الخطبة : 0059 - العطاء الإلهي - الدعاء. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0059 - العطاء الإلهي - الدعاء.


1984-08-28

الخطبة الأولى :

الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً .
اللهم أرِنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ولا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر .
وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر .
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين .
اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علمنا ، وأرِنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

تمهيد .

أيها الإخوة الكرام ؛ موضوع الخطبة اليوم آيات من سورة الأنعام ، ولكن قبل الحديث عن هذه الآيات لابد من تمهيد منتزع من واقع حياتنا يشتري الإنسان إذا كان ما سيقتنيه أغلى من ما سيدفعه
إن أكبر نشاط يقوم به الفرد في حياته هو البيع والشراء ، لابد من أن يشتري حاجاته من طعام ، من شراب ، من لباس ، من مسكن ، لابد من أن يبيع بعض ما زاد عن حاجاته ، متى يبيع الإنسان ومتى يشتري ؟ سؤال يجيب عنه علماء النفس ، يبيع الإنسان إذا رأى الثمن معادل للمبيع ، ويشتري إذا رأى الشيء الذي سيقتنيه أغلى من الثمن الذي سيدفعه .
متى تدفع ثمن هذا البيت كذا ألف ليرة ، إذا رأيت اقتناءه أثمن من المبلغ الذي تملكه ، هذه قاعدة ، وهذه بديهية ، فمن تصرف في ملكه فباع بيتاً ثمنه مليون بمائة ليرة سورية ، لابد من أن يُحجز على تصرفاته ، وأن يُسمى في القضاء سفيهاً ، وأن تُمنع يده من التصرف بماله .
لماذا إذا باع الإنسان بيتاً ثمنه مليون بمائة ليرة يوضع في المشفى على أنه قاصر الفكر ، على أنه مسلوب العقل ، على أنه ليس أهلاً أن تُطلق يده في أملاكه .

يعدلون .

ربنا سبحانه وتعالى يقول في سورة الأنعام :

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾

[سورة الأنعام الآية :1]

العاصي يجعل ثمار المعصية مساويةً لما عند الله من عطاء
هذا الذي عصى الله عز وجل ، ثمار المعصية جعلها مساويةً لما عند الله من عطاء ، هذا الذي عصى الله عز وجل جعل ثمار المعصية إن كانت ثماراً مادية (مال) أو ثمار معنوية (متعة) أو ثمار اجتماعية (وجاهة) إن كانت هذه الثمار معادلة لما عند الله من عطاء أبدية ، وعطاء سرمدي ، فهذا قصور في العقل ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام : أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً .
هذا الذي يحلف يميناً كاذبة ، كأنه استغنى عن رحمة الله ، استغنى عن الوجهة إلى الله عز وجل ، استغنى عن توفيق الله ، استغنى عن حفظ الله لصحته ، استغنى عن حفظه لأسرته ، مقابل أن يبيع هذه السلعة ، فحلف يميناً كاذبة .
هذا الذي يعصي الله فيطلق بصره في الحرام ، كأنه رأى المتعة التي يجنيها من إطلاق بصره معادلة لما عند الله من عطاء مقيم .

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾

[سورة الأنعام الآية :1]

نحن قسمنا بينهم معيشتهم  في الحياة الدنيا
لماذا يشقى الناس ؟ لأنهم مقطوعون عن الله عز وجل .
لماذا هم مقطوعون ؟ لأنهم عدلوا ثمار المعاصي برحمة الله عز وجل ، مع أن الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾

[سورة الزخرف الآية:32]

﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾

[سورة يونس الآيات:62-64]

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾

[سورة فصلت الآيات:30-32]

أتبيع صلتك بالله عز وجل بهذه المعصية
أيها الإخوة المؤمنون ؛ قبل أن يقدم الإنسان على معصية ليجري هذه المعادلة ، أتبيع صلتك بالله عز وجل بهذه المعصية ؟ .. بثمارها المادية ؟ مائة ليرة ألف ليرة ، مائة ألف ، ألف ألف ، أتبيع صلتك بالله عز وجل بهذه المتعة الآنية ؟ ..

(( ألا يا رب نفس طاعمة ناعمة في الدنيا جائعة عارية يوم القيامة ، ألا يا رب نفس جائعة عارية في الدنيا طاعمة ناعمة يوم القيامة ، ألا يا رب مكرم لنفسه وهو لها مهين ، ألا يا رب مهين لنفسه وهو لها مكرم ، ألا يا رب شهوة ساعة أورثت حزناً طويلاً ))

