الخطبة : 0329 - ميلاد سيدنا عيسى - مجتمع النمل. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0329 - ميلاد سيدنا عيسى - مجتمع النمل.


1991-01-04

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر . وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر . اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين . اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرِنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

اصطفاء الله عز وجل الأنبياء و الرسل :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ في سورة آل عمران قصة آل عمران ، ومن آل عمران سيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام . يقول الله تعالى في الآية الثالثة والثلاثين من سورة آل عمران :

﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحاً وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾

[سورة آل عمران : 33]

 الاصطفاء هو الاختيار ، والله سبحانه وتعالى في آيات أخرى يبين سبب الاصطفاء .

﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ﴾

[سورة الأنبياء: 90]

﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾

[سورة الأنعام: 124]

﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾

[سورة الدخان: 32]

 فهذا الاصطفاء ، وذاك الاختيار ، إنما كان على علم .

﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحاً وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾

[سورة آل عمران : 33]

﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ﴾

[سورة البقرة: 124]

﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾

[سورة السجدة :24]

 الله سبحانه وتعالى حينما يختار ، وحينما يصطفي ، وحينما يسمح لإنسان أن ينطق بالحق ، فلهذا السماح ، ولذاك الاصطفاء والاختيار أسبابٌ دقيقةٌ ، وجليلة .

 

الله سبحانه وتعالى سميعٌ لنداء الإنسان لا تخفى عليه خافية :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛

﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

[سورة آل عمران : 34]

 لماذا اختار الله من أسمائه الحسنى التسعة والتسعين : سميعٌ عليم ؟ قال بعض المفسرين : لأن الله سبحانه وتعالى سميعٌ لندائك ، أو لدعائك ، أو لنجواك ، عليم بنيّتك ، وحالك ، لا تخفى عليه خافية ، لا تخفى عليه نواياك ، ولا يخفى عليه سرّك ، ولا يخفى عليه ما تصبو إليه ، وهو يسمع كلامك ، ونجواك ، ودعاءك ، وأقوالك .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ حينما قال الله سبحانه وتعالى :

﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحاً وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾

[سورة آل عمران : 33]

 آدم : أول بني آدم ، نوحاً : أول الأنبياء ، والرسل الذين بعثهم الله عز وجل بعد أن عبد الناس الأوثان ، وحينما قال الله عز وجل : وآل إبراهيم ، فنبينا عليه الصلاة والسلام من نسل إبراهيم . وقد قال عليه الصلاة والسلام : " أنا دعوة أبي إبراهيم " :

﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

[سورة البقرة: 129]

على كلّ إنسان أن يقدم شيئاً لله عز وجل :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ ندخل إلى موضوع القصة بشكلٍ مباشر :

﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾

[سورة آل عمران : 35]

 لابد من وقفةٍ متأنية مع هذه الآية . امرأة عمران تلك المرأة الصالحة ، تلك المرأة التي عرفت ربها ، تلك المرأة التي عرفت ما عند الله من إكرام ، تلك المرأة التي أرادت أن تقدم لله شيئاً خالصاً ، ماذا تملك هذه المرأة ؟ لا تملك إلا ما في بطنها ، لقد كانت حاملاً من عمران.

﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً ﴾

[سورة آل عمران : 35]

 اتجه طموحها إلى أن الذي في بطنها ذكراً ، وأن هذا الذكر ، إذا قدمته لبيوت الله كي يخدمهم ، فقد قدمت شيئاً .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ سؤالٌ دقيق . هذه المرأة أليس لها اسمٌ ؟ ربنا سبحانه وتعالى اكتفى بأن قال : امرأة عمران . ما المغزى من إغفال اسمها ؟ المغزى من إغفال اسمها أن المرأة هذه بالذات ليست هي المقصودة من تلك القصة ، المقصود أن أي إنسانٍ عليه أن يقدم شيئاً لله عز وجل ، ليس القصد من هذه القصة الوقائع ، والشخصيات ، وإنما المغزى : الأعمال الطيبة التي فعلوها ، لتكون هذه الأعمال الطيبة نبراساً لنا .

