الخطبة : 0446 - إصلاح الباطن - هلك المُسَوِّفون. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0446 - إصلاح الباطن - هلك المُسَوِّفون.


1993-07-30

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم ، رسول الله سيِّد الخلق والبشر ، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر ، اللهمَّ صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريَّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

إصلاح الباطن :

 جرى فسقٌ في بعض الفنادق ، حيث شُرب الخمر ، وحيث الاختلاط بين النساء والرجال ، وقد كتب على بطاقة الدعوى : الطيِّبون للطَّيِّبات ! أيُّ طيبٍ هذا ؟ أفي هذه المعاصي التي اقْتُرفَت أم في هذه الخمور التي شربَت ؟
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ هذا الذي يعتبُ على الله عز وجل لأنّه توهَّم أنَّ الله تخلّى عن المؤمنين ، والله سبحانه وتعالى ما كان له أن يتخلّى عن المؤمنين ، هذا من سابع المستحيلات ، ولكن لِنُلاحظ أنفسنا ، هل نحن في مستوى تأييد الله لنا ؟
 أيها الأخوة الكرام ؛ آيةٌ ثانية ، وهي قوله تعالى :

﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾

[ سورة الأنعام : 151]

 إذا اجْتنَبَ الإنسان الفواحش الباطنة كالخمر ، الزنا ، السرقة ، إذا اجْتنَبَ الإنسان الفواحش الظاهرة فما له لا يجتنبُ الفواحش الباطنة ؟ الفواحش الباطنة أشدّ فَتْكًا في الإنسان من الفواحش الظاهرة ، لماذا ؟ لأنّ الفواحش الظاهرة سريعاً ما يتوب الإنسان منها ، أما الفواحش الباطنة إذا اسْتمرأها ، واسْتقرَّ عليها ، ورضي بها ، وجعلها دَيْدَنًا له ، فهذه الفواحش الباطنة تهلكُه ، وتلقي به في مهاوي الرّدى .
 أيها الأخوة الكرام ؛ قال تعالى :

﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾

[ سورة الأنعام : 151]

 كما نحرصُ على عيوننا ، كما نحرصُ على حواسّنا ، ما منَّا واحدٌ إلا يكادُ يخرجُ من جلده إذا شعر أنّ في عَيْنِهِ خللاً ، أو أنّ في سمْعه خللاً ، أو أنّ في حركته خللاً ، أو أنّ في نطقهِ خللاً يُبادرُ إلى الطبيب ، ويعلوه الهمّ ، ويمتلئ قلبهُ حزنًا وضيقًا ، فما له لا يتألَّم الألم نفسهُ إذا رأى في قلبه حسدًا ؟ أو رأى في قلبه ضغينةً ؟ أو رأى في قلبه كِبْرًا ؟ أو رأى في قلبه استِعْلاءً ؟ أو رأى في قلبه اتِّهامًا للآخرين ؟ أو رأى نفسه فوق الناس ؟ ما له لا يطير ألمًا أو ما له لا يخرج من جلده ألمًا إذا أدرك أنّ قلبهُ ليس سليمًا ؟ وأنَّه سيلقى الله به ، وأنّه رأس ماله يوم القيامة ، وأنّ الله لا ينظر إليه ، وأنّ الله سيحْجبهُ عنه ، هذا معنى قول الله تعالى :

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾

[ سورة الشعراء : 88-89]

