الخطبة : 0341 - رمضان4 ( ثمرة الصيام ) - صدقة الفطر. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0341 - رمضان4 ( ثمرة الصيام ) - صدقة الفطر.


1991-04-12

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر . وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم ، رسول الله سيِّد الخلق والبشر ، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر . اللهمَّ صل وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريَّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

المؤمن قويٌ في دينه لا تأخذه في الله لومة لائم :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ نحن على أبواب توديع رمضان ، ضيفٌ كريم زارنا ، ولكن السؤال الدقيق : ما الثمرة التي قطفناها ؟ ما الإنجاز الذي حَصَل ؟ ما التقدُّم الذي كان ؟ ما النهوض الذي تَمّ ؟ ماذا نتج عن هذا الصيام الطويل ؟
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ إن لم تكن الثمار يانعةً إن لم يكن الإنجازُ ملموساً ، إن لم تكن القفزة نوعيةً ، إن لم يكن التَحَسُّن واضحاً ، فالله سبحانه وتعالى غنيٌ عن عبادةٍ تبدأ بترك الطعام وتنتهي بتناوله .
 مرةً ثانية : المؤمن أيها الأخوة ليس ناقةً حبسها أهلها ، لا تدري لا لم عُقِلَت ؟ ولا لم أُطْلِقَت ؟
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ يقول عليه الصلاة والسلام في حديثٍ طويل ورد في الجامع الصغير ، هذا الحديث يُشبه أن يكون ثمرة الصيام ، فإن لم يكن الإنسان في مستوى هذا الحديث فهذا الصيام وذاك القيام ، هذه الصلوات وتلك النوافل لا جدوى منها .
 والعبادات أيها الأخوة ليست طقوساً ، من فضل الله علينا ديننا الإسلامي ليس فيه طقوس ، ومعنى طقوس أي أعمالٌ لا معنى لها ، حركاتٌ نؤديها ، سلوك نقفه ، من دون أن نَفْقَهَهُ ، يقول عليه الصلاة والسلام :

((إن من أخلاق المؤمن))

[السيوطي عن جندب بن عبدالله]

 هذا الحديث الشريف فيه وصفٌ طويل لأخلاق المؤمن ، وهذه "مِن" للتبعيض ، هذه بعض أخلاق المؤمن ، فإن لم تكن في الصائم وقد انتهى رمضان واستقبل شوال ، فإن لم تكن في الصائم هذه الأخلاق ، وهي بعض أخلاق المؤمن ، فما قيمة الصيام ؟ ما قيمة القيام ؟ أين الاتصال بالله ؟ أين الاصطباغ بصبغة الله عز وجل ؟ يقول عليه الصلاة والسلام :

((إن من أخلاق المؤمن قوةً في الدين))

[السيوطي عن جندب بن عبدالله]

 قويٌ في دينه ، لا تأخذه في الله لومة لائم ، ليس عنده أنصاف حلول ، ليس عنده مواقف مَرِنَة إلى درجة أنها على حساب دينه ، المواقف المَرِنَة ، التي على حساب دين الإنسان ، ليس هذا من الإيمان في شيء ، أنا أسمح للرياح أن تدخل إلى غرفتي فتجددها ، ولكن لا أسمح لها أن تقْتَلعني من جذوري ، لا أسمح لمرونتي ، ولباقتي ، وحيائي ، وخجلي ، وحسن معاشرتي ، ولين عريكتي أن يكون هذا كله على حساب ديني ، لا مؤاثرة في الخير والخير كله في المؤاثرة ، أن تؤثر جهةً أرضيةً على دينك ، على مرضاة ربك ، على طاعتك لله، على التزامك بشرعه ، ليس هذا من الدين في شيء . . " إن من أخلاق المؤمن قوة في دين" أيْ أنَّ المؤمن مستعد دائماً وأبداً أن يقول كلمة : لا بملء فمه إذا أراد آخرون أن يجروه إلى معصية ، إلى شبهة ، إلى تقصير ، إلى ترك عبادة ، إلى انحراف ، إلى مجاوزة .

 

واقعة تبين أن المؤمن قوي في دينه :

((إن من أخلاق المؤمن قوةً في الدين))

[السيوطي عن جندب بن عبدالله]