 

علاقة كل إنسان بقصة امرأة عمران التي ورد ذكرها في القرآن :

 فيا أيها الأخ الكريم ؛ يا من تقرأ القرآن الكريم ؛ يا من خاطبك الله عز وجل في أكثر آيات القرآن

﴿يا أيها الذين آمنوا﴾

 ما علاقتك بهذه القصة ؟ ما علاقتك بامرأة عمران التي ورد ذكرها في القرآن ؟ ما علاقتك بهذه القصة التي أصبحت قرآناً يتلى ؟ ما علاقتك ؟
 ماذا قدمت ؟ هل قلت : يا رب إن شهادتي العالية نذرتها في خدمة خلقك ؟ إن القوة التي آتيتني إياها سأبذلها رخيصةً في نصرة عبادك الضعفاء المظلومين ؟ إن المال الذي آتيني إياه سأنفقه رخيصاً في تخفيف آلام عبادك الطائعين ؟ ماذا قدمت ؟
 يا أيها الأخ الكريم ؛ يا أيها الأخ المؤمن ، يا من تجلس في بيتٍ من بيوت الله ، ما العمل الذي ادخرته لآخرتك ؟ بم تلقى الله ؟ هل نذرت علمك لتنشره بين الناس ، فيسعد به الجهلاء ، هل نذرت مالك لتنفقه بين الفقراء ليسعدوا بهذا المال ، هل نذرت قوّتك وجاهك للضعفاء و المساكين و المظلومين و المحرومين ؟

((يا بشير لا جهاد ولا صدقة فبماذا تدخل الجنة ؟))

[رواه أحمد في مسنده (5/224) عن بشير . قال : فلا جهاد ولا صدقة فلم تدخل الجنة إذا . . . ]

 فبم تلقى الله إذاً ؟ درست ، تاجرت ، جمعت المال ، اشتريت البيت ، تزوّجت ، أكلت ما لذّ وطاب ، ثم ماذا ؟ لابد من أن تقف بين يدي الله عز وجل . يقول : أعطيتك مالاً ، فماذا صنعت فيه ؟ لئلا تقول : يا رب لم أُنفق منه شيئاً على أحدٍ مخافة الفقر على أولادي من بعدي . فيقول الله عز وجل : " ألم تعلم بأني أنا الرزاق ذي القوة المتين . إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم ؟ "
 لئلا تقف بين يدي الله عز وجل ، ويقول لك : عبدي أعطيتك علماً فماذا صنعت فيه ؟ هل عملت بما علمت ؟ هل أنفقت هذا العلم ؟ هل كنت قدوةً لخلقي ؟ هل كنت عند الأمر والنهي ؟ هل وجدتك حيث أمرتك ؟ هل افتقدتك حيث نهيتك ؟ ماذا فعلت بهذا العلم ؟ ماذا عملت به ؟ لئلا تقف بين يدي الله عز وجل ، ويقول الله لك : عبدي أعطيتك عُمراً مديداً ، كيف أنفقت هذا العمر ؟ فيم أبليت شبابك ؟ فيم أبليت عمرك ؟ هذه امرأةٌ اصطفاها الله على العالمين . لماذا اصطفاها ورفع شأنها وذكرها في القرآن الكريم وأعلى قدرها ؟ ما فعلت شيئاً ، إلا أنها نوت ، أرادت أن تقدم كل ما تملك نذراً لله عز وجل .
 طالبان يدرسان في الجامعة ؛ طالبٌ يتمنى أن يحصّل مالاً وفيراً من اختصاصه، وطالبٌ آخر يتمنى أن يكون هذا العلم الذي يتعلمه في سبيل خدمة خلق الله عز وجل . هذا يرقى إلى أعلى عليين ، وهذا يسفُل إلى أسفل سافلين . تاجران متجاوران هذا يرجو بماله أن ينفقه على كل محتاجٍ مسكين ، ويمسح به آلام البؤساء ، والضعفاء . وهذا يرجو بماله أن يغرق في النعيم . هذا يعلو به إلى أعلى عليين ، وذاك يسفل بهذه النية إلى أسفل سافلين . من هنا ورد في الحديث الصحيح المتواتر ، ويعد هذا الحديث أصلاً من أصول الدين :