 كيف نسْتحقّ نصْر الله إذا كنَّا متدابرين ؟ إذا كنّا متباغضين ؟ إذا كنَّا متحاسدين؟ إذا أراد بعضنا أن يحطِّمَ بعضه الآخر ، إذا أردنا أن نأكل أموالنا بالباطل ، ونُدْلي بها إلى الحكام ، إذا امتلأَ قصْرُ العدْل بالقضايا التي تزيد عن عشرات الألوف كلّها دعاوَى بالباطل ، كلُّها من أجل أن نأكل حقّ إخواننا ، أتُريدون من الله عز وجل أن ينصرنا على هذا الحال ؟ ما جَدْوى عبادتنا ؟ ماذا تنفعُ صلاةٌ جَوْفاء ؟ ماذا ينفعُ صيامٌ لا معنى له ؟ ماذا ينفعُ حجٌّ إلى بيت الله الحرام ولم يعُد الحاجّ بِنَموذج آخر ؟ عاد أسْوَأ مِمَّا ذهب ، أهذا هو الإسلام ؟ أهؤلاء الذين يستحقُّون النَّصْر من الواحد الدّيان ؟
 أيها الأخوة الأكارم ؛ آيةٌ ثالثة تشير إلى إصلاح الباطن ، قال تعالى :

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾

[ سورة الكهف : 110 ]

 إنَّه الشِّرك الخفيّ ، أخْوَفُ ما أخاف على أمّتي الشّرك الخفيّ ، أما إنَّني لسْتُ أقول إنّكم تعبدون صنمًا ولا حجرًا ، ولكن شَهْوة خفِيّة ، وأعمالاً لغير الله ، أن ترائي بِعملك ، الرّياء والشّرك من لوازم البعد عن الله عز وجل ، الرّياء والشِّرك يُحبطان العمل ، ألم تقرأ قوله تعالى :

﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا ﴾

[ سورة الفرقان : 23 ]

 لماذا قُذِفَ هذا العمل وجُعِلَ هباءً منثورًا ؟ لماذا ردّ هذا العمل إلى وُجوه فاعليه ؟ لماذا لمْ يقبل هذا العمل ؟ لأنّ الشِّرْك خالطَهُ ، ولأنّ الرّياء خالطَهُ ، ما الشِّرْك وما الرِّياء إلا ضَعْفٌ في التوحيد ، لذلك قال الله عز وجل :

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾

[ سورة الكهف : 110 ]

وجوب عبادة الله ظاهراً و باطناً :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ هذه الأعضاء الظاهرة يجبُ أن تعبد الله تعالى ، عبادة العين غضُّ البصر ، وعبادة الأذن ألا تسمع الغيبة والنميمة والغناء وما إلى ذلك ، عبادة اللّسان أن يكون رطْبًا بِذِكْر الله ، عبادة اليد الإحسان ، وعبادة الرّجل السَّيْر إلى بيوت الله عز وجل ، هذه العبادات الظاهرة ، وأما القلب فعِبادتُهُ الإخلاص لله عز وجل ، قال تعالى :

﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾

[ سورة الأنعام : 162]

 لا بدّ من أن يعبد القلب الله ، وعبادة القلب إخلاصه لله ، لا رياء ، ولا شِرْك ، ولا نفاق ، ولا مداهنَة ، ولا مُصانعَة ، ولكن إلهي أنت مقصودي ، ورضاك مَطلوبي ، قال تعالى :

﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً ﴾

[ سورة الإنسان : 9]

 أيها الأخوة الأكارم ؛ حديث شريف يؤكّد المعنى نفسه ، قال عليه الصلاة والسلام :

((ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، و إذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب))

[ البخاري عن النعمان بن بشير]

 هذا القلب إنْ صلح صلح الجسد كلّه بالمعنى المادّي ، وإن فسدَ فسَدَ الجسد كلّه بالمعنى الروحي ، إن صلح القلب صلحَت العبادات ، وقُبِلَتْ الأعمال ، وصحَّ السُّلوك ، وإن فسد كان النّفاق والرِّياء ، وكان ردّ العمل ورفضه ، وحجْب صاحبه عن الله عز وجل .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ حديث آخر يؤكِّد المعنى نفسه :

((إنّ الله لا ينظر إلى صوركم ، ولكن ينظر إلى أعمالكم))

[مسلم عن أبي هريرة]