 هذه الفقرة من الحديث ، سأترجمها لكم بواقعةٍ وقعت في عهد سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه .
 خطب سيدنا عمر رضي الله عنه خطبةً ، استهل بها عهد خلافته فقال : " بلغني أن الناس هابوا شدتي ، وخافوا غِلْظَتي - وقالوا : كان عمر يشتد ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أَظْهُرنا ، ثم اشتد علينا وأبو بكر والينا دونه ، فكيف وقد صارت الأمور إليه ؟ من يمنعه منا؟ من يحجزه عنا ؟ هو شديد ، وقوي ، قد كان مع رسول الله وهو الرؤوف الرحيم ، وكان مع الصديق وهو الحليم الكريم ، فكيف وقد آلت الأمور إليه ؟ هكذا قال سيدنا عمر في الخطبة- ألا من قال هذا فقد صدق ، فإني كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عَوْنَهُ ، وخادمه - وكان عليه الصلاة والسلام لا يبلغ أحد صفته في اللين والرحمة ، أين نحن منه ؟ كان قمةً في الرحمة واللين ، كنت خادمه ، وكنت عونه - فكنت بين يديه سيفاً مسلولاً ، حتى يغمدني ، أو يدعني أمضي - هذا دوري مع رسول الله ، كنت خادماً له وعوناً له وسيفاً مسلولاً إما أن يدعني أمضي ، وإما أن يغمدني ، هذا دوري في عهد النبي- فلم أزل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك حتى توفاه الله وهو عني راضٍ ، والحمد لله على هذا كثيراً- عرض لهم علاقته مع رسول الله- وأنا به أسعد- أي أنا أسعد الناس بهذا الدور ، وهذا الموقف، وهذا الرضا - ثم ولي أمر المؤمنين أبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه ، فكان من لا تنكرون دَعَتَهُ وكرمه ولينه - كريم ، وديع ، ليِّن - فكنت خادمه ، وعونه ، أخلط شدتي بلينه - مني الشدة ومنه اللين ، تكاملنا- فأكون سيفاً مسلولاً حتى يغمدني أو يدعني فأمضي ، فلم أزل معه كذلك حتى قبضه الله عز وجل وهو عني راضٍ ، والحمد لله على ذلك كثيراً وأنا به أسعد - ثم عرض لهم علاقته بسيدنا الصديق ، فعلاً كان شديداً وكان الصديق ليناً ، كان سيفاً مسلولاً والأمر للصديق ؛ إما أن يدعه فيمضي ، وإما أن يحجزه ، وإما أن يغمده في غمده -
 ثم إني قد ولِّيت عليكم- الآن الأمور كلها إلي- أيها الناس ، فاعلموا بادئ ذي بدء أن تلك الشدة قد أضعفت - أحياناً الأب يمثل دور الشدة ، والأم دور العطف والحنان ، فإذا توفِّيت الأم، صار الأب عليه أن يمثل دور الشدة والعطف معاً ، لا يوجد صمّام أمان ، لا توجد جهة أخرى يرجع الابن إليها ليتوازن الموقف - ثم إني قد وليت أموركم أيها الناس ، فاعلموا أن تلك الشدة قد أضعفت ، ولكنها إنما تكون على أهل الظُلم والتعدي ، أما أهل السلامة والدين والقصد فأنا ألين لهم من بعضهم - أنا لين لين لين جداً ، رحيم رحيم إلى أقصى درجة ، هؤلاء أهل المعروف ، أهل التقوى ، أهل الصلاح - ولست أدع أحداً يظلم أحداً أو يعتدي عليه ، حتى أضع خده على الأرض ، حتى يُذعن للحق ، وإني بعد شدتي تِلْك أضع خدي على الأرض لأهل العفاف وأهل الكفاف - أنا متواضع جداً ، خدّي على الأرض أضعه لهم- ولكم عليَ أيها الناس خصالٌ أذكرها لكم فخذوني بها - أي حاسبوني عليها - لكم علي ألا أجتبي شيئاً من خراجكم ، وما أفاء الله عليكم إلا من وَجْهِهِ - أي ألا آخذ من أموالكم شيئاً إلا بالحق - ولكم عليّ إذا وقع في يدي ألا يخرج مني إلا في حقه ، ولكم عليّ أن أزيد عطاياكم وأرزاقكم إن شاء الله تعالى - تمشياً مع غلاء المعيشة - ولكم علي أن أَسُدَّ ثغوركم - أن أحمي حدودكم - ولكم علي ألا ألقيكم في المهالك ، وإذا غبتم في البعوث - أي في الجهاد - فأنا أبو العيال حتى ترجعوا إليهم ـ فاتقوا الله ، وأعينوني على أنفسكم بكفها عني ، وأعينوني على نفسي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإحضار النصيحة فيما ولاني الله من أمركم ".

((إن من أخلاق المؤمن قوةً في دين))

[السيوطي عن جندب بن عبدالله]

 قويٌ في أمر الله ، لا تأخذه في الله لومة لائم ، ليس عنده أنصاف حلول ، ولا مواقف مرنة ، إلى درجة أنها بُنِيَت على دينه ، ولا مُجاملات ، ولا مُهادنات ، ولا شيء ينتقص من مكانته ودينه ، هذه من أخلاق المؤمن ، فإذا انتهى بك الصيام إلى أن تكون قوياً في دينك فقد صمت ورب الكعبة ، وقد قطفت ثمار الصيام ، ونلت شيئاً من مكاسب الصائم .

((إن من أخلاق المؤمن قوة في دين ، وحزماً في لين ))

[السيوطي عن جندب بن عبدالله]

 لا تكن ليناُ فتُعْصَر ، ولا قاسياً فتُكْسَر ، المؤمن حازم ، ولكن حزمه مشوبٌ باللطف ، مشوبٌ بالرقة . دخل على النبي صلى الله عليه وسلم أعرابيٌ ولم يعرف قدر النبي، فتهجَّم عليه أصحابه ، فحجزهم عنه ، وتلطف به ، كان حازماً وليّناً في الوقت نفسه .

