الخطبة : 0061 - لولا الأرض لما كانت جنة - خطبة للإمام علي كرم الله وجهه. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0061 - لولا الأرض لما كانت جنة - خطبة للإمام علي كرم الله وجهه.


1984-11-09

الخطبة الأولى :
الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ولا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر .
وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر .
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين .
اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علمنا ، وأرِنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الحياة الدنيا فرصة للفوز بالجنة لمن يعمل من أجلها

أيها الإخوة الكرام ؛ قد يسأل سائل ، إذا كان الله سبحانه وتعالى قد خلقنا ليسعدنا الحياة الدنيا فرصة للفوز بالجنة
فلماذا خلقنا في الدنيا ؟ لمَ لم يخلقنا في الجنة مباشرة ؟ .
الإجابة عن هذا السؤال ، قول الله سبحانه وتعالى ، في آخر سورة الزمر ، حينما قال :

﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾

[سورة الزمر الآية:73-74]

 

 

الجنة ليست مكاناً ولكنها مقام .

 

 

لولا الأرض لما كانت جنة ، كيف تقبل عليه ؟ الجنة ليست مكاناً ولكنها مقام ، والمقام يحتاج إلى عمل .
كيف تقبل عليه إن لم تنفق مالك في سبيله ؟ كيف تقبل عليه إن لم تضبط شهواتك في الدنيا وفق شرعه ؟ كيف تقبل عليه إن لم تخالف هواك وتتبع رضوان الله عز وجل ؟ كيف تقبل عليه ؟
الجنة ليست مكاناً، ولكنها مقام
هذه الآية تنبئنا أننا خُلقنا في الدنيا من أجل الجنة ، فإذا منح الله العبد صحة فمن أجل أن يقوى بها على طاعة الله ، إذا منحه مالاً فمن أجل أن ينفقه في طاعة الله ، إذا منحه قوةً من أجل أن يستخدمها في معاونة الخلق ، إذا منحه علماً فمن أجل أن ينفع به عباد الله ، الخلق كلهم عيال الله ، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله .
لو عرفنا حقيقة الدنيا ما غمضت لنا عين ، ولو عرفنا حقيقة الدنيا وكيف أنها فرصة لا تعوض لسعادة أبدية .
فحينما يستيقظ أحدنا صباحاً وقد منحه الله حياةً ؛ لأن النوم موت مؤقت ، أحد أنواع الموت هو النوم ، فإذا استيقظ الإنسان صباحاً فقد منح فرصة ليتقرب بها إلى الله عز وجل ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

(( لا بورك لي في يوم لم أزدد فيه من الله علماً ، ولا بورك لي في يوم لم أزدد فيه من الله قرباً ))

[ الطبراني في الأوسط وابن عدي في الكامل وأبو نعيم في الحلية عن عائشة]

بمعنى هذه الأيام التي نحياها هي أيام لا تعوض ، وفرصة لا تعوض ، وفرصة لحياة أبدية ، فهذا السمع ، وهذا البصر ، وهذا الفؤاد ، كل أولئك كان عنه مسئولاً ، منحت العين لترى خلق الله عز وجل ، هل رأيت الشمس والقمر ؟ هل نفذت من خلالهما إلى الله عز وجل ، هل رأيت مكونهما ؟ هل رأيت الأنعام التي تأكل منها ، قال تعالى :

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ * وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾

[سورة يس الآيات:71-73]

خلق الله لك العين لترى خلق الله ، فإذا رأيت خلق الله واستخدمت الفكر الذي مع العين عرفت الله عز وجل .
خلق الله لك الأذن لتستمع إلى الحق ، هل استمعت إلى آيات الله ؟ ، هل استمعت إلى وعظ من داعية مخلص ؟ هل استمعت إلى الحق ؟ هل استمعت إلى تفسير كتاب الله ؟ هل استمعت حديث رسول الله ؟ هذه الأذن سوف تحاسب عليها ، هل استمعت إلى الغناء وغرقت في ملذات سخيفة ؟ أم استمعت إلى الحق ؟
هذه العين هل رأيت بها عورات المسلمين ، هل رأيت بها ما لا يحل لك ، أم نظرت بها إلى ملكوت السماوات والأرض ؟
هذا الفكر الثمين ، الذي هو أثمن ما في الكون ، هل أعملته لمعرفة الله أم أعملته لجمع الدرهم والدينار ؟ هذا الفكر سوف تُسأل عنه .
هذه القوة مشيت برجليك إلى أين ؟ إلى طاعة أم إلى معصية ؟ .
طاعة الله ثمن الجنة ، إنفاق المال ثمن الجنة ، حضور مجالس العلم ثمن الجنة ، خدمة الناس ثمن الجنة ، تحري الحلال ثمن الجنة قال تعالى :

﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾

[سورة الزمر الآية:74]

