الترغيب والترهيب - الدرس : 084 - كتاب البيوع وغيرها - الترغيب في الاقتصاد في طلب الرزق والإجمال فيه وما جاء في ذم الحرص وحب المال -3 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الترغيب والترهيب - الدرس : 084 - كتاب البيوع وغيرها - الترغيب في الاقتصاد في طلب الرزق والإجمال فيه وما جاء في ذم الحرص وحب المال -3


1997-10-06

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

الله عز وجل لحكمة بالغةٍ في هذه الحياة الدنيا ثبت أشياء وحرك أشياء أخرى:

 أيها الأخوة الكرام , الإنسان يقلق أشد القلق على حياته وعلى رزقه , حينما يوقن الإنسان أن أجله لا يتقدم و لا يتأخر , وأن أشد الأمراض لا تنهي أجله، إلا أنه يموت حينما ينتهي أجله , و أن رزقه على الله، ضمنه الله له في حدوده الدنيا، حينما يوقن أن رزقه وأجله بيد الله , و أن الله سبحانه وتعالى قال:

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ﴾

( سورة الروم الآية 40 )

  وجاء فعل رزقكم فعل ماض أي شيء قُطع به، الإنسان حينما يعصي ربه من أجل الرزق يكون جاهلاً، ورد في الأثر:

 

(( أن عبدي خلقت لك السماوات والأرض ولم أعي بخلقهن أفيعييني رغيف أسوقه لك كل حين ))

  أي تعصيني من أجل الرزق ؟

 

 

(( لي عليك فريضة ولك علي رزق فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك وعزتي وجلالي إن لم ترضَ بما قسمته لك فلأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي وكنت عندي مذموماً أنت تريد وأنا أريد فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد ))

  الحقيقة لحكمة بالغةٍ بالغة في هذه الحياة الدنيا ثبت الله أشياء، وحرك أشياء، فالذي ثبته من أجل استقرار النظام، خصائص المواد ثابتة، دورة الأرض حول نفسها ثابتة، دورتها حول الشمس ثابتة، حركة الأفلاك ثابتة، ثبت أشياء كثيرة جداً، هذا شيء مريح، فمن خصائص المواد ثابتة , حديد حديد , ذهب ذهب، نحاس نجاس , فضة فضة , ماء ماء، هواء هواء، لو أن هناك تبدلات مفاجئة في خصائص الأشياء، الحياة لا تستقيم , أنشأت ميناء وضعت فيه الحديد , وبعد حين تبدلت خواص الحديد، انهار البناء، زرعت شيئاً فنبت شيئاً آخر، البذور ثابتة، المواد ثابتة , المعادن ثابتة , الغازات ثابتة , أشباه المعادن ثابتة، حركة الأفلاك ثابتة , و حرك أشياء , حرك الرزق، تأتي أمطار غزيرة , وتشح السماء، يموت الزرع , يموت الحيوان، يجوع الإنسان.

 

 

الله تعالى ثبت أشياء لاستقرار النظام و حرك أخرى لتربية الإنسان:

 

 الذي ثبته استقرار النظام , والذي حركه لتربية الإنسان، فالإنسان يربى بالرزق، طبعاً:

﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً ﴾

( سورة الجن )

  أنا شاهدت بنفسي بقرية من قرى دمشق حبة قمح أنبتت خمساً وثلاثين سنبلة أخذت سنبلة بيدي , وسحقتها فإذا فيها خمسون حبة، أي هذه الحبة أنبتت ألف وسبعمئة وخمسين حبة , وأحياناً تجد العجب العجاب في القمح، نحن من ثماني سنوات تقريباً أربع , أو ثلاثة مليون طن كان إنتاج البيع، كل حاجتنا طوال العام طن واحد، أحياناً إنتاج العام يقدر بمئتين و خمسين ألفاً بدل الثلاثة ملايين، فالرزق متبدل.