 

الجمع بين الحرص و العلم :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ الحزم من دون لين يُنَفِّر ، واللين من دون حزم يُصَغِّر ، فإما أن تكون مكروهاً وإما أن تكون صغيراً ، أما إذا كنت حازماً ليناً في الوقت نفسه ، فهذا شيءٌ يحتاج إلى مهارةٍ فائقة ، لا يكون الرفق في شيءٍ إلا زانه ، ولا ينزع من شيءٍ إلا شانه ، علِّموا ولا تعنفوا ، فإن المعلم خيرٌ من المُعَنِّف ، لست بالخِبْ ولا الخَبُّ يخدعني ، أيْ لست من الغباء بحيث أُخدع ، ولا من الخبث بحيث أَخدع ، هل أنت في هذا الموقف الدقيق ؟ إن كنت كذلك فقد قطفت بعضاً من ثمار الصيام ، ما الصيام ؟ اتصالٌ بالواحد الديان ، إقبالٌ عليه ، اصطباغٌ بصبغته .

((إن من أخلاق المؤمن قوة في دين ، وحزماً في لين ، و حرصاً في علم))

[السيوطي عن جندب بن عبدالله]

 حريص ، ولكن الشيء الدقيق جداً أنه حريص ولكن يعرف الأولويات ، يعرف الشرَّيْن ويفرِّق بينهما ، ويضحي بأيسرهما ، أما من أجل هدفٍ صغير تُضَحِّي بهدفٍ كبير ، ليس هذا من الفقه في شيء ، لا بد للمؤمن من سُلَّم أولويات ؛ هذا الموضوع في الدرجة الأولى، هذا الموضوع في الدرجة الثانية ، إن كان لابد من أن أضحي فَلأُضحي بما هو من الدرجة الثانية من أجل الدرجة الأولى ، هذا الذي سماه النبي حرصاً في علم ، حريصٌ على سنة فضيَّع من أجلها فريضة ، حريصٌ على مندوب فضيَّع من أجله واجب ، حريصٌ على هداية الإنسان فحطمه ، قسا عليه فحطَّمه ، خسرته دفعةً واحدة ، ليس هذا مِن الحِرْصِ في شيء ، لابد مِن أن تجمع بين الحرص وبين العلم .

 

قيمة القصد أن يكون عن غنىً :

((.....وقصداً في غنى))

 لاحظ أن الإنسان متى يدعو الله عز وجل ؟ في حالات الشدة ، في حالات الفقر، في حالات المرض ، في حالات الخوف ، يدعو الله من أعماقه ، أهذا هو الإيمان ؟ ما من إنسانٍ على وجه الأرض إلا ويدعو الله في حالات الخَوْف ، وفي حالات الفقر ، وفي حالات المرض ، ولا سيما في المرض العضال ، يدعو ويرفع صوته بالدعاء ، ويجهر بدعائه ، ويقول : يا رب .
 ولكن البطولة كل البطولة وأنت في الرخاء ، وأنت صحيح ، وأنت غني ، وأنت معافى ، ليس عندك مشكلة ، أن تشعر بافتقارك إلى الله ، وأنت في أَوْجِ قوَّتك ، وأنت في أوج صحتك ، وأنت في أوج سيطرتك أن تشعر بافتقارك ، فالقصد قيمته أن يكون عن غنىً ، وقصداً في غنىً ، فإذا كان المؤمن فقيراً ، دخله قليل ، ضيِّق ذات اليَد ، هل ينبغي أن يبدو بهيئةٍ زَرِيَّةٍ؟ أهكذا الإيمان ؟ ألا يأخذ من شعره ؟ ألا يقلِّم أظافره ؟ ألا ينظِّف ثوبه ؟ ألا يُجَمِّلُ بيته ؟ ألا يُجَمِّلُ مكان عمله ؟

 

التزام المؤمن بالتجمل لأنه يمثل هذا الدين :

 الصفة الثالثة :

(( ….وتجملاً في فاقه ))

 مع أنه فقير يبدو أمام الناس غنياً ، يبدو مكتفياً ، يبدو أنيقاً ، يبدو نظيفاً ، النظافة والأناقة لا تحتاج إلى مبالغ باهظة ، فرقٌ كبير بين البَذْخِ وبين النظافة ، يمكن أن ترتدي ثوباً بسيطاً ولكن ألوانه مُنْسَجمة ، إذا كنت مؤمناً أينبغي أن ترتدي ألواناً متنافرة ؟ تقول : أنا أحب الله ورسوله . تجعل من الناس يضحكون عليك ! ماذا يمنع أن تكون ذوّاقاً في لباسك ولو كان بسيطاً ؟ ماذا يمنع أن تكون نظيفاً ؟ أن تأخذ من شعرك ، أن تأخذ من أظافرك ، أن تُجَمِّل ، هكذا قال عليه الصلاة والسلام :

(( أصلحوا رحالكم ، وحسنوا لباسكم ، حتى تكونوا شامةً بين الناس ))

[السيوطي عن سهل بن الحنظلية]

 كان إذا مرّ النبي عليه الصلاة والسلام يعرف بريح المِسْك ، كان له ثيابٌ جديدة يرتديها عندما تأتيه الوفود ، وفي أيام الجُمَع ، وكان عليةً أصحابه يفعلون ذلك :

