الخطبة : 0022 - الهجرة 2 - قصة الهجرة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0022 - الهجرة 2 - قصة الهجرة.


1975-01-25

الخطبة الأولى :

الحمد اللَّهِ الذي سبحت الكائنات بحمده ، وعنت الوجوه لعظمته ومجده ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه واعترته الطيبين الطاهرين .

محبة الله ورسوله :

وانطلق رسول صلى الله عليه وسلم وصاحبُه الصديق إلى الغار , وقبل دخوله قال :

(( قال أبو بكر مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ لك الغار ـ أي حتى أتفحصه ـ فدخل واستبرأه ، ثم قال انزل يا رسول الله فنزل ))

[أخرجه الحاكم في مستدركه ]

وأبو بكر يقول إن اقتل فأنا رجل واحد من المسلمين ، وإن قتلت هلكت هذه الأمة .
لا يطير المؤمن في أجواء القرب إلا بجناحين، جناح العلم وجناح المحبة
أيها الأخوة ؛ هذه العاطفة التي تجيش في نفس الصديق , وهذه التضحية والإيثار هي التي أعلت مكانته ، وأسمت منزلته ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( ما سبقكم أبو بكر بكثرة صلاة ولا صيام ، ولكن بشيء وقر في صدره ألا وهو حب الله ورسوله ))

وقال أيضاً :

(( ألا لا إيمان لمن لا محبة له ، ألا لا إيمان لمن لا محبة له ، ألا لا إيمان لمن لا محبة له ))

(( ولا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ))

[أخرجه البخاري ومسلم ]

أيها الأخوة ؛ لا يطير المؤمن في أجواء القرب إلا بجناحين ، جناح العلم وجناح المحبة ، فلا بد من معرفة الشريعة والحقيقة ، لقد وصل الصحابة الكرام إلى ما وصلوا إليه بما انطووا عليه من حب لله ورسوله ، صدَّقه علمهم وأكدته تضحياتهم ، ونحن حينما أقفرت قلوبنا من المحبة الصادقة لله ورسوله لم نصل إلى شيء ، ولو أدينا ظاهر العبادات ، وزعمنا أننا مسلمون .

الهجرة :

وفي مكة أطار صواب قريش نجاةٌ النبي وصاحبه ، فانطلقوا يوصدون الطرق , ويفتشون المسالك ، ويبثون العيون ، وينقبون في جبال مكة ، وسهولها ، وقد وصل فريق منهم إلى مقربة من الغار ، ووقفوا يتحدثون عند بابه ، لعله هنا في الداخل ، وأنصت النبي الكريم وصاحبه إلى وقع أقدامهم ، فارتاع سيدنا الصديق ، وقال :

(( والله لو نظر أحدهم تحت أقدامه لرآنا ))

نجاة النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه مكافأة من الله لهما على حذرهما وتوكلهما
فقال الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام :
عَنْ أَنَسٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِي اللَّه عَنْهم قَالَ قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( وَأَنَا فِي الْغَارِ لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لأَبْصَرَنَا فَقَالَ مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا ))

[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي ]

قال تعالى :

(( إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيم ))

[ سورة التوبة ]

لقد عميت عنه صلى الله عليه وسلم عيون عداته ، وهم على حدِّ الكرف منه .

ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على خير البرية لم تنسج ولم تحــم
وقاية الله أغنت عن مضاعفــة من الدروع وعن عال من الأطم

لقد كانت تلك النجاة وذلك الأمان مكافأة من الله لرسوله الكريم ولصاحبه اللذين لم يدعا وسيلة من وسائل الحذر إلا اتخذاها ، ثم توكلا على الله وهو نعم المولى ونعم النصير .
وهكذا ينبغي أن يكون حال المؤمن يتقلب بين الحذر , والتوكل , والخوف , والرجاء ، والإعداد والتفويض .
وقد مرت ثلاث ليالٍ على مبيت الرسول عليه الصلاة والسلام في الغار وخمد حماس المشركين في الطلب ، وتأهب المهاجران لاستئناف رحلتهما الصعبة .
وقد قدَّر النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أن المشركين لن يألوا جهداً في الإساءة إليه فالتزم في سيره جانب المحاذرة ، وأعانتهم مهارة الدليل على سلوك دروب لم تعتدها القوافل ، ثم أطلقت الأزمة للرواحل تصل النهار بالليل .
لكن قريشاً ساءها أن تخفق في استرجاع محمد صلى الله عليه وسلم وصاحبه , فجعلت مائتين من الإبل جائزة لمن يجيء بهما أحياءً أو أمواتاً , وقد طمع سراقة بتلك الجائزة ، قال سراقة :
فأخذت رمحي , وخرجت من ظهر البيت حتى أتيت فرسي ، فركبتها ودفعتها ففرت بي حتى دنوت منهم ، فعثرتْ بي فرسي ، فخررت عنها أي نزلت فقمت , وامتطى سراقة فرسه مرة أخرى ، وزجرها فانطلقت حتى قرب من الرسول عليه الصلاة والسلام ، وكان أبو بكر يكثر الالتفات يمنة ويسرة ليتبين هذا العدو الجسور , فملما دنا عرفه ، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ماضياً إلى غايته ، هذا سراقة بن مالك ، قد أدركنا ، وما أتم كلامه حتى هوت الفرس مرة أخرى ملقية سراقة من على ظهرها ، فقام سراقة معفراً ينادي بالأمان ، ووقع في نفس سراقة أن الرسول عليه الصلاة والسلام حق من عند الله ، وأن الله مانعه من تحقيق هدفه ، واعتذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله أن يدعو الله له ، وعرض عليهما الزاد والمتاع ، فقالا لا حاجة لنا ولكن عمِّ عنا الطلب .
أي ضلل المطاردين عنا ، فقال : قد كفيتم ثم رجع فوجد الناس جادين في البحث عن محمد عليه الصلاة والسلام وصاحبه ، فجعل لا يلقى أحداً من المطاردين إلا ردَّه ، وهو يقول قد كفيتم هذا الوجه .
نجّى الله رسوله وصاحبه من سُراقة وجعله حارساً، وهذا يحصل مع كل مؤمن وفي كل زمن
وهكذا أيها الأخوة ، نجَّى الله رسوله وصاحبه , وجعل من مطارده حارساً وهذا يحصل مع كل مؤمن ، وفي كل زمن ، قال تعالى :