(( إنما الأعمال بالنيات ))

[ البخاري عن عمر ]

العمل يمكن أن يغدو عبادة لله أو لمطامع النفس :

 ماذا فعلت امرأة عمران ؟ ما زادت عن أن قالت وهي صادقة :

﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا ﴾

[سورة آل عمران : 35]

 تملك شبابك ، تملك عضلاتك ، تملك علمك ، تملك مالك ، هذه الأشياء التي تملكها هل استهلكتها استهلاكاً تافهاً رخيصاً أم استثمرتها عند الله عز وجل ؟ تتعلم اللغة لماذا ؟ كي تجمع الأموال ، وتتعدد أعمالك في الحياة ، أم من أجل أن تنشر الحق بهذه اللغة ؟
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ كلامٌ دقيق ، وكلام خطير . ما الذي قدمته لله عز وجل ؟ ما الذي ادخرته عند الله ؟ إن امرأة عمران قالت :

﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا ﴾

[سورة آل عمران : 35]

 أي خالصاً ، لا يشوبه شائبة . أردت بهذا مرضاتك ، أردت بهذا وجهك الكريم .

﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى ﴾

[سورة الليل: 19-21]

﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾

  هل تعلمون أيها الأخوة أن دراساتكم ، وأعمالكم ، ومهنكم يمكن أن تغدوَ قرباناً عند الله عز وجل ، يمكن أن يغدو عملك عبادةً لله عز وجل ، تعلّمت الطب ، وها أنت ترجو من هذا الاختصاص أن تمسح بؤس البائسين ، وأن تزيل عن الناس شبح المرض الخطير . وطبيبٌ آخر يرجو من طبّه أن يكون من الأثرياء .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛

﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾

 كل ذهنها ، كل خواطرها ، كل طموحاتها أن تلد ذكراً ، يكون في بيت الله خادماً له .
 وبهذه المناسبة هؤلاء الذين يخدمون بيوت الله ، هؤلاء الذين ينظفون بيوت الله ، هؤلاء الذين يرعون بيوت الله ، هؤلاء الذين يقيمون الشعائر في بيوت الله ، هؤلاء الذي نذروا وقتهم ، وعضلاتهم ، وخبراتهم لتعريف الناس بالله عز وجل ، هؤلاء لهم عملٌ عظيم ، لا ينبغي لواحد أن يتأثر ، أو يتململ ، أو يتوانى ، أو يتكاسل . إن كل طموح امرأة عمران أن يكون ولدها الذكر في خدمة بيوت الله عز وجل . فلما وضعتها كانت المفاجأة ، فلما وضعتها قالت :

﴿ربي إني وضعتها أنثى﴾

 فوجئت ، صُعِقت ، لقد كانت أنثى ، والأنثى أيها الأخوة لها أعراضُ تصيب بني جنسها ، ولا ينبغي للمرأة أن تقيم في المسجد دائماً لما يلازمها من حيضٍ ، ونفاس، والأنثى ضعيفة ، وقد لا تقوى على خدمة بيوت الله ، وإذا خالطت الأنثى الآخرين ، فربما تكلم الناس عنها ، ربما اتهموها ، إن هذه الأنثى يا رب لا تصلح كما تمنيت ، لا تصلح نذراً لك .

 

حكمة الله عز وجل في كل ما اختاره للإنسان :

﴿ربي إني وضعتها أنثى﴾

  ولكن الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿والله أعلم بما وضعت﴾

 هو أعلم بما في هذه الأنثى من خير ، لذلك الرجل الذي تأتيه أنثى ، لو أنه عرف الله عز وجل قد يكون الخير كله من هذه الأنثى ، قد يكون نسله صالحاً ، ذريته صالحة ، قد تنجب هذه الأنثى مصلحاً كبيراً ، قد تنجب هذه الأنثى محسناً كبيراً ، قد تنجب عالماً كبيراً ، فهذا الذي يضجر بالإناث ، ويرجو الذكور ، إنه لا يعرف حكمة الله عز وجل ، لأنه ؛ يهب من يشاء إناثاً ، ويهب من يشاء الذكر ، ويجعل من يشاء عقيماً . ولله حكمةٌ كبيرة في كل ما اختاره للإنسان . قالت :

﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ، فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَت﴾

[سورة آل عمران : 35]

 إن من نسل هذه الأنثى نبيّ كريم إنه السيّد المسيح . لا تضجر يا أخي ولو جاءتك البنت الرابعة ، والخامسة ، والسادسة ، لا تدري أين الخير ، هذه هدية الله لك ، هل تدري ما تكون هذه الأنثى ؟ رُبّ ولدٌ أتعب أهله ، ورب أنثى كانت بركةً على هذه الأسرة ، بركة منذ أن تولد ، وحتى أن تموت .

 

الذكر كالأنثى في شيئين ؛ التّكليف و التّشريف :

﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾

  ثم قالت :

﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾

  يا رب ، لما نذرت ، لما أردت ، الأصلح أن يكون ذكراً ، ولكن حكمتك هكذا .

﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾

 يستنبط من هذه الآية : أن أي عملٍ يفترض أن الذكر كالأنثى ، إن أي نظامٍ وضعيّ ، إن أي تشريعٍ يفترض أن الذكر كالأنثى تماماً هو خاطئ في هذه النظرة .
 إن الذكر كالأنثى في شيئين : في التكليف ، وفي التشريف .
 الأنثى مكلفة شأنها شأن الرجل ، والأنثى مشرّفة عند الله ، وعند الناس شأنها شأن الرجل ، ولكن الذكر شيء ، والأنثى شيء آخر ، لكلٍ مهمةٌ ، قالت يا رسول الله : إن فلاناً تزوجني ، وأنا شابة ذات أهلٍ ، ومال ، وجمال ، فلما كبرت سني ، ونفر بطني ، وتفرق أهلي ، وذهب مالي ، قال : أنت عليّ كظهر أمي ولي منه أولاد إن تركتهم إليه ضاعوا ، هو يكسب الرزق ، وإن ضممتهم إلي جاعوا .
 الأنثى كالذكر من حيث التكليف .

﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ﴾

[سورة آل عمران :195]

 ولكن الأنثى لها خصائص بنيوية ، خصائص في جسمها ، وعواطفها ، وفي عقلها مهيأةً تهييئًا كاملاً لتكون أماً من الطراز الأول ، والرجل في بنيته ، وفي عاطفته ، وفي عقليته ، مهيأٌ تهييئاً كاملاً ليكسب الرزق ، فإذا بدلنا المواقع ، وخلطنا الأوراق وقعنا في فساد كبير .

 

الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم لحفظ الأولاد :

﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾

 ومريم في اللغة التي كانت فيها العابدة .

﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾

[سورة آل عمران : 36]

 إذا رأيت ابنك يلعب أمامك أعِذه بالله من الشيطان الرجيم ، ليكون قرة عين لا ليكون نقمة على والديه . من علامات قيام الساعة :

((أن يكون المطر قيظاً ، والولد غيظاً ، ويفيض اللئام فيضاً ، ويغيض الكرام غيظا))

[أخرجه أبو نعيم في الحلية عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه من حديث طويل]

﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾

[سورة آل عمران : 36]

الغيرة المحمودة :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ إن الصدقة لتقع في يد الله قبل أن تقع في يد الفقير.

﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾

  زكريا : زوج خالتها ،

﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾

  وجدها نجيبةً ، مكرمةً عند الله عز وجل .
 هنا النقطة .

﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾

 مكان عبادتها ، مكان تبتّلها ، مكان صلواتها، مكان عزلتها عن الناس ، هذا من معاني المحراب ، كلما دخل زوج خالتها النبي الكريم زكريا

﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾

  العلماء ذهبوا مذاهب شتى في هذا الرزق إنها النجابة ، إنها الفهم ، إنها المعرفة ، إنها بعض الكرامات .

﴿قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾

  من أين هذه المعرفة ؟ من أين هذه الفاكهة ؟ لك أن تفهمها كما تشاء.

