الخطبة : 0337 - خلق الإنسان للعبادة - الصيام صحة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0337 - خلق الإنسان للعبادة - الصيام صحة.


1991-03-08

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا و ما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، و ما توفيقي و لا اعتصامي ولا توكُّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلَّى الله عليه وسلم رسولُ الله سِّيدُ الخلق و البشر ، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه وعلى ذرِّيته ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

العبادة علة وجود الإنسان على وجه الأرض :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ الله سبحانه وتعالى في نص القرآن الكريم ، وفي آية قطعية الدلالة ، يبيِّن أن الإنسان خُلق ليعبد الله عز وجل ، قال تعالى :

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات: 56 ]

 و العبادات أيها الأخوة أنواع كثيرة ، هناك عبادات تعاملية ، أن تكون حركتك في الكون وفق منهج الله ، هذه عبادات ، في بيعك و شرائك ، في كل علاقاتك ، في زواجك ، في لهوك ، في مرحك ، في مناسبات الفرح ، أن توقع أعمالك كلها وفق منهج الله ، هذه عبادات تعاملية ، وهناك عبادات شعائرية أمرك الله بها .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ أنواع أخرى للعبادات ، هناك عبادات قولية ، الدعاء عبادة قولية ، الذكر عبادة قولية ، الدعوة إلى الله عبادة قولية ، الدعوة إلى الخير عبادة قولية ، الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ، تعليم الناس الخير ، تعليم القرآن ، هذه كلها عبادات قولية ، و هناك عبادات فعلية ، منها ما هو بدني كالصلاة ، ومنها ما هو مالي ، أن تنفق من مالك كالزكاة ، ومنها ما هو بدني مالي في وقت واحد ، كالحج و الجهاد ، هناك عبادات يمكن أن نسميَها سلبية ، أساسها الكفُّ و الامتناع منها الصوم ، منها غضُ البصر ، منها ضبط اللسان ، حديثنا عن الصوم في هذه الخطبة لأنه أقبل علينا .

 

الصوم عبادة إيجابيّة :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ ومع أن الصوم فيما يبدو للناس عبادة امتناع ، عبادة كف ، عبادة إحجام عن تناول الطعام و الشراب و سائر المفطرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس ، مع أن الصوم فيما يبدو عبادة كفّ و إحجام و امتناع و لكن الصوم في حقيقته عبادة إيجابية ، بل هو من أرقى العبادات الإيجابية ، كيف ذلك ؟
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ كلكم يعلم أن في الإنسان نفساً و له جسد ، كل ما في الدنيا ، كل سعي الإنسان الآن يستهدف هذا الجسد ، يعتني بطعامه و شرابه و لباسه و سكناه ووسائل انتقاله و وسائل اتصاله و أساس رفاهيته ، الدنيا كلها اليوم تُعنى بالجسد ، و لكن هذه الجوهرة الثمينة ، هذه النفس التي أودعها الله في الإنسان ، هذه النفس التي كرَّمها الله ، هذه النفس التي جعلها الله خالدة إلى أبد الآبدين ، هذه النفس التي أهَّلها لتعرفه ، لماذا نهملها ؟ لماذا نتجاوزها ؟ لماذا لا نُعنى بها ؟ لماذا أحدنا إذا شعر بعرض في جسده بادر إلى الطبيب ؟ أقلقه ذلك ، ترك النوم قلقاً وشفقة ، الصوم عبادة لا تتَّجه إلى الجسد ، بل تتجه إلى النفس ، الصوم عملٌ إيجابي ، أساسه كفُّ النفس عما تشتهيه بنية القرب إلى الله تعالى ، هو عمل إرادي له ثقله في ميزان الحق و الخير .

