الخطبة : 0029 - المولد النبوي3 - أخلاقه . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0029 - المولد النبوي3 - أخلاقه .


1975-04-04

الخطبة الأولى :

 الحمد اللَّهِ الذي سبحت الكائنات بحمده ، وعنت الوجوه لعظمته ومجده ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه واعترته الطيبين الطاهرين .
صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله ، يا من كانت الرحمة مهجتك والعدل شريعتك ، والحب فطرتك ، والسمو حرفتك ، ومشكلات الناس عبادتك .

هذه أخلاق نبينا الكريم :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ وقد تحدثت في الخطبتين السابقتين عن رحمته صلى الله عليه وسلم وعدله .
 ومحمد صلى الله عليه وسلم فوق ذلك محب ودود ، أطاع الله كثيراً لأنه أحبه كثيراً ، وبرَّ الناس كثيراً ، لأنه أحبهم كثيراً ، وأقبل على الفضائل والواجبات لأنه أحبها ، لقد أحب صلى الله عليه وسلم عظائم الأمور ، ومارسها في شغف عظيم ، ممارسة محب مفطور ، لا ممارسة مكلف مأمور .
 لقد كان الحب وراء كل مواقفه ، وسلوكه وحياته , إذا سجد وأطال السجود وسمع وجيب قلبه ونشيج تضرعه ، وبكائه ، فذاك في غمرة شوق جارف ، ومحبة آخذة ، ولهذا كان ينتظر الصلاة على شوق ، فإذا جاء ميعادها قال لمؤذنه :
 عن سالم بن أبي الجعد رحمه الله قال :

(( يا بِلالُ أَقِمِ الصَّلاةَ أَرِحْنَا بِهَا ))

[أخرجه أبو داود ]

 أجل أرحنا بها لا أرحنا منها ، وهذا هو الفارق بين الحب والواجب إن الواجب قد يؤدى على كره ، و مضض ، أما الحب فيأخذ طريقه إلى أشق الأمور في ابتهاج وغبطة .
 ذات يوم أقبل عليه رجل فظ لم يكن قد رآه من قبل ، غير أنه سمع أن محمداً يسب آلهة قريش ، والقبائل كلَّها ، فحمل سيفه ، وأقسم ليسوين حسابه مع محمد ، وبدأ هذا الرجل حديثه عاصفاً مزمجراً ، والرسول يبتسم ، وتنطلق مع بسماته أنوار النبوة ، و ما هي إلا لحظات حتى انقلب هذا الرجل إلى محبٍّ يكاد من فرط الوجد والحياء يذوب ، وقد اتجه إلى يدي محمد يقبلهما ودموعه تنحدر من عينيه ، ولما أفاق ، قال :
 يا محمد والله لقد سعيت إليك وما على وجه الأرض أبغض إليَّ منك وإني لذاهب الآن عنك وما على وجه الأرض أحبُّ إلي منك .
 لقد أحب محمد صلى الله عليه وسلم ربه حباً عظيماً .
 وذات يوم وهو في الطائف ، حديث عهد بدعوته ، سلط عليه أعداؤه بعض السفهاء ، لقد جاشت نفسه بما ينطوي عليه من حب وشوق ، ورفع بصره إلى سماء ربه ، ومحبوبه .
 وقال :

(( إن لم يكن بك غضب عليه فلا أبالي ))

 الله أكبر ، إن محمداً صلى الله عليه وسلم لا يخشى العذاب والألم , إلا إذا تخلى الله عنه .
 ذات يوم يدخل على ولده الحبيب إبراهيم وهو مسجىً في فراش الموت ، ويتدفق حنان محمد غامراً ، فلا يزيد عن أن يقول وعيناه تبكيان :
 عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( وُلِدَ لِيَ اللَّيْلَةَ غُلَامٌ فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ أَنَسٌ لَقَدْ رَأَيْتُهُ يَكِيدُ بِنَفْسِهِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَمَعَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ تَدْمَعُ الْعَيْنُ وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضِي رَبَّنَا إِنَّا بِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ ))

[ أخرجه أبو داود ]

 يقول في بعض أحاديثه الكريمة : رأيت الليلة ربي في المنام ، فوضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله في صدري .
 وقد بين عليه الصلاة والسلام أن لا شيء يؤكد المحبة كالإخلاص لله عز وجل ، كان يقول للناس :
 عن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ))

[ أخرجه البخاري أبو داود ]

أحبب الناس بالله ولاترائي :

 وقد أكد أيضاً أنه لا شيء يفسر المحبة , ويكشف زيفها وادعاءها كالرياء والنفاق ، لذلك كان يقول لأصحابه :
 عــَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ قَالُوا وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الرِّيَاءُ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمُ اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً ))

[ أخرجه أحمد ]

