الخطبة : 0058 - الدعاء - القلب منظر الرب. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0058 - الدعاء - القلب منظر الرب.


1984-08-21

الخطبة الأولى :

 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً .
 وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ولا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر .
 وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر .
 اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين .
 اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علمنا ، وأرِنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

لماذا الدعاء ؟

 أيها الإخوة الكرام ؛ في الجمعة الماضية تحدثت عن الدعاء ، وقلت لكم إن للبحث صلة تحدثنا في الأسبوع الماضي عن قوله تعالى :

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾

[سورة البقرة الآية:186]

 فسَّرت هذه الآية ، واستنبط منها شروط الدعاء الصحيحة الناجحة وعقبت على هذه الآية ، إن الإنسان أحياناً تتوافر فيه شروط الدعاء الصحيح ويدعو ولا يُستجاب له ، إن كان الأمر كذلك فهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( إن الله سبحانه وتعالى يحمي صفيه أو عبده المؤمن من الدنيا كما يحمي أحدكم مريضه من الطعام ))

[أخرجه البيهقي في شعب الإيمان وابن عساكر عن حذيفة]

 القصد من الدعاء ما يرافقه من تضرع لله عز وجل
وأما تتمة هذا الموضوع ؛ سؤال يخطر في بال الإنسان ، الله سبحانه وتعالى أمرنا أن ندعوه أفلا يكرمنا إلا إذا دعوناه ؟ ألا يصرف عنا السوء إلا إذا دعوناه ؟ أليس الله رحيماً وكريماً ؟ أليس الله سميعاً وبصيراً ؟ فما حكمة الدعاء ؟
 الأب الرحيم يجلب لأولاده الخير سألوه أو لم يسألوا ، يطرد الشرَّ سألوه أو لم يسألوا ، والله سبحانه وتعالى ذو الرحمة الواسعة ، قال تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم :

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾

[سورة آل عمران الآية:159]

 وقال عن ذاته :

﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً﴾

[سورة الكهف الآية:58]

 هو أرحم الراحمين ..
 مرَّ النبي عليه الصلاة والسلام مع صحابته الكرام بامرأة تقبل ابنها فقال : أتلقي هذه المرأة بولدها إلى النار ؟ قال : معاذ الله ، قال : والذي نفس محمد بيده لله أرحم بعبده من هذه بولدها .
 لماذا أمرنا الله بالدعاء ؟ ..
 ليس القصد هو الدعاء ، ولكن القصد ما يرافق الدعاء ، ليس القصد هو الدعاء فالله سميع بصير ، عليم حكيم ، غني قدير ، ولكن القصد ما يرافق الدعاء من تضرع لله عز وجل ، والتجاء إليه ، وقوة به قال تعالى :

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾

[سورة الأنعام الآية:42]

 الله سبحانه وتعالى جمع مكارم الأخلاق كلها ، فأي عبد اتصل به حاز بعض هذه المكارم ، هكذا قال عليه الصلاة والسلام ، فالله سبحانه وتعالى يضع الإنسان أمام ظرف صعب كي يدعوه ، وفي أثناء الدعاء يلتجئ إليه ويقبل عليه ، وفي هذا الالتجاء والإقبال تطهير للنفس من شوائبها ، ومن أدرانها ، ومن كدراتها ، وتحلية لها بالصبغة الإلهية ، التي إذا اصطبغ بها عبد حاز مكارم الخلاق .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ عَنْ مُعَاذٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((لَنْ يَنْفَعَ حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ وَلَكِنَّ الدُّعَاءَ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ فَعَلَيْكُمْ بِالدُّعَاءِ عِبَادَ اللَّهِ))

[انفرد به احمد ابن حنبل]

 ما معنى لا ينفع حذر من قدر ؟ يعني مهما أوتي الإنسان نصيباً وافياً من الذكاء ، مهما سد الثغرات كلها ، مهما أخذ الحيطة كلها ، مهما وضع لكل احتمال ما يغطيه ، إذا كانت نفسه مريضة وتحتاج للمعالجة ، فالله سبحانه وتعالى لابد من أن يعالجه على الرغم من كل الاحتياطات ..

