الخطبة : 0339 - رمضان2 ( شهر الانفاق ) - صدقة الفطر. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0339 - رمضان2 ( شهر الانفاق ) - صدقة الفطر.


1991-03-29

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا لرُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بِخَبر . اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين، اللَّهمّ ارْحمنا فإنّك بنا راحِم ، ولا تعذّبنا فإنّك علينا قادر ، والْطُف بنا فيما جرَتْ به المقادير ، إنَّك على كلّ شيءٍ قدير ، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

وجوب الإنفاق :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ خطبة في رمضان عن رمضان ، وخطبة عن الإنفاق، وخطبة عن القرآن ، وخطبة عن موقعة بدْر ، هذه الخُطَب الأربع التي يألفُ الخطباء أن يخطبوها في رمضان ، خطبتنا اليوم عن الإنفاق .
 بادئ ذي بدء ، آياتُ الإنفاق في القرآن الكريم تقتربُ من مئة آية ، والإنفاق في القرآن الكريم واجب ، وقد أُخِذ الوُجوب من صِيَغ الوجوب ، ومن صِيَغ الوُجوب فِعْلُ الأمر ، قال تعالى :

﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾

[ سورة البقرة: 195]

 قال بعض المفسّرين : أنفقوا في سبيل الله ، فإن لم تنفقوا ألْقيْتُم بيدكم إلى التّهلكة، أيْ جئتم يوم القيامة بلا عملٍ صالح ، يا بِشْرُ لا صدَقة ولا جهاد فَبِم تلقى الله إذًا ؟! قال تعالى:

﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾

[ سورة البقرة: 195]

 إنّكم إن لم تنفقوا ألْقيْتُم بأيديكم إلى التَّهْلُكة ، وأشدّ أنواع التّهلكة أن يأتِيَ الإنسان ربّهُ يوم القيامة بلا عملٍ صالح . آيةٌ ثانيَة توجِبُ الإنفاق ، قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾

[ سورة البقرة : 254]

 آيةٌ ثالثة ، قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُم﴾

[ سورة البقرة : 267]

 أُضيف معنًى جديد ، المعنى الأوّل ؛ إن لمْ تنفقوا ألْقيْتُم بأيديكم إلى التّهْلكة المعنى الثاني ، أنفقوا مما رزقناكم ، وفي هذه الآية إشارة إلى أنّ موضوع الإنفاق واسعٌ جدًّا، والآية الثالثة أنفقوا من طيّبات ما كسبتم ، من المال الذي كسِبتهُ حلالاً ، بكَدّ جبينك ، بِكَدّ يمينك ، وعرق جبينك ، ولا ينبغي أن تظنّ أيّها الإنسان أنّ هذا المال مِلْكٌ لك ، هو ليس لك، مالَكَ أيْ ليس لك ، أشار إلى هذا المعنى قوله تعالى :

﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾

[ سورة الحديد : 7]

 أنتم خلفاء الله على المال ، يدُكم عليه ، لا يدُ التملُّك ، بل يدُ الأمانة ، قال تعالى:

﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾

[ سورة الحديد : 7]

 أنتم وُكلاء الله في هذا المال ، الأغنياءُ أوْصِيائي ، والفقراء عِيالي ، فَمَنْ منَعَ مالي عِيالي أذقْتُه عذابي ولا أُبالي . الإيجاب الرابع في الإنفاق ، يتضمّن معنًى جديد ، وهذا المعنى يعني أنّه يجب أنْ تنفقَ في الوقت المناسب ، ويجبُ أن تنفق وأنت صحيح شحيح ، يجبُ أن تنفقَ في الوقت الذي يعدّ المال فيه عندك ثمينًا ، أما إذا جاء الموت ، وسقطَت قيمة المال عندك فتقول : لفلان كذا ولفلان كذا ، قال تعالى :

﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة المنافقون : 10-11]

 أي أنْفِق قبل فوات الأوان ، أنفِق قبل ألا ينفعَ الإنفاق ، أنفق قبل أن يغلق الباب، وهناك آيةٍ أخرى توجِبُ الإنفاق فيها معنىً جديد وهو التهديد قال تعالى :

