الخطبة : 0052 - حديث شريف - اتق الله. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0052 - حديث شريف - اتق الله.


1975-11-07

الخطبة الأولى :

الحمد لله نحمده ، و نستعين به و نسترشده و نعوذ به من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، و من يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لك ، إقراراً بربوبيته و إرغاماً لمن جحد به و كفر ، و أشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق و البشر ، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلي وسلم و بارك على سيدنا محمد و على آله و أصحابه و ذريته و من تبعه ذي إحسان إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

تقوى الله في كل مكان

أيها الأخوة المؤمنون ؛ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ ))

[أخرجه الترمذي]

اتق الله حيثما كنت
صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله ... لقد أوتيت جوامع الكلم وفصل الخطاب ، لك فصاحة الفصحاء ، وبلاغة البلغاء ، وحكمة الحكماء ، لقد أمرنا نبينا الكريم أن نتق الله حيثما كنَّا ، وتقوى الله تعني أن نهتدي بهدي الله ، فلا ننحرف في سلوكنا عن شرع الله ، ولا نسعى لغير ما يرضي الله ، وتقوى الله ضرورة في كل الأحوال ، ضرورة لسلامتنا ، وسعادتنا ، عن أبو ذر الغفاري رضي الله عنه ، قال ، قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم :

((اتق الله حيثما كنت))

[أخرجه الترمذي]

اتق الله في خلوتك واعبدِ الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك
أينما كنت فاتق الله ، اتق الله في خلوتك ، واستحِ منه فهو ناظر إليك عليم بحالك ، اعبدِ الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ، ومن لم يصده ورع عن معصية الله إذا خلا ، لم يعبأ الله بشيء من عمله ، ولا شيء يؤكد صدق إيمان المؤن ، كخشية الله في السرِّ والعلانية ، وطاعة الله في الخلوة والجلوة ، وعرف طعم الإيمان من خلا لنفسه فذكر الله ففاضت دموعه خشية ومحبة وشركاً ، وكيف يخشى المرء ربه ، وهو في خلوته ؟
التفكر في آيات الله يصل بصاحبه إلى معرفة الله
فالإنسان لا يخشى الله إلا إذا أحس بوجوده ، والإحساس بوجود الله في كل مكان ثمرة من ثمرات الإيمان العميق الذي بني على تفكر وتحقق لا على سماع وتصديق قال تعالى :

﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾

[سورة يونس الآية:101]

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

[الآية:190-191 سورة آل عمران]

التفكر في آيات الله يصل بصاحبه إلى معرفة الله ، وهذه تتمثل في الإحساس بوجوده ، وعندها تحصل الخشية في السرِّ والعلانية ، والخشية تثمر صلة والصلة بالله قمة السعادة الحقيقية .

