الخطبة : 0427 - حقيقة الإنسان7 - حقيقة الإنسان من خلال القرآن - الصيام . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0427 - حقيقة الإنسان7 - حقيقة الإنسان من خلال القرآن - الصيام .


1993-02-12

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم ، رسول الله سيِّد الخلق والبشر ، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر ، اللهمَّ صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريَّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم ، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر ، والطف بنا فيما جرت به المقادير ، إنك على كل شيءٍ قدير ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

خصائص الإنسان من خلال القرآن :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ لا زلنا في موضوعٍ بدأنا به منذ أسابيع عديدة ، ألا وهو خصائص الإنسان من خلال القرآن ، فالإنسان إذا عرف نفسه عرف ربه ، والإنسان كما قلت لكم مراراً : إذا عُرِّفَ بـ (ال) في القرآن الكريم ، فهو الإنسان بمعنى أن جنس الإنسان هذه صفاته ، أما إذا آمن ، فله صفاتٌ أخرى ، يؤكِّد هذا قوله تعالى :

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾

[ سورة المعارج : 19-22]

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾

[ سورة التين : 4-6]

﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾

[ سورة المدثر : 38-39]

 آياتٌ كثيرة تبيّن أن الإنسان قبل أن يعرِف الله عز وجل له صفاتٌ ، وله سَقَطَات ، وفيه ضَعْفٌ شديد ، وفيه حرصٌ بالغ ، وفيه شُحٌ قاتل ، وفيه خَوْفٌ وهلع ، أما إذا عرف الله عز وجل ، وعرف منهجه ، واستقام على أمره فله خصائص أخرى .

 

الإنسان في القرآن الكريم جَحودٌ كَنودٌ كَفور قبل أن يؤمن :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ الإنسان في القرآن الكريم جَحودٌ ، كَنودٌ ، كَفور ، هذه كلماتٌ وردت في وصف الإنسان قبل أن يؤمن ، جحودٌ ، كنودٌ ، كفور ، إن أصابته نعمةٌ أعرض ، ونأى بجانبه ، أعرض عن الله ، واستغنى عنه ، وكفر بأنْعُم الله عليه ، وزعم أن ما أصابه من نعمةٍ أو غنىً كان بعلمه . .

﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾

[ سورة القصص : 78 ]

 ينسب الإنسان نجاحه لنفسه وينسى ربه
إذا جلست إلى بعض الناس يتحدثون لك عن واقعهم ، يؤكِّدون هذا المعنى ؛ عنده خبرة ، تَعِبَ على نفسه ، كان يَقِظاً ، أوتي خبرةً واسعةً في هذا الموضوع ، فإذا أصابه الله بنعمة ، أكرمه بالغنى ، أكرمه بالصحة ، أكرمه بدخلٍ يكفيه عزا هذا إلى ذكائه ، وإلى خبرته ، وإلى قدرته ، وإلى حيطَته ، وإلى ما إلى ذلك ، ونسي ربه ، إذاً إذا أصابته نعمةٌ أو غنى عزا هذا إلى علمه ، وسعيه ، ومهارته ، وحذقه ، وحسن تدبيره .

﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوساً﴾

[ سورة الإسراء : 83]

 متضجراً ، حزيناً ، متسخِّطاً ، يائساً ، قنوطاً ، زاعماً أن الله لم يعطه في الحياة ما يستحق ، شاكّاً بعدالة الله عز وجل ، شاكّاً بحكمة الله عز وجل ، المقولة التي يقولها عامة الناس : إنّ الله عز وجل يعطي الحلاوة لمن ليس له أضراس ، هذه من هذا القبيل ، فحينما تشك بعدالة الله عز وجل ، أو حينما تشك بحكمته ، فهذا من جهل الإنسان ، وإذا وقع في مأزقٍ حرجٍ ، وأحاطت به المخاوف من كل جهةٍ لجأ إلى الله ، ودعاه دعاءً عريضاً ، ورفع صوته بالدعاء ، يسأله ، ويُعاهده أن يكون من الشاكرين . فإذا استجاب الله له ورحمه ونجاه ، نقض عهده ، وأخذ يعلل نجاته بأسبابٍ أرضية ، وعاد إلى سيرته الأولى .
 آياتٌ كثيرةٌ جداً تزيد عن ثلاثين آية وردت في القرآن الكريم ، تصوّر حياة الإنسان وقد نسي ربه ، وتعامل مع غرائزه ، تعامل مع بيئته ، مع محيطه ، من دون علمٍ بالله عز وجل ، فإذا هو في تناقُضٍ عجيب ، وإذا هو بين الفرح الذي يُسقط عدالته ، وبين الحُزن الذي يقضي على معنوياته ، بين فرحٍ وبين يأسٍ ، بين انحرافٍ وبين إسراف .

