الترغيب والترهيب - الدرس : 088 - كتاب البيوع وغيرها - الترغيب في الورع وترك الشبهات وما يحوك في الصدور -2 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الترغيب والترهيب - الدرس : 088 - كتاب البيوع وغيرها - الترغيب في الورع وترك الشبهات وما يحوك في الصدور -2


1997-10-19

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

الشيء الذي لا يرضاه الله عز وجل تستحي به و تكره أن يعرفه الناس :

 أيها الأخوة الكرام ، حديث اليوم :

(( البرُّ حُسْنُ الخُلُق والإِثم ما حَاكَ في الصّدْرِ وكَرِهْتَ أن يَطَّلِعَ عليه الناس منك ))

[مسلم عن نواس بن سمعان]

  الله عز وجل أعطانا ميزاناً دقيقاً , ميزان مع كل إنسان ، الشيء الذي لا يرضاه الله عز وجل تستحي به , و تكره أن يعرفه الناس , لذلك ما من إنسان يغش بضاعة إلا يغشها في مكان خفي ، لا تجد إنساناً في الأرض يغش بضاعة أمام الشاري ، لأن هذا العمل يستحي به فصار مقياساً .
النبي عليه الصلاة والسلام أعطانا مقياساً قال :

 

(( إياك وما يعتذر منه ))

 

[الحاكم في المستدرك من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعا]

  كل تصرف تضطر أن تعتذر عنه ابتعد عنه ، إنه يصغرك , ويحرجك , و يجعلك أمام الناس في مكان لا تحسد عليه .

 

(( إياك وما يعتذر منه ))

 

قوانين القرآن الكريم :

 وهناك عدة قوانين في القرآن الكريم ، قانون التيسير .

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾

( سورة الليل )

  قانون الخوف :

﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا ﴾

( سورة آل عمران )

  قانون العزة :

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ ﴾

( سورة يونس )

  إذا كنت محسناً لا تشعر بالذل , ولا بالإرهاق ، هنا المقياس النفسي أن كل شيء تستحي به وتكره أن يطلع الناس عليه فهو الإثم ، لأن :

 

(( البِرُّ حُسْنُ الْخُلُق ))

  العكس هو : الإثم سوء الخلق ، الغش ، الخيانة , الخديعة , الكذب , التدليس ، الإيهام ، هذه كلها تستحي بها .

 

 

(( البِرُّ حُسْنُ الْخُلُق ))

 

من حصّل حسن الخلق مع الإيمان حصّل كل شيء :

 الحقيقة أن الإنسان إذا حصّل حسن الخلق مع الإيمان ، حصّل كل شيء ، والذي فاته حسن الخلق لم يحصّل شيئاً ، لأن الله سبحانه وتعالى حينما أثنى على نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أثنى عليه بحسن الخلق ، مع أنه كان خطيباً ، وكان مجتهداً ، وكان عالماً ، وكان قائداً ، الله أعطاه ميزات كبيرة جداً ، أما حينما أثنى عليه ، أثنى عليه بحسن الخلق .
 النقطة الدقيقة هنا : أنني إذا أعطيت ابني جهازاً يخاطب به الناس عن بعد ، مثلاً هذا الجهاز ميزة لا للابن ، للذي أعطاه الجهاز ، لا يمدح به ، فالله إذا أعطى إنساناً ذكاء ، أعطاه قدرة على تيسير الأمور ، أعطاه طلاقة لسان ، هذه كلها قدرات أعطاه الله إياها ، لا يمدح بها ، أما حينما يقف الإنسان موقفاً يعاكس رغباته التي أودعت فيه ، إرضاء لمولاه ، هذا الخلق كله صبر ، كل مكارم الأخلاق أساسها الصبر ، فالكريم يصبر على إنفاق المال ، والحليم يصبر على الاستفزاز ، ويمكن أن ترجع مكارم الأخلاق كلها إلى الصبر ، فالإيمان حسن الخلق ، عملية ضبط ، عملية كبح ، عملية سيطرة على الأهواء والنزوات والرغبات .
 فالله عز وجل إذا أعطى النبي قدرات فائقة ، هذه لا يمدح بها ، ولكن يمدح حين يصبر على الأذى ، حينما يصبر على معاملة الناس ، من هنا قال عليه الصلاة والسلام :