 يقول أيضاً : لا يقبل الله عملاً فيه مثقال حبة من خردل من رياء .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ لقد أحب محمد صلى الله عليه وسلم الناس جميعاً ، لذلك أرسله الله إلى الناس كافة ، وكان صلى الله عليه وسلم يقول :

(( وبعثت إلى الأحمر والأسود ))

[رواه أحمد من حديث أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي ]

 ويقول في حديث آخر :

(( وبعثت إلى الناس كافة ))

[ أخرجه البخاري والنسائي وأحمد والدارمي ، من حديث أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي ]

 ويدعو محمد صلى الله عليه وسلم إلى أن يحب الناس بعضهم بعضاً بل يجعل الحب حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا .
 عن أنس بن مالك رضي الله عنه :

(( أَن رجلاً كان عندَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فمرَّ رَجُل ، فقال : يا رسولَ الله ، إِني لأُحِبُّ هذا ، فقال له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : أعْلَمْتَه ؟ قال : لا ، قال : فأعلمه ، فَلَحِقَه ، فقال : إِني أُحِبُّكَ في الله ، قال : أحبَّكَ اللهُ الذي أحْبَبْتني له ))

[ أخرجه أبو داود ]

 ووضع الرسول تعليماً وتوجيهاً ، فقال :
 عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( إِذَا أَحَبَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُعْلِمْهُ إِيَّاهُ وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَأَنَسٍ قَالَ أَبو عِيسَى حَدِيثُ الْمِقْدَامِ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ وَالْمِقْدَامُ يُكْنَى أَبَا كَرِيمَةَ ))

[ أخرجه الترمذي وأحمد]

 وكان يقول :
 عَنْ يَزِيدَ بْنِ نَعَامَةَ الضَّبِّيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( إِذَا آخَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَلْيَسْأَلْهُ عَنِ اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ وَمِمَّنْ هُوَ فَإِنَّهُ أَوْصَلُ لِلْمَوَدَّةِ قَالَ أَبو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَا نَعْرِفُ لِيَزِيدَ بْنِ نَعَامَةَ سَمَاعًا مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُـرْوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَ هَذَا وَلَا يَصِحُّ إِسْنَادُهُ ))

[ أخرجه الترمذي ]

 يسأله ذات يوم أبو ذر رضي الله عنه عن الرجل يحب القوم ولا يستطيع أن يعمل عملهم ، فيجيبه عليه السلام بعبارته الجامعة :

(( أنت مع من أحببت ))

[ أخرجه البخاري ومسلم عن أنس بن مالك , ]

 أي إذا أحببت يا أخي خيار الناس فأنت منهم ، وكان يقول عليه الصلاة والسلام :
 عن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ لَأُنَاسًا مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَكَانِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ تُخْبِرُنَا مَنْ هُمْ قَالَ هُمْ قَوْمٌ تَحَابُّوا بِرُوحِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ بَيْنَهُمْ وَلَا أَمْوَالٍ يَتَعَاطَوْنَهَا فَوَاللَّهِ إِنَّ وُجُوهَهُمْ لَنُورٌ وَإِنَّهُمْ عَلَى نُورٍ لَا يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاسُ وَلَا يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنَ النَّاسُ وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ ( أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ))

[ أخرجه أبو داود ]

 والحب عند رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الأصل ، وحيثما يبغض يكون البغض تعبيراً عن قاعدة الحب نفسها ، وولاءً للحب .
 فهو لا يبغض عن حقد , ولكن بغضه موقف دفاع عن شيء يحبه , لقد أبغض قريشاً حينما أخذت على عاتقها إطفاء نور الله ، فلما زال عنها بأسها الذي غرها في الله قال لهم :

(( اذهبو فأنتم الطلقاء ))

 وكان يقول :
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ :

(( أُرَاهُ رَفَعَهُ قَالَ أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا قَالَ أَبو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيث عَنْ أَيُّوبَ بِإِسْنَادٍ غَيْرِ هَذَا رَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ لَهُ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحِيحُ عَنْ عَلِيٍّ مَوْقُوفٌ قَوْلُهُ ))

[ أخرجه الترمذي]

 ولما كانت آداب الصحبة والسلوك مما يمتن أواصر الحب وينمي مشاعر الود فقد أولاها النبي الكريم عناية واهتماماً فقال ، إذا كانوا ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون ثالث فإن ذلك يحزنه .
 لا يقيمن أحدكم رجلاً من مجلسه ثم يجلس فيه ، ولكن توسعوا وتفسحوا يفسح الله لكم ، لا يحل لرجل أن يجلس بين اثنين إلا بإذنهما .
 وأما كلمتا ( السلام عليكم ) فكانتا تعنيان عند رسول الله شيئاً كثيراً :
 عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( يَا بُنَيَّ إِذَا دَخَلْتَ عَلَى أَهْلِكَ فَـسَلِّمْ يَكُنْ بَـرَكَةً عَلَيْكَ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِكَ ))

