الخطبة : 0014 - العلم في الإسلام - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0014 - العلم في الإسلام


1974-12-01

الخطبة الأولى :

الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وُحول الشهوات إلى جنّات القربات .

العلم ومكانته في حياة الإنسان :

أيها الإخوة المؤمنون ؛ حدثت في خطبة سابقة عن أن القرآن الكريم قسّم الناس وفق قيم أخلاقية تناسقت مع قيم عقلية , يعقلون أو لا يعقلون ، طيبون أو خبيثون محسنون أو مسيئون ، فالناس في القرآن مؤمنون أو كافرون ، يعلمون أو لا يعلمون .
فالمؤمنون أيها الإخوة ؛ على هدى من ربهم قد أخرجهم الله من الظلمات إلى النور ، والكفار في ظلمات بعضها فوق بعض ، وهو كالأنعام بل أضل سبيلاً .
المؤمنون قد أخرجهم الله من الظلمات إلى النور والكفار في ظلمات بعضها فوق بعض
لقد ربط عليه الصلاة والسلام بين العقل والدين ، ووضح العلاقة بينهما فقال :

(( إنما الدين هو العقل ، ومن لا دين له لا عقل له ، ومن لا عقل له لا دين له ))

العلم أيها الإخوة ؛ ليس حرفة يمكن اختيار غيرها ، وليس ترفاً يمكن الاستغناء عنه ، بل هو ضرورة ملحة ، وحاجة ماسة عليها تتوقف سعادة الإنسان ، في الدنيا والآخرة .
ومن هنا كان طلب العلم فريضةً على كل مسلم ، كما روى ابن ماجة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وما دام طلب العلم فريضة لها مثل هذه الخطورة لذلك على المؤمن أن يتخير من ينابيع العلم ، ما كان صافياً نقياً عذباً شافياً ، منعشاً ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ ))

[ رواه مسلم والدارمي ]

العلم هو ضرورة ملحة وتتوقف عليه سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة
أيها الإخوة ؛ العلم في الإسلام ليس هدفاً بذاته بل هو وسيلة لغاية أسمى ، وهدف أعلى فمن تجنب متاعب الحياة إلى بلوغ السعادة الحقة ، ومن اتقاء النار إلى بلوغ الجنة ، ومن البعد عن سخط الله إلى بلوغ رضاه ، إن العلم قارب ينقلك من الجهل إلى شاطئ المعرفة ، من الشقاء إلى السعادة , وإذا كان وجودك في أرض الجهل شقاءً فإنه لا معنى لبقائك في القارب ، ولا طائل من المكوث فيه .
لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

(( تعلموا ما شئتم ، فو الله لن تؤجرا حتى تعملوا بما علمتم ))

وقال :

(( كل علم وبال على صاحبه مالم يعمل به ))

(( وأول من تسعر بهم النار يوم القيامة ، عالم لم يعمل بعلمه ، وأندم الناس يوم القيامة عالم دخل الناس بعلمه الجنة ودخل هو بعمله النار ))

العلم في الإسلام ليس هدفاً بذاته بل هو وسيلة لغاية أسمى
أيها الإخوة ؛ قال كميل النُخَعي ، رضي الله عنه .
أخذ بيدي علي بن أبي طالب كرم الله وجهه فخرج بي إلى ناحية البقيع فلما أصحر تنفس الصعداء ، ثم قال :
" يا كُميل , إن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها ، فاحفظ عني ما أقول لك , الناس ثلاثة ؛ عالم رباني ، ومتعلم على سبيل نجاة ، وهمج رعاع أتباعُ كل ناعق ، مع كل ريح يميلون ، لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجئوا إلى ركن وثيق ، فاحذر أن تكون منهم يا كميل .
العلم خير من المال ، لأن العلم يحرسك ، وأنت تحرس المال ، والمال تُنقصه النفقة ، والعلم يزكوا على الإنفاق ، ومنفعة العلم باقية , ومنفعة المال تزول بزواله .
يا كميل : محبة العلم دين يدان به يكسب الإنسان به الطاعة في حياته , وميل الأحدوثة بعد وفاته ، العلم حاكم والمال محكوم عليه .
يا كميل : مات خزَّان المال وهم أحياء ، والعلماء باقون ما بقي الدهر أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة , آه لو وجدت لهذا العلم حملة لا أجد إلا لقناً غير مأمون ، يستعمل آلة الدين للدنيا ، ويستظهر بنعم الله على عباده ، وبحججه على أوليائه ، أو منقاداً لحملة الحق ، ولا بصيرة له في أحناته ، ينقدح الشك في قلبه لأول عارض من شُبهة ، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، أو منهوكا باللذة سلس القياد للشهوة ، أو مغرماً بالجمع والادخار ، ليسا من رعاة الدين في شيء ، أقربُ شبهاً بهما الأنعامُ السائمة كذلك يموت العلم بموت حامليه مستترا .
العلم خير من المال فمنفعة العلم باقية ومنفعة المال تزول بزواله
يا كميل : لا تخلو الأرض من قائم بحجة الله ، إما ظاهراً مشهوراً أو مغموراً لئلا تبطل حجج الله وبيناته ، أولئك والله الأقلون عدداً والعظمون قدراً ، بهم يحفظ الله حججه ، وبيناته حتى يودعوها نظراءهم ويزرعوها في قلوب أشباههم ، هجم بهم العلم على حقيقة الإيمان حتى باشروا روح اليقين ، فاستلانوا ما استخشن المترفون ، وأنسوا بما استوحش من الجاهلون وصحبوا الدنيا بأبدان معلقة بالرفيق العلى .
يا كميل : أولئك خلفاء الله في أرضه ، والدعاة إلى دينه ، آه شوقاً إليهم .
العلماء هم خلفاء الله في أرضه، والدعاة إلى دينه
أيها الإخ الكريم ؛ كن عالماً ، أو متعلماً ، أو مستمعاً ، أو محباً ، ولا تكن الخامسةً فتهلك هكذا قال عليه الصلاة والسلام ، وقال أيضاً :
تعلموا العلم فإن تعلمه قربةٌ إلى الله عز وجل ، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة , وإن العلم لينزل بصاحبه في موضع الشرف ، والرفعة ، والعلم زين لأهله في الدنيا والآخرة .
يا أبا ذر لأن تغدو فتعلَّم آيةً من كتاب الله خير لك من أن تصلي مائة ركعة ولأن تغدو فتعلم باباً من العلم عُمل به أو لم يعمل به خيرٌ من أن تصلي ألف ركعة .
تعلموا العلم فإن تعلمه قربةٌ إلى الله  والعلم زين لأهله في الدنيا والآخرة
ومن غدا يريد العلم يتعلمه لله ، فُتح له بابٌ إلى الجنة ، وفرشت له الملائكة أكتافها ، وصلت عليه ملائكة السماوات وحيتان البحور ولِلعالمِ على العابد من الفضل كفضل القمر ليلة البدر على أصغر كوكب في السماء والعلماء ورثة الأنبياء ما لم يدخلوا الدنيا ، أو يخالطوا السلطان إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً ، لكنهم ورثوا العلم ، فمن أخذه أخذ بحظ وافر ، وموت العالم مصيبة لا تجبر ، وثلمة لا تُستر ، وهو نجم طُمس ، وموت قبيلة أيسر من موت عالم " .