 

حقيقة الصيام :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ الدين كلُّه مجموع في كلمتين ، افعل و لا تفعل ، أمر و نهي ، أنت كعبد لله ، أنت كعبد لخالق السموات و الأرض ، جاءك البيانُ الإلهي ليأمرك أن تدع الطعام و الشراب و سائر المفطرات شهراً بأكمله ، فما حقيقة الصيام يا تُرى ؟
 أيها الأخوة ؛ الجسد بيتٌ و النفس تسكن هذا الجسد ، الجسد مطية ، و النفس تركب هذا الجسد ، الجسد قالبٌ و محتواه هذه النفس ، فالصيام يتَّجه إلى النفس ، يتجه إلى ضبطها ، يتجه إلى تقريبها إلى خالقها ، يتجه إلى رُقِّيها ، يتجه إلى امتلاك صفاتها الفضلى .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ هذا الذي يرى الإنسان جسداً لا غير لا يرى في الصيام معنى إطلاقاً ، إذا توهَّمت أن الإنسان جسد فالصيام لا معنى له ، أما إذا عقلت أن الإنسان جسد و نفس ، و أن الجسد فانٍ و النفس باقية ، باقية في حياة أبدية لا تنقضي ، فيجب أن تهتمَّ بتهذيب النفس و إصلاحها و السموِّ بها كما تهتم اهتماماً لا شك فيه بإصلاح جسدك و العناية به و توفير مستلزماته ، هذا الذي يرى أن الدنيا طعام و شراب و منام فإذا فاته هذا فعلى الدنيا السلام ، هذا ليس من بني البشر ، هذا هبطت مكانته عن بني البشر ، قال تعالى :

﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ﴾

[سورة الفرقان: 43 -44]

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ الجسد له مطلب مادي يحتاج إلى الطعام و الشراب و ما خُلق له ، والنفس لها مطالب سامية ، حينما يحكَّم العقل بالنزوة ، حينما تحكَّم مطالب النفس بمطالب الجسد ، حينما يصبح الإنسان تبعاً لهواه ، حينما يلهث الإنسان وراء شهوته ، فهو شيطان رجيم ، ضال مضلٌّ ، أما إذا اتجه الإنسانُ إلى رقي نفسه و ضبط نفسه و جوارحه و مشاعره وفق ما أمر الله عز وجل فهو الإنسان الذي أعدَّه الله لجنة عرضها السموات و الأرض،

يا خادم الجسم كم تشقى بخدمـتـــه  أتطلب الربح مما فيه خســرانُ ؟
أقبل على النفس واستكمل فضائلها  فأنت بالنفس لا بالجسم إنسانُ
***

الصوم عبادة من عبادات الإخلاص :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ إذا عرفت قيمة نفسك ، إذا عرفت نفسك عرفت ربَّك ، لا بد للمؤمن من أن ينطلق من فلسفة ما ، لا بد للمؤمن من أن ينطلق من فكرة دقيقة عن سرّ الوجود، عن سرّ الحياة ، النبي عليه الصلاة و السلام وصف بعض الغافلين فقال : عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( مَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ الشَّاةِ الْعَائِرَةِ بَيْنَ الْغَنَمَيْنِ ، تَعِيرُ إِلَى هَذِهِ مَرَّةً وَإِلَى هَذِهِ مَرَّةً ))

[مسلم عَنْ ابْنِ عُمَرَ]