فوائد تقوى الله على المؤمنين

يا أخا الإيمان ؛ لا تظلم نفسك من أجل أن ترفه جسمك ، يجب ألا تشغلك الدنيا عن ساعة تقضيها كل يوم تذكر فيها الله ، تتفكر في آياته ، وتتعرف على أسماءه ، وتتلو قرآنه ، وتصلي على نبيه .
يا أخا الإيمان ؛ استيقظ باكراً ، وأيقظ أهلك وأولادك ، وصلِّ صلاة حقيقية وبعدها اذكر الله ، وتدبر عُشراً من قرآنه .
ولاحظ كيف يكون يومك .
أبدأ يومك بصلاة الفجر مع أولادك وصل صلاة حقيقة واذكر الله
لاحظ ـ يا أخي ـ يومك الذي ذكرت فيه ربك ، وتفكرت في آلائه كيف أنك سعيدٌ ، مطمئن النفس .
لاحظ كيف أنك تحس وأنت تنظر إلى الأشياء أنك تنظر إليها من علٍ .
لاحظ كيف أن الهدى الإلهي يسدد خطاك ، فأنت تتفوه بكلمات صائبة ، وتقف مواقف حكيمة ، وتتخذ قرارات صحيحة .
لاحظ كيف تصبح في هذا اليوم الذي ذكرت في مطلعه ربك أنك ذو مناعة ضد الشيطان ، وأن إغراءاته ومنزلقاته أضعف من أن تجذبك وتغريك .
لاحظ في هذا اليوم الذي ذكرت الله في أوله ، كيف أنك لا ترهب الناس كثيراً ، وكيف أن خشية الله تطغى على خشية الناس ، وأن إحساسك بقوتك المعنوية تجعلك تقف مواقف أكثر صلابة ووضوحاً وحزماً .
لاحظ ـ يا أخي ـ كيف أنك ترتفع عن سفاسف الحياة ، وعن مشاحناتها وعن أسباب الخصام فيها .
لاحظ أنك في هذا اليوم أقوى من أن يستفزك سفيه .
بذكرك الله سترتفع عن سفاسف الحياة ومشاحناتها وعن أسباب الخصام فيها
لاحظ ـ يا أخي ـ أن حب الدنيا والتعلق بها والسعي إلى جمع حطامها تخف حدته في ذلك اليوم ، وأنك في هذا اليوم الذي ذكرت فيه ربك أقل حرصاً عليها ، وأقل فرحاً لما حصلته فيها ، وأقل حزناً لما فاتك منها وأنك في هذا اليوم أكثر تمسكاً بحدود الشرع ، وأقل تفلتاً من قواعده .
لاحظ ـ يا أخي ـ أنك في هذا اليوم أكثر توفيقاً في أعمالك ، ومساعيك وحوائجك ، وصدق رسول الله حيث قال :

((مَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ))

[أخرجه الترمذي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه]

من كانت الآخرة همه أتته الدنيا راغمة , ومن كانت الدنيا همه لم يأته من الدنيا إلا من قدر له
لاحظ ـ يا أخي ـ في ذلك اليوم الذي ذكرت الله في أوله ، كيف تشعر أن عيالك تحسّ أن عليك أن تهدي الناس إلى طريق الإيمان طريق السعادة والرضوان ، وفي هذا اليوم تحس أن كل كلمة تتفوه بها يجب أن تكون في مرضاة الله ، وأن كل خطوة تخطوها يجب أن تكون تقرباً إلى الله ، وأنك بتصرفاتك ومواقفك وقولك لا تمثل شخصك وإنما تمثل دينك الحنيف فتخاف أن يُتهم الإسلام من خلال تصرفاتك ومواقفك ، وتذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( أنت على ثغرة من ثغر الإسلام فلا يؤتين من قبلك ))