(( الذي يُخالط الناس ويَصْبِرُ على أَذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يَصْبِرُ على أذاهم ))

[الترمذي عن رجل من الصحابة]

(( البِرُّ حُسْنُ الْخُلُق والإِثم ما حَاكَ في الصّدْرِ وكَرِهْتَ أن يَطَّلِعَ عليه الناس ))

الازدواجية في شخصية الإنسان ازدواجية مقيتة وهي بوادر النفاق :

 لذلك حياة المؤمن راقية جداً ، لا يوجد عنده شيء يستحي به ، لا يوجد عنده شيء يكتمه وشيء يعلنه ، لا يوجد عنده خلوة وجلوة ، لا يوجد عنده سر يناقض العلانية ، هذه الازدواجية في شخصية الإنسان ، هذه ازدواجية مقيتة ، هي بوادر النفاق ، المؤمن كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( تَركتُكُم على بَيضاءَ نقية لَيلُها كنهارِها لا يَزِيغُ عنها إلاَّ هالِكٌ ))

[ أحمد عن العرباض بن سارية]

  المؤمن في خلوته ، في بيته ، في أخص خصوصيات ، حياته وفق المنهج ، حتى في خواطره ليس عنده خواطر سيئة ، خواطره كلها إيجابية ، المؤمن موحد ، والتوحيد بالمؤمن شيء رائع جداً ، لا يوجد عنده شيء يستحي به ، لا يوجد عنده شيء لا يقال ، أما المنحرفون لهم شخصية ازدواجية , عنده شيء للاستهلاك , وشيء يبطنه ولا يعلنه ، هذا هو النفاق .
 معنى هذا أن الإنسان لديه فطرة سليمة ، الشيء الذي لا يرضي الله يستحي به ، والإنسان لمجرد أن يفعل عملاً في السر لا يستطيع أن يفعله في الجهر ، فهذا إثم لأنك تكره أن يطلع الناس عليه .

 

الحفاظ على الصدقة أمر واجب :

  حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم :

 

 

(( مرَّ بتمرة في الطريق فقال لولا أني أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها ))

 

[ أخرجه البخاري عن أنس]

  مر معي رواية أخرى , أن الوحي انقطع عنه أياماً عديدة ، فقال يا عائشة : لعلها تمرة وجدتها على السرير فأكلتها وهي من تمر الصدقة ، هذا الورع .
 لعلها تمرة وجدتها على السرير فأكلتها وهي من تمر الصدقة ، هذا تعليم لنا ، مال الله لله .
 مرة أحد أخواننا الكرام , شاهد أخاه في المنام وهو يشتعل ، اللهب من حوله ، قال له : ثمانية آلاف ، عنده ثمانية آلاف هي بإشرافه لينفقها في سبيل الله فأنفقها على نفسه , ومات ، فرآه أخوه في المنام , وهو يلتهب من شدة الألم على هذا المبلغ الذي أكله , وهو من أموال الصدقة .
 قال يا عائشة : لعلها تمرة وجدتها على السرير فأكلتها وهي من تمر الصدقة .
 الحديث :

 

(( لولا أنى أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها ))

 

[ أخرجه البخاري عن أنس]

على الإنسان أن يخرج من الخلاف الذي يقع به بأخذ الذي لا يريب :

 وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال : حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ النبي أوتي جوامع الكلم ـ :

(( دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلى ما لا يَرِيبُكَ ))

 

[ أخرجه الترمذي والنسائي عن الحسن بن علي]

 هناك شيء يدعو إلى الريبة ، شبهة , وهناك شيء واضح ، دائماً دع الشبهات إلى البينات ، البين أوضح :

 

 

(( دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلى ما لا يَرِيبُكَ ))

 كلام جامعٌ مانع ، مختصر مفيد ، لا يدع مجالاً للمزيد ، الذي فيه شك فيه جانب إيجابي , وفيه جانب سلبي , هناك فقهاء أجازوا , وفقهاء لم يجيزوا , ما دام هناك خلاف اخرج من الخلاف بأخذ الذي لا يريب .

