الخطبة : 0334 - المعراج - حصيلة البعد و التفلت من منهج الله تعالى. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0334 - المعراج - حصيلة البعد و التفلت من منهج الله تعالى.


1991-02-15

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله الذي هدانا لهذا، و ما كنا لنهتدي لولا أن هدانا، و ما توفيقي و لا اعتصامي ولا توكُّلي إلا على الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارا بربوبيته وإرغاما لمن جحد به وكفر وأشهد أن سيدنا محمدا صلَّى الله عليه وسلم رسولُ الله سِّيدُ الخلق و البشر ما اتَّصلت عينٌ بنظر أو سمعت أذنٌ بخبر،اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذرِّيته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهمَّ ارحمنا فإنك بنا راحم، و لا تعذِّبنا فإنك علينا قادر، والطف بنا فيما جرت به المقادير إنك على كل شيء قدير، اللهم علِّمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علّمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقا و ارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

معراج النبي عليه الصلاة و السلام :

 أيها الأخوة الأكارم؛ في الجمعة الماضية كان الموضوع عن الإسراء، إسراء النبي عليه الصلاة و السلام من مكة إلى بيت المقدس، و قد وعدت أن أجعل من الخطبة التالية أن أجعل موضوعها عن معراج النبي عليه الصلاة و السلام، و لكن أيها الأخوة الأكارم لا بد من كلمة تمهيدية.
 النبيُّ عليه الصلاة و السلام سيد الخلق، سيد الأنبياء و المرسلين، المخلوق الأول، أُسري به إلى بيت المقدس و عُرج به إلى السماء، النبي عليه الصلاة و السلام له عند الله مكانة عليَّة، عرفنا أو لم نعرف، فحينما ربُّنا سبحانه و تعالى يذكر لنا شيئا عن إسراءه وعن معراجه، فنحن أيها الأخوة المعنيُّون بهذه الآيات، الله سبحانه و تعالى يريد أن نتدبَّر آياته، و تدبّر الآيات، أن تكون هذه الآيات مجسَّدة في سلوكك، أن يُرى أثرُها في علاقاتك، أن يُرى أثرٌُها في سموِّ نفسك، فلا يعنينا من هذه الموضوعات أيها الأخوة إلا جانبها العملي التطبيقي، و كلما قرأ الإنسان القرآن و سأل نفسه هذا السؤال: ما علاقتي بهذه الآية، وكيف أستفيد منها، و ما تطبيقها العملي بالنسبة إليَّ، كان قد تدبَّر كلام الله عز وجل.
 يا أيها الأخوة لأكارم؛ ربُّنا سبحانه و تعالى يقول:

﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى *مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ﴾

[سورة النجم: 1-2]

 كما كنت أقول لكم دائما، القرآن حمَّال أوجه، و سواء كان معنى هذه الآية النبي عليه الصلاة والسلام الذي تألَّق في سماء المعرفة، أو أن النجم مطلق النجم إذا هوى.

في الكون آيات دالة على عظمة الله :

 يا أيها الأخوة، في الكون آيات باهرات دالة على عظمة رب الأرض و السماوات، هذا الذي لا يتأمل في الكون و لا يقف عند آياته، و لا يدقِّق في خلق الله عز وجل، هذا بعيد عن أن يعرف الله عز وجل، هذا النجم الذي تراه عينُك، تراه صغيرا، هل تصدِّق أن بعض النجوم يتَّسع للشمس و الأرض مع المسافة بينهما؟ قلب العقرب، الشمس تكبر الأرض بمليون و ثلاثمائة ألف مرة، و تبعد عنها مائة و ستا و خمسين مليون كيلومتر، وهذا النجم الصغير يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما، هذا النجم ما حجمه، كم بُعده، كم حركته، هناك في خلق الله عز وجل و في فضاءه من الآيات ما يأخذ بالألباب، لماذا ذكر الله عز وجل:

﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى *مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ﴾

[سورة النجم: 1-2]

 ما العلاقة بينهما؟ يا أيها الأخوة؛ إذا تأمَّلتم أو اطَّلعتم لوجدتم أن بعض المجرات تبعد سنة ضوئية، قال تعالى:

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾

[سورة الواقعة: 75-76]

كلما شرُف المرسِل شرفت الرسالة :