 

ملازمة اليأس والقنوط للكفر :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ الإنسان إن لم يعرف الله عز وجل لَعِبَتْ به غرائزه ، ونظر إلى لحظته الراهنة ، وهذا من ضعف تفكير الإنسان ، أن يعيش لحظته ، هذه نظرةٌ ماديةٌ قاتمةٌ جداً ؛ أن تعيش لحظتك ، أما المؤمن فيعيش مستقبله ، يُهَيِّئ نفسه للقاء الله عز وجل ، يعد العدة ليوم الحساب ، يهيّئ عملاً صالحاً يلقى الله به ، يهيئ لكل موقفٍ جواباً ، يُعِدُّ لكل خِطَّةٍ حساباً ، هذا هو المؤمن .
 اليأس والقنوط يلازمان الكفر وفي الحد الأدنى ضعف اليقين
أما الذي يعيش لحظته فهذا من علائم الغفلة عن الله عز وجل ، فحبه لذاته ، وتنوّع غرائزه ، وتعامله مع الأسباب التي خلقها الله عز وجل مع غفلته عن المُسَبِّب ، هذه تسبب له هذا الوصف القرآني الدقيق الذي أشار القرآن إليه .
 الآن أيها الأخوة ؛ وصفٌ دقيق في القرآن الكريم لحالة الإنسان قبل أن يعرف الله عز وجل ، فإذا انطبقت هذه الأوصاف على إنسانٍ فليحذر ، لأنها من صفات ضعاف الإيمان ، أو فاقدي الإيمان قال تعالى :

﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً﴾

[ سورة هود : 9 ]

 الرحمة مطلقة أيها الأخوة ، الصحة رحمة ، أن يكون لك دخلٌ يكفيك هذه رحمة، أن يكون لك أولادٌ بين يديك هذه رحمة ، أن تكون لك زوجة تَسْكُن إليها هذه رحمة ، أن تكون لك سمعةٌ طيبة في المجتمع هذه رحمة .

﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾

[ سورة هود : 9 ]

 هذا هو ضعيف الإيمان ، أو من خلا قلبه من الإيمان ، عند المصائب لا يثق برحمة الله عز وجل ، كأنّه يرى المُصيبة أكبر من قدرة الله عز وجل ، فاليأس والقنوط يلازمان الكفر ، وفي الحدّ الأدنى ضعف اليقين .

﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾

[ سورة هود : 10]

 أيْ إذا أنعم الله عليه ثانيةً بنعمةٍ كان قد فقدها ، ينسى الله عز وجل ، ويفرح فرحاً يخرجه عن طاعته لله عز وجل .

المؤمن يسمو على مصيبته لأنه قويٌ بالله :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ المؤمن لا يُخرجه فرحه عن طاعة الله ، ولا يخرجه سَخَطُه عن طاعة الله ، لكن بعض الناس يعبدون الله على حرف . .

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾

[سورة الحج: 11]

 ولكن الله جل جلاله وهو الحكيم العليم يستثني فيقول :

﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾

[ سورة هود : 11]

 المؤمن يسمو على مصيبته لأنه قوي بالله
فهذا سؤالٌ كبير : أين أنا من هؤلاء الذين إذا أصابهم الله برحمةٍ ثم نزعت منهم إنهم يائسون ؟ أما الذي صبروا وعملوا الصالحات والذين كما قال الله عز وجل :

﴿ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾

[ سورة هود : 11]

 هذه صورة ، لذلك المؤمن لا يقنط من رحمة الله ، ثقته بما عند الله كبيرةٌ جداً ، إذا أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك .
 المؤمن أيها الأخوة يسمو على مصيبته ، أقوى من مصيبته لأنه قويٌ بالله ، والآن الأطباء يرون أن معنويات المريض العالية تُعين العضوية على الشِفاء ، بل إن أحدث نظرياتٍ في المرض أن جهاز المناعة - وهو من أعظم الأجهزة التي أودعها الله في الإنسان -إذا أصابته صدماتٌ نفسية يضعف هذا الجهاز ، ومع ضعف هذا الجهاز ربما نَمَت الخلايا نمواً عشوائياً ، ومع ضعف هذا الجهاز ربما أصاب الخلل الأعضاء الأساسية في الجسم ، والصدمة النفسية أساسها الشرك ، والموحِّد له مع الله حالٌ عجيب ، كما قال عليه الصلاة ولسلام :

