا كثيرين ، لو أنّك وجدْتَ إنسانًا تخشى شرَّهُ ، أو ترغبُ فيما عندهُ ، أو تعلّق عليه آمالاً كبيرة ، أو ترى أنّ في طاعته وإرضائه تحقيقًا لِمَصالحك ، وأرْضيْتَهُ ، وأسْخطْتَ الله عز وجل ، تربَّص ، لابدّ من أن تصل إلى نتيجةٍ خطيرة وهي ؛ أنّ الله سبحانه وتعالى سَخِطَ عليك ، وأسْخَطَ عليك هذا الذي أرضيْتهُ ، وعصيْتَ الله عز وجل ، من أرضى الله بِسَخط الناس رضيَ الله ، وأرضى عنه الناس ، ومن أسْخَطَ الله تعالى بِرضا الناس سخِطَ الله عنه ، وأسخط عنه الناس .

﴿ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ﴾

 العبادة لله وحده ، والإحسان للوالدين ، ولا تخلط بينهما ، شيءٌ آخر يقعُ فيه عامّة المسلمين ، يتوهّم أنّه إذا أرضى والدَيه فقط ، ولم يرض الله عز وجل فلابدّ من أن تكون أموره ميسَّرةً ، لابدّ من أن يصبح غنيًّا ، لابدّ من أن يكون هذا الرضا معه في كلّ أمر ! نحن معك إلى حدّ ما ، أما أن تظنّ أنّ إرضاء الأب والأمّ ، وإغضاب الله عز وجل يحلّ المشكلات ، لا والله قال تعالى :

﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾

[ سورة الإسراء الآية : 23]

2- آثروا محبة أبنائهم على طاعة الله .

 قال تعالى :

﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ ﴾

[ سورة التوبة الآية : 24 ]

 آثرْت له مكانةً رفيعة على حساب دينه ، آثرْتَ له دخلاً كبيرًا على حساب عقيدته ، آثرْت له شهادةً عليا على حساب أخلاقه ، آثرْت أن يكون ابنك في موقع كذا وكذا ، ولو أغضبْتَ الله عز وجل ، فتربَّصوا ، فلابدّ أن ترى العقوق من هذا الولد ، الذي أغضبْتَ الله من أجله ، لابدّ من أن يكون عاقًّا لك لأنّك أرضيْتهُ بِسَخط الله ، فلابدّ من أن يسخط الله ، ويسخط هذا الذي أرضيْته على حساب طاعة الله عز وجل .

3- آثروا محبة أخوانهم على طاعة الله .

 قال تعالى :

﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ ﴾

[ سورة التوبة الآية : 24 ]

 كنت مع أخيك على باطلٍ ، نصرْتهُ على باطل ، كنت معه على أيّة حال من دون أن تتحقّق ، ومن دون أن تفكّر ، ومن دون أن تحاكم ، ومن دون أن توازن ، كنت معه وسطًا ، على حقّ أو على باطل ، على خيرٍ أو على شرّ ، ناصرْتهُ على حساب دينك ، ناصرْته على حساب عقيدتك ، ناصرته على حساب إسلامك ، فتربّصوا فالطريق إلى الله مسدود ، وانتَظِرْ حتى يأتي اليوم الذي تُصعق فيه ، فترى هذا الأخ الذي ناصرْتهُ ، وأغْضبْتَ الله عز وجل ، فينقلب لك عدُوًّا .
 فتربصوا حتى يأتي الله بأمره

﴿ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ﴾

[ سورة التوبة الآية : 24 ]

 فالطريق مسدود ، وسوف ترى أنّ هذا الذي أرضيْتهُ ، وأغضبْتَ الله عز وجل سيتنكَّرُ لك ، وسينقلبُ لك عدوًّا ، كن مع الله ترى الله معك .

4- آثروا محبة أزواجهم على طاعة الله .

