الخطبة : 0026 - الطريق إلى معرفة الله . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0026 - الطريق إلى معرفة الله .


1975-03-07

الخطبة الأولى :

 الحمد اللَّهِ الذي سبحت الكائنات بحمده ، وعنت الوجوه لعظمته ومجده ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه واعترته الطيبين الطاهرين .

الطريق إلى الله :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ في الخطبة السابقة تحدثت عن أن من أركان الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله ، وبينت أن هذه الشهادة يجب أن تكون شهادة , وشهوداً , ورؤية , وعلماً حتى يكون أثرها واضحاً في سلوكنا , وعلاقتنا ، وحتى تنتهي بنا إلى دار السلام بسلام .
 ولكن ما إن انفض المصلون في الجمعة الفائتة ، حتى استوقفني أحدهم , وقال لي : لقد أقنعتنا بأن شهادة لا إله إلا الله ، لا تصح إلا إذا حملت صاحبها على الاستقامة ، ولكن ما السبيل إلى بلوغ هذه الشهادة على حقيقتها ؟ .
 قلت له : يا أخي إن الإيمان بأن لا إله إلا الله يقتضي أن تؤمن بالله أولاً ، والله سبحانه لا تدركه الأبصار ، ولكننا نتعرفه بهذا الفكر الدقيق من خلال الكون العظيم .
 ألا تحكم يا أخي حكماً قاطعاً لوجود الكهرباء في السلك إذا كان المصباح متألقاً ؟ .
 ألا تحكم حكماً قاطعاً بوجود النار وراء الجدار إذا كنت ترى الدخان متصاعداً ؟ .
 الأقدام تدل على المسير ، والبعر يدل على البعير ، والماء يدل على الغدير ، أفسماء ذات أبراج ، وأرضٌ ذات فجاج ألا تدلان على الحكيم الخبير .
 يا أخي ؛ إن المعرفة عن طريق الفكر لا تقل يقيناً عن المعرفة التي تنشأ عن طريق الحواس .
 يا أخي ؛ هذا الكون بسمائه وأفلاكه ، ونجومه وكواكبه ، وأرضه وما فيها من جبال وواد وبحار وأنهار ، وأسماك , وأطيار ، وزرع , ونخيل , وإنسان , وحيوان ، ليدلك على الله ، ويشهد لك بعظمته , ولا تذهب بعيداً يا أخي ؛ جسمك الذي هو أقرب شيء إليك هل فكرت في عظمته وبديع صنعه :

أتحسب أنك جرم صغير  وفيك انطوى العالم الأكبر

﴿ قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ * كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ ﴾

[سورة عبس ]

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾

[ سورة التين]

﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَائِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَبّاً ﴾

[ سورة عبس ]

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾

[ سورة البلد ]

 

﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾

[ سورة النحل]

﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون ]

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾

[ سورة الإسراء ]

﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى ﴾

[ سورة القيامة ]

التفكر :

 يا أخي ؛ إذا تفكرت في هذه الآيات الباهرات انفعلت نفسك انفعالين انفعال التعظيم ، وانفعال المحبة ، لأن النفس الإنسانية فُطرت هكذا ، لقد فُطِرتَ يا أخي على أن تعجب بالعظمة ، وعندما يُسدى إليك معروف أو تمتد إليك يد بنعمة ، يلهج لسانك بالثناء ، ويمتلئ فؤادك بالحمد، جاء في الحديث القدسي :

(( يا داود ذكر عبادي بإنعامي عليهم ، فإن النفوس جُبلت على حب من أحسن إليها ، وبغض من أساء إليها ))

 لقد فُطرت يا أخي , على الإعجاب بالعظمة ، والاحتفاء بصاحبها وتقدير النعمة ، وشكر مسيرها ، فلو فكرت في آيات هذا الكون لوجدت عظمة لا تنتهي ، وإنعاماً لا ينقضي .
 وعندئذ تميل نفسك بالمحبة ، وتسكن جوارحك بالخشوع ، وعندها تجد في نفسك دافعاً قوياً إلى الاستقامة على أمر هذا الرب العظيم ، وتطبيق شرعه الحكيم .
 وعندئذ تصبح حالتك النفسية حالة من يقول :