 الإنسان مهما حسَّن في منظره فالموت - كما قلتُ لكم في خُطبٍ سابقة - يلغي غِنَى الغنيّ ، ويلغي فقْر الفقير ، ويُلغي قوّة القويّ ، ويُلغي ضَعف الضعيف ، ويُلغي صِحَّة الصحيح ، ويٌلغي سُقْم السقيم ، الموت يلغي كلّ شيءٍ ، ولكنّ العمل الصالح هو الذي يبدأ بعد الموت ، يا قُيَيْس إنّ لك قرينًا يُدْفنُ معك وهو حيّ ، وتُدْفن معه وأنت ميّت ، فإن كان كريمًا أكرمك ، وإن كان لئيمًا أسْلمك ، ألا وهو عملك .

العاقل من أتى الله بقلب سليم :

 أيها الأخوة الكرام ؛ ينبغي أن نسأل أنفسنا هذا السؤال كلّ يوم : ما طبيعة العمل الذي أنا متلبّسٌ به ؟ هل أنا متلبِّسٌ بِعَملٍ لا يرضي الله تعالى ؟ هل في بيتي عملٌ لا يرضي الله تعالى ؟ هل في أهل بيتي سلوكٌ لا يرضي الله ؟ هل في كسْب مالي كسبٌ لا يرضي الله تعالى ؟ هل في إنفاق مالي إنفاقٌ لا يرضي الله تعالى ؟ هذا السؤال اليومي ، لأنّ الإنسان إذا عدَّ غدًا من أجله فقد أساء صُحْبة الموت ، فقد ينامُ ولا يستيقِظ ، وقد يستيقظ وينام في القبر ، وقد يسافر ، ولا يعود ، وقد يخرج من بيته ، ويعود مَحمولاً ، وقد يدخل البيت ، ويخرج منه محمولاً ، الموت سريع سريع ، وكلّ مخلوقٍ يموت ، ولا يبقى إلا ذو العزّة والجبروت ، الليل مهما طال فلا بدّ من طلوع الفجر ، والعمر مهما طال فلا بدّ من نزول القبر ، ما منَّا واحد إلا ويقرأ النعي كلّ يوم ، كلّما مرّ على نعْي جديدة وقفَ أمامها ، وقرأ من المتوفّى ، وقرأ من هم آل المتوفّى ؟ وقرأ أين عنوان بيت المتوفّى ؟ فإن كان بينهما قرابةٌ بادرَ إلى تعزِيَتِهِ ، وهل يخطر في بال هذا الذي يقرأ هذه النّعَي أنَّه لا بدّ من يومٍ يقرأ الناس نعْوتُهُ ويصبح رهين عمله وأسير سُلوكه ويصبحُ في قبضة الله عز وجل ؟ قال تعالى :

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾

[ سورة الشعراء : 88-89]

 هذا الشيء الذي لا بدّ من أن يأتي ، قال تعالى عنه :

﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾

[ سورة النحل : 1]

 معناه لمْ يأتِ ، مادام الله تعالى ينهانا عن أن نسْتعجلُه إذًا لمْ يأت بعدُ ، فلماذا عبَّر عنه الله بأنَّه قد أتى ؟ هذا من باب تحقّق الوُقوع ، أي كلّنا قد حُكِمَ عليه بالموت مع وقْف التنفيذ ، ما من واحدٍ بعد مئة عامٍ ترونه في هذا المكان ، أبدًا ، باليقين ، كلّنا محكوم عليه بالموت مع وقف التنفيذ ، فالإنسان السعيد هو الذي يفكِّر دائمًا ، صباحًا ومساءً ، في سرِّه ، وفي جهره ، وفي خلوته ، وفي جلوته ، بهذه الساعة التي يفارق فيها الدنيا ، كلّ شيءٍ جمَّعهُ في حياته يفقدُه في ثانية واحدة ، ويصبِح رهين عمله ، فلذلك الإنسان إذا واجه الموت قبل أن يستعدّ له يُصْعق ، لكنّه إذا واجهه وقد اسْتعدَّ له بالأعمال الصالحة ، وبالتوبة ، والإنابة ، وبِطَلب العلم الشرعي ، وبِحُضور مجالس العلم ، وبأن يستقيم على أمر الله ، وبأن يجعل بيته إسلاميًّا ، وعملهُ إسلاميًّا ، وكسْبهُ إسلاميًّا ، إلى أنْ يشْعر أنَّ الله سبحانه وتعالى قد رضيَ عنه، هذا هو الذكاء ، وهذا هو العقل ، وهذا هو التفوُّق ، وهذا هو النجاح ، وهذا هو التوفيق .