[ أخرجه الترمذي]

 وكان يقول عليه السلام :
 عن عثمان بن طلحة : أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

(( ثلاث يصفين لك ود أخيك , تسلم عليه إذا لقيته , وتوسع له في المجلس , وتدعوه بأحب أسمائه إليه ))

[ أخرجه الحاكم في مستدركه ]

 وكان يقول :
 عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( تَصَافَحُوا يَذْهَبِ الْغِلُّ وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا وَتَذْهَبِ الشَّحْنَاءُ ))

[ أخرجه مالك]

وفائه عليه السلم وكره للخصام :

 والوفاء عنده صلى الله عليه وسلم لا ينفصل عن الحب ، ذات يوم زارته بالمدينة سيدة عجوز فخف عليه السلام للقائها في حفاوة بالغة وأسرع فجاء ببردته وبسطها على الأرض لتجلس عليها العجوز ، وبعد انصرافها سألته السيدة  عائشة عن سرَّ حفاوته فقال :

(( إنها كانت تأتينا زمن خديجة ))

[ عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها , أخرجه الحاكم في مستدركه ]

 وتحدثنا السيدة عائشة رضي الله عنها أنه عليه السلام كثيراً ما يذبح الشاة ثم يقطعها ويقول:

(( أرسلوا بها إلى صديقات خديجة ))

[عن عائشة رضي الله عنها , أخرجه البخاري ومسلم ]

 ولما كان الخصام من أكبر ما يهدد الحب ويمحقه ، فقد جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم إثماً كبيراً ، بل جعله بمثابة القتل ، قال :
 عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما : أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال :

(( كفى بك إِثما : أنْ لا تزالَ مُخاصِما ))

[ أخرجه الترمذي ]

 عَنْ أَبِي خِرَاشٍ السُّلَمِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

(( مَنْ هَجَرَ أَخَاهُ سَنَةً فَهُوَ كَسَفْكِ دَمِهِ ))

[ أخرجه أبو داود وأحمد ]

 والخصام لا يتأتى إلا من المشاحنة ، والمماراة , والجدل المغرض لذلك مرَّ رسول الله ذات يوم بأربعة من أصحابه ، هم أبو الدرداء وأبو أمامة وواثلة بن الأسقع ، وأنس بن مالك ، يتجادلون ويتحارون في أمور الدين فغضب غضباً شديداً ثم قال :
 عن أبو الدرداء وأبو أمامة الباهلي وواثلة بن الأسقع وأنس بن مالك رضي الله عنهم :
 قالوا :

(( مهلاً يا أمة محمد ، إنما هلك من كان قبلكم بهذا ، ذروا المراء ( المشاحنة ) لقلة خيره ، ذروا المراء ، فإن المماري قد تمت خسارته , ذروا المراء فكفى إثماً ألا تزال ممارياً ، ذروا المراء فأنا زعيم (ضامن) بثلاثة أبيات في الجنة لمن ترك المراء وهو صادق ، ذروا المراء فإن أول ما نهاني عنه ربي بعد عبادة الأوثان المراء ))

[ أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ]

 ومما يدوم به الحب أن تقبل المعاذير ، وتغفر العثرات ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

(( من أتاه أخون متنصلاً ( أي معتذراً ) فليقبل محقاً كان أو مبطلاً فإن لم يفعل ، لم يرد علي الحوض ، وأما شرار الخلق فهم الذين لا يقيلون عثرة ولا يقبلون معذرة ، ولا يغفرون ذنباً ))

 وكان يقول :
 عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ وَالْمُتَفَيْهِقُونَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ قَالَ الْمُتَكَبِّرُونَ ))

[أخرجه الترمذي ]

 أيها الإخوة ؛ إذا أردتم أن تذوقوا طعم الحياة وحلاوة الإيمان فأحبوا الله لما يغذوكم به من نعمة ، وأحبوا رسول الله لحرصه على سعادتكم ، وأحبوا إخوانكم المؤمنين فهم إخوة لكم حقاً ، وأحبوا الناس كافة ، حتى تسعوا إلى إصلاحهم ، وأحبوا المخلوقات كافة يحببكم الله ويغفر لكم ، إذا فعلتم ذلك احتفلتم حقاً بعيد مولد نبيكم عليه الصلاة والسلام الذي يقول :

(( ألا لا إيمان لمن لا محبة له ، ألا لا إيمان لمن لا محبة له ، ألا لا إيمان لمن لا محبة له ))

 أو كما قال .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وصلوا ما بينكم وبين ربكم تسعدوا ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

 

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :

 

 

 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم صن وجوهنا باليسار ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء .
 اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت ، واصرف عنا شر الأعمال لا يصرفها عنا إلا أنت .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018