(( عجبا لأمر المؤمن ، إن أمره كله خير ، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ، إن أصابته سراء شكر ، وكان خيراً له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً ))

[الجامع الصغير عن صهيب ]

عطاء الله ابتلاء و حرمانه دواء :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ الإنسان قد يكون على شيءٍ من الإيمان ولكنه لا يكفي ، يعتقد أن الله خالق السموات والأرض ، وأن المقادير بيد الله ، فإذا أنعم الله عليه فسَّر هذه النعمة بأنها تكريم ، وأكَّد أن الله يحبه ، ولولا أنه يحبه لما أنعم عليه بهذه النعمة ، قال تعالى:

﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾

[ سورة الفجر : 15-16]

 قال تعالى :

﴿كَلَّا﴾

[ سورة الفجر : 17]

 هذه " كلا " أداة نفيٍ وردع ، كلا ليس عطائي إكراماً كما تتوهمون ، وليس منعي حرماناً كما تظنون ، إن عطائي ابتلاء ، وحرماني دواء .

﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ﴾

 المال نعمة فقط عندما ينفق في طاعة الله
المال لا يسمى نعمةً إلا إذا أنفقته في طاعة الله ، قبل أن تنفقه في طاعة الله اسمه ابتلاء ، وقِس على المال الذكاء ، وقس على المال الصحَّة ، وقس على المال أي حظ من حظوظ الدنيا ، إيَّاك أن تسميه نعمةً ، لأن أيّ حظ من حظوظ الدنيا يمكن أن تنفقه فترقى به ، ويمكن أن تنفقه فتنخفض به ، المال سلمٌ إلى جنةٍ عرضها السموات والأرض ، ودركاتٌ إلى جحيمٍ وشقاء ، المال وحده ، إذاً قبل أن يُنْفَق المال هو ابتلاء ، إذا أنفق في طاعة الله هو نعمة .
 وأية قدرةٍ من القدرات التي يمتلكها الإنسان ، لو امتلك قدرة أدبية ، هذا الأسلوب الأدبي يمكن أن يستخدمه في نشر الحق فيرقى إلى الله ، ويمكن أن يستخدمه في قصصٍ مُنحرفةٍ تُسهم في إفساد مجتمعٍ بأكمله فيهوي بهذا الأدب إلى أسفل سافلين ، كل القُدرات التي أنعم الله بها عليك بإمكانك أن تستخدمها كسلمٍ إلى الجنة ، ويمكن أن تكون دركاتٍ إلى جهنَّم ، فمن السذاجة أن تعد المال نعمةً أو تكريماً قبل أن تنفقه ، ربنا عز وجل يقول :

﴿كَلَّا﴾

[ سورة الفجر : 17]

 ليس عطائي إكراماً ، ولا حرماني إهانةً ، إن عطائي هو ابتلاء ، وحرماني دواء.

 

الدعاء وقت الرخاء معرفةٌ وشكرٌ لله عز وجل :

 آيةٌ أخرى أيها الأخوة ؛

﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً﴾

[ سورة يونس : 12 ]

 الخطبة الماضية كانت عن الدُعاء ، وفي نهايتها قلت لكم : إن الدعاء في وقت الشِدَّة ضَعْفٌ وضرورة ، وإن الدعاء وقت الرخاء معرفةٌ وشكرٌ لله عز وجل ، فكلُّ إنسان إذا ألمَّت به الشدة يدعو الله ، ونقول له نحن : ادع الله ، لأنه لا إله إلا الله ، إلا أنه إذا دعوته وأنت صحيحٌ معافى ، إذا دعوته من دون مصيبة فهذا علمٌ بالله عز وجل ، وهذا إيمانٌ به . .

﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً﴾

[ سورة يونس : 12 ]

 أيْ دعانا في كل أحواله ؛ قائماً ، وقاعداً ، ومضطجعاً .

﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾

[ سورة يونس : 12 ]

 أعرف رجلاً وهو يقود سيارته أصابته أزمة ، فأُخِذَ إلى المستشفى ، وبعد أن صَحَّ من مرضه طلب مسجلةً ليعترف بأن هذا المحل ليس له ، لقد اغتصبه من إخوته ، وهذه الأرض ليست له أخذها من شركائه ، اعترف بكل الحقوق ، وعزاها إلى لأصحابها ، فلما شفي من مرضه ، وشعر بصحته قد عادت إليه ، طلب الشريط وكسَّرهُ ، وعاد إلى ما كان عليه ، وبعد ثمانية أشهر جاءته أزمةٌ قاضية ، إذاً الله عز وجل أنذره ، فحينما تأتي المصيبة الإمام القرطبي يقول في تفسير قوله تعالى :

﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾

[ سورة فاطر : 37 ]

 المصائب من النذير ، فأحياناً في القرى التي فيها مولِّدات كهربائية ، والعادة أن يُقطع التيار الساعة الثانية عشرة ، يقطع قبل عشر دقائق بثانيةً واحدة ، إشعاراً بأنه اقتربَ وقت القطع النهائي فاستعدوا للنوم ، أو أوقدوا مصابيح أخرى ، هذا معنى هذه الومضة ، أو هذا الإطفاء السريع ، قبل أن ينطفئ التيار كلياً . وربنا سبحانه وتعالى قبل أن يلقى الإنسان ربه يرسل له بعض المؤشِّرات ، كأن الله عز وجل لسان حضرة الحق يقول : يا عبدي قد اقترب اللقاء فهل أنت مستعد ؟ اقترب اللقاء ، فهذا الإنسان . .

﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾

[ سورة يونس : 12 ]

 عاد إلى ما كان عليه ، عاد إلى معاصيه ، إلى تجاوزاته ، إلى مُخالفاته ، إلى انغماسه في الملذَّات . .

﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾

[ سورة يونس : 12 ]

البطل من يذكر الله وهو صحيح قوي معافى :

 آيةٌ أُخرى . .

﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾

[ سورة الإسراء : 83 ]

 هؤلاء المؤمنون الأبطال الذين هم في النعَم يذكرون الله عز وجل ، يذكرون فضله ، يذكرون أمره ، يذكرون المصير الذي سيؤولون إليه ، هذا من نِعَم الله الكبرى أن يكون الإنسان يقظاً وهو في النعَم ، أما أن يستيقظ وهو في النقَم فهذا من شأن الإنسان ، هذا من طبيعة الإنسان ، هذا من خصائص الإنسان ، لن تكون بطلاً ، إلا إذا ذكرت الله ، وأنت صحيحٌ معافى قويٌ في مقاييس الناس .

﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوساً * قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً﴾

[ سورة الإسراء : 83-84]

 آيةٌ ثالثة ، ورابعة ، وخامسة :

﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً﴾

[ سورة الزمر : 8 ]

 أيْ إذا أصابته مصيبةٌ ، ثم كشفها الله عنه يقول لك : لولا هذا الطبيب لما نجا ابني من هذا المرض العضال ، لولا فلان لكنت من الهالكين . نسي الله كلياً ، عزا النعمة التي أصابته إلى زيدٍ أو عُبيد ، وإلى فُلانٍ وعِلاَّن ، وهذا الشرك بعينه ، قل : بفضل الله وبرحمته . .

﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾

[ سورة النور : 21 ]

﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾

[ سورة الزمر : 8 ]

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ شيءٌ خطير أن تطرأ على الإنسان هذه الأحوال ، هذا بيان تحذيري ، إن كان الإنسان كذلك ، فالمؤشِّر يؤشِّر إلى خطورةٍ في حياة الإنسان ، وإلى ضعفٍ شديدٍ في إيمانه ، أنه إذا جاءته النِعَم نسي الله عز وجل ، وعزاها إلى قدراته وذكائه وخبرته ، أو إلى زيدٍ أو عُبيد ، أو إلى فُلانٍ أو عِلان ، فإذا نزعت منه الرحمة دعا الله يائساً قانطاً ، قال : هذا الإنسان قبل أن يعرف الواحد الديان ، أما إذا عرف الإنسان ربه فلا ينساه وهو في النِعَم ، ويذكره دائماً وهو في البلاء .