 

﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾

 

( سورة الأعراف الآية 96 )

﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ﴾

( سورة المائدة الآية 66 )

 

صلة الرحم و الأمانة و إقامة الصلاة و الاستغفار تزيد في الرزق:

 

 هناك إنسان إذا وصل رحمه يغتني، صلة الرحم تزيد في الرزق , بكل أسرة هناك شخص يعطي , ُيلجأ إليه، بزواج، بعملية جراحية، كبير العائلة، كريم , وقلبه رقيق، هذا الذي يُلجأ إليه دائماً , ويعطي، ولا يتردد، هذا له رزق وفير.
 فصلة الرحم تزيد في الرزق , الأمانة تزيد في الرزق، إقامة الصلاة في البيت تزيد في الرزق.

﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ﴾

( سورة طه الآية 132 )

  الاستغفار يزيد في الرزق، أشياء كثيرة، إتقان العمل يزيد في الرزق.

على كل إنسان أن يعلق آماله على الله عز وجل و لا يظن أنه يرزق نفسه بذكائه:

 اليوم الأحاديث حول الرزق حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((إن الرزق ليطلب العبد كما يطلبه أجله ))

[ صحيح ابن حبان عن أبي الدرداء ]

  الأجل يطلبك , والرزق يطلبك، ما معنى هذا الكلام ؟ إياكم ثم إياكم أن تفهموا أن هذا الكلام يعني أن تقعد عن طلب الرزق، لا.

 

(( لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا ))

 

[ابن حبان عن عمر بن الخطاب ]

  تغدو تتحرك، الحركة مطلوبة , والسعي مطلوب.

﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴾

( سورة الذاريات )

 وحوادث كبيرة جداً , وقصص رائعة جداً لا مجال لذكرها، الإنسان حينما يريد الله أن يرزقه يكون محله بعيداً، داخلياً، إمكانياته ضعيفة، لغته ضعيفة، الناس يفهمون أن الإنسان إن لم يكن معه لغة لا يمكنه أن يتاجر، اللغة لها دور في التجارة , ولكن ليس لها كل الدور، الله عز وجل يرزق بعض التجار , وهم لا يفقهون كلمة واحد في اللغة الأجنبية.
هناك دعاء قرأته مرة:
 اللهم ارزقني حظاً تخدمني به أصحاب العقول , و لا ترزقني عقلاً أخدم به أصحاب الحظوظ ".
 الله عز وجل عندما يعطي إنساناً يستخدم ألف عقل لخدمته , وقد يكون الإنسان في أعلى درجة من الذكاء , كل ذكائه في خدمة إنسان لا يفقه شيئاً، الله هو الرزاق ليس معنى هذا أن نقعد عن طلب الرزق , ولكن معنى ذلك ألا نعصي الله من أجل الرزق، اسعَ، وافعل ما تشاء , لكن علق الآمال على الله عز وجل , ولا تظن أنك الذي ترزق نفسك.

 

(( إن الرزق ليطلب العبد كما يطلبه أجله ))

 

[ صحيح ابن حبان عن أبي الدرداء ]

تقنين الله عز وجل تقنين تأديب لا تقنين عجز:

 لذلك قالوا: كلمة الحق لا تقطع رزقاً , ولا تقرب أجلاً، كلمة الحق لا علاقة لها بالرزق. أتمنى أن يكون هناك أشخاص كثيرون فعلوا شيئاً يقتضي قطع رزقهم لكنهم فعلوا هذا من أجل الله، فربنا عز وجل أغرقهم بفضله.

/﴿ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ﴾

( سورة الذاريات )

  كيف أن هذا الفرد يتكلم، له طعام يأكله دائماً وأبداً، حينما يقنن الله الرزق على عباده لا يعني هذا تقنين عجز بل تقنين تأديب.

﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ ﴾

( سورة الشورى الآية 27 )

  هناك رواية لهذا الحديث:

 

(( إن الرزق ليطلب العبد أكثر مما يطلبه أجله ))

 

[ ابن عدي في الكامل عن أبي الدرداء]

  إلا أنه لا بد من السعي، لا بد من حركة تتحركها.