 قال تعالى :

﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ ﴾

[ سورة التوبة الآية : 24 ]

 هذه الزوجة التي تروق لك ، أصرَّتْ على أن تخرج هكذا ، بما يغضب الله عز وجل ، وأنت من أجل أن ترضيَها أغضبْت الله عز وجل ، ومن أجل أن تبقى معك زوجةً أغضبْت الله عز وجل ، ومن أجل أن لا تقع معها في مشادّة أغضبْت الله عز وجل ، أصرَّتْ على كذا وكذا ، وأصرَّتْ على أن يكون هذا الحفلُ في الفندق الفلاني ، ومختلطًا ، أرضيْتها وأسْخطْت الله عز وجل ، قال تعالى :

﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ ﴾

[ سورة التوبة الآية : 24 ]

 هذه التي تعيشُ معها ، وهذه التي تريد أن لا تغضبها ، هذه التي تغضبُ الله من أجلها ، هذه التي تقودك ولا تقودها ، مع أنّ القوامة لك أيّها الرّجل فالرجال قوامون على النساء ، هذه التي أحببْتَ ابتسامتها على أن تُقبل على الله عز وجل ، الطريق إلى الله مسدود ، وتصلّي صلاةً شكليّة ، ليس فيها إقبال ، وليس فيها حرارة لأنّك أغضبْتَ الله عز وجل وأرضيتها ، فتربَّصوا ، انتظر كي تجِدَ منها خُلقًا ذميمًا ، كي تجدَ منها لؤْمًا ، كي تجِدَ منها تخَلِيًّا ، وحتى خيانةً ، لأنّك أرضيْتها وأغضبْتَ الله عز وجل .

 

5- آثروا محبة عشيرتهم على طاعة الله .

 قال تعالى :

﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ ﴾

[ سورة التوبة الآية : 24 ]

 هكذا أقرَّتْ أسرتك أن تطلِّقَ زوجتك ، وقد سمعْتُ أنّ بعض الأُسَر تتَّفق على أن تأمُر فلانًا بِتَطليق زوجته ، آثرَ أن يُرضيَ أهله ، وظلمَ هذه الزوجة المسكينة لأنّها لمْ ترُق لهم ، قال تعالى :

﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ ﴾

[ سورة التوبة الآية : 24 ]

 قسْ على هذا موضوعات كثيرة ، إذا أرضيْتَ عشيرتك ، وأغضبْتَ ربَّك إذا أرضيْتَ زوجتك ، وأغضبْتَ ربَّك ، وإذا أرضيْتَ أخاك وأغضبْتَ ربَّك ، إذا أرضيْتَ ابنك وأغضبْتَ ربَّك ، إذا أرضيْت أباك وأغضبْتَ ربَّك ، فلابدّ من أن يأتي أمر الله تعالى ، أيُّ أمرٍ هذا ؟ أمر الله أن يتنكَّر لك هؤلاء جميعًا ، وأن يقلبوا لك ظهر المِجَن ، أن تجد منهم لؤمًا ، وتَخَلِيًّا ، وخِيانةً وعداوةً ؛ لأنّك أرضيْتهم في سخط الله تعالى ، قال تعالى :

﴿ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة الآية : 24 ]

 لا يهدي القوم الفاسقين ، لأنّك بإرضائهم وقعْتَ في الفسْق ، قال تعالى :

﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ ﴾

[ سورة الأنعام الآية : 153 ]

 طريق الحقّ واحدة ، لا تتبدَّل ، لا تتغيّر ، لا تُعدَّل .

6- آثروا محبة المال على طاعة الله .

 قال تعالى :

﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا ﴾

[ سورة التوبة الآية : 24 ]

 هذا المبلغ الضَّخم حِيازته عندك أغلى من إرضاء الله عز وجل فَكَسِبْتهُ من شبهةٍ ، كسِبْتهُ من وجهٍ حرام ، تصوَّرْت أنّ هذا المال يحلّ لك المشكلات ويجعلك تعيشُ في رفاهيّة ، وسيدْفعُ عنك الفقر ، كسبْتَهُ من معصية ، ومن طريق لا يرضي الله عز وجل ، وهذه التّجارة التي لا ترضي الله تعالى ، وهذه البضاعة محرّمة ، يدرّ عليك هذا المطعم مئات الأُلوف ، ولكنّ الخمر تُباعُ فيه ، تجارةٌ تخْشَونَ كسادها ، آثرْتَ الرِّبْح الوفير ، على جنَّة عرضها السماوات والأرض .