(( إذا أراد ربك إنفاذ أمر أخذ من كل ذي لب لبه ))

[ الخطيب في التاريخ عن ابن عباس ـ تصحيح السيوطي: ضعيف]

 سلبه عقله ، سلبه حكمته ، سلبه خبرته ، فأنفذ أمره معالجة له ..
 لذلك ربنا سبحانه وتعالى حدثنا عن الكفار فقال :

﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ * أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾

[سورة الأعراف الآيات:182-185]

 لابد من أن يسيروا في طريق يتورطوا فيه ، لابد من أن تأتيهم المصائب على الرغم من ذكائهم ، وقوتهم ، وأخذ الحيطة ، والحذر الشديد ، لا ينفع ذا الجد منك الجد ، وما توفيقي إلا بالله ، التوفيق كله محصور في الله عز وجل ، لو أن الله سبحانه وتعالى قال : التوفيق بيد الله ، ليست العبارة قصر ، ولا حصر .. قال :

 

﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ﴾

 

[سورة هود الآية:88]

 لايمكن للإنسان أن يحقق أهدافه في الحياة دون توفيق من الله
لا يستطيع المرء أن يحقق أهدافه في الحياة الدنيا إلا إذا وفقه الله إليها ، فإن لم يُوفقه فلا جهة في الأرض تستطيع أن تحقق له أهدافه ، هذا الكلام مسوق للناس جميعاً ؛ لأرباب الحرف لأرباب الاختصاصات .

 

﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ﴾

 

[سورة هود الآية:88]

 عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( لا ينفع حذر من قدر ولكن ينفع الدعاء ))

[أخرجه الطبراني]

 لماذا ؟ لأنك إذا دعوت الله مخلصاً تجلى الله على قلبك فطهره ، وتجلى عليه ثانيةً فكمله ، أصبحت طاهراً وقد تحليت بطرف من كمال الله عز وجل حينما تدعوه ، فإذا أعرضت عنه فإن النفس تمتلئ من الشهوات الخبيثة ، ولا بد لهذه الشهوات أن تخرج ، وإذا خرجت لابد من أن تعتدي على حقوق الآخرين ، ولابد من العقاب ، ولابد من التأديب ، ولا ينفع حذر من قدر ،
 عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

((لا ينفع حذر من قدر ولكن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل))

[أخرجه الطبراني]

 ادعوا الله عباد الرحمن ..
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ الله سبحانه وتعالى يحب أن ندعوه في صغائر الأمور وفي كبائرها في الحاجات الطفيفة ، وفي الحاجات الكبيرة ،
 عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ كُلَّهَا حَتَّى يَسْأَلَ شِسْعَ نَعْلِهِ إِذَا انْقَطَعَ ))

[أخرجه الترمذي]

(( إن الله يحب الملحين في الدعاء ))

[رواه الحكيم ابن عدي في الكامل والبيهقي في شعب الإيمان عن عائشة]

(( من لا يدعني أغضب عليه ))

 لأن الدعاء صلة ، وفي الدعاء إقبال ..
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ كن العقلاء من المؤمنين ، الموفقين من المؤمنين ، يدعون ربهم في الرخاء قبل الشدة ، وفي اليسر قبل العسر ، وفي الصحة قبل المرض ، لأن الدعاء وأنت في الرخاء هذا معرفة في الله ، وأنت في الشدة فهذا اضطرار ، ويستوي فيه العالم والجاهل ، كل الناس عالمهم ، وجاهلهم ، وفاجرهم ، مؤمنهم ، وكافرهم ، إذا ألمت به شدة يقول : يا الله .
 لكن الذي يدعو الله في الرخاء يعرفه ، يعرف ما عنده من خيرات يعرف ما عنده من رحمات ، يعرف ما عنده من تجليات ، لذلك ادعو الله في الرخاء قبل الشدة ، وفي الصحة قبل السقم ، وفي اليسر قبل العسر ، وفي الشباب قبل الكهولة ، ادعو الله وأنت معافى شديد ،
 عن أبو هريرة رضي الله عنه ، أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال :

(( أمرني ربي بتسع ؛ خشية الله في السر والعلانية ، كلمة العدل في الغضب والرضى ، والقصد في الفقر والغنى وأن أَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي ، وأعطي مَنْ حَرَمَنِي ، وأعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَنِي ، وأن يكون صَمْتي فِكْرا ، ونُطْقِي ذِكْرا ، ونظري عبرة ))

[أخرجه زيادات رزين]