الكسب و الرزق:

 وقال رسول الله عليه الصلاة والسلام:

(( لو فّر أحدكم من رزقه أدركه كما يدركه الموت ))

[ رواه الطبراني عن أبي سعيد الخدري]

  وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

 

(( خير الذكر الخفي وخير الرزق ما يكفي ))

 

[ أبو يعلى عن سعد بن أبي وقاص ]

  لأن العلماء قالوا: هناك كسب وهناك رزق , الرزق الذي انتفعت به فقط، هذا الثوب الذي على بدنك , وهذا السرير الذي تنام عليه , وهذا الطعام الذي تأكله , وكل ما سوى ذلك كسب محاسب عليه ولم تنتفع به.
 معقول إنسان يستورد بضاعة , ويحاسب عليها , ويدفع عليها أعلى نسب الضرائب , ولا ينتفع منها ؟ هذا شيء صعب جداً، يدفع ضريبة ولا ينتفع من البضاعة، هكذا الكسب محاسب عليه , لا تندفع به، الكسب حجمك المالي، أما الرزق التفاحة التي أكلتها، وجبة الطعام التي استهلكتها، الثوب الذي ارتديته وأبليته , الزوجة التي تعيش معها، هذا الحدود تقريباً بين الناس متشابهة، الآن كل الناس ماذا يأكلون صباحاً ؟ الفقير والغني أكل مألوف، جبن، و لبن , وجبات الظهر تقريباً متشابهة، المأوى مأوى , الدفء دفء , والبرد برد , والحرارة حرارة، والزوجة زوجة , تقريباً في الحدود الدنيا الناس متشابهون،  أما التفاوت في البذخ , والافتخار، و العلو في الأرض , فقد يأكل إنسان فقير طبقاً من الطعام وهو جائع فيستمتع بهذا الطعام أضعاف مضاعفة مما يستمتع به الغني من الطعام , وقد يأوي الفقير إلى فراشه بعد يوم مجهد فينام نوماً يدفع الغني الملايين كي ينام بهذا النوم المريح.
 فالإنسان إذا نام بعد تعب , وأكل بعد جوع , وشرب بعد عطش، يستمتع كما يستمتع الغني، الجو اللطيف للجميع، و القمر للجميع , والشمس للجميع , و منظر الجبال للجميع، فهناك حدود متشابهة جداً بين الناس، لكن الفقير أحياناً بجهله يتعامى عن الأشياء التي منحه الله عز وجل إياها.
 قد تجد إنساناً صحيح الجسم لو يعلم المريض , أو لو يعلم هذا الصحيح قيمة الصحة لرأى نفسه أغنى الأغنياء , أغنى الأغنياء وأنت صحيح، فالصحة ثمينة جداً كفاية.

 

الهداية و الصحة و الكفاية من حصّل هذه النعم الثلاث ما فاته شيء من الدنيا:

 

 سيدنا علي يقول: " ثلاث نعم على التسلسل , نعمة الهداية , و نعمة الصحة، و نعمة الكفاية، فمن حصّل هذه النعم الثلاث ما فاته شيء من الدنيا ".
 مهتدٍ، ملايين يعبدون البقر في الهند , ملايين يعبدون النار , ملايين يعبدون شهواتهم , ملايين يعبدون المرأة في العالم , وأنت تعبد الله، ألوف الملايين فهموا الحياة فهماً مغلوطاً.

﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ﴾

( سورة الكهف )

  ملايين مملينة فهموا الحياة فهماً مغلوطاً، فأعظم نعمة أنت فيها أن لك عقيدة صحيحة متطابقة مع الواقع , وأنك تعبد خالق الكون , وأنك تمشي على منهج قويم، هذه نعمة يتمناها الملوك حينما يكشف الغطاء، إذا كُشف الغطاء يتمناها أغنى أغنياء العالم، يتمناها أقوى أقوياء العالم , يتمناها الملوك جميعاً أن يكون مهتدياً.