((تجملاً في فاقه ))

 مؤمن ، فهو على العين والرأس ، تحب الله ورسوله ، لكن لماذا لست منظماً ؟ لماذا لست معتنياً بمظهرك ؟ أنت تمثِّل الدين ، كلما وقعت في غلطة قالوا : أهكذا المسلم ؟ أهذا هو الدين ؟ سبحان الله أهل الدنيا يُسَلِّطون كل الأضواء على المؤمن ، أما على بعضهم بعضاً ؛ فكل غلطةٍ لا تحتمل يسكتون عنها ، أما إذا زلت قدم المؤمن فلأنه مظنة صلاح ، لأنه يمثّل هذا الدين فلا يسكتون أبداً ، هكذا قال عليه الصلاة والسلام :

(( أنت على ثغرةٍ من ثغر الإسلام ، فلا يؤتين من قبلك ))

[ورد في الأثر]

 لا تسمح لغير المؤمنين أن ينتقصوا من دينك من خلالك .

(( وتجملاً في فاقه ))

 إن كنت كذلك فقد قطفت من الصيام ثمرته .

 

عزة النفس و الابتعاد عن المحارم و المطامع :

((وتحرُّجاً عن ))

 ما الذي دَقَّ رقاب الرجال ؟ الطمع ، ما الذي أذلّ الرجال ؟ الطمع ، ما الذي ضعضع مكانة الرجل ؟ الطمع . " من جلس إلى غنيٍ فتضعضع له ذهب ثلثا دينه
 ما الذي يجعلك تصغر ؟ تنكمش ؟ طمعك فيما عند الآخرين ، ما الذي يجعلك عزيزاً ؟ استغناؤك عن أموال الناس ، لن ترقى عند الله عز وجل إلا إذا رآك عزيز النفس .

﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾

[ سورة المنافقون : 8 ]

اجعل لربـك كـل عزك يستقر ويثـبت فإذا  اعتززت بمَن يموت فإن عزّك ميِّتُ
***

 أيها الأخوة المؤمنون ؛

(( وتحرجاً عن طمع ))

 لا يطمع إلا في فضل الله عز وجل ، عفيف النَفْس ، عفيفٌ عن المطامع ، عفيفٌ عن المحارم :

((وتحرجاً عن طمع ))

 إن كنت كذلك فقد قطفت شيئاً من ثمار الصيام .

تحري الكسب الحلال :

((وكسباً في حلال ))

[السيوطي عن جندب بن عبدالله]

(( يقول أحدكم : يا رب يا رب ، ومطعمه حرام ، ومشربه حرام ، وغذي بالحرام فأنى يستجاب له? ))

[ من تخريج أحاديث الإحياء عن أبي هريرة ]

(( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))

[الطبراني عن عبد الله بن عباس ]

(( كسباً في حلال ))

 خذ هذه ، خذ ثمن الشاة ، وقل لصاحبها ماتت . ـقال : أين الله ؟ هذه المشكلة ألك عندها حَل ؟ ما دام الله مُطَّلِعَاً عليك ، ما موقفك من الله عز وجل ؟ لذلك الأمانة لا تتجزأ ، إذا كُنْتَ تخشى الله في المليون ، يجب أن تخشاه في الليرة الواحدة ، لا فرق عند الله بين المليون وبين الليرة ، الذي يتعفَّف عن الليرة يتعفف عن المليون ، والذي يتعفف عن المليون يتعفف عن الليرة أيضاً ، أما إذا كانت ليرة فتعفف عنها ، وإذا كان أكبر من ذلك أخذها ، هذا شأن رجل كان يطوف حول الكعبة في أيام الحج ، وكان سيدنا عمر حاضر المكان ، فوجد لوزةً فصاح : لمن هذه اللوزة ؟ لمن هذه اللوزة ؟ ملأ الحرم صخباً وضجيجاً . فما كان من عمر إلا أن قال له : كلها يا صاحب الورع الكاذب ؟ ، كلها وخلصّنا ، من صاحب هذه اللوزة ؟ الأمانة لا تتجزأ .

 

اقتران البر بالاستقامة :

(( وبِرَّاً في استقامة ))

 أحياناً الإنسان يفعل المعروف ، يتوسَّع به ، إلى أن تزل قدمه ، يدعم أهل البَغْي والفجور ، يُحْسِن للعُصاة ، يقدِّم لهم العَوْن ، بطيبٍ وسذاجةٍ ، وضيق أفقٍ ، وعدم انتباهٍ ، أعنته على منكر ، أعنته على معصية ، فبرك يجب أن يكون مع استقامةٍ ؛ هذا حلال وهذا حرام ، هذا إسراف وهذا تبذير ، أما البِر على إطلاقه من دون قيود ، من دون حدود ، هذا ليس من أخلاق المؤمن ، فقد يحتاج بعض أقربائه إلى أجهزة لهو ، فيدعمهم بثمنه ويقول : جبر خاطر ، أيام جبر . فهذه معصية ، تدعمهم بما يفسد أخلاقهم ؟

 

المؤمن نشيط و نشاطه منضبط بالشرع :

((وبراً في استقامة ونشاطاً في هُدى ))

 المؤمن نشيط ، لكن نشاطه منضبط بالشرع ، نشاطه لا لمكسبٍ شخصي ، ولا لدُنيا يصيبها ، ولا لامرأةٍ ينكحها ، ولا لمكسبٍ مادي ، نشاطه في سبيل الله ، وما دام نشاطه في سبيل الله فلابد من أن ينضبط بأوامر الله عز وجل .

