الترغيب والترهيب - الدرس : 082 - كتاب البيوع وغيرها - الترغيب في الاقتصاد في طلب الرزق والإجمال فيه وما جاء في ذم الحرص وحب المال -1 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الترغيب والترهيب - الدرس : 082 - كتاب البيوع وغيرها - الترغيب في الاقتصاد في طلب الرزق والإجمال فيه وما جاء في ذم الحرص وحب المال -1


1997-10-04

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

الظروف والإمكانات والحوادث التي تصاف للإنسان إنما هي أفعال الله تعالى:

 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( أَجْمِلُوا فِي طَلَبِ الدُّنْيَا فَإِنَّ كُلّاً مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ ))

[ أخرجه ابن ماجه عن أبي حميد الساعدي ]

  الإنسان خُلق للجنة , وخلق للسعادة، هذا الحديث أيها الأخوة قد يُفهم على غير ما أراد النبي عليه الصلاة والسلام , حينما قال الله عز وجل:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

( سورة الذاريات )

  و حينما قال الله عز وجل:

﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾

( سورة هود الآية: 119 )

  خلقنا لنعبده، إن عبدناه سعدنا بعبادته، خلقنا ليرحمنا , فالهدف أن يرحمنا، الهدف أن يسعدنا , الهدف أن يدخلنا الجنة.
 إذاً كل مسيرٌ لما خُلق له , فالظروف، والإمكانات , والحوادث , والمعطيات التي تصاف للإنسان إنما هي أفعال الله عز وجل لتسوقه إلى هدفه , لو أردنا أن نوضح أكثر من ذلك:
 لو أن أباً يطمح أن يكون ابنه طبيباً، فقد يجد من المناسب أن ينفق عليه مالاً كثيراً، أو أن يؤدبه , أو أن يعطيه , أو أن يمنعه , أو أن يبتسم في وجهه , كل هذه التصرفات من الأب وسائل تعين الابن على بلوغ هدفه.

 

المؤمن آماله معقودة على الله عز وجل لا على عباد الله:

 الحديث الشريف:

(( أَجْمِلُوا فِي طَلَبِ الدُّنْيَا ))

  كلمة أجملوا وردت في حديث قدسي آخر , يوضحها أكثر من ذلك.
 يقول عليه الصلاة والسلام:

 

(( إنَّ رُوح القُدسِ نَفَثَ في رُوعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رِزْقها وأجَلَها فاتقوا الله عباد الله و أجملوا في الطلب وهناك زيادة ببعض الروايات و استجملوا مهنكم ))

 

[ صحيح ابن حبان عن ابن مسعود ]

  أنت حينما خلقت لك عند الله رزق , وكلمة رزق مضمون , مضمون في حده الأدنى، لن يموت الإنسان إلا إذا أراد الله أن يموت جوعاً، تنوعت الأسباب و الموت واحد، مادامت قد كتبت له الحياة فله عند الله رزق، هذا الرزق وسيلة متبدلة لتربية الإنسان.

﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً * ِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾

( سورة الجن الآية: 16-17 )

  إذاً أجملوا في طلب الدنيا , المؤمن عزيز النفس , ابتغوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير، لا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه، الفرق بين المؤمن وغير المؤمن المؤمن موحد، يرى أن الله وحده مسبب الأسباب , فإذا أخذ بالأسباب أخذ بالأسباب طاعة لله عز وجل لكن آماله معقودة على الله عز وجل لا على عباد الله، فقال:

 

(( أَجْمِلُوا فِي طَلَبِ الدُّنْيَا فَإِنَّ كُلّاً مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ ))

 

[ أخرجه ابن ماجه عن أبي حميد الساعدي ]

أفعال الله مع الإنسان هدفها دفعه إلى بابه وحمله على عبادته:

 إن من عبادي من لا يصلح له إلا الفقر , فإذا أغنيته أفسدت عليه دينه , و إن من عبادي من لا يصلح له إلا الغنى فإذا أفقرته أفسدت عليه دينه ".
فالإنسان مسير لما خلق له، أفعال الله مع الإنسان عطاء أو منعاً , رفعاً أو خفضاً، إعزازاً أو إذلالاً , تيسيراً أو تعسيراً، أفعال الله مع الإنسان هدفها دفعه إلى باب الله عز وجل، هدفها أن تحمله على عبادة الله، فلذلك قد يفهم بعض الناس من هذا الحديث معنى الجبر، أن الإنسان مخلوق لجهنم، مكتوب عليه الكفر من قبل أن يخلقه الله عز وجل، لذلك يسير إلى الكفر، يسير إلى شرب الخمر , يسير إلى الزنا، هذا المعنى الجبري ليس وارداً إطلاقاً، لأن الله عز وجل قال ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾
إذاً كلّ ميسر لما خلق له، لما خلق له من النعيم، لما خلق له من الجنان، لما خلق له من العبادة، هناك أحاديث على مرّ الأيام و العصور , و مع انحراف العقائد و فسادها اكتسبت معان جبرية ما أنزل الله بها من سلطان، تقرأها أو تسمع شرحها فتشعر بالانقباض، الإنسان ماذا كتب عليه ؟ كتب عليه الشقاء، إذاً كل ميسر لما خلق له، أنت لِمَ لم تقرأ الآيات ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ ﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً ﴾

( سورة النساء )

  فهذا الحديث:

 

(( أَجْمِلُوا فِي طَلَبِ الدُّنْيَا ))

  أي أنت لك عند الله رزق مضمون , ولك عند الله رزق منذُ أن خلقك.