﴿قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ * هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ﴾

[سورة آل عمران :37-38]

 هذا الذي أتمناه عليكم أن تقفوا عنده ملياً ، ألا تغار أيها الأخ الكريم :

ملك الملوك إذا وهب  قم فاسألن عن السبب
الله يعطي من يشاء  فقف على حـــــدّ الأدب
***

 زكريا هذا النبي الكريم ؛ لما رأى النجابة ، والمعرفة ، والفطنة ، والكرامة من هذه البنت الطاهرة ، الذكية ، العابدة ، المتبتلة ، التائبة . تمنى له ولداً مثلها ، هذه الغيرة المحمودة.

﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾

[سورة المطففين: 26]

﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ ﴾

[سورة الصافات: 61]

فبذلك فليفرحوا ، ألا تغار يا أخي إن رأيت شاباً مؤمناً ، تقياً ورعاً ، حافظاً لكتاب الله ، مجوّداً له ، يدعو ربه آناء الليل ، وأطراف النهار أجرى الله على يديه الخير ، ألا تتمنى أن تكون مثله ؟ أأنت من طينةٍ أخرى ؟ من نوعٍ آخر ؟ ربنا واحد ، وكلنا عباده ، والله سبحانه وتعالى يقول في آيةٍ كريمة :

﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾

[سورة ص: 38]

﴿كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾

[سورة الإسراء : 20]

 أي هذه القصة أيها الأخوة ؛ أتمنى عليكم أن تصلوا إلى أعماقها ، إلى مغزاها، الله عز وجل كأنه يقول لنا : تمنَّوا يا عبادي ، اطلبوا مني ما شئتم ولكن كونوا صادقين ، أنا لا أتعامل مع التمنيات ، لا أتعامل مع أن تتمنى ، وأنت قاعد ، اصدق في طلبك ، اطلب أن تكون مهتدياً ، تهتدي ، اطلب أن تكون محسناً ، تصبح محسناً ، تعلّم كتاب الله ، علّمه للناس، ماذا تفعل ؟ لماذا الآخرين أفضل منك ؟ لماذا ؟ ألا تغار منهم ؟ هنا الغيرة المحمودة في مجال التقوى ، في مجال العمل للدار الآخرة ، هذه هي الغيرة المحمودة ، هذه هي الغيرة الضرورية .

﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ * فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى ﴾

[سورة آل عمران :38-39]

 يجب أن تتمنى على الله ، يجب أن تدعوَ الله ، ما الذي تطمح إليه ؟
 أن تتعلم كلام الله ؟ أن تعلمه للناس ؟ أن يكون لك مالٌ وفير تنفقه في سبيل الله ؟ أن تمسح به آلام الناس الفقراء ؟ أن تكون ذا مركزٍ قويّ تنصر به الضعيف وتقيم العدل بين الناس ؟ ماذا تفعل ؟ هذا الذي يأكل ، ويشرب ، وينام ، هذا إنسان يعيش على هامش الحياة ، هذا إنسان لا يلتفت إليه أحد . قال تعالى :

﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ * فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى ﴾

[سورة آل عمران :38-39]

حاجة الدعاء إلى الصدق و الإخلاص لا إلى الصخب و الصوت المرتفع :

 وزكريا أيها الأخوة في سورة مريم :

﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً ﴾

[سورة مريم: 3]

 الدعاء لا يحتاج إلى صخب ، ولا إلى صوت مرتفع ، ولا إلى ضجيج،
 ولا إلى تفاصح ، ولا إلى فيهقة ، يمكن أن تدعوَ الله في سرّك . والله سميع الدعاء . إذا رأى منك الصدق ، والإصرار ، والإخلاص ، اعلم علم اليقين أن الله سيجبك على دعائك .

﴿ فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾

[سورة آل عمران :39]

 لكن الشيء العجيب ، خلاف المألوف ، والقواعد ، والقوانين ، والسنن .

﴿ قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ﴾

[سورة آل عمران :40]

 الله على كل شيءٍ قدير .

﴿ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ * قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً ﴾

[سورة آل عمران :40-41]

 عرفني متى يقع الحمل تماماً كي أبادر إلى شكرك .

﴿ قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا ﴾

[سورة آل عمران 41]

 بالإيماء . حينما ينحبس لسانك ، ينعقد الحمل عند زوجتك .

﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾

 وأنت في حال ألّا تستطيع أن تكلم الناس ، فكيف لو كان بإمكانك أن تكلم الناس ؟ لا تستطيع أن تقف عن الذكر حتى إذا توقف اللسان عن الكلام .

﴿ وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ ﴾

[سورة آل عمران 41]

 وبعدها أيها الأخوة نعود إلى قصة مريم إن شاء الله تعالى نتابع القصة في خطبة قادمة .

 

ما يستنبط من قصة مريم :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ من هذه القصة نستنبط ما يلي :
 أولاً : يجب أن يكون لك عملٌ تلقى الله به ، كل شيءٍ آتاك الله في الدنيا يمكن أن يوظف للآخرة ، من علمٍ ، أو مالٍ ، أو قوةٍ ، هذا الذي أعطاك الله إياه ، أعطاك صحّةً ، هذه الصحة يمكن أن توظف للآخرة ، أعطاك مالاً ، ومركزاً ، وعلماً ، وقوةً ، والشيء الآخر إذا نذرت ما عندك خالصاً لوجه الله عز وجل ، لا تعلم كم سيكون الخير منك ، ربما جاء الخير من حيث تحتسب ، ومن حيث لا تحتسب ، من حيث تتوقع ، ومن حيث لا تتوقع .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا لغيرنا وسيتخطى غيرنا إلينا ، الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

مجتمع النمل :

 أيها الأخوة الكرام ؛ أثبت الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم للنملة الكلام ، قال عزَّ وجل :

﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾

[ سورة النمل : 18]

 أثبت لها الكلام ، وأثبت لها المعرفة ، إن هذا نبي كريم ، لا يعقل أن يدوسكم وهو يشعر . فماذا قال العلماء عن النملة ؟ قال العلماء : إن النملة من أرقى الحشرات فطنةً ، وقوة شمّ ، وصبراً ، وتنظيماً اجتماعياً ، وادِّخاراً للغذاء .
 إن النملة أيها الأخوة . . . تشق الحبة شقين ، كل بذرة لها فلقتين ولها رشيم تشقَّها شقين ، لئلا تنبت ، لتبقى غذاءً ، أما إذا كان للحبة رشيمان ، تقسمها أربعة أقسام . من علمها أن لهذه الحبة رشيمين فلا بد أن تقسمها إلى أربعة أقسام ؟ وأن لهذه الحبة رشيماً واحداً ، فلا بد من أن تقسمها قسمين ؟
قال العلماء : النملة أيها الأخوة حشرةٌ اجتماعية تموت إذا عزلت عن أخواتها ، ولو توافر لها غذاءٌ جيد ، ومكانٌ جيد ، وصفاتٌ جيدة . تموت بمجرد أن تعزلها عن أخواتها ، شأنها في هذا شأن الإنسان . لو عزلته في مكانٍ منفردٍ ، بعيداً عن الصوت والضوء والساعة والزمن والليل والنهار عشرين يوماً ، يفقد توازنه العقلي .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ يقول الله سبحانه وتعالى :

﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾

[ سورة الأنعام : 38]