 

مشهدٌ من مشاهد أهل الدنيا :

 أيضاً مشهدٌ من مشاهد أهل الدنيا :

﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً * وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾

[ سورة الإسراء : 66-67]

 إذا كنت في معافاة فهذا من فضل الله عليك
حدَّثني رجل أنه ركب طائرةً ومعه خبراء لا يؤمنون بوجود الله إطلاقاً ، فلما دخلت هذه الطائرة في سحابةٍ مُكَهْرَبَة ، ومرت على جيوب هوائية ، وشعر الركَّاب أنهم على وشك الموت ، كل من في الطائرة مؤمنهم وكافرهم جأر بالدعاء إلى الله عز وجل ، الآية :

﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾

[ سورة الإسراء : 67]

 لا تدعُ إلا الله ، فإذا كانت فطرتك تعرف أنه لا إله إلا الله ، لماذا في الرخاء تدعو غيره ؟ هذا دعاء الفطرة ، وأيُّ إنسان ألمَّت به مُلمةَّ لا يجد غير الله يدعوه . .

﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُوراً * أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ﴾

[ سورة الإسراء : 67-68]

 الإنسان يتوهَّم أن أضمن مكان هو البر ، البحر فيه خطر شديد ، والجو فيه خطر ، فمن قال لك : إن البر أكثر ضماناً من البحر والجو ؟ الله على كل شيءٍ قدير ، هؤلاء الذين أصيبوا بالزلزال ، يسكنون على اليابسة ، وهناك عماراتٍ إسمنتية ، شامخة ، فما بال هذه العمارات في ثوانٍ معدودات أصبحت رُكاماً ؟ من يضمن لنا ألا تخسف الأرض من تحت أقدامنا ؟ فإذا كنت في معافاةٍ ، إذا كنت في سلامةٍ ، فهذا من فضل الله عليك في البر ، أو في البحر ، أو في الجو .

﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً * أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى﴾

[ سورة الإسراء : 68-69]

 حدَّثني رجل كان يركب طائرةً ، وأصابها عطبٌ خطير ، فكل من في الطائرة كان يجأر بالدعاء إلى الله بلغاتٍ شتىّ ، أراد قائد الطائرة أن يبلِّغ هؤلاء الركاب بلاغاً ، لم يجد أحداً يستمع إليه ، لم يجد أحداً عنده إمكان الإصغاء إليه إلا واحداً من ركاب الطائرة ، فتوجَّهت المضيفة إليه فإذا هو مغمىً عليه ، أيْ لا يوجد أحد ، الإنسان ضعيف ، لذلك :

﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً * أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى﴾

[ سورة الإسراء : 68-69]

 الإنسان أحياناً يقع في ورطة ويقول : لن أعود إليها . الله عز وجل قادر على أن يستدرجك إلى هذا المكان بالذات ، وعلى أن يستدرجك إلى ركوب البحر مرةً ثانية ، وعلى الدخول ، هذه هي قدرة الله عز وجل . .

﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً﴾

[ سورة الإسراء : 69]

 فالإنسان المؤمن العاقل دائماً يعترف أنه معافىً بفضل الله ، سليمٌ بنعمة الله ، لا فرق عنده بين البر والبحر والجو ، كلاهما في قدرة الله سواء .

 

الفرق بين النعمة و الفتنة :

 مشهدٌ آخر أيها الأخوة :

﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾

[ سورة الزمر : 49 ]

 لقد فُتِنْ وما شعر . .

﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾

[ سورة الزمر : 49 ]

 أيْ أنَّ هذه النعمة ليست نعمة إنما فتنة ، إلا إذا أنفقتها في طاعة الله انقلبت إلى نعمة ، لماذا ؟ لأن خيرها عاد عليك بعد الموت ، الحياة الحقيقية هي حياة الجَنَّة ، فكل نعمةٍ في الدنيا تعاملت معها أو أنفقتها في طاعة الله ، عاد عليك خيرها يوم القيامة ، إذاً هي نعمة ، أما إذا استهلكتها استهلاكاً رخيصاً ، وانتهى مفعولها ، ليست نعمة إنما نعمة منقطعة زائلة . .

﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾

[ سورة النساء : 77]

﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾

[ سورة الزمر : 49-51]

 إنهم في قبضة الله ، أيْ هؤلاء الأقوام السابقة الذين دمَّرهم الله عز وجل بمعاصيهم ، يقول الله عن أقوامٍ آخرين :

﴿ وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾

[ سورة الزمر : 51]

 إنهم في قبضة الله عز وجل . .