﴿وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ﴾

[ سورة التغابن : 16]

 باللّغة الدارجة أفْضلُ لكم أن تنفقوا وإلا سوف تلْقَون العذاب الشديد ، بل إنّ البِرّ كلّه الذي تتوقّعه من الله عز وجل لن يكون إلا بالإنفاق ، قال تعالى :

﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾

[ سورة آل عمران: 92 ]

 آياتٌ كثيرة في القرآن الكريم توجِبُ الإنفاق ، وتُعطي معانٍ أخرى متعلّقة بالإنفاق.

 

حكمة الإنفاق :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ الله سبحانه وتعالى أمر بالإنفاق مِمَّا رزقَكَ ، أيْ الإنفاق أوْسَعُ من المال ، قد تنفقُ من علمِكَ ، وقد تنفقُ من خِبرتك ، وقد تنفقُ من وقتك ، وقد تنفق من جهدك ، وقد تنفق من عضلاتك ، وقد تنفقُ من جاهك ، وقد تنفقُ من مالك ، فما لم يأتِ في الآية قرينة تصْرفُ الإنفاق عن المال فالإنفاق في الأصْل هو للمال .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ ما فلسفة الإنفاق ؟ لماذا ننْفق ؟ ما سرّ الإنفاق ؟ ما الهدف من الإنفاق ؟ في آيتَين اثْنَتَيْن أشارَ الله سبحانه وتعالى إلى حِكمة الإنفاق ، قال تعالى:

﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[ سورة التوبة : 99]

 الإنفاق فلسفتهُ أنّ الله أوْدَعَ فيك حبّ المال ، قال تعالى :

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾

[ سورة آل عمران: 14]

 وحُبّ المال مِن جِبِلّة الإنسان ، فقبْضُ المال طَبعٌ ، لكنّ الله عز وجل كلَّفَكَ بإنفاقه من أجل أن ترقى إليه ، لن ترقى إلى الله إلا إذا بذَلْت شيئًا تحرَصُ عليه ، قال تعالى:

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً ﴾

[ سورة المعارج : 19-21]

 كلّفك أن تنفق ما أنت حريصٌ عليه لِتَرقى إليه ، ولن تنالوا البرّ حتى تنفقوا ما تحِبّون ، إذًا بالإنفاق تتقرّب إلى الله عز وجل ، بالإنفاق تحظى عند الله بِمَقْعَد صِدْق ، بالإنفاق تشْعرُ أنّ الله يحبّك ، بالإنفاق تشعرُ أنّ الله راضٍ عنك ، بالإنفاق تشعرُ أنّك في الطريق الصحيح .
 هناك آيةٍ ثانيَة يبيّن الله حِكمة الإنفاق ، بل فلسفة الإنفاق ، قال تعالى :

﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾

[ سورة البقرة : 265]

 لِيُمَكِّنَ مكانته عند الله ، لِيُثَبِّتَ مكانتهُ عند الله تعالى ، إذا أردْت أن تعْرف مالَكَ عند الله تعالى فانْظُر ما لله تعالى عندك ، إذا أردْت أن تعرِفَ مقامَكَ فانْظُر فيما أقامكَ ، إذا أردْت أن تعرِفَ مالَكَ عند الله تعالى فانْظُر فيما اسْتَعْمَلَكَ ، تثبيتًا من أنفسهم ، كيف أنّ الأعمال الطيّبة بين البشر تثبِّتُ علاقاتهم ، ومكانتهم ، كذلك ربّنا سبحانه وتعالى أشارَ إلى أنّ إنفاق المال يثبّتُ مكانتَكَ عند الله ، بل يرفعها إلى أعلى عِلِيِّين .

