الخطبة : 0027 - المولد النبوي1 - رحمته . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0027 - المولد النبوي1 - رحمته .


1975-03-21

الخطبة الأولى :

 الحمد اللَّهِ الذي سبحت الكائنات بحمده ، وعنت الوجوه لعظمته ومجده ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه واعترته الطيبين الطاهرين .

مولد النبي الكريم :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ بعد أيام تمر ذكرى مولد محمد بن عبد الله عليه صلوات الله هذه الذكرى عزيزة على كل مسلم ، يتلهف لها قلبُ كل مؤمن .
 وقد جرت العادة أن يحتفل المسلمون بعيد المولد كل عام ، فيقيمون الزينات ، ويرفعون اللافتات ، ويقرؤون الصلوات , ويأكلون الطيبات .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ جميل بنا أن نعلن عن فرحتنا ، ونعتز بإسلامنا ، ونفخر بنبينا عليه الصلاة والسلام , وجميل بنا أيضاً أن نعرفه حق المعرفة ، وأن نقدره حق التقدير , ولكن الأجمل من هذا وذاك أن نهتدي بهديه ، وأن نقتفي أثره , وأن نسير على سنته ، قال تعالى :

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[ سورة آل عمران]

 لقد كان صلى الله عليه وسلم رحيماً رقيق القلب لين العريكة , فهو رحمة مهداة كما قال عن نفسه ، فهل نحن رحماء ، هل يرحم بعضنا بعضاً .
 صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله , يا من كانت الرحمة مهجته والعدل شريعته ، والحب فطرته ، والسمو حرفته ومشكلات الناس عبادته .

رحمة النبي صلى الله عليه وسلم :

 وسأقصر هذه الخطبة عن رحمته صلى الله عليه وسلم هذه بعض مواقفه الرحيمة فلعلنا تهزنا وتدفعنا إلى التأسي بها ، فهو رحمة مهداة فلعلنا نتأسى به ونجعل من التراحم , والتعاطف والتسامح وسائل نتعامل بها فيما بيننا .
 عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما : أَنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال :

(( فالرَّاحِمُونَ يرحمهم الرحمن ، ارحَمُوا مَن في الأرض ، يرحمْكم من في السماءِ ))

[ أخرجه أبو داود والترمذي ]

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ الرحمة عند رسول الله تعدل العبادة والجهاد في سبيل الله .
 عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما : قال

(( جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يبايعه على الهجرة فقال إني جئت أبايعك على الهجرة وتركت أبوي يبكيان فقال ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما ))

[ أخرجه ابن حبان في صحيحه ]

 ويسأله رجل :
 عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( يا رسول الله إني أشتهي الجهاد ولا أقدر عليه فيجيبه الرسول الكريم هل بقي من والديك أحد حي ؟ قال نعم ، أمي ، فيقول له محمد صلى الله عليه وسلم : قابل الله في برهما ، فإذا فعلت فأنت حاج ومعتمر ومجاهد ))

[ أخرجه أبو يعلى والطبراني في المعجم الأوسط ]

 إن بسمة تعلو شفتي أب حنون ، وتكسو وجه أم متلهفة لا تباع عند محمد صلى الله عليه وسلم بثمن حتى حين يكون الثمن جهاداً وعبادة .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ في المواطن التي تعظم فيها الحاجة إلى الرحمة نجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من الدعوة إليها ، فإذا حث على الرحمة بالطفل يركز بصورة أشد على الرحمة بالطفل اليتيم ، وإذا حث على الرحمة بالحيوان يركز بصورة أوفى على الرحمة بالحيوان وهو يُذبح .
 عن أبو ذر الغفاري رضي الله عنه قال :
 قلت : يا رسول الله ماذا ينجي العبد من النار ؟
 قال :

(( الإيمان بالله ))

 قلت : يا رسول الله إن مع الإيمان عملاً ؟
 قال :

(( يرضخ مما رزقه الله ))

 قلت : يا رسول الله أرأيت إن كان فقيراً لا يجد ما يرضخ به ؟
 قال :

(( يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ))

 قلت : يا رسول الله أرأيت إن كان عيياً لا يستطيع أن يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر ؟
 قال :

(( يصنع لأخرق ))

 قلت : أرأيت إن كان أخرق لا يستطيع أن يصنع شيئاً ؟
 قال :

(( يعين مغلوباً ))

 قلت : أرأيت إن كان ضعيفاً لا يستطيع أن يعين مغلوباً ؟
 قال :

(( ما تريد أن تترك في صاحبك من خير ؟ يمسك عن أذى الناس ))

 فقلت : يا رسول الله إذا فعل ذلك دخل الجنة ؟
 قال :

(( ما من مسلم يفعل خصلة من هؤلاء إلا أخذت بيده حتى تدخله الجنة ))

[ أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ]

 أيها الإخوة ؛ في هذا الحديث ساق صلى الله عليه وسلم عدداً غير قليل من أعمال الرحمة والخير , ولم يجعل الثواب على من يفعلها جميعها ، بل إن واحدة منها قادرةٌ على أن تأخذ بيد صاحبها إلى قمة الثواب ألا وهي الجنة .
 ومن أولئك الذين يستحقون الرحمة من تسوقهم ضرورات العيش إلى الدَين ثم يعجزون عن استرداده فيعانون هماً في الليل وذلاً في النهار , لذلك يتقدم محمد صلى الله عليه وسلم ليأسو جراحهم ويهب قلبه وحبَّه لمن يرجئ مدينه , ويصبر عليه حتى تحين ساعة فرج قريب فقال :
 عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ ))

[ أخرجه مسلم والترمذي ]

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ لَهُ (أي تنازل عن جزء من الدين ) أَظَلَّهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَحْتَ ظِلِّ عَرْشِهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ))