من أثمان الجنة: إنفاق المال
لولا الأرض لما كانت جنة ، كيف تقبل عليه ، إذا قدمت في هذه الدنيا خدمة جليلة لإنسان كبير ، وقلت لآذن على الباب ، وقل له فلان لفتح لك الباب فجأة ، وقال لك تفضل هو في انتظارك ، فإذا لم تكن بينك وبين هذا الإنسان العظيم آية علاقة ، ولا آية خدمة ، كيف تدخل عليه .
ربنا سبحانه وتعالى ولله المثل الأعلى جاء بنا إلى الدنيا كي نتقرب إليه بالعمل الصالح ، لذلك يكاد العمل الصالح يكون أثمن ما في الأرض ، والدليل قوله تعالى :

﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾

[سورة العصر الآيات:1-3]

لو كنت أغنى خلق الله قاطبة ، لو كنت أقوى خلق الله قاطبة ، لو كنت أعلمهم بالدنيا قاطبة ، وليس لك عمل صالح خالص لوجهه الكريم فهذا الإنسان خاسر وأي خاسر .

﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾

[سورة العصر الآيات:1-3]

حياتك يجب أن تكون معرفة وعمل ودعوة وصبر

حياتك يجب أن تكون معرفة وعمل ودعوة وصبر ، فإذا خلت حياتك من هذه الأشياء الأربعة فأنت في خسارة وأية خسارة ، الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً * ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً﴾

[سورة الكهف الآيات:103-106]

الأخسرين ، جمع أخسر ، والأخسر اسم تفضيل ، يعني أشد الناس خسارة .
حياة الإنسان يجب أن تكون معرفة وعمل ودعوة وصبر
لا تقل يا أخي لمَ لم يخلقنا الله عز وجل في الجنة مباشرة ، كيف تسعد في الجنة وليس لك عمل ، كيف تقبل عليه ؟ كيف تتقرب منه قال تعالى :

﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾

[سورة القمر الآية:54-55]

أعمالهم في الدنيا أهلتهم أن يكونوا في مقعد صدق .
أيها الإخوة المؤمنون ؛ من طلب الدنيا بلا عمل فهذا الطلب ذنب من الذنوب ، لو وضع المسلمون نصب أعينهم أن العمل الصالح هو كل شيء في الدين قال عليه الصلاة والسلام :

(( رأس الدين الورع ))

(( الدِّينُ النَّصِيحَةُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ وَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾))

[متفق عليه]

(( لأن أعين أخي المؤمن على حاجته أحب إلي من صيام شهر واعتكافه في المسجد الحرام ))

[ أبو الغنائم النرسي في قضاء الحوائج عن ابن عمر]

جوهر الحياة أنك جئت إلى الدنيا وسوف تخرج منها والعمر قصير ، جئت إلى الدنيا وأعطاك الله صحة ، أعطاك الله سمعاً وبصراً وفكراً وقلباً وقوةً وحركة ومالاً وزوجة وأولاداً وخبرةً وحرفة وعلماً ، هذا كله يجب أن تستخدمه في التقرب إلى الله عز وجل ، فإذا انقضت الرحلة وأعلن نهاية الحياة ، رأيت أنك قد كسبت الدنيا كلها ، وأنك في طريقك إلى سعادة أبدية لا تنتهي ، لذلك يُعد الخاسر من خسر الدنيا ويُعد الرابح من عرف الله عز وجل وآمن باليوم الآخر ، قال تعالى :

﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً * ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً﴾

[سورة الكهف الآيات:103-106]

الله سبحانه وتعالى يهدينا إلى سواء السبيل .

جوهر الدين

أيها الإخوة المؤمنون ؛ جوهر الدين أن لا يكون بينك وبين الله حجاب ، وكل مخالفة حجاب ، وكل معصية حجاب ، قال تعالى :

﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾

[سورة المطففين الآية:14]

أعماله السيئة كانت حجباً كثيفة بينه وبين الله ، قال تعالى :

﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾

[سورة المطففين الآية:15]

جوهر الدين ألا يكون بينك وبين الله حجاب
هم في شقاء ، شقاء البعد ، والمؤمنون في سعادة ، في سعادة القرب والدنيا زائلة ، والدنيا مؤقتة
عن ابن عمر رضي الله عنهما ، قال :

(( كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ ))

[أخرجه البخاري]

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ))

[أخرجه مسلم]

إذا قرأتم هذه الآية :

﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾

[سورة الزمر الآية:74]

معنى ذلك أنك في الأرض وأبواب التوبة مفتحة ، وأبواب العمل الصالح مفتحة ، فما عليك إلا أن تعلم وتعمل ، وتأكد يا أخي ، أنه ليس في الأرض عمل أهم أو أخطر أو أقرب إلى مصلحتك ، أو إلى سعادتك من أن تعرف الله أولاً ، وأن تستقيم على أمره ثانياً ، وأن تتقرب إليه ثالثاً بالعمل الصالح ،
أبو هريرة رضي الله عنه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم ببسط الوجه وحسن الخلق ))

[خرجه أبو يعلى وابن أبي شيبة]

الخلق الرفيع ، عمل صالح كبير ، النبي صلى الله عليه وسلم وصف في القرآن الكريم بأنه على خلق عظيم ، قال تعالى :

﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾

[سورة القلم الآية:4]

أيها الإخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا وسيتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني والحمد لله رب العالمين .