 

إنفاق المال في سبيل الله ليس اسْتِهلاكًا له وإنَّما هو اسْتِثمارٌ له :

 الإنسان أيها الأخوة يتمنَّى أنْ يكون إنفاقُهُ مَعلومًا عند الله تعالى ، لو أنّك أدَّيْت شيئًا إلى إنسان تُطالبُه بإيصال ، تُطالبُه بإشعار ، إشعارُ تسلّم ، تُطالبُه أن يُعْلم الذي أنفقْت من أجله ، لكنّك إذا أنْفقْت في سبيل الله يجبُ أن تعلمَ عِلم اليقين أنّ صدَقتَك تقعُ في يد الله قبل أن تقع في يد الفقير ، لذلك آياتٌ كثيرة تزيدُ عن ثمانيَة آيات منها قوله تعالى :

﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾

[ سورة البقرة : 270]

 لِمُجرّد أن تنفق نفقةً صغيرة ، أو كبيرة فقد وقعَتْ في عِلم الله ، وقبِلَها الله سبحانه وتعالى منك ، ووقعَت في يد الله قبل أن تقع في الفقير .
  شيءٌ آخر ، ما ظنُّكم أيّها الأخوة أنَّك إذا وضَعْت المال عند جِهةٍ مستثْمِرة فجاءَتْكَ الأرباحُ أضعافًا مضاعفة ، أَتَعُدُّ أيّها الأخ الكريم إعطاءَ هذه الجِهة مالكَ اسْتِهلاكًا أم استِثمارًا ؟ ربّنا سبحانه وتعالى يُطمئِنُنا ، ويبيِّنُ لنا في آيات كثيرة جدًّا أنَّ إنفاق المال في سبيل الله ليس اسْتِهلاكًا له ، وإنَّما هو اسْتِثمارٌ له ، قال تعالى :

﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾

[ سورة سبأ : 39]

 وفي آيةٍ ثانيَة ، قال تعالى :

﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة البقرة : 261]

 إذًا نفقتك في علم الله ، ونفقتك مُعوَّضةٌ أضعافًا كثيرة ، بل إنّ بعض علماء التفسير يذْكُر أنّ العدد سبعة ، ومضاعفات العدد سبعة في اللّغة العربيّة قد لا يعني الكمّ ، ولكنّه يعني الكَثرة ، يعني أضعافًا كثيرة .

 

الإخلاص في الإنفاق :

 ولكن أيّها الأخوة الأكارم ؛ هناك أُناسٌ كثيرون ينفقون أموالهم ، أما الإنفاق الذي أراده الله عز وجل فهو الإنفاق الخالصُ لوَجههِ تعالى ، قال تعالى :

﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾

[ سورة البقرة : 272]

 ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله ، يجبُ أن تحْرصَ على نيّتك ، يجبُ أن تراقب نيّتك ، هل أنت مخلصٌ بهذا الإنفاق أم تبتغي سُمعةً أو جاهًا أو أن يقول الناس عنك ؟ والدّعاء الذي كنتُ قد قرأتُه عليكم مرات عِدّة :" اللهمّ إنِّي أعوذ بِكَ مِن أنْ أتزيَّن للناس بِشَيءٍ يشينُنِي عندك" .

 

شروط الإنفاق المقبول :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ للإنفاق المَقبول شُروط ، منها قبل الإنفاق ، ومنها بعد الإنفاق ، ومنها ما يرافق الإنفاق ، فالله سبحانه وتعالى يقول :

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنّاً وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 262]

  الشرط الأوّل أن يكون إنفاقك خالصًا لِوَجه الله ، في سبيل الله ، لا في سبيل زَيدٍ أو عُبَيد ، قبل الإنفاق الإخلاص ، وبعد الإنفاق عدم المنّ والأذى ، هؤلاء لهم أجرهم عند ربّهم، قال تعالى :

﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 262]

  شيءٌ آخر ، قال تعالى :

﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ﴾

[ سورة الفرقان : 67]

 هذه الآية تنصرفُ إلى الإنفاق على الحاجات الشّخصِيّة ، وعلى الأهل والبيت ، يجبُ أن تعتَدِلَ بين الإسراف ، وبين التقتير ، لأنّك إن أسْرفْتَ في الإنفاق الشّخصي لم يبْقَ عندكَ مالٌ للإنفاق لله عز وجل ، إذا اعْتَدَلْتَ في إنفاقك الشخصي فاضَ عندك فائضٌ تنفقهُ في سبيل الله تعالى ، وترقى به عند الله عز وجل ، وعلاقة هذه الآية مع أنّها تنصرفُ إلى الإنفاق الشّخصي ، علاقتها أنّك إن لمْ تعتدِل لمْ يبقَ عندك ما تنفقهُ في سبيل الله تعالى .
 قال تعالى :

﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً﴾

[ سورة الرعد : 22]

 قد يقتضي الإنفاق أن يكون سِرًّا ، وهذا في أغلبِ الأحيان ، وفي حالات خاصّة، إذا أنْفقْتَ لِمَشروعٍ خيريّ ، وأردْتَ أن تُحمِّسَ الناس أعْلَنْتَ هذا الإنفاق فلا مانِعَ ، إذا أدَّى إعلانك عن إنفاقك إلى جرْح مشاعِرِ أخيك ، عندئذٍ اعْلَم عِلْم اليقين أنّه يجبُ أن يكون الإنفاق فيما بينك وبين الله عز وجل ، بل يجبُ ألا تعلمَ شِمالكَ ما أنْفقَتْ يمينُكَ ، بل إنّ المؤمنين ينفقون في السرّاء والضّراء ، الإنسان أحيانًا يكون في مشكلة فإذا جاءهُ سائلٌ ينْهرُه ، يجبُ أن تنفقَ في السّراء ، وفي الضّراء ، في بحْبوحة ، وفي ضائقة ، في سلامة ، وفي ضيقٍ ، في راحة ، وفي ضجَر ، في السّراء والضّراء ، سِرًّا وعلانيَةً ، بل إنّ الله سبحانه وتعالى يجعلُ من شروط الإنفاق أن يكون الذي تنفقهُ من أحبّ الأشياء إليك ، لا تنفق شيئًا تكرههُ ، لا تنفقُ طعامًا لا تأكلهُ ، لا تعطي مالاً مهترئًا ، كان السّلَفُ الصالح ينتقون الدنانير الجديدة لإنفاقها في سبيل الله تعالى ، ما قولكم أيّها الأخوة أنّ الإنسان إذا كان عندهُ صندوق يضَعُ فيه هذا المال ، فإذا أسْقطَ في هذا الصّندوق مالاً ، والصّندوق له ، والمفتاحُ عندهُ ، هل أعطى أحدًا شيئًا ؟ الله سبحانه وتعالى يُبيِّنُ لنا أنّ كلّ شيءٍ تنفقهُ هو في النهاية لك ، ولكن ليس لك بِحَجمه الحقيقيّ سيَكون لك بأضعافٍ كثيرة ، لذلك يقول الله عز وجل :

﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾

[ سورة البقرة : 272]

 أنتَ إذا أنْفقْتَ ما فعَلْتَ شيئًا ، ادَّخَرْتَ عند الله هذا المال ، أنت إذا أنْفقْتَ اسْتثْمرْت هذا المال ، أنت إذا أنْفقْتَ فعلتَ خيرًا يعود عليك بالخير العميم .

 

أية نفقة صغيرة أو كبيرة يعلمها الله و سيحاسب عليها :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ قد يقول قائلٌ : أنا فقير ، لا أجدُ ما أنفق ، الله سبحانه وتعالى يقول في الحديث القدسي : " أحبُّ ثلاثًا وحبّي لِثَلاثٍ أشدّ ؛ أُحبُّ الطائعين وحبّي للشابّ الطائع أشدّ ، وأحبّ المتواضِعين ، وحبّي للغني المتواضِع أشدّ ، وأحبّ الكرماء وحُبّي للفقير الكريم أشدّ ، وأبغُضُ ثلاثًا ، وبُغضي لِثَلاثٍ أشدّ ، أبغُض العصاة ، وبُغضي للشيخ العاصي أشدّ ، وأبغضُ المتكبِّرين ، وبُغضي للفقير المتكبِّر أشدّ ، وأبغُض البُخلاء ، وبغضي للغني البخيل أشدّ " ربّنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾

[ سورة الطّلاق : 7]