 

إصلاح القلب هو الدين كله :

 من خلال هذا البحث نجد أنّ هناك عبادات ظاهرة كالصوم ، والصلاة ، والحج، والزكاة ، وغض البصر ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإصلاح ذات البَيْن ، إلى آخره، وهناك عبادات باطنة كالتوبة ، والإنابة ، والتوكّل ، والتفويض ، والتسليم ، والتواضع ، والرضا بقَضاء الله وقدره ، والحبّ ، والرحمة ، والإنصاف ، وما إلى ذلك ، هذه العبادات الباطنة إذا صحّتْ صحَّت العبادات الظاهرة ، إذًا يمكن أن نقول ولَسْنا مبالغين : إنّ إصلاح القلب هو الدّين كلّه ، لأنّ إصلاح الظاهر شطْر الدّين ، وأنّ هذا الشَّطْر لا يصحّ إن فسدَ الباطن ، إذًا إصلاح الباطن هو الدّين كلُّه .

أصل الدين معرفة الله عز وجل :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ يقول بعض العلماء : الشريعة طافحةٌ بإصلاح القلوب بالمعارف والأحوال ، لا بدّ من أن تعرف الله ، لا بدّ من أن تقتطِعَ من وقتك وقتًا لِمَعرفته ، لا بدّ من أن تقرأ كتاب الله ، لا بدّ من أن تستمع إلى تفسيره ، لا بدّ من أن تفهم حديث رسول الله، لا بدّ من أن تقف على سيرته ، ولا بدّ من أن تعرف الأحكام الفقهيّة ، هذا جانبٌ من جوانب الشريعة ؛ طلب العلم ، لأنّ صلاح القلب وصلاح الظاهر أساسه المعرفة ، والمعرفة أساس الدّين ، وأصل الدِّين معرفتهُ ، فيقول أحد العلماء : الشريعة طافحة بإصلاح القلوب بالمعارف والأحوال ، والعزم والنيّات ، ومعرفة الأحكام الظاهرة معرفة لِجَلِيّ الشرع ، ومعرفة البواطن معرفةٌ لِدَقائق الشرع ، لا يكفي أن تعرف جلِيّ الشّرع ، لا بدّ من أن تعرف دقائقَهُ .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ هؤلاء الذين يقطعون الناس عن الله ، ما سِرُّهم ؟ إنَّهم تشبَّهوا بقَومٍ وليْسُوا منهم ، لا يُقاربونهم في شيء ، فعلوا الأفعال الظاهرة ، وكانت قلوبهم مُنْكرة، لذلك كانوا مُثُلاً سيّئة للناس ، كيف أنَّ هناك في الناس من هو داعيةٌ إلى الله عز وجل ، يقرّب الناس إلى الله ، يُحبّبُ الناس بالله عز وجل ، يزيدهم طاعةً لله عز وجل ، إنّ في الناس أناسًا فسدَ باطنهم ، وصلح ظاهرهم ، هؤلاء كَقُطَّاع الطُّرق يقطعون الزاهدين إلى الله عن بُغْيتهم ، لأنّهم مُثُلٌ سيّئة .
 فيا أيها الأخ الكريم بإمكانك أن تكون موصلاً أو قاطعًا ، مُحَبِّبًا أو مُبَغِّضًا ، مرغِّبًا أو منفِّرًا ، جامعًا أو قاطعًا ، بسُلوكك .

