الخطبة : 0054 - الإسلام تام وكامل. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0054 - الإسلام تام وكامل.


1975-11-21

الخطبة الأولى :

 الحمد لله نحمده ، و نستعين به و نسترشده و نعوذ به من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، و من يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لك ، إقراراً بربوبيته و إرغاماً لمن جحد به و كفر ، و أشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق و البشر ، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلي وسلم و بارك على سيدنا محمد و على آله و أصحابه و ذريته و من تبعه ذي إحسان إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

تطبيق الإسلام لا يعني سجن في الحياة

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ الإسلام وحدة متكاملة ، وكلٌّ لا يتجزأ ، فإن تمسك المرء بكل تعاليمه ولزم كل أوامره ، ووقف عند كل منهياته ، وننفَّذه في سلوكه جملةً وتفصيلاً ، قلباً وقالباً ، شكلاً ومضموناً ، نصاً وروحاً ، قطف ثماره وجنى شهده وذاق حلاوته ، فاستمسك به ، وحرص عليه ، فو الذي لا إله إلا هو لو اجتمع الإنس والجن على أن يصرفوا مؤمناً عن دينه ، ولو قيد أنملة ما استطاعوا ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً ..
وهذا سرُّ الإسلام ، وإن شئتم هذا هو وجه من وجوه عظمته .
 أما لماذا يحرص الناس على التمسك بتعاليم الدين ، ولا يتجشمون جهداً لتطبيقه ، ولا يجدون عناء في التفلت منه ، ولا يكترثون أكان الله راضياً عنهم أم ساخطاً ، ذلك لأنهم لم يذوقوا حلاوة الإيمان ، ومن لم يذق حلاوة الإيمان لا يجد في نفسه عزيمة على تطبيقه ، ولا يجد بأساً وحرجاً من نقض عراه ، أما حلاوة الإيمان فلا سبيل إليها إلا بالوجهة إلى الله والاتصال به ، والتقرب منه ، والتودد إليه ، وخطب ودِّه والله طيب ولا يقبل إلا طيباً ، والإنسان لا يستطيع أن يواجه ربه بمعصية مصرٍ عليها ولا بذنب قائم عليه ، ولا بشبهة لم يتحرَّ وجهها ، لذلك لا تعجبوا مني أو تأخذوا علي إلحاحي في معظم خطبي على الاستقامة التامة ، لأنها سر الإسلام وطريق إلى قطف ثماره ، وجني شهده وتذوق حلاوته .
 أخي المؤمن ؛ لا تكن مستسلماً لعادات وتقاليد تقف حجر عثرة في طريق إيمانك وسعادتك وسلامتك في الدارين ، لا تقل لا أستطيع هذه كلمة العاجزين" .. استعن بالله ولا تعجز " .
 لا تقل أخشى أن أخسر مركزي الاجتماعي ، إذا سلكت في طريق الإيمان سبحانك إنه لا يذل من واليت ، ولا يعزُّ من عاديت ، ومن أرضى الله بسخط الناس رضي عنه الله وأرضى عنه الناس ، أتخشون الناس والله أحق أن تخشوه .
 لا تقل عن هذه الشهوة مستحكمة في نفسي ، ولا صبر لي على تركها قال عليه الصلاة والسلام : ما كان الله ليعذب قلباً بشهوة تركها في سبيل الله .
 لا تقل أخشى أن سلكت طريق الإيمان أن تضيع علي الدنيا ، ومباهجها ، وحفلاتها ، وسهراتها، ومجالس أنسها ، وأمسيات الطرب ، فو الله لو ذقت حلاوة الإيمان لاحتقرت كل لذائذها ، ولزهدت بكل طيباتها ، ومع ذلك تأكد يا أخي أنه لا يضيع عليك سوى قذارة الدنيا ، وتفاهتها ولعاعتها ، أما مباهجها الحقيقية وسعادتها المستمرة فهي والله خالصة للذين آمنوا .
قال تعالى :

﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾

[الآية:32 سورة الأعراف]

 لا تقل هؤلاء الغربيون لا يعرفون حلالاً ولا حراماً ، ومع ذلك فهم متفوقون في الدنيا ، وهذا فلان كلما ازداد معصية وفجوراً ازداد قوة وغنى ، مهلاً يا أخي ، لا تكن عجولاً ، قال تعالى :

﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾

[سورة آل عمران الآية:196-197]

 والعاقبة للمتقين .
 إذاً يا أخي المؤمن لا تجعل هذه التوافه من الأمور عقبات كبيرة تحول بينك وبين إيمانك ، بينك وبين سعادتك ، بينك وبين نجاتك من عذاب الله .

لذة الإيمان في تطبيق برنامج يومي

 أخي المؤمن ؛ إذا قنعت بهذا ووجدته عين الصواب ، فلا تؤجلن توبتك إلى وقت آخر فقد هلك المسوفون، كما قال عليه الصلاة والسلام ، وقد غضب عليه الصلاة والسلام حينما قال له أحدهم : غداً أفعل ذلك يا رسول الله ، فقال له النبي : " ويحك أو ليس الدهر كله غداً " ..
 حبذا لو جلس أحدكم ساعة في ليل أو نهار ، وأمسك ورقة وقلماً وخطط لبرنامج ديني كما يخطط لرحلة ممتعة ، أو كما نعكف على أجراء حسابات تجارية ، أو نستغرق في عقد شراكة، نعلق عليه آمالاً عظيمة ، حبذا لو جلس أحدكم ساعة من ليل أو نهار ، وأمسك ورقة وقلماً ، وخطط لبرنامج ديني وزع فيه وقته الثمين بين صلاة ، وقراءة قرآن ، وتفكر ، وعمل صالح خالص لوجهه تعالى ، وخصَّ لنومه وقتاً ، ولأهله وقتاً ، ولعمله وقتاً ، ولأولاده وقتاً ، ولأقاربه وقتاً .
 حبذا لو وضع أحدكم المشكلات التي تعترضه في قائمة ، وحاول أن يضع لكل واحدة حلاً عاجلاً أو آجلاً ، حبذا لو تعاون المرء مع أخيه على حلِّ مشكلاته ، قال تعالى :

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

[الآية:43 سورة النحل]

﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾

[سورة الكهف الآية:28]

 أخي المؤمن ؛ إما أن تقنع وإما أن تجرب وإلا فلا تزدد علماً هو عليك لا لك وحجة عليك وليست معك ، ولنبدأ النهار من أوله :
 لا بد من أن تستيقظ قبل طلوع الشمس ، والاستيقاظ باكراً فيه نشاط وقوة يحتاج إلى نوم مبكر ، ونوم على طهارة نفسية وجسمية ، أما السهر والسمر في غير طاعة أو اضطرار فمكروه في الإسلام .
 والأطباء يؤكدون أن ساعة في أول الليل لا تعدلها ثلاث ساعات في آخره ، والعمل الذي تقوم به في منتصف الليل وأنت في تعب ونصب تقوم به في أوقات الصباح الأولى في همة ونشاط وصفاء
 عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

((بورك لأمتي في بكورها))

[خرجه أبو يعلى والطبراني]