 الغنيّ لا عُذْر لهُ عند الله عز وجل ، بإمكانه أن ينفق ، وبإمكانه أن يتقرّب إلى الله عز وجل ، قال تعالى :

﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ﴾

[ سورة الطّلاق : 7]

 وإن كانت هذه الآيات جاءَت في سِياقٍ آخر ، ولكن مِن إعجاز القرآن أنّ كلّ آيةٍ لها معنى في سِياقها ، ولها معنى آخر إذا نزَعْتها من سِياقها ، قال تعالى :

﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ﴾

[ سورة الطّلاق : 7]

 ويجبُ أن تعلم أنّك لن تنفقَ نفقةً مهما كانت صغيرةً إلا والله سبحانه وتعالى يعْلمها ، وسيُكافئ عليها ، قال تعالى :

﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة التوبة : 121]

 رُبَّ دِرْهمٍ سبقَ ألف دِرهم ، أما الذي لا يجدُ شيئًا ينفقهُ ، فإليكم وصْفهُ مِن قِبَل الله عز وجل ، الآية طويلة في مقطعها ، قال تعالى :

﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ ﴾

[ سورة التوبة: 92]

 من علامة الإيمان أنّه إذا لمْ يجِد ما ينفق تألَّمَ ألمًا شديدًا ، وتمنَّى لو أعطاه الله عز وجل مالاً حتى ينفق .

 

فلسفة الكفار في عدم الإنفاق :

 أما الذين لا ينفقون في سبيل الله ، فما حالهم مع الله ؟ ربّنا سبحانه وتعالى يقول:

﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ﴾

[ سورة التوبة: 34-35]

 قال العلماء : مهما كان المال ضئيلاً إن لمْ تُؤدَّ زكاتهُ فهو كنْزٌ عند الله تعالى ، ومهما كان المال وفيرًا إن أُدِّيَت زكاتهُ فليس بِكَنْزٍ عند الله عز وجل . وإذا رأيْت إنسانًا مَوْفور المال ، ويعيشُ في بحبوحةٍ كبيرة ، دَخلهُ كبيرٌ جدًّا ولا ينفقُ من هذا الدَّخْل في سبيل الله ، إيّاك أن تُعْجَبَ به ، وإيّاك أن تُعْجَبَ بِمَالِهِ ، إيّاك أن تُعْجَبَ بِبَيْتِهِ ، إيّاك أن تُعْجَبَ بِأثاثِهِ ، ربّنا عز وجل يقول :

﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ﴾

[ سورة التوبة :55]

 ربّما كان المال الذي منَعَ إنفاقهُ في سبيل الله سببَ عذابِهِ في الدّنيا ، وسبب شقائِهِ ، ربّما وقع الخِصام ، وربّما وقعَت الجرائم ، ربّما دُمِّرَت الأُسَر من أجل مالٍ لم ينفق في سبيل الله ، قال تعالى :

﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ﴾

[ سورة التوبة :55]

 هؤلاء الذين لا ينفقون لماذا لا ينفقون ؟ ما فلسفتهم ؟ ما الحجّة التي يُدلون بها؟ كيف يُعلِّلُون ذلك ؟ الله عز وجل أشار إلى ذلك فقال :

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾

[ سورة يس : 47]

 أيها الأخوة ؛ ذكرتُ هذه الآية لئلاّ يقَعَ في خاطر أخٍ كريم حجّة لِعَدم الإنفاق مُشابهة لهذه الحجّة ، فالذي يقول لك : ما لي وللناس ؟ للناس ربّ يرزقهم هو يُطعمهم ، أنا عليّ بنفسي ، لِيَحْذر هذا الكلام لأنّ هذا الكلام مُطابقٌ تمامًا لِكَلام الكفْر ، قال تعالى :

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾

[ سورة يس : 47]

 هذه فلسفة الكفار في عدم الإنفاق ، لكنّ أشقى الأشقياء هو الذي لا ينفق ويأمرُ بِعَدم الإنفاق ، قال تعالى :

﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾

[ سورة النساء : 24]