 هناك من يصوم و لا يدري لِما يصوم ، هو كالناقة حبسها أهلُها ثم أطلقوها ، فلا تدري لا لِم حُبست ؟ و لا لم أُطلقت ؟ إنك مقدم على شهر تتَّجه هذه العبادة إلى تطهير النفس من كل مخالفة ، إلى السمو بها إلى خالقها ، عن طريق ترك الطعام و الشراب و سائر المفطرات بنية التقرب إلى الله عز وجل ، الصوم من عبادات الإخلاص ، لأنه لا سلطان لأحد عليك في صيامك ، لن تصوم إلا إذا راقبت الله عز وجل ، و لن تجعل من صيامك الصيام الذي أراده اللهُ عز وجل إلا إذا راقبت الله عز وجل .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ إنك إذا صمت رمضان إيماناً و احتساباً ، و تركت الطعام و الشراب ، و سائر المفطرات ، و جهدت في إتقان العبادات ، و أنفقت من وقتك الثمين في حضور مجالس العلم ، و أنفقت من مالك الذي جمعته بالحلال ، إذا فعلت هذا لعل الله سبحانه و تعالى يرحمك ، الشهور عند الله اثنا عشر شهراً يوم خلق السموات والأرض ، لكن شهر رمضان ، شهر القرب من الله ، شهر الزلفى ، شهر الطاعة ، شهر المجاهدة ، شهر مضاعفة الأعمال ، شهر الإنفاق ، شهر القرآن ، إنها دورة تدريبية في كل عام ثلاثون يوماً .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ لك أن تفعل ما أمرك الله به ، و لك أن تنتظر من الله عز وجل ما سيتفضل به عليك في هذا الشهر ، لك أن تصوم صياماً صحيحاً ، و لك أن تكف لسانك و بصرك و أذنك عن كل معصية ، وانتظر من الله كلّ ودٍّ و قرب و تجلٍّ .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ شهر الصيام لا يتجه إلى الجسد بل يتجه إلى النفس ، ليطهرها و ليسمو بها ، و الوسيلة الانضباط التام بنية التقرب إلى الله عز وجل .

 

الصوم وسيلة فعَّالة لتقوية الإرادة :

 شيء آخر أيها الأخوة الأكارم ؛ في الإنسان إرادة ، و الإرادة أساس حياته ، فلو أن قناعاته كانت في أعلى مستوى ، و لم يكمل الإرادة القوية لتنفيذ ما هو قانع به كان في آخر الركب ، ما الذي ينقص معظم الناس ؟ قناعاتهم جيِّدة ، إيمانهم لا بأس به ، رؤيتهم واضحة ، ما الذي يقعدهم عن طلب المعالي ؟ ما الذي يقعدهم عن طلب الجنة ؟ ما الذي يقعدهم عن رضوان الله عز وجل ؟ شيء واحد : ضعف إرادتهم ، تغليبهم شهواتهم ، تغليبهم عاداتهم و تقاليدهم ، تغليبهم حياتهم الدنيا ، كيف نقوِّي هذه الإرادة ؟ كيف نجعل من إرادتنا قوةً دافعة لنا ؟ كيف نفعل ما نحن قانعون به ؟ كيف ننطلق من قناعة لا من شهوة ؟ كيف نتحرك من إدراك لا من نزوة ؟ كيف ؟ لا بد من تربية الإرادة ، و هل تصدِّقون أن شهر الصوم من بين أهدافه الجليلة التي رسمها الله عز وجل تقوية الإرادة عند الإنسان ، لماذا ؟ إنك في شهر الصوم تترك ما هو مباح ، ما هو حلال ، ما هو في غير هذا الشهر ، بل ما هو في الليل مباح ، إذا تركت الطعام و الشراب و هو مباح ، فلأن تدع بعد رمضان ما هو حرام من باب أولى ، إذا ربَّاك الله عز وجل على ترك المباح ، على ترك الطعام و أنت جائع ، على ترك الشراب و أنت عطشان ، على ترك اللذَّة و أهلك إلى جانبك ، فما بالك بترك ما نهى الله عنه ؟ إن شهر الصوم فيه تقوية الإرادة ، لماذا نصح النبي عليه الصلاة و السلام بالصوم ؟ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ : بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ :

(( مَنْ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ ))

[البخاري عَنْ عَلْقَمَةَ]

 أي حصن ووقاء ، إذاً الصوم وسيلة فعَّالة لتقوية الإرادة ، راقب نفسك أيها الأخ الكريم هل يأتي فعلُك دائماً مطابقاً لقناعاتك ؟ هل يأتي عملك مطابقاً لعلمك أم هناك مسافة ؟ هذه المسافة ما سببها ؟ سببها ضعف الإرادة ، و يأتي رمضانُ في كل عام ليقوي الإرادة ، ليمنعك عن شيء هو مباح في الأصل كي يكون تمهيداً لترك ما هو محرَّم ، إذا تركت الطعام و الشراب ، فأن تترك المعاصي من باب أولى .