7- آثروا محبة التجارة على طاعة الله .

 قال تعالى :

﴿ وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا ﴾

[ سورة التوبة الآية : 24 ]

 آثرْتَ أن تروّج هذه البضاعة عن طريق الغشّ ، آثرْتَ أن تروّج هذه البضاعة عن طريق اليمين الكاذبة ، آثرْتَ هذه البضاعة على رضاء الله عز وجل .

8- آثروا محبة البيوت على طاعة الله .

 قال تعالى :

﴿ وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا ﴾

[ سورة التوبة الآية : 24 ]

 إن كان هذا المسكن ، وتلك التجارة ، وهذا المال ، وهذه الزوجة ، وهذا الأخ ، وهذا الابن ، وهذه العشيرة ، وهذا الأب أحبّ إليك من الله ورسوله ومن شرْع الله ، ومن طاعة الله تعالى ، قال تعالى :

﴿ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة الآية : 24 ]

هذه هي الأجوبة :

 هذا هو الجواب لِمَن تساءَلَ هذا السّؤال ، لماذا نُعَدّ الآن ألف مليون ؟ وكلمة المسلمون ليْسَت هي العليا ، ولماذا كان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام يعدّون عشرة آلاف ، وقد فتح الله على أيديهم المشارق والمغارب ؟ لأنّ الله ورسوله كان أحبَّ إليهم من عشيرتهم ، ومن زوجاتهم ، يا فلان أُريد كذا وكذا ، فقال لها زوجها : اعلمي يا فلانة أنّ في الجنّة من الحور العين ما لو أطلَّتْ إحداهنّ على الأرض لغلبَ نور وجهها ضوء الشمس والقمر ، فلأن أُضحّي بك من أجلهنّ أهْوَن من أن أُضحّي بهنّ من أجلك ، يا بنيّ لا آكلُ الطعام حتى تكفر بِمُحمّد ! قال : يا أمِّي ، لو أنّ لك مئة نفسٍ فخرجَتْ واحدةً واحدةً ما كفرتُ بِمُحمّد فكُلي إن شئْت أو لا تأكلي ، ثمّ أكلَتْ ، قال تعالى :

﴿ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة الآية : 24 ]

 قال تعالى :

﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾

[ سورة التوبة الآية : 25 ]

 ثمّ قال تعالى :

﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ﴾

[ سورة التوبة الآية : 26 ]

 إذا أعجبتْكَ نفسك ، إذا أعجبتْكَ شهادتك ، إذا أعجبكَ علمك ، إذا أعجبتْكَ قوّتك ، إذا أعجبك مالك ، إذا أعجبك نسبُك ، إذا أعجبك ما أنت عليه ، ونظرْت إليه واستغنيْت عن الله عز وجل ، لابدّ من العقاب السريع ، أصحاب النبي عليهم رضوان الله تعالى ماذا فعلوا ؟ قالوا كلمةً واحدة ، وربّما قالوها بِقُلوبهم ، قالوا يوم حنين ، وقد كان عددهم يزيد عن عشرة آلاف مقاتل ، وهذا العدد لمْ يجتمع في الجزيرة العربيّة إطلاقًا ، يوم بدر كانوا ثلاث مئة ، يوم أُحد كانوا ألفًا ، يوم الخندق كانوا مستضعفين ، وكان الإسلام على وشك الدمار ، يوم حنين كانوا عشرة آلاف مقاتل ، فقال بعضهم : لن نُغلبَ اليوم من قلّة ، لو لم تذنبوا لَخِفت عليكم ما هو أكبر ما الذي هو أكبر من الذّنب ؟ العُجب ، قال تعالى :

﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ﴾

[ سورة التوبة الآيات : 25 -26]

 لا تنظر إلى علمك يا أخي ، قل اللهمّ لا علم لي إلا ما علَّمتني ، لا تنظر إلى قوّتك ، وقل اللهمّ إنِّي تبرَّأْتُ من حولي وقوّتي ، لا يكفي أن تقول هذا بل يجبُ أن تقرّ نفسك بهذا ، يجبُ أن تشعر بالضَّعْف ، وبالافتقار إلى الله عز وجل ، قال :

وما لي سوى فقري إليك وسيلة  بالافتقار إليك فقري أدفـعُ
وما لي سوى قرعي لبابك حيلة  فإذا رددْت فأيّ باب أقرعُ

  الافتقار إلى الله عز وجل هو التوحيد .