 

﴿ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ﴾

 فالمهتدي إلى الله عز وجل هذه نعمة ينبغي ألا يستهين بها , ثم صحيح الجسم يكون الإنسان مرتاحاً فجأة ورم بمنطقة، أُغلق طريق الأمعاء، أُغلق طريق الصفراء، أُغلق طريق البنكرياس , ورم مستفحل , كان في شيء , وصار في شيء ثان، كان في أن الدخل لا يكفي، فرش البيت يجب أن يجدد , عليه دفع، صار مهموماً، من طبيب لطبيب، لجراحة، لعملية، لقسطرة، لتنظير , لدسام، دخل إلى عالم ثان هذا المرض أنساه كل شيء.

 

 

على الإنسان ألا يذل نفسه من أجل المال و ألا يتضعضع أمام غني:

 

 لذلك نعمة الهدى , و نعمة الصحة , والله الذي لا يضطر أن يغسل كليتيه كل أسبوع يجب أن يسجد لله شكراً، كليتان لطيفتان، تعملان بصمت، بهدوء، دون أن تدفع الثمن باهظاً، كل أسبوع مرتين، دون أن تضطجع ثماني ساعات تنتظر دورك في غسيل الكلية.
 إذا صعد الإنسان على الدرج ولم يشعر بشيء، هذه نعمة لا يشعر بها إلا من فقدها، فنعمة الصحة، لكن بعد الهدى لا معنى للصحة من دون الهدى , نعمة الكفاية بعد الصحة لا معنى للكفاية من دون الصحة يستمتع بها، إذاً الحديث الثالث:

(( لو فرّ أحدكم من رزقه أدركه كما يدركه الموت ))

[ رواه الطبراني عن أبي سعيد الخدري]

  أي كن عزيز النفس بمعنى الحديث، إياك أن تذل نفسك من أجل الرزق , إياك أن تتضعضع أمام غني.

 

(( من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه ))

 

[ البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود]

 إياك أن تعصي الله من أجل الرزق، المؤمن يقول: لا بملء فمه , يقول: لا ولا يخشى لومة لائم، إياك أن تأكل الحرام من أجل الرزق , إياك أن تعصي الله من أجل الرزق.

 

من أرضى الله بسخط الناس كفاه الله الناس:

 

 الآن كم إنسان إذا جاءه مندوب شركة يقدم له الخمر حرصاً على بقاء هذه الشركة له ؟ و في النهاية يعصون الله , و تطير هذه الشركة من بين أيديهم.

(( من أرضى الله بسخط الناس كفاه الله الناس ومن أسخط الله برضا الناس وكله الله إلى الناس ))

[الترمذي عن عائشة أم المؤمنين ]

(( خير الذكر الخفي وخير الرزق ما يكفي ))

[أبو يعلى عن سعد بن أبي وقاص ]

   لأن الذي كفاك هو المطلوب أما الزائد عبء عليك، لا تنسى هذا المثل، هناك خط عامودي بمستوى الرزق , وهناك نقطة حمراء على هذا الخط، دون هذه النقطة هذا المال في خدمتك، وفوق هذه النقطة أنت في خدمة المال، أنت مسخر بطاقاتك , وفكرك , و وقتك، وعضلاتك، وهمومك , وليلك , ونهارك لإدارة هذا المال، أنت خادم له، فهذه النقطة فاصلة، دون هذه النقطة هو في خدمتك، فوق هذه النقطة أنت في خدمته.

 

من أصبح جمع المال شغله الشاغل ضيّع دينه و عرضه و شرفه:

 

 و قال عليه الصلاة والسلام أيضاً:

(( مَا ذئبان جَائِعَانِ أُرسِلاَ في غَنَمٍ بأفسَدَ لها مِنْ حِرصِ المرء على المال والشَّرَف لدينهِ ))

[ أخرجه الترمذي عن كعب بن مالك ]

  الذي يفسد الدين حرصك على الرزق، صدقوني أيها الأخوة كم من إنسان ترك الدين لأنه عندما دخل إلى المسجد، و تعامل مع إنسان حريص , مع إنسان شحيح في المسجد, فرأى منه العجب العجاب، فظن أن كل أهل الدين كذلك فترك الدين.
 أحياناً الإنسان لحرصه على المال يفعل عملاً عكس الداعية ينفر من الدين لحرصه على المال.