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ﴾

[ سورة الحج ]

﴿ وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

[ سورة الزمر الآية : 61]

جاء في الحديث القدسي :
" أنه ما من مخلوق يعتصم بي من دون خلقي ، إلا ضمنت السماوات والأرض برزقه ، فإن سألني أعطيته ، وإن دعاني أجبته ، وإن استغفرني غفرت له ، وما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني ، إلا قطعت أسباب السماوات والأرض من دونه ، فإن سألني لم أعطه ، وإن دعاني لم أجبه " .
روى أبو نعيم ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج من مكة مهاجراً قال :
" الحمد لله الذي خلقني ولم أكن شيئاً ، اللهم أغني على هول الدنيا وبوائق الدهر ، ومصائب الليالي والأيام ، اللهم اصحبني في سفري واخلفني في أهلي ، وبارك لي فيما رزقتني ، ولك فذللني ، وعلى صالح خُلقي فقومني وإليك رب فحببني ، وإلى الناس فلا تكلني ، ربَّ المستضعفين وأنت ربي أعوذ بوجهك الكريم الذي أشرقت له السماوات والأرض ، وكُشفت به الظلمات ، وصلح عليه أمر الأولين والآخرين أن تُحلَّ عليَّ غضبك وتنزل بي سخطك ، أعوذ بك من زوال نعمتك ، وفجأة نقمتك ، وتحوّل عافيتك وجميع سخطك ، لك العتبى عندي حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك "

وصف النبي :

وفي أثناء الطريق مرَّ عليه الصلاة والسلام وصاحبه منازل خزاعة ودخل خيمة أم معبد ، فاستراح بها قليلاً ، وشرب من لبن شاتها ، ولما خرج من عندها ، قيل لها صفيه لنا ، قالت :
قدمت أم معبد وصفاً رائعاً للنبي عليه الصلاة والسلام عند مروره بها وهو في طريقه إلى يثرب
عن هشام بن حبيش بن خويلد :

(( رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة ، أبلج الوجه ، حسن الخَلق ، لم تعبه نحلة ( أي هزال في جسم ) ولم تزر به صعلة ( أي صغر في رأس ) وسيماً قسيماً في عينيه ، دعجٌ ( أي شدة سواد العين ) وفي أشفاره وطف ( أي في رموش عينيه طول ) وفي عنقه سطع ( أي طول ) وفي صوته صحل ( أي بحة ) وفي لحيته كثاثة ( غزارة ) أزج أقرن ( أي دقيق شعر الحاجبين مع اتصالهما ) إن صمت فعليه الوقار ، وإن تكلم سماه وعلاه البهاء ، فهو أجمل الناس ، وأبهاهم من بعيد ، وأحسنهم وأجملهم من قريب ، حلو المنطق ، فصل لا نزر ولا هزر ( أي لا قليل ولا كثير ) كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن ، ربعة ( متوسط الطول ) لابأس من طول ولا تقتحمه عين من قصر ، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظراً وأحسنهم قدراً ، له رفقاء يحفون به ، إن قال أنصتوا لقوله ، وإن أمر تبادروا إلى أمره ، محفود ( مخدوم ) محشود ، لا عابس ، ولا مفند ( والمفند هو يكثر الكلام عن خوف أصابه ) فقال لها زوجها أبو معبد هو والله صاحب قريش الذي ذُكر لنا من أمره ما ذُكر ، ولقد هممت بأن أصحبه ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلاً ))

[ أخرجه الحاكم في مستدركه ]

قال حسان بن ثابت رضي الله عنه :

لقد خاب قوم غاب عنهم نبيهــم وقدس من يسرى إليه ونغتدي
تَرَحَّل عن قوم فضلت عقولهــم وحلَّ على قوم بنور مجــدَّدِ
هداهم به بعد الضلالة ربهـــم وأرشدهم من يتبعِ الحق يَرشدِ
لقد نزلت من على أهل يثــرب ركاب هدى جلّت عليهم بأسعد
نبي يرى ما لا يرى الناس حوله ويتلو كتاب الله في كل مسجـد

حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم وعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا وسيتخطى غيرنا إلينا الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .
الخطبة الثانية :

 

الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم .

الدعاء :

اللهمَّ اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَّنا فيمن توليت ، وبارِك اللهمَّ لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرَّ ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك ، وإنه لا يذل من واليت ولا يعزُّ من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت .
اللهمَّ أعطنا ولا تحرمنا ، وأكرمنا ولا تُهِنا ، وآثرنا ولا تؤثر علينا ، وأرضنا وارض عنا، أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، مولانا رب العالمين اللهمَّ اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمَّن سواك . اللهمَّ استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنَّا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخيا ، وسائر بلاد المسلمين ، اللهمَّ لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك، اللهمَّ يا أكرم الأكرمين أعطنا سؤلنا ، واغفر لنا ذنوبنا وارحمنا إنك أرحم الراحمين . اللهمَّ إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك ، ومن الخوف إلا منك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء مولانا رب العالمين ، اللهمَّ بفضلك ورحمتك أعلي كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعزَّ المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى إنه على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018