 

يا قيس ....

 أيها الإخوة الأكارم ؛ النبي عليه الصلاة والسلام في بعض خطبه قال موجِّهًا الخطاب لِقَيس .
 يا قيس :
 إنّ مع العزّ ذلاًّ ، وإنّ مع الحياة موتًا ، وإنّ مع الدنيا آخرةً ، وإنّ لكلّ شيءٍ حسيبًا ، وعلى كلّ شيءٍ رقيبًا ، ولكلّ حسنةٍ ثوابًا ، ولكلّ سيّئةٍ عقابًا ، ولكلّ أجلٍ حسابًا .
 كلّ سيّئة لها عقابها وكلّ حسنةٍ لها ثوابها .
 وكلّ شيءٍ سوف تحاسبُ عليه ، وكلّ شيءٍ تفعلهُ أنت مراقبٌ فيه ، ومع العزّ ذلاّ .
 ما لم يكن عِزّك في طاعة الله تعالى فإنّ مع العزّ ذُلاًّ .
 ألا يا ربّ نفسٍ طاعمةٍ ناعمةٍ في الدنيا ، جائعةٍ عاريةٍ يوم القيامة ، ألا يا ربّ نفس طاعمة ناعمةٍ في الدنيا جائعةٍ عارية يوم القيامة ، ألا يا ربّ نفس جائعةٍ عارية في الدنيا طاعمة ناعمةٍ يوم القيامة .
 إنّ مع العزّ ذُلاًّ ، إنّ مع الحياة موتًا ، وإنّ مع الدنيا آخرةً ، وإنّ لكلّ شيءٍ حسيبًا ، وعلى كلّ شيءٍ رقيبًا ، ولكلّ حسنةٍ ثوابًا ، ولكلّ سيّئةٍ عقابًا ، ولكلّ أجلٍ حسابًا ، إنّه لابد لك يا قيس من قرينٍ يُدفن معك وهو حيّ ، وتُدفنُ معه وأنت ميّت ، فإن كان كريمًا أكرمك ، وإن كان لئيمًا أسْلمك ، ثمّ لا يُحشر إلا معك ، ولا تحشر إلا معه ، ولا تُسأل إلا عنه ، فلا تجعلهُ إلا صالحًا ، فإن كان صالحًا لم تستأنف إلا به ، وإن كان فاحشًا لم تستوحِش إلا منه ، ألا وهو عملك .
 عملك هو كلّ شيء ، به تستأنس ، وبه تسْتوحش ، وبه يُعزّك الله عز وجل ، به يُذلّك الله عز وجل ، به تُعذّب ، وتُنَعَّم ، هو معك ، لا يفارقك ، تُدفن معه ، ويدفن معك ، تُحشرُ معه ، ويُحشر معك ، ألا وهو عملك .

موقف سيدنا عبد الله بن رواحة من الموت :

 أيها الإخوة الأكارم ؛ قال تعالى :

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر ]

 سيّدنا عبد الله بن رواحة رضي الله عنه عيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام القائد الثالث لِجَيش مؤتة ، عيَّن الأوّل سيّدنا زيد بن الحارثة ، والثاني جعفر بن أبي طالب ، والثالث عبد الله بن رواحة ، وأمر الثاني أن يتسلّم القيادة إذا قُتِلَ الأوّل ، وأمر الثالث أن يتسلّم القيادة إذا قتل الثاني ، وكانتْ معركة مؤتة معركةً صعبةً للغاية ، ما أنْ نشبَت حتى استُشهد سيّدنا زيد بن حارثة رضي الله عنه ، تسلّم الراية منه سيّدنا جعفر ، ما هو إلا حينٌ من الوقت حتى اسْتُشهد ، بقي عبد الله بن رواحة ، وكان شاعرًا ، يبدو أنّه رأى الموت قريبًا ، فقال قبل أن يأخذ الراية :