 

رمضان شهر الصبر :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ يقول عليه الصلاة والسلام : " صوموا شهر الصبر" - سماه شهر الصبر - عَنِ ابْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ رَجُلٍ مَنْ بَنِي أُقَيْشٍ قَالَ مَعَهُ كِتَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ الشَّهْرِ يُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ ))

[أحمد عَنِ ابْنِ الشِّخِّيرِ]

 وروى ابن ماجه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( لِكُلِّ شَيْءٍ زَكَاةٌ وَزَكَاةُ الْجَسَدِ الصَّوْمُ ))

[ابن ماجه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 وفي حديث ثالث عَنْ جُرَيٍّ النَّهْدِيِّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ قَالَ :

(( عَدَّهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَدِي أَوْ فِي يَدِهِ التَّسْبِيحُ نِصْفُ الْمِيزَانِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ يَمْلَؤُهُ وَالتَّكْبِيرُ يَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَالصَّوْمُ نِصْفُ الصَّبْرِ وَالطُّهُورُ نِصْفُ الْإِيمَانِ))

[الترمذي عَنْ جُرَيٍّ النَّهْدِيِّ]

 إذًا أيها الأخوة الأكارم ؛ لا ينبغي أن نقدم على هذا الشهر الكريم إقدام العابث، إقدام الساهي ، إقدام الغافل ، لا ينبغي أن يكون هذا الشهر عادةً من عاداتنا ، نصوم و نفطر، لا ندري لم صمنا ؟ و لم أفطرنا ؟ إنه دورة تدريبية ، أساسها تطهير النفس من نزواتها و السمو بها إلى خالقها ، و أساس هذا الشهر أيضاً تقوية الإرادة ، كيف ؟ تعينك هذه الإرادة على طاعة الله في كل العام .

 

شهر رمضان مناسبة جليلة لتعريف العبد بنعم مولاه الكريم :

 شيء آخر أيها الأخ الكريم ، إنك محاط بنعم لا حصر لها ، هذه النعم لا بد أن تراها ، هناك أشخاص قلائل يرون النعم في توافرها ، يرون النعم في وجودها ، و لكن هناك أناساً غافلون لا يرون النعم إلا في فقدها ، فكأس الماء الذي تشربه هل حمدت الله عليه ؟ هل رأيته نعمة من الله عز وجل ؟ في شهر رمضان حينما تذوب النفس على كأس ماء ، و الماء بين يديك ، تعرف قيمةَ الماء ، هذا الطعام الذي تأكله و الذي هو متوافر في بيتك ، هل تعرف قيمته ؟ كيف أنه يسدُّ رمقك ، في رمضان تعرف قيمة الطعام و الشراب ، هذه النعم التي أنعم الله بها عليك يجب أن نعرفها في وجودها في كل أيام العام ، كأن هذا الشهر الكريم مناسبة جليلة لتعريف العبد بنعم مولاه الكريم .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ الإنسان إذا عرف نعمة ربه جل و علا أحبَّه ، و إذا أحبه أقبل عليه ، و إذا أقبل عليه سعد في دنياه و أخراه .