 

الابتعاد عن كل شهوة تؤدي إلى معصية :

(( ونهياً عن شهوة ))

﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ﴾

[سورة النازعات : 40]

 أودع الله فينا الشهوات لنرقى بها إلى رب الأرض والسموات ، نرقى بها مرَّتين ؛ نرقى بها صابرين ، ونرقى بها شاكرين ، أما كل شهوةٍ أودت به إلى معصية ، في أعماق نفسه نهيٌ شديد عن هذه الشهوة .

(( ونهياً عن شهوة ))

من لا يرحم لا يُرحم :

 أذكركم بمطلع الحديث :

(( إن من أخلاق المؤمن قوةً في دين ، وحزماً في لين ، وحرصاً في علم ، وقصداً في غنى ، وتجملاً في فاقه ، وتحرُّجاً عن طمع ، وكسباً في حلال ، وبراً في استقامة، ونشاطاً في هدىً ، ونهياً عن شهوة ، ورحمةً للمجهود ))

 من لا يَرْحَم لا يُرحم ، " إن أردتم رحمتي فارحموا عبادي " ، لا يوجد إنسان إلا في موقع بإمكانه أن يقسو وأن يرحم ، ولو كنت معلماً في الصف الأول الابتدائي ، بإمكانك أن تقسو وأن تضرب هذا الطفل الصغير ، الذي هو فلذة كبدِ والديه ، تضربه بقسوة لأنه تكلم كلمةً وأخلّ بالنظام ، تقسو عليه والله لن يسامحك ، هذا أمانة ، لا يوجد إنسان على وجه الأرض في أي موقع ؛ مدير معمل ، مدير مستشفى ، صاحب متجر ، أبٌ في بيت ، أمٌ في بيت ، لا يوجد إنسان إلا وبإمكانه أن يقسو ، وبإمكانه أن يرحم ، ومن لا يَرْحَم لا يُرحم ، وإذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي ، وعامل الناس كما تحب أن يعاملوك .

 

الإنصاف و العدل :

(( ورحمةً للمجهود ، وإن المؤمن من عباد الله لا يحيف على مَنْ يبغض ))

 الآن إذا وقعت بغضاء يخرجه من دينه ، يخرجه من ثيابه ، يُعَرِّيه بين الناس ، فإذا وقع الرضا أسبل عليه ثياب القدِّيسين ؛ مبالغات ، الناس ليسوا منصفين ، ليسوا متوازنين ، ليسوا معتدلين ، النبي عليه الصلاة والسلام قال :

(( أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما ، و أبغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما ))

[ الجامع الصغيرعن ابن عمر ]

 رأى صهره عليه الصلاة والسلام مع الأسرى ، لماذا جاء ؟ زوج ابنته جاء ليقاتله، جاء ليقتله ، هكذا الحرب ، رآه مع الأسرى ، ماذا قال عليه الصلاة والسلام ؟ كان منصفاً قال : " أما هذا فوالله ما ذممناه صهراً " صهر ممتاز ، ما نسي أنه ذو أخلاقٍ كريمة ، ما نسي أنه ذو وفاءٍ لابنته ، ما نسي أنه كريم الأخلاق ، الآن أسير ، الآن جاء ليحارب المسلمين ، ولكن ما ذممناه صهراً ، هل عندك إنصاف هكذا ؟ هل عندك إنصاف أن إذا إنسان خطب ابنتك ثم عَدَلَ عنها أن تُثْنِي عليه ؟ تجعله في أسفل سافلين ، تجعله فقيراً ، ولا يصلي ، ويشرب ، تضفي عليه كل الصفات السيئة ، لأنه رفض أن يأخذ ابنتك ، شريكان إذا انفصلا يتكلَّم الناس عنهم ؛ هذا قليل أمانة لا يشتغل ، هكذا ، أمضيت معه ثلاثين عاماً و لم تستطع أن تكشفه حتى الآن ؟ النبي عليه الصلاة والسلام قال :

(( وإن المؤمن من عباد الله لا يحيفُ على مَنْ يُبْغِض ))

 لا تكون مؤمناً إلا إذا كنت منصفاً .

(( والعدل في الغضب والرضا ))

[ من الدر المنثور عن عطاء بن يسار ]

 رجل سأل سيدنا عمر : أتحبني ؟ قال له : والله لا أحبك - سيدنا عمر إنسان صريح - قال له : وهل يمنعك بغضك لي من أن تعطيني حقي ؟ قال له : لا والله ، الحق لابد من أن يصل إليك ، أحببتك أم لم أُحِبَّك .