فليتك تحلو والحياة مريـــرة  وليتك ترضى والأنام غضــاب
إن صح منك الوصل فالكل هين  وكل الذي فوق التراب تـــراب
وليت شرابي من ودادك سائغ  وشربي من ماء الفرات سراب

 يا أخي ؛ سحرة فرعون حينما رأوا آية من آيات الله ملأت العظمة قلوبهم ، وخالطت المحبة أفئدتهم ، فآثروا الموت على أن يرتدوا عن إيمانهم ، فقال لهم فرعون :

﴿ قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى * قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى ﴾

[سورة طه ]

 لهذا كله , قال عليه الصلاة والسلام :

(( تفكر ساعة خير من عبادة ستين عاماً ))

 لأن التفكير يورث تعظيماً ، والتعظيم يؤدي إلى الاستقامة ، والاستقامة عين الكرامة .
 وقال تعالى :

﴿ إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ * وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آَيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ * وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آَيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة الجاثية ]

 يا أخي ؛ الإيمان بالله ليس في هزِّ الرؤوس , واستكانة النفوس ، وليس في ترديد الأقوال وترك الأفعال ، الإيمان ليس تعلقاً بالأوهام وإعجاباً بالأساطير ولكنه بحث , ودرس , وفهم ، وتبصر , وتفكر , وتعظيم ، واستقامة , وعمل .
 وأما مادة البحث والدرس ، والتفكر والتعظيم ، فهي الكون من ذرته إلى مجرته ، ومن أرضه إلى سمائه , ومن نفسك إلى العوالم المحيطة بك .
 يقول الشيخ الإمام محمد عبده : لله في خلقه كتابان ، القرآن وهذا الكون .

عرفتك يا ربي ببحث وفطــــرة  فجئتك حباً طاهر القلب خاليـــا
سل الواحة الخضراء والماء جاريـا  وهذي الصحارى والجبال الرواسيا
سل الروض مزداناً سل الزهر والندى  سل الليل والإصباح والطير شاديـا
وسل هذه الأنام والأرض والسمــا  وسل كل شيء تسمع الحمد ساريـا

وإذا رأيـت النـبت فـي الحـراء  يربو وحده فاسأله مـن أربـــاك
وإذا رأيـت البـدر يسـري ناشراً  أنواره فـاسألـه مـن أســـراك
وإذا رأيت النهر بالعـذب الـزلال  جــرى فسـأله مـن الذي أجراك
وإذا رأيــت اللـيل يغشى داجـاً  فسـأله مـن يـا ليل حـاك دجـاك
وإذا رأيت الصبح يسفر ضاحيــاً  فسأله من يا صبح قد أضـحاك

الشمس والبدر من أنوار حكمتــه  والبر والبحر فيض مـن عطاياه
الطير سبحه والزرع قدســـــه  والموج كبره والحوت ناجـــاه
والنمل تحت الصخور الـصم مجده  والنحل يهتف حمداً في خلايــاه
الناس يعصونه جهراً فيسترهـــم  العبد ينسى وربي ليس ينســـاه

 يا أخي ؛ إذا آمنت بالله هكذا ، ذاقت نفسك حلاوة الإيمان ، وساعة تحب الطاعة ، وتزدان في نظرك ، وتكره الكفر , والفسوق , والعصيان , فإذا أنت من الراشدين .
 وكن يا أخي كصهيب ، لو لم يخف الله لم يعصه .
 خطب عليه الصلاة والسلام فقال :

(( أيها الناس : إن بين يدي الساعة أموراً شداداً ، وزماناً صعباً فأعدوا لذلك الإيمان ، وعضوا عليه بالنواجذ ، تفضوا إلى النعيم الدائم ))

 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وصلوا ما بينكم وبين ربكم تسعدوا ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :
 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم صن وجوهنا باليسار ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء .
 اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت ، واصرف عنا شر الأعمال لا يصرفها عنا إلا أنت .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018