 

الصيام تعبير واقعي عن عبودية الإنسان لله عز وجل :

 معنى آخر من معاني شهر الصيام ، إنه سموٌّ بالنفس ، إنه تقوية للإرادة ، المعنى الثالث إنه تعبير واقعي عن عبودية الإنسان لله عز وجل ، يؤكِّد هذا المعنى قولُ الله عز وجل في الحديث القدسي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ :

((الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي فَالصَّوْمُ جُنَّةٌ وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ فَرْحَةٌ حِينَ يُفْطِرُ وَفَرْحَةٌ حِينَ يَلْقَى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَلَخُلُوفُ فِيهِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْك))

[أحمد عن أبي هريرة]

 أيها الأخوة الأكارم ؛ في القرآن الكريم و في السنة المطهَّرة أوامرُ كثيرة ، أكثر هذه الأوامر ، بل جلُّها يتَّجه إليك ، لمصلحتك ، فإذا كنت مستقيماً رفع الله شأنك ، فإذا كنت عفيفاً سعدت في أهلك ، فإذا كنت ذا دخل حلال وهبك الله نعمة الأمن ، إذا طبَّقت كل أمر من أوامر الله تقطف أنت ثماره اليانعة ، الآنية ، ولكن حينما أمرك بترك الطعام ، هذا العمل لله عز وجل ، لأن الصوم عبادة الإخلاص ، بإمكانك أن تفطر ، و لا يستطيع أحد في الأرض أن يكتشف ذلك ، إذًا هو عبادة الإخلاص لله عز وجل ، و كلما قدَّمت شيئاً من جهدك أو من صبرك ، أثابك الله عليه ثواباً عاجلاً ، وثواباً آجلاً .

 

الغاية من الصيام بلوغ التقوى :

 لكن القرآن الكريم أيها الأخوة حينما أمرنا بالصيام أشار إلى حقيقة دقيقة ، قل تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 183]

 كأن الله سبحانه و تعالى أراد من الصيام بلوغَ التقوى ، و التقوى أيها الأخوة في أدق معانيها ، و في أبسط معانيها طاعة الله عز وجل ، إنك تتقي بطاعته معصيته ، تتقي بطاعته غضبه ، تتقي بطاعته عذابه ، تتقي بطاعته ناره ، إذا التقوى من الوقاية ، و الوقاية لا تكون إلا من شيء خطير ، إذا بلغت التقوى فأنت أولى أن تصل إلى طاعة الله عز وجل ، صلاة الفجر التي أديتها في وقتها ، قراءة القرآن إذا داومت عليها ، الإحسان إلى الخلق الذي فعلته في رمضان ، هذه الطاعات و الفضائل و العبادات ينبغي أن تستمر إلى نهاية العام ، فكأن خطك البياني كان يسير مستقيماً فجاء رمضان فقفز قفزة ، و تابع هذه القفزة ، إلى رمضان آخر ، و هكذا يأتي رمضان ليقفز بالإنسان في كل عام درجة ، بحسب كثرة تلاوته و كثرة الإنفاق و يزداد إقبالك ، فيلقي الله في قلبك نوراً ترى به الخير خيراً ، و الشر شراً ، ترى به الحق حقاً و الباطل باطلاً ، و هذا معنى لآخر من معاني التقوى .

 

ما من عبادة إلا وعلَّلها الله سبحانه و تعالى في القرآن الكريم :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ شيء لا بد أن تتعرف عليه ، وهو أنه ما من عبادة إلا وقد علَّلها الله سبحانه و تعالى في القرآن الكريم ، أما إذا خلت العبادة من العلة وانقلبت إلى طقوس ، ووثنيات ، الله سبحانه و تعالى يقول :

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾

[ سورة التوبة: 103 ]

 هذه الحكمة ، الله سبحانه و تعالى يقول :

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾

[ سورة طه:14]

 و قال تعالى :

﴿ كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴾

[ سورة العلق : 19]

 و قال تعالى :

﴿ لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ﴾

[ سورة النساء: 43 ]

 وقال تعالى :

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء َالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾

[ سورة العنكبوت الآية : 45 ]

 بيَّن القرآن الكريم في آيات كثيرة حكمة ، قال تعالى :

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾

[ سورة التوبة: 103 ]