 هؤلاء ، الضال ضال ، لكِنَّ الأضلّ من الضال هو الضال المُضِلّ ، والفاسِد فاسِد ، لكنّ الأفْسَدَ من الفاسِد الفاسِدُ المفْسِد ، والبخيل بخيل ، ولكنّ الأبْخل من البخيل ، الذي يبخَل ويأمُر الناي بالبُخل ، فإذا شعرَ أنّك تنفق يقول : لمَ تنفق ؟ خبّئ هذا المال !! لا عليك والناس ! بل إنّ هناك من هو أشرّ مِن هذا !!! هناك بخيل ، وهناك من يأمُر بالبُخل ، وهناك مَن ينفقُ مالهُ لِيُضِلّ الناس عن سبيل الله ، قال تعالى :

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ﴾

[ سورة الأنفال : 36]

 بخْلٌ ، وأمْرٌ بالبُخْل ، وإنفاقٌ في سبيل الصدّ عن الله عز وجل .

 

الإنفاق المنهي عنه :

 هناك إنفاقٌ أيّها الأخوة مَنْهِيّ عنه ، قال تعالى :

﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾

[ سورة البقرة : 267]

 نَهْيٌ قَطعيّ على أن تنفقَ شيئًا لا تحِبُّه ، وهناك أشياءُ تُبْطِلُ أجْر المنفق ، وتمْحقُ ثوابَهُ ، قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾

[ سورة البقرة : 264]

 لقد أعْطَيْتُك ! أليْسَ لي فضلٌ عليك ؟! هذا اللّحْم الذي على كَتِفيْك مِن خَيري !! هذا كلامُ المنّ والأذى ، ليس من خيرك ، لا ، هذا من خير الله عز وجل ، فإذا أراد الله إظهار فضْلِهِ عليك ، خلقَ الفضْل ونسبَهُ إليك ، فإن قلتَ : هذا خَيري فليس بِخَيرك . قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾

[ سورة البقرة : 264]

 عامِلٌ آخرَ يُبطل قيمة الإنفاق ، قال تعالى :

﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾

[ سورة النّساء : 38]

 إذا كان في مَحْفلٍ كبير ، في مجتمعٍ كبير ، إذا كان إنفاقُ المال سيَرْفعُه في نظر الناس يُنفقُ في سَخاء ، فإذا كان الإنفاق بينه وبين الفقير ، يَعْزفُ عن هذا الإنفاق ، قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾

[ سورة النّساء : 38]

 لماذا أنفقوا رئاء الناس ؟ لأنّ إيمانهم بالله وباليوم الآخر ضعيف ، لم يرْقَ بهم إلى مُستوى الإنفاق في سبيل الله تعالى .
 شيءٌ آخر أيّها الأخوة ، المنّ والأذى يُبْطلُ ، وأن يكون الإنفاقُ رئاء الناس يبطِل، وأن يتلبّس الإنسانُ بِمَعصيَةٍ وهو مُقيمٌ عليها ، أي إذا جاءك طالبٌ بِوَردةٍ جميلة يقدِّمها هديَّةً لك ، وقد أهْمَلَ وظائفهُ كلّها ، أَتُعْفيهِ من العِقاب هذه الوردة ؟ قال تعالى :

﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة : 53]

 إذا كنتَ حريصًا على شهواتك المحرّمة ، تفْعلها كما تريد ، وتنفق المال لِتُغطّي هذه بِتِلك فهذا لا يعفيك من العقاب . ونحن في شهر الإنفاق ، ونحن في شهر رمضان ، شهر الصّدقة ، وشهر الفِطرة ، وشهر الزكاة ، والذي يرْفعُكَ عند الله عز وجل هو البذْلُ والتَّضْحِيَة، الصلاة لك ، والصّيام لله عز وجل ، ولكنَّ الإنفاق في سبيل الله عز وجل هو الذي يرفعُكَ عند الله عز وجل .
 حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطّى غيرنا إلينا فلْنَتَّخِذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتْبعَ نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