 إذن لابد من ترك هذه العادة السيئة والنوم باكراً ، أما النوم على طهارة نفسية وجسمية فيعني ألا تقترف معصية أو شبهة قبل النوم حتى يجد الإنسان في نفسه رغبة ونشاطاً لمواجهة ربه وقت الفجر ، وإذا تهاون المرء في بعض المخالفات فإنه لا يستطيع أن يقوم من فراشه وقت الفجر ولو كان في أتم نشاطه الجسدي .
 فحينما تسمح لنفسك أو لأولادك الشباب ولبناتك الشابات ، أن يتابعن قصصاً ممثلة ترسخ في نفوسهم حب المعصية والفجور ، وتجعل من الانحراف والمغامرات غير الأخلاقية أمر مقبولاً ومستساغاً ، بل وحبباً وعادياً لا يستأهل الإنكار ولا الشعور بالذنب ، فضلاً عن أن أبطال هذه القصص شئتم أم أبيتم سيغدون مثلاً عليا في حياة أبنائكم يطمحون إلى تقليدها سراً أو جهراً ، لأن هذه القصص مصدر توجيههم الوحيد وبعدها تقول أيها الأب إنك لا تستطيع أن توجه أولادك الوجهة التي تريد وتظل تشكو وقاحتهم وجرأتهم وانحرافهم واستخفافهم بدينهم وسخريتهم منك لأنك في نظرهم أب محافظ لا يعرف من مباهج الحياة شيئاً ..
 يا أخي ؛ أضمن لي سهرة نظيفة بريئة خالصة من كل معصية أضمن لك استيقاظاً وقت الفجر ، وأنت في أتم نشاطك الجسمي والنفسي ، لأنك نمت باكراً ونمت على طهارة جسمية ونفسية ، وبعدها توضأ وصل صلاة صحيحة وتوجه إلى الله من كل قلبك وادع في الركعة الثانية اللهم اهدنا فيمن هديت وعافنا فيمن عافيت ....
 ولاحظ كيف أن رحمة الله تتنزل عليك سكينة ، وأمناً واطمئناناً وسعادة وبعدها اقرأ شيئاً من القرآن واعزم على تطبيق كل آية قرأتها في يومك ، فالقرآن ليس للتبرك ولكن للتطبيق ، قال تعالى :

﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً * وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً * وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً * وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً * وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوساً * قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً﴾

[الآيات:78-84 سورة الإسراء]

﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلاً * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً * إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً * رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً﴾

[الآيات:1-9 سورة المزمل]

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ وإذا المرء ودنياه أكبر همه تجارته وظيفته وبيته وحاجاته مبلغ علمه ، ورأى نفسه شاردة وخواطره الدنيوية تفسد عله صلاته وذكره فليطبق السنة الشريفة ليضَّجع على شقه الأيمن ورأسه نحو الغرب ووجهه نحو القبلة ، وليذكر ساعة لابد من أن تأتي ، ليذكر ساعة يتركُ الدنيا كلها ، زوجته ، أولاده ، بيته ، سيارته ، أصحابه مكانته ، ليذكر هذه الساعة ، وليذكر أن ما بقي قد يكون أقل مما مضى ليذكر أنه في ساعة الموت لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ، ليذكر انه ما بعد الدنيا من دار إلى الجنة أو النار ، وإذا كان تخيَّله للموت لا ينقله إلى حقيقة الموت ، فليتبع جنازة إلى القبر ، وليشاهد كيف أن الإنسان القوي العتيد قد لُف بأرخص أذراع الأقمشة ، وألقي في هذه الحفرة التي لا تزيد عن حجم جسمه كثيراً ، وأهيل عليه التراب ، وعاد أهله ليأكلوا على روحه ما لذ وطاب ، وتصرف أولاده بما كان حريصاً على التصرف فيه وحده وها هو ذا يلقى الله الذي سيسأله عن عمره فيمَ أفناه ، وعن شبابه فيمَ أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه و فيمَ أنفقه ..
 ورد في بعض الأحاديث أن روح الميت ترفرف فوق النفش وتقول : يا أهلي ويا ولدي لا تغرنكم الدنيا كما لعبت بي جمعت المال من حله ومن حرام فالهناء لكم والتبعة علي ..
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وصلوا ما بينكم وبين ربكم تسعدوا ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :

 

 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم صن وجوهنا باليسار ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء .
 اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت ، واصرف عنا شر الأعمال لا يصرفها عنا إلا أنت .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018