يا نفسُ إلاّ تُقتلي تموتي  هذا حمام الموت قد صليت
إن تفعلي فعلهما رضيت  وإن تولَّيت فقد شــقيت

 ثمّ أخذ الراية فقاتل بها حتى قُتِلَ ، بلغَ أمرُ استشهاد هؤلاء القادة الثلاثة النبي عليه الصلاة والسلام ، فذَرِفَتْ عيناهُ بالدّموع ، ثمّ قال لأصحابه : أخذ الراية أخوكم زيد فقاتل بها حتى قُتِل ، وإنّ لأرى مقامه في الجنّة ، ثمّ أخذ الراية أخوكم جعفر فقاتل بها حتى قُتِل ، وإنّ لأرى مقامه في الجنّة ، ثمّ سكت النبي عليه الصلاة والسلام ، فلمّا سكت النبي عليه الصلاة والسلام قلق أصحابه الكرام على مصير أخيهم عبد الله ، فقالوا : يا رسول الله ، ما فعل عبد الله ؟ فقال : ثمّ أخذ الراية أخوكم عبد الله فقاتل بها حتى قُتِل ، وإنّي لأرى في مقامه ازوِرارًا عن صاحِبَيْه ! هبطَ مقامه درجة لأنّه تردّد ، ولم يأخذ الراية مباشرةً ، قال في ثلاثين ثانية :

يا نفسُ إلاّ تُقتلي تموتي  هذا حمام الموت قد صليت
إن تفعلي فعلهما رضيت  وإن تولَّيت فقد شــقيت

 مِقدار هذا التردّد : وإنّي لأرى في مقامه ازوِرارًا عن صاحِبَيْه ، فما بالُ المسلمين اليوم ؟! لا يتردّدون ، لماذا ؟ لأنّهم لا يفعلون الخير ، إنّهم حول ذواتهم ، وحول أمور بيتهم ، وحول أعمالهم ، وحول كسْب المال ، وحول تجميع المال ، وحول اقتناص الدنيا ، حول الانغماس في ملذّاتها ، وهم يُعدّون ألف مليون ، وليس كلمتهم هي العليا ، هذه سيمتهم ، وتلك قيمة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، فنحن في واد ، وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم في واد .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطّى غيرنا إلينا فلْنَتَّخِذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتْبعَ نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :

 