 

(( مَا ذئبان جَائِعَانِ أُرسِلاَ في غَنَمٍ بأفسَدَ لها مِنْ حِرصِ المرء على المال والشَّرَف لدينهِ ))

 

[ أخرجه الترمذي عن كعب بن مالك ]

  وكان رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول:

 

(( اللَّهمَّ إني أعوذ بك من الأربع من علمٍ لا ينفَعُ ومن قَلْبٍ لا يَخْشَعُ، ومن نفسٍ لا تشبع ومن دعاءٍ لا يُسمعُ ))

 

[ أخرجه أبو داود والنسائي عن أبي هريرة ]

 النفس لا تشبع.

﴿ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 157 )

  بعد حين يصبح شغل الإنسان الشاغل جمع المال يضيع دينه , و عرضه , و شرفه من أجل المال.

 

الغنى غنى العمل الصالح:

 

 وقال عليه الصلاة والسلام:

(( لَوْ كانَ لابْنِ آدَمَ وادِيانِ من مَالٍ لابتَغَى لهما ثالثاً، وَلاَ يَملأُ جَوفَ ابْنِ آدَمْ إلا التُّرَابُ، وَيتُوبُ اللَّهُ على مَن تَابَ ))

[البخاري ومسلم عن أنس]

  لاحظ إنسان دُفن تحت الأرض , وهو يملك الملايين تركها كلها لورثته , و قد ينفقونها حلالاً أو حراماً , وقد يحاسب عليها , وحينما تشبع جنازته ترفف روحه فوق النعش تقول: يا أهلي يا ولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حلّ وحرم فأنفقته في حله , و في غير حله، فالهناء لكم والتبعة عليّ.
 لهذا الحديث تتمة فيقول:
((و الذي نفسي بيده لو يرون مكانه و يسمعون كلامه لذهلوا عن ميتهم و لبكوا على أنفسهم فإذا وجد الإنسان قد نفذ أكله و انقطع أجله ألقى عليه غمرات الموت فغشيته كرباته و غمرته غمراته فمن أهل بيته الناشرة شعرها و الضاربة وجهها و الباكية لشجوها و الصارخة بويلها فيقول ملك الموت عليه السلام ويلكم مم الفزع و مم الجزع ما أذهبت لأحد منكم رزقاً و لا قربت له أجلاً و لا أتيته حتى أمرت و لا قبضت روحه حتى استأمرت و إن لي فيكم عودة ثم عودة حتى لا أبقي منكم أحداً ))

 

(( يقول عليه الصلاة و السلام و الذي نفسي بيده لو يرون مكانه ويسمعون كلامه لذهلوا عن ميتهم و لبكوا على أنفسهم ))

 

[أبو مطيع مكحول بن الفضل النسفي و روى معناه مرفوعاً في الخبر المشهور المروي في الأربعين عن أنس بن مالك]

  أنا ألاحظ عندما يموت الأب و يكون بخيلاً تجد هناك فرحة عميقة بالبيت، مع أنهم أطالوا ذقونهم , ولبسوا الأسود، لكن من الداخل فرح شديد، يتوهمون أنهم لن يموتوا، العقبة مات، و هم لن يموتوا، فيتبعونه واحداً , واحداً.
 إنسان ورث شخصاً ترك ألف مليون، أحد الورثة كان نصيبه تسعين مليوناً، عنده محل صغير، ترك المحل وأغلقه , ولاحق موضوع التركة من مالية , و براءات ذمة ستة أشهر، و لم يرتاح يوماً، وهو يتابع لأن المبلغ كان ضخماً جداً، مات قبل أن يأخذ درهماً واحداً.
 فالإنسان في أجل , وفي موت، الإنسان يكون غنياً بالعمل الصالح هذا ينفعه في القبر أما هذا المال !.
 قال إنسان لآخر إلى أين أنت ذاهب ؟ والله لا أنسى هذه الكلمة، أب ترك لابنه قريب مئة مليون في عام أربعة و سبعين و تسعمئة و ألف، كان الدولار 3.80 ترك مئة مليون، فقال إنسان لابنه إلى أين أنت ذاهب ؟ قال له: ذاهب لأسكر على روح أبي.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018