على الإنسان أن يضع بحسبانه أن كل خطوة يخطوها يجب أن تكون تقرباً إلى الله
وعندها تصبح داعية إلى الله ، وإلى دينه عن طريق القدوة الحسنة ، وقد تتجاوز هذا المستوى من الدعوة إلى الله ، فتجد في نفسك رغبة أن تقدم للناس نصحاً خالصاً فتأمر بالمعروف ، وتنهى عن المنكر ، وقد ترى أن الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر لا يجديان إلا إذا توددت إلى الناس وقدمت لهم خدمات حقيقة تلين قلوبهم ، وتفتح آذانهم وهكذا تخرج نموذج الإنسان الغربي الذي لا يسعى إلا لمصلحته ولكسبه ، ولا يقيم الأشياء إلا بمدى نفعها له ، وتدخل في نموذج المؤمن الرباني الذي يسعى إلى خير الناس ، وإلى إسعادهم ، وإلى إخراجهم من الظلمات إلى النور ويقيم الأشياء بمدى علاقتها ، بهدفه النبيل .
نموذج المؤمن الرباني هو الذي يسعى إلى خير الناس وإلى إخراجهم من الظلمات إلى النور
لاحظ نفسك كيف نعامل الناس في هذا اليوم الذي ذكرت الله فإن كنت موظفاً تبش في وجوه المراجعين ، وتهتم بهم ، وتغيث لهفاتهم ، وتعين ضعفهم ، ولا ترجئ مصالحهم ، ولا تعقد معاملاتهم ، ولا تضيع العراقيل المصطنعة من أجل أن ينقدوك مالاً هي عند الله رشوة ، ولعن الله الراشي والمرتشي ، ولا تجعل الناس تقف على بابك زرافات ووحداناً بانتظار أن تنتهي من شرب قهوتك أو أن تخلص من مكالمة هاتفية حميمة وطويلة وتافهة أو تفرغ من مطالعة صحيفة الأخبار بعد أن تطالعها خبراً خبراً وإعلاناً إعلاناً .
على الموظف أن ييسر معاملات الناس ويساعدهم دون مقابل
إذا ذكرت الله في مطلع ذلك اليوم لا ترى نفسك فوق الناس ، بل في خدمتهم ، والخلق كلهم عيال الله ، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله ، إذا ذكرت الله في مطلع ذلك اليوم فإنك لن تنتقم من الناس لأن راتبك قليل أو لأن رؤساءك لا تقدر أتعابك .
إذا ذكرت الله في مطلع هذا اليوم تتلذذ بخدمة الناس كما يتلذذ الموظفون المعرضون علن الله بالترفع عليهم ، وعرقلة حاجاتهم .
إذا ذكرت الله وعاملت الناس بالإحسان ، عوضك الله عن راتبك القليل بصحة جيدة أنت وأهلك وأولادك ، ووفر لك سعادة بيتية يتمناها المترفون ووهبك ذرية صالحة بارة بك ووقاك من المصائب والنكبات ما يكلف نفقات باهظة يعجز عن دفعها الأغنياء ، وهذه كلها سعادة لا تقدر بثمن ، وموارد غر مرئية .
عندما تذكر الله في بداية يومك اليوم لا ترى نفسك فوق الناسبل في خدمتهم
وفي اليوم الذي ذكرت الله فيه وتحسن إلى كل الناس ، تعود إلى بيتك فتراه على ما يرام ، فترضى بزوجتك ، وتراها من أكبر النعم التي وهبها الله لك وترى أولادك وهم في صحتهم وحبورهم ثروة لا تعدلها ثروة وتأكل وجبة من الطعام تتذوقها مرتين ؛ تتذوق طعمها وطعم شكرها كيف لا وقد بدأتها باسم الله ، وختمتها بكلمة " الحمد لله " قال عليه الصلاة والسلام : يا عائشــة أكرمي مجاورة نعم الله ، فإن النعمة إذا نفرت قلما تعود .
ويؤذن المؤذن لصلاة المغرب فتؤم أهلك وأولادك ، وتقفون بخشوع بين يدي الله ، وتنتهي الصلاة ، وتنظر في وجوه أسرتك ، فترى الإشراق والوضاءة والبراءة ، وتغمرك سعادة لا يعرفها إلا من ذاقها .
يا سبحان الله ، كيف أن الدنيا مهما انخفض مستواها يسعد بها المؤمن ويتخذها مطية للآخرة ، وكيف أن الدنيا مهما يرتفع مستواها يشقى بها الكافر ، ويتخذها مطية لجهنم ...
( في اليوم الذي تذكر فيه الله تعود لبيتك لترى الإشراق والوضاءة والسعادة فيه
قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً * تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً﴾

[سورة الأحزاب الآيات:41-44]

وقد جاء في الحديث الشريف عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :  لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا

(( لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي]

أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وصلوا ما بينكم وبين ربكم تسعدوا ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :

 

الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم .

الدعاء :

اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم صن وجوهنا باليسار ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء .
اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت ، واصرف عنا شر الأعمال لا يصرفها عنا إلا أنت .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018