صدقة الفطر :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ صدقة الفِطر كما قدَّرها العلماء اسْتِنباطًا من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، ومُوازنةً مع أسعار اليوم هي على النّحْو التالي : القمْح ، والشعير ، والتمْر ، والزبيب كما ورد في الحديث الشريف ، نِصْف صاع القمْح أو البُرّ يُقابلُ اثْنَين من الكيلو ، فعلى حِساب البُرّ - القمح - صدقة الفِطرة من خمسٍ وعشرين ليرة إلى ثلاثين ليرة ، على كلّ إنسانٍ تمونهُ أو تلي عليه - ذكرًا كان أو أنثى ، صغيرًا كان أو كبيرًا ، حرًّا كان أو عبْدًا-.
 بقيّة المواد أسعارها ترتفع ، الشعير من سِتّ وخمسين ليرة إلى ثمانية وأربعين ليرة، والتّمرة من ثلاثمئة وعشرين ليرة للفرد الواحد ، إلى مئتين وثمانين ليرة ، والزبيب من مئتي ليرة إلى مئة وخمسين ، هذه الأرقام ذكرتها لكم ، الحدّ الأدنى خمسٌ وعشرون ليرة والحدّ الأقصى ثلاثمئة وعشرون ليرة ، ولا حدّ لأكثر صدقة الفِطْر ، المَيْسور لو دفعَ عن كلّ فرد ألف ليرة بارك الله به ، وجزاهُ الله خيرًا ، وهذا لِصالحِ القفير ، الحدّ الأدنى خمسٌ وعشرون ليرة عن كلّ فرْد تمونُه أو تلي عليه ، لابدّ من دَفْع هذا المبلغ ، وأن ينفق قبل صلاة العيد ، والأولى أن ينْفق على رأْي الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في مُقْتبلِ رمضان ، كي يتدبَّر الإنسان حاجاته في الوقت المناسب .
 وأما الزكاة ، فزكاة المال اثنان ونصف بالمئة ، هذا مِقدارُ الزكاة ، ولكنْ ما المبلغ الذي تجبُ فيه الزكاة ؟ الفضّة كما ورد في أقوال النبي عليه الصلاة والسلام تَجِبُ في مِئتي دِرهم ، والدِّرْهم يساوي ثلاثة ونصف غرام أي سبعة آلاف ليرة تجبُ فيها الزكاة على نِصاب الفضّة ، وأربعون أو خمس وأربعون ليرة تجبُ فيها زكاة الذّهب ، أي إذا أردْت أن تعدّل المال على الفضّة فسبعةُ آلاف تجبُ فيها الزكاة ، وإذا أردْت أن تعدِّل المال على الذّهب ، فأربعون إلى خمسٍ وأربعين ليرة تجبُ فيها الزكاة ، ولكنّ العلماء يميلون إلى أنْ تُحسبَ الأموال الواجبُ فيها الزكاة على نِصاب الفضّة لِصَالِحِ الفقراء ، وإذا أنْفقَ الإنسان مِن مالِهِ زكاةً فقد حصَّنَ هذا المال لِقَول النبي عليه الصلاة والسلام : " ما تلِفَ مالٌ في برّ أو بحْرٍ إلا بِحَبْس الزكاة " فعلى حِساب الفضّة تجبُ الزكاة في كلّ سبعة آلاف ليرة ، بدءاً من سبعة آلاف ليرة ، تجبُ فيها الزكاة ، وعلى حِساب الذّهب تَجِبُ في الأربعين على عيار واحد وعِشرين ، إلى خمس وأربعين على عيار أربعة وعشرين ، فأنت مخيّر ، ولكن أنا أنْصحُ من أراد أن ينْفقَ زكاة ماله أن يعتَمِدَ حِساب الفضّة لِصالِحِ الفقير ، ولما يُرضي الله عز وجل ، وزكاة الفِطر أيضًا كما قلتُ قبل قليل بدءاً من خمسٍ وعشرين ليرة وانتهاءً بِثَلاثمئة وعشرين ليرة على الفرْد الواحِد ، ولا حدّ لأكثر زكاة الفِطْر .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَنا فيمن تولَيت ، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، ولا تهلكنا بالسنين ، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018