[ أخرجه الترمذي وأحمد ]


 وقال أيضاً :
 عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( مَنْ أَرَادَ أَنْ تُسْتَجَابَ دَعْوَتُهُ وَأَنْ تُكْشَفَ كُرْبَتُهُ فَلْيُفَرِّجْ عَنْ مُعْسِرٍ ))

[ أخرجه أحمد ]

 وعند نبينا صلى الله عليه وسلم أن كل عمل رحيم يُعدُّ من أزكى العبادات بل إن أعمالنا الرحيمة إنما يراها الله جل وعلا شكراً موجهاً إليه ، فإذا زُرت مريضاً ، فأنت إنما تزور الله ، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه :
 عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي قَالَ يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي قَالَ يَا رَبِّ وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي قَالَ يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي ))

[ أخرجه مسلم ]

من رحمته عليه السلام , كفالة اليتيم :

 واليتيم , والأرملة , والمسكين أكثر الناس حاجة إلى الحنان , والأمن , والرحمة , لذلك قال عليه الصلاة والسلام :
 عَنْ سَهْلٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ وَقَرَنَ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ الْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِي الإبْهَامَ ))

[ أخرجه أبو داود وأحمد]

 وقال أيضاً :
 عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( إن أحب البيوت إلى الله بيت فيه يتيم يكرم ))

[ أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ]

 عن أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( والذي بعثني بالحق لا يعذب الله يوم القيامة من رحم اليتيم , ولان له في الكلام , ورحم يتمه وضعفه ))

[ أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط ]

 وقال أيضاً :
 عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ كَالَّذِي يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ ))

[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي ]

من رحمته عليه السلام , حق الجار :

 والجار ولا سيما إذا كان ضعيفاً ، رقيق الحال أولى الناس بالرحمة لذلك ذكر صلى الله عليه وسلم أهم حقوق الجار فقال :
 عن معاوية بن حيدة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى اللع عليه وسلم :

(( أتدرون ما حق الجار ؟ إذا استعانك أعنته ، وإذا استقرضك أقرضته وإذا افتقر عُدت عليه ، وإذا مرض عدته ، وإذا أصابه خير هنأته وإذا أصابته مصيبة عزيته ، وإذا مات شيعته ، ولا تستطل عليه بالبنيان فتحجب عنه الريح إلا بإذنه ، وإذا اشتريت فاكهة فأهد له منها فإن لم تفعل فأدخلها سراً ، ولا يخرج بها ولدك ليغيظ ولده ، ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها ))

[ أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ]

 وقال أيضاً :
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ ))

[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود وأحمد]

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ :

(( إِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا قَالَ هِيَ فِي النَّارِ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا وَصَلَاتِهَا وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالْأَثْوَارِ مِنَ الْأَقِطِ وَلَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا قَالَ هِيَ فِي الْجَنَّةِ ))

[أخرجه أحمد ]

من رحمته عليه السلام , الرحمة على الحيوان :

 ومن فرط إحساسه صلى الله عليه وسلم , بحاجة الحيوان إلى الرحمة كان كأنه يستمع إلى شكوى الحيوان المعذب .
 يقول عبد الله بن جعفر :
 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ :

(( أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلْفَهُ ذَاتَ يَوْمٍ فَأَسَرَّ إِلَيَّ حَدِيثًا لا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ وَكَانَ أَحَبُّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَاجَتِهِ هَدَفًا أَوْ حَائِشَ نَخْلٍ قَالَ فَدَخَلَ حَائِطًا لِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فَإِذَا جَمَلٌ فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَنَّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَسَحَ ذِفْرَاهُ فَسَكَتَ فَقَالَ مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ لِمَنْ هَذَا الْجَمَلُ فَجَاءَ فَتًى مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فـَقَالَ أَفَلَا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ ))

[ أخرجه أبو داود وأحمد ]

 والرفق لا يكون في شيء إلا زانه ، ولا نزع من شيء إلا شانه ، وإن الله ليعطي على الرفق مالا يعطي على العنف .
 صلى الله عليك يا سيدي ريا رسول الله ، فقد كنت رحمة مهداة وصدق ربنا جلى وعلى إذ قال :

﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴾

[ سورة التوبة ]

 أيها الإخوة ؛ جميل بنا أن نحتفل بذكرى المولد النبوي كل عام ، فنقيم الزينات ، ونرفع اللافتات ونقرأ الصلوات ، ونأكل الطيبات .
 وجميل بنا أيضاً , أن نعرفه حق المعرفة ، وأن نقدره حق التقدير , ولكن الأجمل من هذا وذاك أن نهتدي بهديه ، ونقتفي أثره ، ونسير على سننه , وأن نكون فيما بيننا رحماء يرحم كبيرنا صغيرنا ، وغنينا فقيرنا ، وقوينا ضعيفنا ، فقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم مثلاً أعلى في الرحمة ، إذا تراحمنا ، كما أمرنا ، فقد احتفلنا حقاً بذكرى المولد .
 أيها الإخوة ؛ جاء في الحديث الشريف :
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

(( لا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلا مِنْ شَقِيٍّ ))

[ أخرجه الترمذي وأبو داود وأحمد ]

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهم قال : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ فَقَالَ لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي فَمَلأ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ ثُمَّ رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ قـَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا قَالَ فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ ))

[أخرجه البخاري ومسلم ]

 أو كما قال .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وصلوا ما بينكم وبين ربكم تسعدوا ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :

 

 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم صن وجوهنا باليسار ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء .
 اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت ، واصرف عنا شر الأعمال لا يصرفها عنا إلا أنت .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018