طلب المغفرة من الله عز وجل بالدعاء

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ يُروى عن سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أتم الصلاة والسلام جاء في الأثر أن السماء أجدبت في أحد السنين ، فصلى سيدنا موسى صلاة الاستسقاء مع بني إسرائيل ، فلم تمطر السماء بعد الصلاة فأوحى الله إلى موسى ، أن يا موسى إن من بينكم عبداً عاصياً ومعصيته حجبت عنكم نزول الماء ، فقال موسى يا بني إسرائيل من كان منكم عاصياً لله فليغادرنا حتى ينزل الله علينا الماء ، ولم يخرج منهم أحد ، وصلى موسى مرةً ثانية ، فانهمرت السماء بالأمطار أنزلت السماء ماءً مدرارا ومكثارا ، فقال موسى : يا رب أنزلت علينا الماء ولم يخرج العاصي من بيننا ، فقال الله عز وجل : يا موسى لقد تاب بيني وبينه ، وقد قبلت توبته .
 إذا العبد قال: يارب أنا تبت، يقول الله: ياعبدي أنا قبلت
يُقال إن سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام قال يا رب أريد أن أعرف هذا الذي عصاك وتاب ، فقال الله عز وجل يا موسى عجبت لك ، أأستره وهو عاص ، وأفضحه وهو تائب ..
 يعني الأنبياء يدعون ربهم دعاء خفياً ، إذا قال العبد يا رب لقد أذنبت يقول الله عز وجل يا عبدي لقد سترت ، وإذا قال العبد يا رب لقد تبت ، يقول الله عز وجل يا عبدي وأنا قد قبلت ، إن كنت أذنبت يقول الله قد سترت ، وإن قلت قد تبت يقول الله قد قبلت ، إذا قال العبد يا رب وهو راكع ، قال الله لبيك ، وإذا قال العبد يا رب وهو ساجد ، قال الله لبيك ، وإذا قال العبد يا رب وهو عاص قال الله عز وجل لبيك لبيك لبيك ..

(( من أقبل علي منهم تلقيته من بعيد ، ومن أعرض عني منه ناديته من قريب ))

 وأوحى ربنا سبحانه وتعالى إلى موسى : أن يا موسى إن من عبادي من لو سألني الجنة بحذافيرها لأعطيته إياها ، ولو سألني غلاف سوط لم أعطه إياه ، ليس ذلك عن هوان له علي ، ولكن أريد أن أدخر له في الآخرة من كرامتي ، وأحميه من الدنيا كما يحمي الراعي غنمه من مراتع السوء .
 يا موسى ما ألجأت الفقراء إلى الأغنياء لأن خزائني ضاقت عليهم ولأن رحمتي لم تسعهم ، ولكن فرضت للفقراء من أموال الأغنياء ما يسعهم ، أردت أن أبلوا الأغنياء كيف مسارعتهم فيما فرضت لهم للفقراء من أموالهم .
يا موسى إن فعلوا ذلك أتممت عليهم نعمتي ، وضاعفت لهم الأجر في الدنيا ، وفي الآخرة ..
 يا موسى كن للفقراء كنزاً ، وللضعيف حصناً ، وللمستجير غوثاً ، أكن لك في الشدة صاحباً ، وفي الوحدة أنيساً ، وأكلؤك في ليلك ونهارك ..
 هكذا يريد الله سبحانه وتعالى ، أن نكون للفقراء كنزاً ، وللضعيف حصناً ، وللمستجير غوثاً ، عندئذ يكون الله سبحانه وتعالى لنا في الشدة صاحباً ، وفي الوحدة أنيساً ، ويكلؤنا في الليل والنهار ..
 عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ :

((دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ الْمَسْجِدَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو أُمَامَةَ فَقَالَ يَا أَبَا أُمَامَةَ مَا لِي أَرَاكَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ قَالَ هُمُومٌ لَزِمَتْنِي وَدُيُونٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَفَلَا أُعَلِّمُكَ كَلَامًا إِذَا أَنْتَ قُلْتَهُ أَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَمَّكَ وَقَضَى عَنْكَ دَيْنَكَ قَالَ قُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ قُلْ إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ قَالَ فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَمِّي وَقَضَى عَنِّي دَيْنِي ))

[أخرجه أبو داود]

 وعن أبي ذر رضي الله عنه :

(( قلت يا رسول الله أوصني ، قال أوصيك بتقوى الله فإنه أزين لأمرك كله ، قلت زدني ، قال عليك بتلاوة القرآن وذكر الله عز وجل ، فإنه ذكر لك في السماء ونور لك في الأرض ، قلت زدني ، قال عليك بطول الصمت ، فإنه مطردة للشيطان ، وعون لك على أمر دينك ، قلت زدني ، قال إياك وكثرة الضحك فإنه يميت القلب ويذهب بنور الوجه ، قلت زدني ، قال قل الحق وإن كان مراً ، قلت زدني ، قال لا تخف في الله لومة لائم قلت زدني ، قال ليحجزك عن الناس ما تعلم من نفسك))