لئلا يقع الإنسان في الغبن الفاحش ، لئلا يبيع بيتاً ثمنه مليون بمائة ليرة سورية ، هذا المثل لا أحد يفعله في الدنيا ، لا يُصدق ، وإن فعله إنسان أودع مشفى المجانين ، فكيف يعدل الإنسان حياةً أبدية أخرى لا تنتهي ، جنة عرضها السماوات والأرض ، مقعد صدق عند مليك مقتدر ، صلة بالله عز وجل كيف يبيع  المؤمن جنته بعرض من الدنيا قليل
تجليات من الله على قلب المؤمن كيف يبيع هذا كله بعرض من الدنيا قليل ؟! كيف يبيع هذا كله بلذة عارضة بمبلغ يسير ، بمبلغ كبير ، لذلك لو استحلفت مؤمناً يقول لك : والله لو مُلكت الدنيا بأكملها لا أعصي الله ؛ لأن الخير الذي يأتيه من طاعة الله لا يساويه شيء مهما كان عظيماً .
لذلك هؤلاء الذين كفروا بربهم يعدلون ، يعدل عطاءه بثمار المعصية الآنية ، مع أن العلماء قالوا : إن كل انحراف عن الخط السوي يعقبه شعور بالندم ، يعقبه شعور بالكآبة ، لا يعرفه إلا من ذاقه ، إن الكآبة والانقباض والضيق الذي يصيب قلب المذنب لا يعرفه إلا المذنب ، وإن الروح والفرح والسعادة والاطمئنان والراحة النفسية التي تصيب المستقيم لا يعلمه إلا المؤمنون .

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾

[سورة الأنعام الآية:1]

المذنب وحده يشعر بما يصيب قلبه من ضيق جراء معصيته
استغنيتم عن رحمة الله ، استغنيتم عن تجليات الله على قلوبكم ، استغنيتم عن جنة عرضها السماوات والأرض ، ربنا سبحانه وتعالى أحياناً يعاتب عباده :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾

[سورة التوبة الآية:38]

من لا عقل له لا دين له
قال عليه الصلاة والسلام :

(( ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما أخذ المخيط إذا غُمس في مياه البحر ))

ضع إبرةً في البحر ثم اسحبها ، فانظر بم رجعت ؟ .. هذا الذي يعصي الله كأنه يعدل ما عند الله ، كم هو مغبون ، وكم هو أحمق ، ولو فعل إنسان في الدنيا فعلته لأودع في المستشفى ، كم هو مغبون وكم هو أحمق .
لذلك من لا عقل له لا دين له ، من لا دين له لا عقل له .
عن أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

((لما خلق الله العقل قال له أقبل فأقبل ، ثم قال له أدبر فأدبر قال وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أحب إلي منك بك أعطي وبك آخذ))

[أخرجه الطبراني]

وعود الله حتمية الحدوث .

آية أخرى من سورة الإنعام :

﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾

[سورة الأنعام الآية:5]

وعد المؤمن بالحياة الطيبة ووعد المعرض بالحياة الشقية
وعد ووعيد ، الله سبحانه وتعالى ذكر في كتابه هذا قوانين حتمية الحدوث ، وعد المؤمن بالحياة الطيبة ، ووعد المعرض بالحياة الشقية ، ووعد المستقيم بالتوفيق ، ووعد المرابي بالخراب ، ووعد كل معصية بعقاب ، فإن صدقت فقد نجوت ، وإن لم تصدق فسيأتيك أنباء ما كنت به تكذب .
ما هي الأنباء ؟ ..
لو رأى مهندس بناءً فقال هذا البناء خطر ، وأنذر ساكنه أن يخرج منه ، وإلا وقع فوق رأسه ، هكذا أنبأ المهندس ، ساكن هذا البيت إما أن يصدق علمه ، وإما أن يكذب علمه ، فإذا كذب علم المهندس فسوف يخرُّ البيت على رأسه وعلى أولاده ، وعندئذ يكون قد أتاه نبأ ما كان به يكذب ، هذا تفسير الآية بشكل دقيق .

﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾

[سورة الأنعام الآية:5]

أمرنا الله بالاعتدال في كل شي
أمرك بغض البصر ، وقال لك هو أطهر لك ولزوجك ، إن صدقت هذه الآية نجوت وسعدت ، وإن لم تصدق به فسوف تدفع الثمن من سعادتك الزوجية .
أمرك بالاستقامة في البيع والشراء ، فإن صدقت هذه الآية نجوت وإن كذبت بهذه الآية فسوف تدفع الثمن غالياً من رأس مالك .
أمرك بالاعتدال بكل شيء :

﴿يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾

[سورة الأنعام الآية:31]

فإن صدقت بهذه الآية وطبقتها نجوت ، وإن لم تصدقها دفعت الثمن غالياً من صحتك .
القرآن الكريم منهج للسعادة وللنجاة وللطمأنينة
قواعد حتمية ، قوانين لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها ما على المفكر إلا أن يفكر ، ما على العاقل إلا أن يعقل ، ما على المرء إلا أن يقرأ هذا الكتاب ، ويتدبر ما فيه ، إن ما فيه منهج للسعادة ، منهج للنجاة ، منهج للطمأنينة ، قال تعالى :

﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾

[سورة الرعد الآية:28]

(( إن القلوب لتصدأ قيل وما جلاؤها يا رسول الله قال : ذكر الله وتلاوة القرآن ))