 

 

(( دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلى ما لا يَرِيبُكَ ))

  وهذا أساس بالورع ، يوجد شيئان : التعامل هذا في شبهة الربا ، لكن هناك أدلة على أنه مشروع ، إلا أن العلماء قالوا : إنه في شبهة الربا ، دعه .

 

 

(( دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلى ما لا يَرِيبُكَ ))

 

[ أخرجه الترمذي والنسائي عن الحسن بن علي]

  إلى وضع واضح بين كالشمس .
 يوجد زيادة :

 

(( فقيل فمن الورع فقال عليه الصلاة والسلام الذي يقف عند الشبهة ))

 

[ المعجم الكبير عن واثلة بن الأسقع]

  الذي يقف عند المحرم هذا ليس بورع ، أما الذي يقف عند الشبهة هو الورع .

 

الحكم الشرعي يسع الناس كلهم و الورع مختص بالورعين فقط :

 

 وعن عائشة رضي الله عنها قالت :

(( كان لأبي بكر غُلام يخرجُ له الخراجَ وكان أبو بكر يأكل من خراجه فجاء يوماً بشيء ووافق من أبي بكر جوعاً فأكل منه لُقمة قبل أن يسألَ عنه فقال له الغلام تدري ما هذا فقال أبو بكر وما هو قال كنتُ تكهَّنت لإنسان في الجاهلية وما أحُسِنُ الكهانة إلا أني خدَعتُه فلقيني فأعطاني بذلك فهذا الذي أكلتَ منه فأدخل أبو بكر إصبَعَه في فيه فقاء كل شيء في بطنه ))

[ أخرجه البخاري عن عائشة]

  وقد يسأل سائل ؟ هل هذا هو الحكم الشرعي ؟ الجواب : لا ، هذا هو الورع .

 

(( إن الله يتجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ))

 

[أخرجه ابن ماجه عن عبد الله بن عباس ]

  لكن من شدة ورعه أراد ألا يبقى في جوفه طعاماً من مال حرام .
 وهذه الفكرة تعطي حلاً لمشكلات كثيرة ، نحن عندنا حكم شرعي , وعندنا شيء اسمه الورع ، فالحكم الشرعي يسع الناس كلهم , وأما الورع مختص بالورعين ، فلو أن إنساناً أكل طعاماً فيه شبهة ، أو ثمنه مال حرام ، ولم يدرِ ليس مؤاخذاً عند الله عز وجل , والأكمل أن يتحرى الحلال ، أما أن يستقيء ليس مكلفاً بذلك ، إلا أن الورع هكذا .
 الإنسان إذا أُكره على أن ينطق بكلمة الكفر ، الحكم الشرعي إذا أُكره إكراهاً ملجئاً أي يُقتل إن لم يقل ، فقال هذه الكلمة وقلبه مطمئن بالإيمان ، لا شيء عليه , أما الذي رفض أن يقولها وقُتل هذا يموت مجاهداً ، له أجر أعلى ، فهذه قضية يسمونها الحد الأدنى والأقصى , الأدنى هو الحكم الشرعي , أما الأقصى ، لو أن امرأة أُكرهت على الزنا فإن لم تقبل قُتلت إن قبلت هناك حكم , وإن رفضت وقُتلت هناك حكم ثان , الشرع يسع الناس جميعاً.
 إنسان سافر ، علة السفر الإفطار في رمضان ، أما إن كان السفر قصيراً و لا يوجد به مشقة ، فبقي صائماً هذا ورع أكثر .