 هناك لمملكة النمل ملكة تأمر وتنهى وتطاع ، ولها السلطة المطلقة ، ولكن إذا وجد ملكتان أو أكثر في مجتمعٍ آخر من النمل ، تتفاهم هذه الملكات وتتشاور وتتشارك في تنفيذ الأمر والنهي على عكس ملكات النحل .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ ذكور النمل للتلقيح ، وإناثه للعمل ، وإناثه يبضن بيوضاً لذيذة الطعم ليست ملقحة ، ولكنها تعدُّ غذاءً راقياً جداً لبعض النمل الصغير . بعض العاملات لهن خدمة داخل الوكر أو داخل البيت ، وعاملاتٌ يعملن خارج البيت . وفي النملة جهاز هضمي مثيرٌ للدهشة ، فيه فم ، ومريٍ ، ومعدة ، وأمعاء ذات أنواع ثلاثة ، وفي هذه الأمعاء قوة مصٍ وضخٍ ، تمصُّ الغذاء وتضخه . والنملة تعلِّم الإنسان درساً بليغاً ، إذا التقت نملةٌ جائعة بأخرى شبعانة ، تعطي الشبعى الجائعة خلاصاتٍ غذائية من جسمها .
 والله ما آمن والله ما آمن والله ما آمن ، من بات شبعان وجاره إلى جانبه جائع، من صفات النملة أنه إذا التقت نملةٌ شبعى بنملةٍ جائعة ، فإن الشبعى تعطي الجائعة خلاصةً من غذائها المهضوم .
 في النملة مخٌ صغير ، فيه أعصاب وخلايا عصبية ، بإمكان هذا المخ تخزين المعلومات ، بل وتخزين الخرائط ، بل والاهتداء به إلى مواقع الغذاء ، بل والاهتداء إلى العش ، أو الوكر الذي ترجع إليه .
 قال بعض العلماء : إن النملةَ تمتلك نوعاً من التصرُّف العقلاني ، هي من أذكى الحشرات .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ لكلِّ مستعمرةٍ من النمل كلمة سرّ ، رائحةٌ خاصة ، لا يمكنُ أن تدخل نملةٌ إلى عش نملةٍ أخرى ، لأن على العش عاملاتٍ يحفظن كلمة السر ، فإن لم تنطق هذه النملة بكلمة السر الخاصة بهذا البيت ، فإنه لا يسمح لها بالدخول .
 قال العلماء : ترى النملة ما لا يراه الإنسان ، عند النملة حساسيةٌ لبعض أمواج الضوء القصيرة، فهي ترى ما لا يراه الإنسان ، وتملك النملة قوة اهتداءٍ بالضوء . والأغرب من هذا أن النمل يملك لغةً ، كما قال الله عزَّ وجل ، هذه اللغة عن طريق الرائحة ، وعن طريق الضوء ، وعن طريق الصوت . لغة النمل لها وظيفتان ، التواصل ، والإنذار المبكر ، فلو أمسك عالمٌ نملةً وسحقها بين أصبعيه ، تنتشر رائحة ، هذه الرائحة تدعو النملات البعيدات أن يبتعدن عن موقع المجزرة ، أو أن يقتربن إذا كان المعتدي ضعيفاً ، بإمكانهن أن يوقفنه عند حدِّه .
 أجرى بعض العلماء تجربة ، جاء بمجموعتي نمل ووضع بينهما حواجز وعقبات، ووضع كميةً من السكر في مكان ، فإذا بالمجموعة الأخرى التي بعد الحاجز تهتدي لهذا السكر، وتخترق العقبات ، وهذا مما يؤكِّد تخاطب النمل ، ربنا عزَّ وجل يقول :

﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾

[ سورة الأنعام : 38]

 هذا شيءٌ دقيقٌ جداً ، وكلما تقدَّم العلم كشف إعجاز القرآن الكريم ؛ نملةٌ تقول ، ونملةٌ تعرف ، هكذا قال بعض العلماء : عندها شيءٌ من التصرف العقلاني . قالت :

﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾

[ سورة النمل : 18]

 هذه معرفة بمقام النبي . وحينما قال : قالت نملة : هذا قول ، فتارةً تتواصل عن طريق الروائح ، وتارةً عن طريق الصوت ، وتارةً عن طريق الضوء ، ولها مخٌ ، ولها جهاز إفراز ، ولها جهاز تناسل ، ولها جهاز تنفس ، ولها جهاز هضم ، أين جهازها الهضمي من فمٍ ومريٍ ومعدة وأمعاء ؟ وأين جهاز تناسلها ؟ وأين جهاز إفرازها ؟ وأين جهاز تنفُّسها ؟ وتمتلك هذه النملة أدق نظام في التعامل الاجتماعي ، أمة لها ملكة ، ولها تنظيم ، وعاملات لجني المحاصيل ، والنمل لا يستهلك كل قوته لو كان في شتاءٍ مديد ، لا يستهلك إلا نصف ما ادخره، والنصف الآخر يبقيه غذاء احتياطياً للعام القادم ، هكذا النمل .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَنا فيمن تولَيت ، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، ولا تهلكنا بالسنين ، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018