[ رواه عبد بن حميد في تفسيره الطبراني في الكبير عن أبي ذر ـ تصحيح السيوطي: حسن]

 يعني إن كانت في المرء نقيصة فلا ينبغي أن يحاسب عليها أمثاله حتى يطهر منها أولاً ، وعندئذ يدعو الناس إلى الخلاص منها ..
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ الدعاء مخُّ العبادة ، والدعاء هو الصلاة ، وليس شي أكرم على الله من الدعاء ، والدعاء صلة ، والدعاء ليس المقصود بذاته بل المقصود ما يرافقه من صلة وتضرع والتجاء إلى الله عز وجل .
بهذه الصلة نطهر من الأدران ، وبهذه الصلة نصطبغ بما عند الله سبحانه وتعالى من كمال ، لذلك :
 عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً))

[أخرجه الطبراني ]

 عبد الله بن عمر يقول : لو صليتم حتى تكونوا كالحنايا ، وصمتم حتى تكونوا الأوتاد (من شدة النحول) لم يُقبل ذلك منكم إلا بورع حاجز ، بورع يحجزكم عن معاصي الله .
 وقال عليه الصلاة والسلام :

(( خير دينكم الورع ))

[ البزار والطبراني في الأوسط والحاكم في المستدرك عن حذيفة ]

 يعني من دون ورع لو إنسان مطعمه حرام ، ومشربه حرام وغذي بالحرام ، لو دعا الله مائة عام لا يستجيب له ، فأنى يُستجاب له ..
 فإذا أردتم أن تستجاب دعوتكم فطيبوا مطعمكم ، وكونوا ورعين لأن ركعتين من ورع ، خير من ألف ركعة من مخلط ، ومن لم يكن له ورع يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله بشيء من عمله ..
 يقول أحد العارفين بالله : لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يكون فيه أربع خصال :
 أداء الفرائض بالسنة ؛ كيف سلك النبي صلى الله عليه وسلم في تأدية هذه الفريضة .
 وأكل الحلال بالورع ، من أكل الشبهة أربعين يوماً أظلم قلبه ، من أكل الحرام عصته جوارحه شاء أم أبى ، علم أو لم يعلم ، ومن كان مطعمه حلالاً أطاعته جوارحه ووفق للخيرات .
 يقول سيدنا علي كرم الله وجهه : إن الدنيا حلالها حساب وحرامها عذاب ..

***

 أيها الإخوة الكرام حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا وتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني والحمد لله رب العالمين .

 

الخطبة الثانية :

 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم .

سؤال الله للعبد في أول ساعة من موته

 الله ينظر إلى القلب وليس إلى ظاهر الإنسان
أيها الإخوة الكرام ؛ جاء في بعض الأحاديث القدسية : أنه من ساعة أن يُوضع الميت على الجنازة إلى أن يوضع على شفير القبر ، يسأل الله بعظمته منه أربعين سؤالاً ، أولها يقول :

(( عبدي طهرت منظر الخلق سنين ، وما طهرت منظري ساعة وكل يوم ينظر الله في قلبك ويقول ما تصنع لغيري ، وأنت محفوف بخيري ، أما أنت فأصم لا تسمع ))

 .. القلب منظر الرب ، إذا طهرته رضي الله عنك ، لأن الله ينظر إليك ، ولا ينظر إلى شكلك ، ولا إلى قوامك ، ولا إلى زيك ، ولا إلى هندامك ، ولا حسن صورتك ، ولا إلى بيتك ، هذا منظر الخلق شكلك منظر الخلق ، ثيابك منظر الخلق بيتك منظر الخلق ، هندامك منظر الخلق ، ولكن قلبك منظر الله عز وجل ، فأنت تسعى طوال عمرك في تطهير منظر الخلق ، في تزيين نفسك ، في تحسين هندامك ، في تزيين بيتك ، أفلا طهرت منظري ساعة ، سنوات وسنوات تمضيها في تحسين المنظر الخارجي للبيت والمنظر الداخلي للبيت ، أفلا طهرت منظري ساعة ..

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾

[سورة الشعراء الآية:88-89]

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت تباركت ربنا وتعاليت ، لك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك .
 اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ، ما تحول به بيننا وبين معصيتك ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون علينا مصائب الدنيا ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين .
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين .
 اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك .
 اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين .
 اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً ، وسائر بلاد المسلمين .
 اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء .
 اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب .
 اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء .
 اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين .
 اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام والمسلمين ، وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى إنك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018