 تطهرهم ، الزكاة أيها الأخوة تطهر المال من تعلق حق الغير به ، تطهر الدافع من الشح ، تطهر الفقير من الفقر ، تطهر المال من تعلق حق به ، تطهر الفقير من الحقد ، تطهر الغني من الشح ، قال تعالى :

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾

[ سورة التوبة: 103 ]

 تزكي ، تنمي المال ، تنمي نفس الفقير ، إذاً هناك حكم أدرجها الله في القرآن ، لذلك ارجع إلى معانيها ثلاثمئة مرة ، مرة جاء سبيلها ، ومرة جاءت نتائجها و هكذا .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ أردت من هذه الخطبة أن تكون قبل شهر الصيام لعل الله سبحانه و تعالى يرحمنا في هذا الشهر ، و لعل الله سبحانه و تعالى يطهر قلوبنا و يسمو بنا إلى جنة عرضها السموات و الأرض .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، و زنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا، و سيتخطَّى غيرنا إلينا ، فلنتَّخذ حذرنا ، الكيَّس من دان نفسه و عمل لما بعد الموت ، و العاجز من أتبع نفسه هواها و تمنى على الله الأماني ، و الحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الصيام صحة :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ الإنسان إذا قام بعمل ربما استهدف شيئاً واحداً منه ، فيجب أن نعلم علم اليقين أن لا حدود للخير من وراء هذا العمل ، فإذا كان الصوم من أجل تطهير النفس ، و السمو بها ، و تقوية الإرادة فيها ، ومن أجل تعريفها بنعم الله عز وجل ، ومن أجل وقايتها من كل سوء ، ومن أجل بلوغ مرتبة التقوى ، فإن للصيام أهدافاً أخرى ربما عادت على هذا الجسد ، كلكم يعلم أن هذا الجسد قوامه الطعام و الشراب ، وأن الطعام و الشراب إذا زاد عن حدِّه انقلب إلى ضده ، و المعدة بيت الداء ، و الحمية رأس الدواء ، و كم من مرض زال في شهر الصيام ، لماذا ؟ لأن الإنسان إذا امتنع عن الطعام و الشراب ، هذه التعفنات و هذه البقايا في أطراف الأمعاء ، هذه كلها تُستهلك ، استجمام و راحة لكل أجهزة الجسم .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ لا يزال الطبُّ يؤكد في كل حين أن فوائد للصيام لم يكن يعرفها من قبل ، كلما زاد العلم ازدادت كشوفُه ، و عرفنا من خلال معطياته أن للصيام فوائد تعود على الجسد ، أمراض كثيرة ، أمراض متعلقة بالأوعية ، أمراض متعلقة بالضغط ، أمراض متعلقة بالسكر ، أمراض متعلقة بنواحٍ شتى ، ربما شفيت في رمضان ، ربما خفَّت حدَّتها ، ربما استعاد الجسم بعض صحته ، لهذا النبي عليه الصلاة و السلام قال : عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

(( مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ حَسْبُ الْآدَمِيِّ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ غَلَبَتْ الْآدَمِيَّ نَفْسُهُ فَثُلُثٌ لِلطَّعَامِ وَثُلُثٌ لِلشَّرَابِ وَثُلُثٌ لِلنَّفَسِ ))

[ابن ماجه عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ ]

 و يقول عليه الصلاة و السلام :

(( صوموا تصحوا ))

[ ورد في كتاب الفردوس، وفي كشف الخفاء وفيه ضعف ]

 أي يضاف إلى كل الفوائد أنك إذا صمت رمضان كما أراد النبي عليه الصلاة و السلام ربما خفت عللٌ كثيرة في جسدك ، ربما أعطيت هذا الجسد فسحة من الراحة و استجماماً و صيانة ليستعيد نشاطه بعد انتهاء الشهر من جديد .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَنا فيمن تولَيت ، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، ولا تهلكنا بالسنين ، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018