 

تعامل الإنسان مع لحظته الراهنة دون أن يحسِب حساباً لخالقه :

 مَشْهَدٌ آخر :

﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾

[ سورة فصلت : 49]

 أيْ يعيش الدنيا فقط ، ينسى أن هناك موتاً يأخذ منه كل شيء ، ينسى ذلك . .

﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ * وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾

[ سورة فصلت : 50-51]

 يرفع صوته بالدعاء . . الذي بينه الله عز وجل واصفاً به الإنسان :

﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

[ سورة يونس : 22-23]

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ هذه مُجْمَل الآيات التي وردت في وصف الإنسان قبل أن يعرف الواحد الديّان ، في وصف الإنسان بأنه كفورٌ جَحود كَنود ، لأنه يعيش لحظته ، يُعَطِّل فكره ، لا يفكِّر بالمنعم ، ينصرف إلى النعمة ، وينسى المُنعم ، يتعامل مع غرائزه ، يتعامل مع لحظته الراهنة ، يتعامل مع واقعه من دون أن يحسِب حساباً لخالقه الذي أنعم عليه بنعمة الوجود ، وأنعم عليه بنعمة الإمداد ، وأنعم عليه بنعمة الإرشاد .

 

ذكر الله عز وجل وذكر نِعَمِهِ هذا شكرٌ له :

 أيها الأخوة الكرام ؛ الإنسان إذا قرأ هذه الآيات ليتأمَل نفسه هل هو من هؤلاء ؟ لأن الله عز وجل وصف القرآن الكريم بأنه فيه ذكرنا . أيْ أحوال الإنسان في قوته وضعفه ، في إقباله وإدباره ، في نشاطه وخموله ، في إيمانه وكفره ، القرآن الكريم وصف أحوال البشر جميعاً ، فالإنسان إذا قرأ هذه الآيات هو من أي صنفٍ يا ترى ؟ هل هو من المؤمنين الصادقين الذين يرَون نعمة الله عليهم ؟ قال : يا رب كيف شكرك ابن آدم ؟ قال : علم أنه مني فكان ذلك شُكره " ابن آدم إنك إذا ذكرتني شكرتني ، وإذا ما نسيتني كفرتني " .
 فذكر الله عز وجل ، وذكر نِعَمِهِ هذا شكرٌ له ، وإذا شكرت نعمة الله عز وجل هذا أضْمن لك أن تبقى ، وأن تزداد .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزَن عليكم ، واعلموا أن مَلَكَ الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا ، وسيتخطَّى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنّى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الصّيام :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ بعد أيامٍ معدودات سيطُل علينا شهرٌ كريم " رمضان " ، ويجب أن نعلم عليم اليقين أن هذا الشهر الكريم الذي يزورنا كل عام ، إنما هو مناسبةٌ لقفزةٍ نوعيّةٍ في الإيمان ، فالمؤمن الصادق يستعدُّ لهذا الشهر قبل مجيئه ، يستعد لهذا الشهر ؛ فيعقد العزم على أن يكون فيه من المُقَرَّبين . فالصيام كما تعلمون على أنواعٍ ثلاثة ؛ صيام العوام وهو صيامٌ عن الطعام والشراب ، وصيام المؤمنين وهو صيامٌ عن المعاصي والمخالفات ، لكن صيام المتقين صيامٌ عما سوى الله .
 فالمؤمن الكامل في هذا الشهر يستنفر ، ينهي علاقاته التي يمكن أن تعطّل عليه إقباله على الله ، ليستعد في رمضان ما لا يستعد في غيره ، المشكلات التي يمكن أن تشوش عليه إقباله على الله عليه أن يحلّها قبل رمضان ، أو أن يرجئها إلى ما بعد رمضان ، لكن هذا الشهر كان أصحاب النبي يعتكفون في العشر الأواخر ، وربما كان تعقيد الحياة وشدة مطاليبها ، يحول بين بعض المؤمنين وبين الاعتكاف الكامل ، لا أقل من أن نفرِّغ أنفسنا من بعض القضايا التي يمكن أن تشوش علينا إقبالنا .
 فهذا الشهر ينبغي أن يلتزم فيه المؤمن صلاة الفجر في المسجد ، وأن يلتزم فيه صلاة التراويح ، لأن صلاة التراويح هي المُناسبة التي تقطِف بها ثمار الصيام ، إنّك طوال النهار تقيم أمر الله عز وجل ، وتغضُّ بصرك عن محارم الله ، وتنفق مما أتاك الله ، وتذكِّر الناس بنعم الله ، متى قبض الجائزة ؟ في صلاة التراويح ، فهذه الصلاة لها في رمضان طعمٌ خاص ، ولها نكهةٌ خاصة ، إنها وقوفٌ بين يدي الله عز وجل ، ونحن في هذا المسجد بفضل الله ورحمته ، نقرأ في رمضان القرآن كلّه ، نقرؤه في صلاة الفجر وفي صلاة التراويح ، وبعد صلاة الفجر درسٌ لطيفٌ أساسه السؤال والجواب ، وبعد صلاة التراويح أيضاً درسٌ قصيرٌ لا يزيد عن ربع ساعة أو عشر دقائق ، أيضاً في الآيات التي تُلِيَت في صلاة التراويح ، لأن الله عز وجل يقول :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾

[ سورة النساء : 43]

 يستنبَط من هذه الآية أن المصلي عليه أن يعلم ما يقرأ ، فإذا كان بعد الصلاة سؤالٌ وجوابٌ ، وحوارٌ ومناقشةٌ ، حول الآيات التي تُلِيَت في صلاة التراويح - وهي جزءٌ قليل - فهذا مما يدفع المؤمن إلى إحكام الصلة مع الله عز وجل ، وإلى أن يكون واعياً يعقل من صلاته الشيء الكثير ، وقد قال عليه الصلاة والسلام :

((ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها))

[ورد في الأثر]

الإكثار من قراءة القرآن و الاستقامة على أمر الله :

 شيءٌ آخر . . النبي عليه الصلاة والسلام كان في رمضان يكثر من قراءة القرآن ، وكان في رمضان أجود من الريح المُرْسَلَة ، فشيئان أُثرا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هذا فضلاً عن الاستقامة التامة ، فمن لم يكن له ورعٌ يحجزه عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله بشيءٍ من عمله ، فمن صام ولم يستقم على أمر الله ، ما زاد عن أنه جاع وعطش ليس غير ، رب صائمٍ ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش ، فنحن نعوذ بالله من هؤلاء ، صيامنا صيامٌ عن المُخالفات كلها صغيرها وكبيرها . فشيئان أساسيان ؛ استقامةٌ على أمر الله تامةٌ تامة تامة في رمضان ، تشمل كل الجوارح ، وكل الحركات والسكنات ، وكل الأنشطة والمناسبات ، وعملٌ صالحٌ يتمثَّلُ في مزيدٍ من عبادة الله عز وجل ، ومزيدٍ في إنفاق المال في سبيله ، فإذا صُمْنا كما أراد الله أن نصوم ، ربما قفز إيماننا قفزةٌ نوعيةً في رمضان .
 لابد من الإكثار من قراءة القرآن
الأمر كما يلي تماماً : يأتي رمضان فيقفز إيمانك قفزةً نوعية ، وتستمر على هذا المستوى إلى رمضان آخر ، ويأتي رمضان آخر تقفز قفزةً نوعيةً أخرى ، وهكذا أنت في صعودٍ مُسْتَمِر ، أما الذي يعود بعد رمضان إلى ما كان عليه قبل رمضان ، فإنه ما فعل شيئاً ، إن صَحَّ أنه قفز ، عاد إلى مستواه الأصلي بعد رمضان .
 فيا أيها الأخوة الأكارم ؛ الأشياء العظيمة لا بد لها من فترة إعدادية ، نحن مقبلون على شهر عظيم ، إذاً قبل عشرة أيام يجب أن يستعد الإنسان لهذا الشهر ؛ إنهاء علاقات ، تهيئة البيت على أساس أن تقام شعائر الله كاملةً ، التهيئة النفسية ، تهيئة العمل أحياناً ، الحرفة ، العلاقات ، الحسابات ، الديون ، المُنازعات ، هذه كلها إما أن تنتهي قبل رمضان ، وإما أن ترجَأ إلى ما بعد رمضان ، ليكون هذا الشهر خالصاً لله عز وجل ، فنحن على قدر أن تكون العبادة كما أراد الله عز وجل نرقى بالعبادة .
 كلكم يعلم أن الفقهاء يعلمون أحكام العبادات ، لكن علماء الطريقة يعلمون الطريقة التي تؤدَّى بها العبادات ، وعلماء الحقيقة لهم شأنٌ آخر ، هم الذين يسهمون مع طلاَّب العلم لكشف الحقائق حتى تغدو ناصعة كالشمس .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018