كمال الإيمان يكمن في التناسق بين الظاهر والباطن :

 أيها الأخوة الكرام ؛ كمال الإيمان في التناسق بين الظاهر والباطن ، بين صلاح القلب وصلاح الأعضاء ، بين صلاح القلب وصلاح السُّلوك ، بين العمل الصالح وبين الإخلاص ، أما الذين انْفصَمَتْ شَخْصيّتهم ، وازْدَوجُوا ، وصار لهم ظاهرٌ يُرضي الناس ، وباطنٌ لا يرضي الناس ، في الباطن أحبُّوا الدنيا ، وأقبلوا عليها ، وفعلوا من أجلها كلّ شيءٍ ، واستهْوَنوا من أجلها كلّ محرّم ، هؤلاء الذين ازْدَوَجَتْ شخصيّاتهم ، كان لهم ظاهر ، وكان لهم باطن ، كانت لهم جَلْوة ، وكانت لهم خلوة ، ومن لم يكن له ورعٌ يصدّه عن معصيَة الله إذا خلا لمْ يعبأ الله بِشَيء من عمله ، لذلك ترى هذا الانفصام في شخصيَة المسلم ، أي أعماله ليْسَت إسلاميّة ، ولكنّه يتظاهر بِمَظاهر إسلاميّة ، عندهُ مسْبحٌ مختلط ويقيمُ مَوْلدًا للنبي عليه الصلاة والسلام يدْعو إليه بعض العلماء لِيُلقي الكلمات ويتبرَّك بهم !! ما هذا التبرّك ؟ ما هذه الشخصيّة المتناقضة ؟ معصِيَةٌ ظاهرة هو يرعاها ، وهو سببها ، وبعد ذلك يريد أن يغطِّي هذه المعاصي ، وهذه الموبقات باحتفالات اسْتِعراضيّة ، يرفعُ نفسهُ إلى مقام المؤمنين ، الشخصية المزدوجة هي الشخصيَة التي يعاني منها العالم الإسلامي ، دينهُ في واد ، وحياته في واد ، كسْبُ ماله ، نزهاتهُ ، احتفالاته ، بيتهُ بعيد عن الدِّين ، ولكن له مظاهر إسلاميّة ربّما توهَّم المُتَوَهِّمون أنَّهم من الأتقياء الكبار .

المنافسة على الدنيا أكبر مصيبة حلَّتْ بالمسلمين :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ هذا الازدواج في الشخصية يجعل المسلمين يتنافسون ولا يتعاونون ، يتباغضون ولا يتراحمون ، يتراشقون التُّهَم ولا يُحسن بعضهم لبعض الظنّ ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

((يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها ، قالوا : أو من قلة نحن يا رسول الله ؟ قال : إنكم كثير ، و لكنكم غثاء كغثاء السيل ، ولينزعن الله المهابة من صدور عدوكم ، و ليقذفن في قلوبكم الوهن ، قالوا : وما الوهن ؟ قال : حب الدنيا و كراهية الموت))

[ أبو داود عَنْ ثَوْبَانَ]

 حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة ، حبُّ الدنيا وكراهيَة الموت هو الوهْن الذي يصيب المسلمين في العالم الإسلامي في آخر الزمان ، هم يزيدون عن مليار ومئتي ألف ! أكثر من خمْس سُكَّان الأرض ، مع أنّ النبي عليه الصلاة والسلام قال :

(( ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ ))

[أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس]

 اثنا عشر ألف مؤمن كما أراد الله عز وجل لن يُغْلبوا ، أما إذا كان مليار ومئتا ألف باطنهم فاسِد ، قلبهم بعيد عن ذكر الله ، أعمالهم الظاهرة بعضها منضبط وأكثرها غير منضبط ، فأنَّى لهم أن يستحقُّوا نصر الله عز وجل ؟
 أيها الأخوة الأكارم ؛ روى البخاري ومسلم :

((أن تُبْسَطَ عليكم الدنيا . . .))