﴿ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾

( سورة البقرة )

الخروج من الخلاف :

 على كلٍ : هناك نقطة دقيقة سماها الفقهاء : الخروج من الخلاف ، دائماً نحن نعلم أن الأحكام الشرعية لها صفة ، إما أنها أحكام متفق عليها ، ليس فيها خلاف ، وهذا الذي اتفق عليه العلماء حجة قاطعة , و إما أن هذا الموضوع خلافي أي هناك علماء أجازوه ، وعلماء لم يجيزوه .
 الإمام أبو حنيفة في آخر حياته أجاز المسح على الجوربين , وهناك علماء كثر لم يجيزوا المسح على الجوربين ، أجازوا المسح على الخفين أي الخف الذي يصمد في المشي نصف ساعة , ولا يتأثر هذا يجوز أن تمسح عليه ، الخف الذي لا ينفذ الماء منه يجوز أن تمسح عليه ، الخف المتماسك يجوز أن تمسح عليه ، أما الجوربين فلا يجوز .
 الأمام أبو حنيفة جاء بأدلة في آخر حياته ، أجاز المسح على الجوربين فأنت وقعت في موقع حرج ماذا تفعل ؟ أنت في بيتك , والأمور ميسرة , والماء ميسور , والجو لطيف , ماذا تفعل ؟ يقول لك : اخرج من الخلاف بغسل قدميك ، خروج من الخلاف ، قضية خلافية فيها شبهة ، لكن حينما تكون مضطراً أنت بالخدمة الإلزامية ، ويجب أن تصلي الظهر و معك خمس دقائق فقط , وتلبس حذاء يلزم ساعة لفكه ، نقول لك : في الحالة الضرورية جداً خذ بمذهب أبي حنيفة في المسح على الجوربين ، وهكذا .

على المؤمن أن يدع هامش أمان بينه وبين المعصية :

 حديث آخر :

(( لا يبلُغُ العبدُ أَن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به البَأْسُ ))

[ أَخرجه الترمذي عن عطية السعدي ]

  هذه كالأولى

(( دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلى ما لا يَرِيبُكَ ))

(( لا يبلُغُ العبدُ أَن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به البَأْسُ ))

[ أَخرجه الترمذي عن عطية السعدي ]

 دائماً المؤمن يدع هامش أمان بينه وبين المعصية .
 تصور نهراً عميقاً , ومخيفاً ، له شاطئ مائل , وعليه حشائش , و شاطئ مستوٍ و جاف ، فالمشي على الشاطئ الجاف الزلق هذه مخاطرة ، النهر هو المعصية ، والشاطئ المائل الزلق هو الشبهات , والشاطئ المستوي الجاف هو البينات ، فالذي يمشي على هذا الشاطئ المائل معرض إلى السقوط في النهر , وهذا الشاطئ ليس نهراً هو شاطئ ، لكنه زلق، فالمؤمن يمشي على المنطقة المستوية الجافة .

 

(( لا يبلُغُ العبدُ أَن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به البَأْسُ ))

 

[ أَخرجه الترمذي عن عطية بن عروة السعدي ]

المؤمن هو من ساءته سيئته وسرته حسنته :

 آخر حديث : سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( ما الإثم يا رسول الله قال ما حك في صدرك فدعه قال فما الإيمان قال من ساءته سيئته وسرته حسنته فهو مؤمن ))

[ أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط عن أبي أمامة الباهلي ]

  وكل إنسان يفرح بالحسنة ويستحي بالسيئة هذه علامة طيبة على أنه مؤمن ، على أن فطرته لم تزل سليمة , أما الكافر الذي غاص في متاهات الكفر تنطمس فطرته عندئذٍ يرى أن المعصية مغنم .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018