 الله سبحانه و تعالى أراد أن يربط هذه الرسالة بخالق الكون، هذا القرآن الذي بين يديك، الذي جاء به النبي عليه الصلاة و السلام من عند خالق الأكوان، من عند خالق المجرات، من عند خالق الأرض و السماوات، كلما شرُف المرسِل شرفت الرسالة، هذه الرسالة من عند من؟ من عند الذي خلق فسوى، من عند الذي بيده مقاليد السماوات و الأرض، من عند من إليه يرجع الأمر كله، من عند من بيده كلُّ شيء، بيده الحياة و الموت، بيده القوة و الضعف، بيده النصر و الخذلان، بيده حياة الإنسان، قال تعالى:

﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى *مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ﴾

[سورة النجم: 1-2]

 هذا صاحبكم، لِم لم يقل الله عز وجل سماه باسمه، بمهمته، قال:

﴿ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ﴾

[سورة النجم: 2]

 أي هو بينكم، نشأ بين ظهرانيكم، و تعرفون مروءته، تعرفون أمانته، تعرفون نسبه، تعرفون عفافه، تعرفون استقامته، تعرفون طهره، ما جاءكم من بلدة أخرى، ما وفد عليكم و تجهلون ماضيه، ما جاءكم بصفات ذميمة تمقتونها، قال تعالى:

﴿ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ﴾

[سورة النجم: 2]

في الإنسان جوانبُ ثلاث :

 يا أيها الأخوة، في الإنسان جوانبُ ثلاثة؛ جانب لا يختلف عليه رجلان، الجانب المادي، هذا الجسم بأعضائه، بأجهزته، بقوامه و بصحته، بمرضه، متَّفق عليه شرقا و غربا، شمالا و جنوبا، أما الذي اختُلف فيه العقلُ و القلبُ، الإنسان قد يضل عقلُه فتشقى نفسُه، و قد يعمى قلبُه فلا يرى الحقيقة، و قد تشقى نفسه فتعيش في ظلمات بعضها فوق بعض.
 يا أيها الأخوة الأكارم، هذا الربط المستمر، هذا القرآن جاء به النبيُّ عليه الصلاة و السلام، إنه معجزته، لأن في هذا القرآن إعجازا، اقرأ القرآن، و تأمَّل في آياته الكونية و التشريعية و التربوية، وفي أخباره، وفي وعظه، و في أمره، وفي نهيه، و في وعده و في وعيده، وفي قصصه، و في أخباره، و في أمثاله، تدبَّر هذا القرآن تر فيه قاسما مشتركا واحدا، إنه الإعجاز، و معنى الإعجاز أن البشر جميعا لو اجتمعوا لا يستطيعون أن يأتوا بآية أو بسورة أو بعشر سور منه، مادام هذا هو المعجزة، فالذي جاء به رسولُ الله، ورسول الله رسول خالق السماوات و الأرض.

من طبق منهج الله سعد في الدنيا و الآخرة :

 يا أيها الأخوة الأكارم؛ خلاصة الخلاصة أن هناك إلها عظيما و إنسانا كريما، ورسالة محكمة، فكلُّ إنسان طبَّق هذا المنهج و سار على أمر الله عز وجل سعد في الدنيا و الآخرة، و ما من فساد في الأرض، وما من مأساة في الأرض، وما من مشكلة في الأرض إلا بسبب خروجٍ عن هذا المنهج، قال تعالى:

﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى *مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ﴾

[سورة النجم: 1-2]

 علاقة ترابطية بين هذا القرآن و بين خالق الأكوان.
 يا أيها الأخوة الأكارم، ما ضل عقلُه و ما شقيت نفسُه، إنها صيغة النفل، و المعنى المقصود أنه على صواب فيما يقول وهو في سعادة فيما يقول، عرف الحقَّ فاهتدى إليه و سعِد به، و أنت أيها الأخ الكريم، وهذا الذي أعنيه من هذه الخطبة، ما علاقتنا بهذه الآيات، ما تطبيقها العملي، ما الذي يعنينا منها، أن كل إنسان في الكون، أن كل إنسان في الأرض له مطلبان أساسيان، على اختلاف نوازعه و على اختلاف مشاربه، وعلى اختلاف لونه وعرقه وجنسه مطلبان ثابتان؛ أن لا يضلَّ عقلُه و أن لا تشقى نفسُه، فإذا قرأت القرآن متدبِّرا و نفَّذت أمر الله طائعا، و ابتعدت عن نهيه خائفا و رجوت ما عند الله و اجتنبت طريق النار فأنت ممن تعنيك هذه الآية، قال تعالى:

﴿ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ﴾

[سورة النجم: 2]

قضية الإنسان مع الإيمان قضية وقت فقط :

 ألا يتمنى أحدُنا أن يأتي يومَ القيامة وقد عرف الحقَّ في الوقت المناسب.
 يا أيها الأكارم، القضية قضية وقت ليس غير، ما من إنسان إذا جاءه ملكُ الموت إلا و يعرف الحقيقة، قال تعالى:

﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ﴾

[سورة الإسراء: 14]

 ربنا سبحانه و تعالى يقول:

﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾

[سورة ق:22]

 من المهتدي؟ هو الذي عرف الحقيقة في الوقت المناسب، أما الضالُّ لا بدَّ له أن يعرفها و لكن بعد فواتت الأوان، قال تعالى

﴿ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ﴾

[سورة النجم: 2]

كلام الناس أكثره عن الهوى :

 أنت أيها الأخ الكريم، تدبَّر كلام الله، اعلم علم اليقين أن هذا الكتاب الذي بين يديك هو من عند خالق الكون، و كلما شرُف المرسِل شرفت الرسالة، و كلما كان المرسِلُ عظيما كان الوعيدُ كبيرا و كان الوعدُ كريما، قال تعالى:

﴿ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ﴾

[سورة النجم: 2]

 لو استمعت إلى كلام الناس في ندواتهم، في رحلاتهم، في أسمارهم، في بيعهم، في شراءهم، في لهوهم، في جدِّهم، في كل نشاطات حياتهم، تسعة أعشار ما يقولون عن الهوى، تسعة أعشار ما ينطقون عنة مصالحهم، عن شهواتهم، عن رغباتهم، عن طموحاتهم، النبي عليه الصلاة و السلام هو الأمين، أمين على وحي السماء، أمين على دعوة الله لهذا الإنسان،

﴿ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ﴾

[سورة النجم: 2]

متبع النبي لا ينطق إلا الحق :

 فإذا أردت أن يكون النبيُّ عليه الصلاة و السلام قدوةً لك و أسوة لك فإياك أن تنطق عن الهوى، إياك أن تحكم حكما بدافع الهوى، إياك أن تحكِّم الهوى من دون العقل، إياك أن تنحاز انحيازا أعمى، إياك أن تمالئ، إياك أن تحابي، إياك أن تقلب الحق باطلا، من أجل مصالحك، قال تعالى:

﴿ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ﴾

[سورة النجم: 2]

 هذا رسول الله عز وجل، هذا رسول العناية الإلهية، هذا مبعوث العناية الإلهية الرحمة المهداة، النعمة المزجاة، قال تعالى:

﴿ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ﴾

[سورة النجم: 2]

 فإذا اقتديتم به لم تضل عقولُكم، و لن تشقى نفوسُكم، وهكذا قال الله عز وجل في آية أخرى:

﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾

[ سورة طه: 123 ]

 قال تعالى:

﴿ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ﴾

[سورة النجم: 2]

 قد تبيع حاجة وتضفي عليها من المديح ما لا سبيل إلى وصفه، من أجل أن تبيعها، أنت بهذا الكلام لا تنطق عن الحقيقة و لا عن العقل، و لكن تنطق عن الهوى، قد تنحاز إلى جانب ابنك إذا كانت هناك خصومة مع أقرانه، قد تنحاز إلى جانب زوجتك، قد تنحاز إلى جانب شريكك، قد تنحاز إلى مصلحتك، قد تؤثر شيئا تحبُّه، تضفي عليه كلَّ صفات الكمال، وقد تبتعد عن شيء تضفي عليه كل صفات النقص، الإنسان إذا ما عرف الله عز وجل ينطق عن الهوى، عقله في خدمة مصالحه، ففكره في خدمة شهواته، ذكاءه في خدمة مآربه، حديثه مصبوغ بالمصلحة، مصبوغ بطموحاته، هذا النبي الكريم، مبعوث العناية الإلهية الذي جاء بهذا القرآن، و الذي فسَّره بحديثه الشريف يجب أن تعلم علم اليقين أن هذا الكلام هو تعليمات الصانع، قال تعالى:

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾

[ سورة النجم: 3-4]

النبي عليه الصلاة والسلام علَّمه خالق السموات و الأرض :