(( وإن المؤمن من عباد الله لا يحيف على من يبغض ولا يأثم فيمن يحب ))

 أحياناً يحب الرجل ابنه ، وهذا شيء طبيعي ، ابنه مُنحرف الأخلاق ، منحرف السلوك ، بعيدٌ الدين ، يثني عليه أمام الناس ، ويضفي عليه صفات الورع والتقوى والصلاح لأنه يحبه ، والابن لا يصلي ، يشرب الخمر ، أخلاقه عالية ، لطيف ، ذكي ، موفَّق ، يحبه الناس جميعاً . أنت الآن تغش الناس ، تثني عليه بما ليس فيه ، النبي عليه الصلاة والسلام قال :

(( وإن المؤمن من عباد الله لا يحيف على من يبغض ، ولا يأثم فيمن يحب ))

 أي لا يحمله حبه على أن يقع في إثم ، ولا يحمله بغضه على أن يقع في إثم . رأيُك أمانة ، جيرانك أمانة ، طلابك أمانة ، مرؤوسك أمانة ، هؤلاء سيحاسبونك يوم القيامة ، ما استرعى الله عبداً رعيةً ، فلم يحطها بنصحه إلا حرَّم الله عليه الجنة .

 

المؤمن لا يحسد و لا يطعن و يعترف بالحق :

(( ولا يضيع ما استودع ، ولا يحسد ))

 لماذا يحسد ؟

مَلِكِ المُلوك إذا وَهَب  قُم فاسألنَّ عن السَبَب
***

 الله عادل . .

الله يعطي مَن يشاء  فقِف على حَدّ الأدب
***

(( لا يحسد ، ولا يطعن ))

 يطعن ، كلما ارتقى الإنسان طعنوا فيه ، كلما ارتفع طعنوه ؛ تشفياً ، حسداً ، غيرةً، حقداً ، عداوةً شيطانيةً لا لسبب ، يقطعون الناس عن بعضهم بعضاً ، يفتتون المُجتمع .

((لا يحسد ، ولا يطعن ، ولا يلعن))

 قال بعض العلماء : الإنسان إذا لعن إنساناً توجهت اللعنة إليه ، فإن لم تجد عند هذا الملعون مُساغاً عادت إلى اللاعن ، فقبل أن تذم الناس ، قبل أن تجرِّحهم ، قبل أن تنهش أعراضهم ، قبل أن تنتقص دينهم ، تأمَّل ملياً ؛ إن كنت متجنياً ، أو مُجْحِفاً ، أو ظالماً عادت هذه اللعنة عليك .

(( لا يحسد ، ولا يطعن ، ولا يلعن ، يعترف بالحق وإن لم يُشْهَد عليه ))

 ضيع السند ، فيقول له : أخي احضر لي السند وخذ حقك ، لا تحضره ليس لك شيء عندي . ابحث لها عن حل ! لا يعترف بالحق ، ما دام حقه ثابتاً أعطه حقه ، فكثير من الأشخاص لا يقبل إلا بالقضاء ، مع أن الحق ثابتٌ عليه ، طريق طويل ، يقول : خلال عشر سنوات تكون العملة قيمتها خفت ، أعطيضيع السند ، فيقول له : أخي احضر لي السند وخذ حقك ، لا تحضره ليس لك شيء عندي . ابحث لها عن حل ! لا يعترف بالحق ، ما دام حقه ثابتاً أعطه حقه ، فكثير من الأشخاص لا يقبل إلا بالقضاء ، مع أن الحق ثابتٌ عليه ، طريق طويل ، يقول : خلال عشر سنوات تكون العملة قيمتها خفت ، أعطيه الدين بعد عشر سنوات ، أما إذا كان الحق ثابتاً .

((يعترف بالحق وإن لم يشهد عليه ، ولا يتنابز بالألقاب ))

 المُحاكاة ، التقليد، الذَم ، كلمات السوء ، التقريع ، الاستخفاف ، السُخرية ، ليس هذا من أخلاق المؤمن .

 

من رضي بما قسمه الله له كان أغنى الناس :

(( ولا يتنابز بالألقاب ، في الصلاة متخشع ، إلى الزكاة مسرع ، في الزلازل وقوراً ))

﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾

[ سورة آل عمران: 146 ]

(( في الزلازل وقوراً ))

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ﴾

[ سورة الأحزاب : 23]

(( في الزلازل وقوراً ، في الرخاء شكوراً ))

 قانعاً بالذي له ، هذا الذي قسمه الله لك هو عين الحِكْمَة ، وعين العدل ، وعين الرحمة ، وعين الكمال ، الأمر الذي حَمَلَ الإمام الغزالي أن يقول : " ليس في الإمكان أبدع مما كان " . أي ليس في إمكاني أبدع مما أعطاني .
 قال له : يا رب هل أنت راضٍ عني ؟ يطوف حول الكعبة ، ورآه الشافعي قال له: يا هذا هل أنت راضٍ عن الله حتى يرضى عنك ؟ قال له : يا سبحان الله ، كيف أرضى عنه وأنا أتمنى رضاه ؟‍‍!! قال : إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيك عن الله . يجب أن ترضى عن شكلك ، وعن صحَّتك ، وعن زوجتك ، وعن أولادك ، وعن بيتك ، وعن عملك ، وعن دخلك ، يجب أن ترضى بعد أن تستنفذ كلَّ الجُهد في تحسين ذلك ، يجب أن ترضى بعد أن تستنفذ كل الجهد في تحسين ذلك ، إذا استنفدت الجهد كله يجب أن ترضى ، لأن هذا قضاء الله وقدرُه ، لأن هذا قسمة الله لك ، وأحد أسباب السعادة في الدنيا أن ترضى بما قسمه الله لك ، ارض بما قسمه الله لك تكن أغنى الناس .