 

الخطبة الثانية :

أيها الإخوة الكرام ؛ الموضوع الذي بدأته في الخطبة الأولى أتابعه ولكن من خلال خطبة فريدة للإمام علي كرم الله وجهه ، يقول الإمام علي كرم الله وجهه :
أما بعد فإن الدنيا أدبرت وآذنت بوداع .

تفسير خطبة الإمام علي : الإعداد لليوم الموعود

يعني إذا بلغ أحدنا أربعين ، أغلب الظن ، الذي بقي من حياته أقل من الذي مضى ، كيف مضت الأربعون عاماً ؟ وهذه العشرون الباقية ، أو العشر الباقية ، أو الثلاثون الباقية ، تمضي سريعاً كما مضت الأربعون ، لذلك الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت .
الدنيا مزرعة الآخرة
قال الإمام علي كرم الله وجهه :
" أما بعد فإن الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع ، وأن الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطلاع "
يعني تزوج الإنسان ، وأنجب أولاداً ، وزوج أولاده ، وسكن وتنزه وأكل من كل أنواع الطعام ، ودُعي إلى حفلات ، وتنزه ، وفعل ما شاء ماذا بقي عليه ؟ بقيت الآخرة ، ليس أمامه إلا الآخرة .
الدنيا أدبرت وآذنت بوداع ، وإن الآخرة أقبلت وأشرفت باطلاع ، ألا وإن اليوم المضمار ، وغداً السباق .
الإعداد اليوم ، الدنيا إعداد للآخرة ، الدنيا مزرعة الآخرة ، الدنيا تشبه العام الدراسي ، العام الدراسي كله إعداد ودراسة وبحث وتلخيص وحفظ وتأدية واجبات ، وفي الامتحان يظهر كل طالب على حقيقته .
" ألا وإن اليوم المضمار وغداً السباق ، أفلا تائب من خطيئته قبل منيته "
كل منا ليفحص نفسه ، هل يقيم على معصية ؟ هل في بيته معصية ؟ هل عند بناته معصية ؟ وهو مسؤول عن بيته ، هل زوجته عاصية ؟ هل فيه ما يغضب الله عز وجل ؟ هل في عمله معصية ؟ هل في طريقة تعامله مع الناس معصية ؟ هل كسبه حلال ؟ هل بضاعته التي يعمل بها مشروعة ؟ .
ليس في الحياة أهم من ذلك ، أن تفحص أمورك كلها ، هذا كلام خطير ، ليست الخطبة أن تستمع إلى كلام وتقول تباركنا والله الخطبة جيدة ، هذا لا ينفعك منها شيئاً ، الذي ينفعك أن تأخذها مأخذاً جيداً الذي ينفعك أن تستمع إلى الخطبة وتبدأ متاعبك الكثيرة ، لأن الخطيب وضعك أمام مسؤولياتك ، وضعك أمام حقيقة مرَّةٍ ، أن الموت لا بد منه .
" أفلا تائب من خطيئته قبل منيته "
إذا قال أحدكم لا أستطيع أن أتوب فهذا القول مردود عليه ، لأن الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا ﴾

[سورة البقرة الآية:286]

أي إن التكاليف التي شرعها الله عز وجل هي في وسع الإنسان وفي إمكانه .
" ألا تائب من خطيئته قبل منيته ، ألا عامل لنفسه قبل يوم بؤسه"
ما هو يوم البؤس

﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾

[سورة المدثر الآية:8]

بعضهم يذهب لشراء القبر ، فإذا دفع ثمن القبر أو كان يملك قبراً قبل وفاته ، يذهب الحفار ليحفر القبر ، هذا يوم البؤس ، كنت في النعيم ، كنت في بيت فخم كنت تنام على فراش وثير ، كان لك أهل وأحباب ، لك زوجة وأولاد تأكل ما لذّ وطاب ، لك شأن في الحياة .

﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾

[سورة المدثر الآية:8]

" ألا عامل لنفسه قبل يوم أجله ، ألا وإنك في أيام أمل من ورائه أجل ، فمن عمل في أيام أمله ، قبل حضور أجله ، فقد نفعه عمله ولم يضره أجله "
هذه أيام الأمل ، وغداً الأجل ، فمن عمل في أيام أمله نفعه عمله ولم يضره أجله ، إلى الله نحن راجعون .

﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾

[سورة آل عمران الآية:158]

﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾

[سورة الزخرف الآية:32]

الغنى والفقر بعد العرض على الله
الغنى والفقر بعد العرض على الله ، ليس الآن ، قد يكون الغني في هذه الدنيا أفقر الورى ، وقد يكون رجل فقير أغنى أغنياء الدنيا الغنى غنى العمل ، والفقر فقر العمل ، وسيدنا موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ، لما سقى للفتاتين ، قال :

﴿ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾

[سورة القصص الآية:34]

أنا مفترق إلى عمر صالح يا رب .. هذا هو الغنى والفقر والغنى والفقر بعد العرض على الله .
" فمن عمل في أيام أمله ، قبل حضور أجله ، فقد نفعه عمله ولم يضره أجله ومن قصر في أيام أمله قبل حضور أجله ، فقد خسر علمه وضره أجله "
يعني إذا اجتهد أثناء العام الدراسي نفعه الاجتهاد ، ولم يضره الامتحان ، بالعكس رفعه الامتحان ، أما إذا قصر أيام العام الدراسي فقد دراسته ، وجاء الامتحان فكشفه على حقيقته .
" ومن قصَّر في أيام أمله لم ينفعه عمله وضره أجله "
يقول الإمام علي كرم الله وجهه :
" ألا فاعملوا في الرغبة كما تعملون في الرهبة ، ألا وأني لم أر كالجنة نام طالبها ، ولم أر كالنار نام هاربها "
الإنسان لا ينام إذا عُرض عليه بيت بسعر رخيص أو معتدل في منطقة جيدة ، يقول لك لم أنم البارحة من فرحي ، كيف ينام المرء والجنة فيها ما لذَّ وطاب ، وفيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، كيف ينام طالبوا الجنة ، سبحان الله .
ألا وأني لم أر كالجنة نام طالبها ، ولم أر كالنار نام هاربها ..
ألا وأنه من لا ينفعه الحق يضره الباطل ، لا يوجد حالة وسط ، لا يوجد حالة حيادية ، إما أن تكون مهتدياً وإما أن تكون ضالاً ، إما أن ينفعك الحق ، وإما أن يضرك الباطل حالة ثالثة ما في بالإسلام ، إما أن تكون مؤمناً فتسعد ، وإما أن يكون الرجل غير مؤمن فيشقى ألا وأنه من لا ينفعه الحق يضره الباطل ، ومن لا يستقيم به الهدى يجره الضلال إلى الردى إما أن يقودك الهدى فتسعد ، وإلا فلا بد للضلال من أن يجرك .. لذلك ؛ إما أن تحضر مجلس علم فتعرف الحق ، وإلا فلا بد من أن يكون في العمل انحرافاً ، لأن مجلس العمل يوضح لك الحقائق يعرفك بالله عز وجل ، بكتابه الكريم ، بسنة نبيه العظيم ..
" ألا وإنكم قد أمرتم بالظعن "
السفر يعني ، السفر هو الموت ، السفر الذي لا إياب فيه .
" ودُللتم على الزاد "
السفر لابد منه قطعي ، والزاد معروف .
" وإن أخوف ما أخاف عليكم اثنتان ، اتباع الهوى وطول الأمل فتزودوا في الدنيا من الدنيا "

﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾

[سورة الزمر الآية:74]

نعيم الجنة هو نتيجة استقامتك على أمر الله في الدنيا
كل نعيم الجنة بسبب أنك كنت في الدنيا ، وأنك أنفقت مالك وغضضت بصرك ، وتحريم دخلك ، وأحسنت إلى والديك ، وكنت مستقيماً ، وكنت نافعاً .
" ألا وقد أمرتم بالظعن ، ودللتم على الزاد ، فإن أخوف ما أخاف عليكم اثنتان ، اتباع الهوى وطول الأمل ، فتزودوا في الدنيا من الدنيا ما تحرزون به أنفسكم غداً "
هذه خطبة للأمام عليك كرم الله وجهه ، توضح حقيقة الدنيا ، والحقيقة أنك يجب أن تعرف حقيقة الدنيا ، والخطبة يجب أن تقتصر على موضوع الدنيا ، لأن الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾

[سورة الجمعة الآية:9-10]

﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ اللَّهْوِ وَمِنْ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾

الدعاء :

اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت تباركت ربنا وتعاليت ، لك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك
اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك .
اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ، ما تحول به بيننا وبين معصيتك ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون علينا مصائب الدنيا ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين .
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين .
اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك .
اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين .
اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً ، وسائر بلاد المسلمين .
اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء .
اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب .
اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء .
اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين .
اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام والمسلمين ، وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى إنك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018