 يا أيها الأخوة الأكارم؛ أنا من على هذا المنبر لا أفسِّر و لكن أعطيكم بعض المعاني التطبيقية لعل أحدنا إذا شاء الله عز وجل أن يستفيد منها، قال تعالى:

﴿ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ﴾

[ سورة النجم: 5]

 من الذي علَّم النبيَّ؟ يقولون إنه أمِّي، و فعلا نبيُّنا أمِّي، و الله سبحانه وتعالى قطعه عن ثقافة العصر، ليكون كلامه كلُّه وحيا خالصا، لم يعلِّم أحد و لكنه قد علَّمه ربُّ البشر، لم يعلمه أحدٌ من الأرض و لكن علَّمه خالق السماوات و الأرض، لم يعلمه إنسان و لكن الذي علمه ربُّ الإنسان، قال تعالى

﴿ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ﴾

[ سورة النجم: 5]

 بعضهم قال: جبريل، علَّمه الله عن طريق جبريل، قال تعالى:

﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى *ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ﴾

[سورة النجم:5-7]

 النقطة الأساسية في هذه الخطبة، قال تعالى:

﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى *ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ﴾

[سورة النجم:5-7]

أنت أيها المسلم في أي أفق؟

 من معاني هذه الآية، و أقول: من للتبعيض أن النبي عليه الصلاة و السلام كان في الأفق الأعلى، كل إنسان يتأمل نفسه في أيِّ أفق هو، في أفق المادة، في أفق المال، في أفق النساء، في أفق دوام صحته و عافيته و أهله و أولاده و على الدنيا السلام، ما الذي يقلقه، ما الذي يهمُّه، مال الذي يصبو إليه، ما الذي يحزنه، ما الذي يشغل باله، كسبُ المال فقط، ما الذي يشغل باله، أن تحافظ على ما أنت فيه، ما الذي يشغل بالك، سلامتك فقط، في أي أفق أنت، لو تعلمون ما أعلم - كما قال عليه الصلاة و السلام: عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال:َ

((يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ))

[البخاري عَنْ عَائِشَةَ]

 لماذا؟ لأنه يرى الإنسانية كلها أقرب الناس إليه، لأنه إنسانيُّ النزعة، كان يبكي للأرملة، و كان يبكي لليتيم، كان يصغي الإناء للهرة، في قلبه رحمة لو وُزِّعت على أهل الأرض لوسعتهم، أرحم الخلق بالخلق رسول اله، كلما اقترب الإنسان من الله عز وجل كلما أُشري قلبُه رحمةً منه، و هؤلاء الذين اتبعوا السيد المسيح وصفهم الله عز وجل، قال تعالى:

﴿ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً ﴾

[سورة الحديد: 27]

إن لم ترحم الناس فأنت لست متبعاً للنبي :

 فإن لم تكن رأفة و لا رحمة فهم ليسوا متبعين لأحد، متَّبعين لشهواتهم و أهواءهم، النبي عليه الصلاة و السلام و هو بالأفق الأعلى كان يعنيه أمرُ البشرية كلهم، حينما ذهب إلى الطائف كما حدَّثتكم في الأسبوع الماضي كذَّبه أهل الطائف و سخروا منه، ما تمنى أن يمزِّقهم، و قد جاءه جبريلُ، و قد قال له جبريل:

(( لو شئت لأطبقت عليهم الجبلين))

 ما تخلى عنهم، قال:

(( اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمونَ ))

[ متفق عليه عن عبد الله بن مسعود ]

 اعتذر لهم فإنهم لا يعلمون، و عددعا لهم، كلما اقتربت من الله عز وجل ازددت رحمة، و كلما ابتعدت عنه امتلأ القلب قسوة، أصبح قلبا كالصخر، قلب لا يلين، قلب لا يأبه لمآسي البشر.
يا أيها الأخوة الأكارم، قال تعالى:

﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى *ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ﴾

[سورة النجم:5-7]

المؤمن يعيش في سعادة لا توصف :

 هل يعنيك الطعام و الشراب، هل يعنيك بيتُك فقط، هل يعنيك سلامة أولادك، و على الدنيا السلام، أم يعنيك أخوك المسلم، أم يعنيك جارُك الفقير، أم يعنيك مصيرُ أمتك، قال تعالى:

﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى *ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ﴾

[سورة النجم:7-11]

 أي المؤمن يعيش في سعادة لو علمها الناسُ لأقبلوا عليها، كما قال بعض العارفين بالله:

((لو عرف الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليها بالسيوف))

 لو يعلم أهلُ الإعراض، أهلُ الكفر و الشقاق، أهل الغفلة، أهل العصيان، ما في الإيمان من طمأنينة، و ما فيه من رضوان الله عز وجل، وما فيه من شعور أخَّاذ، لأن خالق السماوات و الأرض يحبُّك، و يرضى عنك مال تفلَّت أحد من منهج اله عز وجل.
 أيها الأخوة الأكارم، قال تعالى:

﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى ﴾

[سورة النجم: 10-12]

 أي إذا أعطى اللهُ المؤمنَ عطاءً و أنكره الآخرون، هذا عطاء عظيم، يبقى عطاء و يبقى سعادة و يبقى تأييدا و يبقى طمأنينة، و لو أنكره المنكرون، قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ﴾

[سورة النجم: 13-14]

مستحيل أن تسعد و أنت بعيد عن الله :

 أيها الأخوة الأكارم، حقيقة أنقلها إليكم؛ من سابع المستحيلات، من الشأن المستحيل عقلا أن تسعد و أنت بعيد عن الله، أن تسعد و أنت في معصيته، أن تسعد و أنت في جفوة أوليائه، أن تسعد و أنت متنكِّب طريق الهدى، قال تعالى:

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ﴾

[سورة طه: 124-126]

 مما يعنينا نحن من مطلع هذه السورة، سورة النجم، الأفق الأعلى الذي عاشه النبي وهو أسوة لنا، يعنينا أيضا، قال تعالى:

﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى ﴾

[سورة النجم: 15]

 لا نسعد و لا نطمئن ولا نرقى و لا ترتاح نفوسنا و لا تقر عيونا إلا إذا عرفنا ربَّنا و اصطلحنا معه، إذا رجع العبدُ العاصي إلى الله نادى منادٍ في السماوات و الأرض: أن هنِّئوا فلانا فقد اصطلح مع الله.

السلامة و السعادة بمعرفة الله عز وجل :

 يا أيها الأخوة الأكارم؛ نقاط أساسية، العلاقة بين مظاهر السماوات و الأرض و بين هذا الكتاب، هذا الكتاب من عند خالق السماوات و الأرض قال تعالى:

﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى *مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ﴾

[سورة النجم: 1-2]

 الشيء الثاني أن هناك مطلبين ثابتين لكل إنسان؛ السلامة و السعادة، و لن تسلم و لن تسعد إلا إذا عرفت الله عز وجل و سرت على منهجه، لن يضل عقلُك و لن تشقى نفسُك، قال تعالى

﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى *مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ﴾

[سورة النجم: 1-2]

القرآن كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه :

 إذا أردت كتابا لا يأتيه الباطلُ من بين يديه و لا من خلفه حقٌّ مبين من عند رب العالمين، إنه القرآن الكريم، أيُّ كتاب آخر فيه الهوى، فيه الانحياز إلى جهة دون جهة، فيه التركيز على مصالح جهة دون جهة، فيه إبراز فكرة على حياة أخرى، فيه خلل، فيه نقص، فيه تناقض، فيه محاباة و فيه نفاق، قال تعالى:

﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ﴾

[سورة النجم: 3]

 الحق المبين، قال تعالى:

﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ﴾

[سورة النجم: 4-5]

إذا عرفت الله واصطلحت معه وصلت إلى الجنة :

 إذا كان الله هو الذي علَّمه فما قولك بهذا القرآن؟ و ما قولك بأحاديث النبي العدنان؟ و شيء آخر أن تلاحظك، في أفق مصالحك، في أفق شهواتك، في أفق أقرب الناس إليك، أم أن الإنسانية كلها تعنيك، أم أن أمتك تعنيك، أن وطنك يعنيك، أم أن الذين حولك يعنونك، قال تعالى:

﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى *فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى ﴾

[سورة النجم: 7-15]

 إذا عرفت الله عز وجل و اصطلحت معه و طبقت منهجه و ابتغيت رضوانه وصلت إلى جنة المأوى، حقَّقت المهمة التي من أجلها خُلقت، قال تعالى:

﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾

[سورة هود: 118-119]

 أيها الأخوة الأكارم، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا، و سيتخطَّى غيرنا إلينا، فلنتَّخذ حذرنا، الكيَّس من دان نفسه و عمل لما بعد الموت، و العاجز من أتبع نفسه هواها و تمنى على الله الأماني.