(( قانعاً بالذي له ، لا يدَّعي ما ليس له ))

 وأنا أقول لكم هذه الكلمة : لو أن كل إنسان قنع بما له ، ولم يدَّعِ ما ليس له ، لأغلق قصر العدل أبوابه ، كل الدعاوى أساسها هناك من يدَّعي ما ليس له ، يريد أن يأخذ ما ليس له .

 

المؤمن لا يجمح به الغيظ ولا يغلبه الشُحُّ عن معروفٍ :

(( قانعاً بالذي له ، لا يدعي ما ليس له ، لا يجمح به الغيظ ))

 الغيظ أحياناً يدفعه إلى مُنْكَر ، إلى أن يقول كلماتٍ بذيئة ، إلى أن يضرب ، إلى أن يقسو ، مالكٌ لنفسه ، الحليم من هو الحليم ؟ كاد الحليم أن يكون نبياً ، الحلم سيّد الأخلاق .

(( لا يجمح به الغيظ ، ولا يغلبه الشُحُّ عن معروفٍ يريده ))

 أراد أن يعين أخته ، ثم وقع صراعٌ في نفسه فقال : لها الله . هذه كلمة في ظاهرها فيها تقوى ، وهي شيطانية . يجب أن تساعدها ، الله عز وجل هو لها ولكن سخَّرك من أجلها .

((الأغنياء أوصيائي ، والفقراء عيالي ، فمن منع مالي عيالي أذقته عذابي ولا أبالي))

 الإنسان أحياناً يتورَّط فيفلسف عدم دفعه فلسفةً تشبه الكُفَّار ، ماذا قال الكفار ؟

﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾

[ سورة يس : 47]

 الله الذي يطعم ؟ لا ، الله يطعم عن طريقك .

 

المؤمن مع الناس في أفراحهم و أتراحهم :

 لذلك :

(( لا يغلبه الشُحُّ عن معروفٍ يريده ، يخالط الناس كي يعلم ))

 مع الناس في أتراحهم وأفراحهم ، في مآسيهم ، في أفراحهم ، في آمالهم ، ليس بعيداً عنهم ، لا يعيش في بُرْجٍ عاجي ، بعيد عن مشكلات الناس ، النبي كان مع الناس ، يمشي في الأسواق ، يسأل كُلاً عن حاجته ، قال له : سلني حاجتك ؟ يخالط الناس كي يعلم ، ويناطق الناس كي يفهم ، وإن ظلم وبغي عليه صبر .
 إذا كان يريد أن ينفذ حقه بفتنةٍ أشد ، الأولى أن يصبر ، أما إذا كان بإمكانه أن ينتصر ، ويأخذ حقه بفتنةٍ أقل ، فيجب أن يأخذ حقه .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ هكذا المؤمن ولا تنسوا كلمة " من " في مطلع الحديث :

((إن من أخلاق المؤمن ))

 هذه بعض أخلاق المؤمن ، إذا كان بعد صيام ثلاثين يوماً ، وثلاثين يوماً قيام ، وثلاثين يوم صلاة الفجر في المسجد ، وثلاثين يوم استقامة تامة ، ما أورثتك هذه الأخلاق ، فما قيمة الدين ؟ وما قيمة الصلاة ؟ وما قيمة الصوم ؟ وما قيمة الحج وقيمة الزكاة ؟ هذا هو الكسب في آخر رمضان .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا ، وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز مـن أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

صدقة الفطر :