[ البخاري و مسلم عن عمرو بن عوف]

 المنافسة على الدنيا هي سبب أكبر المصائب التي حلَّتْ بالمسلمين ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

(( تعِسَ عبدُ الدِّينار، وعَبْدُ الدِّرهم ))

[البخاري عن أبي هريرة ]

 أيها الأخوة الأكارم ؛ للموضوع صلة نتابعهُ في خطبة قادمة حيث نتحدّث عن العلاج .
 حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطّى غيرنا إلينا فلْنَتَّخِذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتْبعَ نفسه هواها ، وتمنّى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

هلك المسوّفون :

 أيها الأخوة الكرام ؛ قيل : هلك المُسَوِّفون ، المُسَوِّف الذي إذا جلس في مجلس علم ، أو في خطبة جمعة ، وتأثَّر بأفكارها ، وأراد أن يتوب إلى الله عز وجل قال : سأفعل بعد حين ! في أوّل العام الدراسي إذا كان طالبًا ، أو في أوّل انتهائِهِ من الفُحوص إذا كان في العام الدّراسي ، أو بعد أن أتزوّج ، أو بعد أن أُؤسِّس هذا المحلّ !! هذا الذي يعلّق توبته على حدثٍ مستقبلي ، إنّه مسوِّف ، وقد قيل : هلك المسوِّفون ، لأنّه قد لا يدري أيَصِلُ إلى هذا الموعد أو لا يصل ؟ فيا أيها الأخوة العلم ما لم يُعْملُ به ، الجهل أولى منه ، لأنّ العلم يضعُك عند مَسؤوليّاتك ، العلم ما لم يُعْملُ به كان الجهل أولى منه ، لأنّ الجاهل له حساب ، والذي بلغه العلم له حساب .
 فيا أيها الأخوة ، الإنسان إذا اتَّعَظ ، أو إذا تأثَّر ، أو إذا أجْرى محاكمةً منطقِيَّةً فرأى أنَّ الخير أن يتوب إلى الله ، أنّ الخير أن يدعَ هذا العمل ، أنّ الخير أن يدَعَ هذه التِّجارة، الخير أن يضبط بيتهُ ضبطًا إسلاميًّا ، الخير أن ينطلق إلى طاعة الله عز وجل ، إذا رأى الخير كذلك فلا يُسَوِّف لأنّه إن سوَّف هلك ، وهلك المُسوِّفون ، أساسًا ما من واحد على وجه الأرض متلبّس بِمَعصيَة إذا كان على إيمانٍ ضعيف بالله عز وجل إلا ويقول : سوف أتوب إن شاء الله ، ولكن كلمة سوف في موضوع التوبة ربّما كانت مهلكة ، فلذلك إذا عقدَ أحدكم العزم أن يتوب فلْيَتُب من توِّه ، ولْيُبادر إلى إصلاح ظاهره وباطنه ، وليُقِم الإسلام في بيته ، إن فعل ذلك قطَفَ الثِّمار يانعةً في اللّحظة التي يتوب فيها ، إذا رجع العبد العاصي إلى الله نادى منادٍ في السموات والأرض أن هنِّؤوا فلانًا فقد اصطلح مع الله ، التَّهْنئة الحقيقيّة لا في شراء البيت ، ولا في زواجٍ ناجح ، ولا في اقْتناء مركبةٍ ثمينة ، ولا في اعتِلاء منْصِبٍ رفيع ، التَّهنئة الحقيقيّة تلك التي تحصل إذا اصطلح الإنسان مع ربّه ، وتعرّف إليه ، وطبَّق منهجه ، إذًا هو في الخطّ الصحيح ، وفي الموقع الصحيح ، وفي الهدف الصحيح ، يشعر أنَّه حقق الهدف من وُجوده ، وحقَّق إنسانيّته .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018