[أخرجه أبو نعيم في الحلية والبيهقي في شعب الإيمان والخطيب عن ابن عمر]

﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾

[سورة الأنعام الآية:5]

استعد للموت وانظر إلى مصيرك قبل أن تصل إليه
قد يكذب الطالب بالامتحان ، ولكن الامتحان واقع لا محالة ، واسم هذا الطالب سيدرج مع الراسبين ، وعندئذ يبكي بعد أن كان يضحك ..
لئلا يأتي هذا اليوم الذي لا ينفع فيه الندم ، لئلا يأتي هذا اليوم الذي لا يجدي فيه العمل ، لئلا يأتي هذا اليوم :

﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾

[سورة الأنعام الآية:158]

قبل أن يأتي هذا اليوم استعد لهذا اليوم ، حاسب نفسك قبل أن تحاسب ، زن عملك قبل أن يوزن عليك ، انظر إلى مصيرك قبل أن تصل إليه ، لابد من ساعة نلقى بها الله عز وجل ، لابد من ساعة نوضع فيها تحت أطباق الثرى .

كل ابن أنثى وإن طالت سلامت ه يوماً على آلة حدباء محمول
فإذا حملت إلى القبـور جنازة فاعلم بأنك بعدها محمــول

العلم الإلهي .

أيها الإخوة المؤمنون ؛ آية ثالثة من سورة الأنعام :

﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آَخَرِينَ﴾

[سورة الأنعام الآية:6]

هذه الباء للسببية ،

﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آَخَرِينَ﴾

أهلك الله قوم عاد وثمود ليكونوا عبرة لغيرهم من الأمم
إن كان الله سبحانه وتعالى يمدنا بالمال والقوة والجاه ونحن نعصيه فلا بد من دفع الثمن غالياً .

﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آَخَرِينَ﴾

[سورة الأنعام الآية:6]

ربنا سبحانه وتعالى في هذه الآيات ، يعلم سرنا وجهرنا ويعلم ما نكسب ، بالله عليكم هل بقي شيء لا يعلمه الله عز وجل ، يعلم سرنا ، إذا أكننت في نفسك شيء يعلمه الله ، إذا بحت به يعلمه الله ، إذا بحت بخلافه يعلمه الله ، إذا كان الذي تقول لا يطابق ما في نفسك يعلمه الله ، إذا كان يطابق مائة بالمائة يعلمه الله ، إذا كان يطابق تسعين بالمائة يعلمه الله ، يعلم سركم وجهركم ، يعني يعلم نواياكم وما تعملون ، يعلم مواقفكم المعلنة .
اللهم طهر قلوبنا من النفاق وأعمالنا من الرياء
شيء آخر : غير النية ، وغير الكلام ، العمل .. ماذا تعمل ؟ هذا العمل يعلمه الله عز وجل ، إذا كان الله عز وجل يعلم سرنا ، ويعلم جهرنا ، ويعلم أعمالنا ، فعلى من ندجل ، على من نكذب ، لمن نرائي .
اللهم طهر قولبنا من النفاق ، وأعمالنا من الرياء ، وألسنتنا من الكذب .
المرائي أحمق ، المنافق أحمق ، كذب من ، يكذب على من ، يرائي من ، يرائي من هو ، يعلم السرَّ وأخفى ، هذه آية ثانية ، يعلم السر ويعلم ما يخفى عنك أنت ..
يعلم سرَّك ، ويعلم جهرك ، ويعلم عملك ، ويعلم ما يخفى عنك أنت بالذات ، لذلك إذا عرف الإنسان الحقيقة بعد عن النفاق ، بعد عن الرياء ، بعد عن الكذب ، بعد عن أن يظهر بمظهر كبير وهو أقل من ذلك .
الله يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون
إن كان معك كيلو من المعدن وهو ذهب خالص ، وظن الناس أنه تنك ، فالمربح معك ولا قيمة لظنهم ، وإن كنت تملك معدناً رخيصاً وظن الناس أنه ذهب ، فأنت الخاسر ، ولو رمقوك بأنظارهم علاقتك مع ذاتك ، علاقتك مع نفسك ، لا يجديك مديح الناس ولا ذمهم من عرف نفسه ما ضرته مقالة الناس به

﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾

فعلى من تدجل .
أيها الإخوة الكرام حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا وتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني والحمد لله رب العالمين .

 

الخطبة الثانية :

الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم .

الدعاء :

أيها الإخوة الكرام ؛ إني داعي فأمنوا .
اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت تباركت ربنا وتعاليت ، لك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك
اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك .
اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا
اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ، ما تحول به بيننا وبين معصيتك ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون علينا مصائب الدنيا ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين .
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين .
اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك .
اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين .
اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً ، وسائر بلاد المسلمين .
اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء .
اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب .
اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء .
اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين .
اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام والمسلمين ، وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى إنك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018