 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وليّ الصالحين ، وأشهد أنّ سيّدنا محمَّدًا عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم ، اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الطاقة الكهربائية :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ العلماء يقولون : ما من كائنٍ حيّ إلا وفي نشاطه الحيوي طاقة كهربائيّة ، فالقلب مثلاً يولّد تيارًا كهربائيًّا تعادل شدّته واحد بالمئة من الفولط ، وما أجهزة قياس ضربات القلب إلا عن طريق هذا التيار الكهربائي الذي يولّده هذا القلب ، لذلك تُسمّى هذه الأجهزة أجهزة التخطيط الكهربائي ، هذا شيءٌ معلوم ، أيّة عضلةٍ ؛ من حركتها تتولّد طاقةٌ كهربائيّة ، هي من الشدّة بحيث يتحمّلها الإنسان ، ولكنّ الشيء الذي لا يُصدّق أنّ بعض الأسماك في البحار تولِّدُ تيارات كهربائيّة تزيدُ شدّتها عن مئتين وعشرين فولطًا ، وأنّ هذه الأسماك تُدافع عن نفسها عن طريق إرسال صَعقةٍ كهربائيّة تُميت خصْمها في أعماق البحار ، وأنّ بعض الأصناف الأخرى تزيد شدّة التيار الذي تولّده من جَنْبَيْها عن ستّة مئة فولط وقد أُخِذَتْ بعض هذه الأسماك ، ووُضِعَت في أحواض ، ووُضِعَ في الأحواض ، مصابيح كهربائيّة فاستطاعَت السمكة الواحدة أن تجعل ستّة مصابيح كهربائيّة ، طاقة المصباح الواحد مئة واط ، أن تتألّق جميعًا لعدّة ثواني ، سمكةٌ في أعماق البحار يدرسها الطلاّب في بعض المواد العلميّة ، وقفَ العلماء عند هذه الظاهرة ، كيف تولِّدُ هذه السّمكة تلك الطاقة الكهربائيّة ، شرَّحوها فإذا على جَنْبيْها مواشير سُداسيّة هي بِمثابة الخلايا الكهربائيّة ، عن طريق الطاقة الكيميائيّة تتولّد هذه الكهربائيّات في أجسامها ، فوجدوا أنّ في السَّمكة الواحدة ما يزيد عن أربع مئة خليّة كهربائيّة ، هذه الخلايا مُرتبطة مع بعضها بعضًا عن طريق التسلسل ، بحيثُ إذا صدر أمرٌ من دماغ السّمكة تفرغُ شُحناتها دفعةُ واحدة باتّجاه العدوّ ، الشيء الذي يُلفت النَّظَر دِقّة توصيلات هذه الخلايا ، توصيلاتها ، ووصْلُ الأمر بِتَفريغ شحناتها بالدّماغ ، شيءٌ يأخذ بالألباب ؛ أربع مئة خليّة كيميائيّة تستطيع أن تُصدرَ تيَّارًا كهربائيًّا صاعقًا ، تزيدُ شدّته عن ستّة مئة فولط ، إنّ الإنسان يموت بهذا التيار فوْرًا ، لو أنّ سمكةً أرسلت لِسابحٍ هذه الصّعقة فإنّها تميتُه فورًا ، الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ﴾

[ سورة فصّلت ]

 سمكةٌ تصدر تيارًا كهربائيًّا يزيد عن مئتي وعشرين فولطًا ، وسمكةٌ أخرى تصدر تيارًا كهربائيًّا يزيد عن ستّة مئة فولط ! وُضِعَت هذه السمكة على قماش مبلّل قبل أن تموت ، وأمْسَكَ بالقماش المبلّل رجل ، وأمسكه رجل إلى أن أصبح الرّجال ثمانيَة فما إن اتَّصَل الدارة حتى انتفضَ الرّجال الثمانية من شِدّة صعْقة هذه السمكة .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ مخلوقات الله عز وجل دالّة على عظمته ، وعلى قدرته ، وعلى علمه ، وعلى خِبرته .

الدعاء :

 اللهمّ اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيْت ، وتولَّنا فيمن تولّيْت ، وبارك اللّهم لنا فيما أعْطيت ، وقنا واصْرف عنَّا شرّ ما قضَيْت فإنَّك تقضي ولا يُقضى عليك ، إنَّه لا يذلّ من واليْت ، ولا يعزّ من عادَيْت ، تباركْت ربّنا وتعاليْت ، ولك الحمد على ما قضيْت نستغفرك اللهمّ ونتوب إليك ، اللهمّ هب لنا عملاً صالحًا يقرّبنا إليك ، اللهمّ أعطنا ولا تحرمنا ، وأكرمنا ولا تهنّا ، وآثرنا ولا تؤثر علينا ، وأرضنا وارضَ عنَّا ، وأصْلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصْلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصْلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا ، واجْعل الحياة زادًا لنا من كلّ خير ، واجعل الموت راحةً لنا من كلّ شرّ ، مولانا ربّ العالمين ، اللهمّ اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمَّن سواك ، اللهمّ لا تؤمنَّا مكرك ، ولا تهتِك عنَّا سترَك ، ولا تنسنا ذكرك ، يا رب العالمين ، اللهمّ إنَّا نعوذ بك من عُضال الداء ومن شماتة العداء ، ومن السَّلْب بعد العطاء ، يا أكرم الأكرمين ، نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الذلّ إلا لك ، ومن الفقر إلا إليك ، اللهمّ بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحقّ والدِّين وانصر الإسلام وأعزّ المسلمين ، وخُذ بيَدِ وُلاتهم إلى ما تحبّ وترضى إنَّه على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018