 موضوعنا في هذه الخطبة الثانية : صدقة الفطر .
 صدقة الفطر أيها الأخوة ، أو زكاة الفطر ، أو ما يسمى بزكاة الرأس . لقد فرضها الله عز وجل طُهْرَةً للصائم ، أيْ في هذا الشهر لعله زلَّت قدمه ، لعله خطف بصره ، لعله سبقه لسانه ، فرضها الله عز وجل طهرةً للصائم ، أيْ ترميم ، فرضها الله عز وجل طهرةً للصائم وطُعْمَةً للمسكين ، فقير على مشارف العيد ، إذا جاءته المساعدات يشعر بامتداد في نفسه ، يشعر أن مجتمعه لم ينسه ، يشعر أنه ليس على مجتمعه هَيِّنَاً ، مجتمعه يعنيه ، فهذه الصدقة تُرَمِّم الأغلاط التي وقع بها الصائم وهو لا يدري ؛ سبقه لسانه ، خطفه بصره ، أو هي طعمة للمسكين .
 تجب على كل مسلم ، الآن هناك سرّ لهذه الصدقة ، الإنسان ماذا يأكل في الوجبة الواحدة ؟ قد يأكل قطعة جبن وكأس شاي ، قال : صدقة الفطر تجب على كل مسلم عنده قوت يومه ، أيْ إذا كان عندك بيضة واحدة تكفيك ، إذاً عندك قوت يومك ، إذاً تجب عليك صدقة الفِطر .
 لكن ما السر في ذلك ؟ السر في ذلك أن هذه الصدقة لها معنى خاص ، يريد الله عز وجل أن يذوق الفقير طَعْمَ الإنفاق ، الفقير الذي ليس في بيته إلا وجبة طعام واحدة ، ولا يملك سواها أبداً ، قال : هذا يجب عليه زكاة الفطر ، ليذوق مرةً كل عام طعم الإنفاق ، الإنفاق له طعم طيِّب ، يشعر الإنسان بسعادة كبيرة ، إذا كان عضواً نافعاً في المجتمع ، إذا خَفَّفَ مأساة إنسان . فقال : هذه الصدقة تجب على المسلم ، على كل مسلم عنده قوت يومه ؛ ذكراً كان أو أنثى ، صغيراً كان أو كبيراً ، فقيراً كان أو غنياً ، وعلى المسلم أن يدفع هذه الصدقة عن نفسه أولاً ، وعن كل فردٍ يمونه - يطعمه ، ينفق عليه ، أو يلي عليه إما إشراف أو إطعام - وعلى كل فردٍ يمونه أو يلي عليه كزوجته ، وأولاده إن كانوا صغاراً ولا مورد لهم ، وعن أمه وأبيه ، وإخوته وأخواته إن كان ينفق عليهم أو يتولَّى أمرهم ، وتجب على المولود الذي يولَد قبل صلاة العيد . وأكثر المؤمنين والحمد لله يدفعون عن الجنين في بطن زوجاتهم ، حتى عن الجنين في بطن الزوجة هناك من يدفع عنه زكاة الفِطر .
 وأما مقدارها فهي نصف صاعٍ من بُر ، أو صاعٌ من شعير عن كل فرد ، ويجوز دفع قيمتها بالنقد المتداول ، وقد قُدِّرَ - معي ورقة مؤرخة في : 4 / 10 / 1974 ، مكتوب -وقد قدر بليرتين سوريتين ، الآن ثلاثون ليرة ، نصف صاعٍ من بُر قيمته الآن من الدرجة الثانية خمس وعشرون ليرة ، أي اثنان كيلو من القمح ، من الدرجة الأولى ثلاثون ليرة ، فالحد الأدنى عن كل فرد خمس وعشرون ليرة ، والنِصاب يَصْعَد ، فالتمر ثلاثمئة وعشرون ليرة عن كل فرد ، الزبيب ، والتمر ، والشعير ، والقمح ، عندنا أربعة أسعار أقلها القمح خمس وعشرون ليرة ، ولا حد لأكثره ، الميسور عن كل فرد ألف ليرة ، الميسور جداً عن كل فرد خمسة آلاف ليرة ، لا يوجد مانع ، لا يوجد حد للأكثر ، أما الأدنى فخمس وعشرون ليرة ، هناك شخص يدفع مئة ليرة، جيد ، خمسمئة ، خمسين ، أما أقل من خمس وعشرين فلا توجد زكاة فطر ، وأما الحد الأعلى فبحسب السَعَةِ وما تسخو به النفس . .

﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾

[ سورة المزمل : 20 ]

 تدفع هذه الصدقة للفقراء والمساكين ، وأبناء السبيل المُنقطعين ، والغارمين ، أي من عليهم ديون تعذَّر أداؤها ، وتجوز أن تعطى لمسكينٍ واحد أو لعدة مساكين ، والأقربون من المستحقين أولى من غيرهم ، وأهل الإيمان والصلاح أولى من غيرهم ، يقول عليه الصلاة والسلام :

(( إن صوم رمضان معلقٌ بين السماء والأرض ولا يرفع إلا بزكاة الفطر ))

[ من الدر المنثور عن جرير ]

 أجمل ما في هذا الموضوع أن زكاة الفطرة من أجل أن يتعوَّد الفقير الإنفاق ، أو من أجل أن يذوق الفقير طَعْمَ الإنفاق ، الفقير الذي ليس في بيته إلا وجبة طعامٍ واحدة .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ قبل أن ندعو كما هي العادة ، في مسجدكم عشر جمعيّات خيرية ، بعضها تُساعد العَجَزَة ، وبعضها تساعد الفقراء والمحتاجين ، وبعضها من حيِّكم ، وبعضها من أحياء بعيدة ، وبعضها تعين الصُمَّ والبُكْم ، وبعضها ترعى طلاَّب العلم ، على كل عودتم هذه الجمعيات على البذل والسخاء ، أرجو الله سبحانه وتعالى أن تكونوا في مستوى هذا الطموح وهذا الأمل ، فادفعوا يدفع الله عنكم كل مكروه ، لكم أن تدفعوا من زكاة أموالكم ، ولكم أن تدفعوا من زكاة الفطر على شرط أن تُعْلِن عن ذلك : هذه زكاة الفطر . حتى تفرز جانباً وتدفع قبل صلاة العيد وإلا لا تسقط عنك زكاة الفطر .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَنا فيمن تولَيت ، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، ولا تهلكنا بالسنين ، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018