صلاة الجمعة وأهميتها :

من غدا يريد العلم يتعلمه لله، فتح له الله
أيها الإخوة ؛ اطلبوا العلم ولا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عنه ، واعملوا بما علمتم ليورثكم الله علم ما لم تعلموا .
وحافظوا على الصلوات الخمس فهي طهرة لكم في بينها .
وحافظوا على صلاة الجمعة ، لأن لها حكمة فريدة في الإسلام ، إن حكمتها في خطبتها ، وخطبتها ، وخطبتها تضمن لك يا أخي المؤمن حداً أدنى من التذكرة والمعرفة ، وتضمن لك دوام اتصالك بينابيع الإسلام بالقرآن الكريم ، والسنة والأحكام ، والسيرة ، وبمواقف الصحابة الكرام لذلك قال عليه الصلاة والسلام :
عن أبو الجعد الضمري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

((من ترك ثلاث جمع تهاونا بها طبع الله على قلبه ))

[ أخرجه ابن حبان في صحيحه]

وفي رواية : " نكتت نكتة سوداء في قلبه " .
كأنما نبذ الإسلام وراء ظهره .
وفي حديث آخر :
عن أسامة رضي الله عنه قال , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( من ترك ثلاث جمعات من غير عذر كتب من المنافقين ))

[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير]

أيها الأخ الكريم ؛ إذا كنت تؤدي صلاة الجمعة فليكن أداؤك لها كاملاً ، ومن تمام صلاة الجمعة التبكير إليها ، وحكمة التبكير هو سماع الخطبة بكاملها حتى يكون تأثيرها كما أريد له أن يكون .
عن أبو هريرة رضي الله عنه , أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال :

(( من اغْتَسَلَ يوم الجمعة غُسْلَ الجنابة ، ثم راح فكأنَّما قَرَّب بَدَنَة ( ناقة ) ، ومن راح في الساعة الثانية ، فكأنَّما قرَّبَ بقرة ، ومن راح في الساعة الثالثة ، فكأنَّما قرَّبَ كَبْشا أقْرَنَ ، ومن راح في الساعة الرابعة ، فكأنَّما قَرَّبَ دَجاجة ، ومن راح في الساعة الخامسة ، فكأنَّما قرَّب بيضة ، فإذا خرج الإمام حضرتِ الملائكةُ يستمعون الذِّكر ))

[ أخرجه البخاري ومسلم ]

إذا كنت تؤدي صلاة الجمعة فليكن أداؤك لها كاملاً
وفي رواية أخرى

(( فإذا صعد الخطيب المنبر طويت الصحف وجلست الملائكة تستمع ))

قال تعالى :
بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * ﴾

[ سورة الجمعة ]

إخوتي المؤمنين ؛ نظراً لما للعلم من خطورة وأهمية في حياة الإنسان فسأوضح لكم في الجمعة القادمة إن شاء الله حقيقة العلم النافع الذي أراد ربنا أن نطلبه ومتى يسمو هذا العلم بصاحبه ويفيد منه .
أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وصلوا ما بينكم وبين ربكم تسعدوا ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :

 

الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم .

الدعاء :

اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم صن وجوهنا باليسار ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء .
اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت ، واصرف عنا شر الأعمال لا يصرفها عنا إلا أنت .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018