* * *

الخطبة الثانية :

 

 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، و أشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ و سلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله و صحبه أجمعين.

مرض الإيدز حصيلة البعد عن الله :

 أيها الأخوة الأكارم، اطَّلعت في هذا الأسبوع على كتاب على مرض الإيدز، وفي الكتاب إحصاءات رهيبة، و أخطار جمَّة، و لكن لفت في هذا الكتاب نظري، لفت نظري في هذا الكتاب صفحة واحدة فيها إحصائيات عجيبة، عجيبة، بلد تقدِّم بمقياس العصر، ممن يقول أهله: من أشد منا قوة؟ في هذا البلد أُجريت، أُخِذت محاضرُ مراكز الشرطة، المحاضر، و أُفرِغت على الحاسوب و كانت النتائج كما يلي: في اليوم الواحد هناك ألف و مئتان و ثلاث و خمسون إنسانا يُضبط لتعاطي الحشيش في اليوم الواحد، و تُغتصب في هذا اليوم مائة و ثمانون امرأة، و يُقتل ثلاث وخمسون شخصا، و تُسرق ألان و ست مائة وثمانية عشر سيارة، و يهرب من بيت والديه قرابه ثلاثة آلاف طفل، و تُجرى عملية إجهاض لما يزيد عن ثلاثة آلاف امرأة، و يصاب ما يزيد عن ثمانية و ستون ألف شخص بأمراض جنسية متنوعة في اليوم، و يُتلف عشرات بل مئات الألوف أو الملايين بسبب قيادة السيارات من قِبل السكارى، هذه حصيلة البعد عن الله عز وجل، هذه حصيلة التفلت عن منهج الله عز وجل، قرأت الكتاب، أشياء معقولة، إلا أن هذه الصفحة لفتت نظري، في اليوم الواحد في هذه البلاد الذي يدَّعي أصحابها و يقولون و قد جاءت هذه الآية في سورة فصلت، قال تعالى:

﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾

[سورة فصلت: 15]

 فابتلاهم بهذه الأمراض، قال تعالى:

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾

[سورة فصلت: 15]

تطبيق منهج الله عز وجل :

 يا أيها الأخوة المؤمنون، ليس لنا من طريق إلا أن نصطلح مع الله، ليس لنا من طريق إلا أن نسير على منهجه، ليس لنا من طريق إلى عزِّ الدنيا و الآخرة إلا أن نعود إليه، قال تعالى

﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ﴾

[سورة لقمان: 15]

 ليس لنا من طريق إلا أن نطبِّق أمره، إلا أن نرجو رحمته ونخشى عذابه، قال تعالى:

﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ﴾

[سورة الأنعام:65 ]

 يا أيها الأخوة المؤمنون، الصلح الصلح مع الله، التوبة التوبة إلى الله العودة العودة إلى الله، هذا طريق الخلاص، وهذا طريق السعادة، وهذا طريق القوة و المنعة.

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، و بارك اللهم لنا فيما أعطيت، و قنا و اصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي و لا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت تباركت ربنا و تعاليت، و لك الحمد على ما قضيت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، و أصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، و أصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، و اجعل الحياة زادا لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، و بطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا، و آمنا في أوطاننا، و اجعل هذا البلد آمنا سخيا رخيا، و سائر بلاد المسلمين، اللهم يا أكرم الأكرمين أعطنا ولا تحرمنا وأكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وارض عنا صن وجوهنا باليسار و لا تبذلها بالإقتار، فنسأل شرَّ خلقك، ونُبتلى بحمد من أعطى و ذم من منع، و أنت من فوقهم وليُّ العطاء، و بيدك وحدك خزائن الأرض و السماء، اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا من دنياهم أقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين، اللهم اكتب الصحة و السلامة للحجاج و المسافرين و المقيمين و المرابطين في برك و بحرك من أمة محمد أجمعين، اللهم ارزقهم حجًّا مبرورا وسعيا مشكورا و ذنبا مغفورا، يا رب العالمين، يا أكرم الأكرمين، اللهم بفضلك و رحمتك أعل كلمة الحق و الدين و انصر الإسلام و أعز المسلمين، و خذ بيد ولاتهم إلى ما تحب و ترضى، إنه على ما تشاء قدير و بالإجابة جدير

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018