 

من صبر وآثر طاعة الله عز وجل على الفعل الحرام تفتح له أبواب الحلال:

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ﴾

( سورة الروم الآية 40 )

  فعل رزق فعل ماض، أي من أجل أن يطمئنك رزقك مخلوق مع خلقك، إذاً أجملوا في طلب الدنيا، بمعنى أن المؤمن لا ينبغي أن يحمله استعجاله للرزق عن طلب الحرام، دائماً الله عز وجل من سنته في معاملة خلقه أنه قد لا تجد شيئاً أمامك، يغلق لك الأبواب كلها، و يفتح لك باب الحرام , فماذا تفعل ؟ هذا امتحان , و امتحان صعب، أبواب الحلال مغلقة، فتح باب الحرام، لا يوجد أي وظيفة إلا وظيفة بملهى , لا يوجد أي أمل بشراء بيت إلا عن طريق الفائدة، تغلق لك أبواب الحلال , و يفتح باب الحرام , فماذا تفعل ؟ ضعاف الإيمان يسقطون يقول لك: ماذا أفعل ؟ أما المؤمن يصبر، حينما يعلم الله منه أنه قد صبر , وآثر طاعة الله عز وجل، عندئذٍ تفتح له أبواب الحلال.

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾

( سورة الطلاق )

  العلماء قالوا: هذه الآية لها مكان في السورة، مكانها في سورة الطلاق من يتق الله في تطليق زوجته، أي من يطلقها طلقة واحدة ويبقيها في بيته﴿ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾ إلى إرجاعها، أما من يطلق طلاقاً بدعياً ثلاث طلقات في جلسة واحدة، أو يرسلها إلى بيت أهلها خلاف السنة أصبح الطريق مسدوداً إلى إرجاعها , لو أن هذه الآية نزعناها من سياقها , و قرأناها لوحدها لكانت قانوناً، من يتق الله في اختيار زوجته، اختارها ذات دين , وعفة

﴿ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾

من عقوقها، أو من الشقاء الزوجي، من يتق الله في تربية أولاده يجعل الله له مخرجاً من عقوقهم , من يتق الله في كسب المال يجعل الله له مخرجاً من إتلافه , من يتق الله في صحته يجعل الله له مخرجاً من أمراض العضال.

تقنين الله عز وجل تقنين تأديب و تربية لا تقنين عجز و بخل:

 فلذلك الحديث الذي بين أيدينا (( أَجْمِلُوا فِي طَلَبِ الدُّنْيَا )) الاعتدال، أي الله عز وجل لا ينسى من فضله أحداً، تجد شاباً ليس عنده أمل، لا يوجد عنده بيت , و لا بيده عمل, و ليس عنده أمل يحفزه إلى أن يصل إلى شيء، لماذا خلقه الله عز وجل ؟ خلقه الله ليكرمه، لكن هذا الشاب إن كان مستقيماً له عند الله عطاء، زوجة , وبيت، وعمل , ورزق يكفيه، لأن الله عز وجل لا ينسى من فضله أحداً.

(( أَجْمِلُوا فِي طَلَبِ الدُّنْيَا ))

  والأمر كله بيد الله , إذا وجد نقص في المواد , أو نقص في الأعمال , أو فقر، هذا تأديب من الله عز وجل , و ليس عجزاً، أي تقنين إلهي، فتقنين الله تقنين تأديب وليس تقنين عجز.
 فنحن نخلص من هذا الشرح إلى أن الدنيا بيد الله , و الآخرة بيد الله، فإذا أعطاها الله لحكمة بالغة , و إذا منعها لحكمة بالغة، عطاؤه امتحان , وحرمانه تربية , و تأديب، لذلك أجملوا في طلب الدنيا:

 

(( ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تطلبوه بمعاصي الله عز وجل ))

 

[البزار عن ابن مسعود]

  والإنسان ممتحن في رزقه، بل إن أشد أنواع الامتحان امتحانه في رزقه، لأن الإنسان حريص على شيئين , حريص على حياته، وعلى رزقه , و كلمة الحق لا تقطع رزقاً , و لا تقرب أجلاً.

 

(( أَجْمِلُوا فِي طَلَبِ الدُّنْيَا فَإِنَّ كُلّاً مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ ))

 

[ أخرجه ابن ماجه عن أبي حميد الساعدي ]

  لِمَا خُلِقَ لَهُ من النعيم , لما خلق له من الرحمة , لما خلق له من العبادة.

 

أفعال الله عز وجل تسوق الإنسان إلى عبادته و طاعته:

 أفعال الله عز وجل تسوق الإنسان إلى عبادته , تسوق الإنسان إلى طاعته، تسوق الإنسان إلى الجنة، فأحياناً طريق الجنة شائك , طريق الجنة حرمان , طريق الجنة مرض , طريق الجنة خوف , طريق الجنة سجن، لأن النفس لها أساليب يعلمها الله وحده، الإنسان يكون جامحاً و منحرفاً لا يوجد شيء يرده، تأتي مصيبة تهز أعماقه، تدفعه إلى الصلاة , تدفعه إلى الصلح مع الله.
 فهذا الحديث إياكم أن تفهموه مثلما يفهمه معظم الناس , يفهمونه بالمعنى الجبري، هذا يفهم بالمعنى الذي ينسجم مع الآيات الأخرى والأحاديث الأخرى.

(( اعملوا فَإِنَّ كُلّاً مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ ))

[ مسلم عن جابر]

  في رواية، وهذه الرواية:

 

(( أَجْمِلُوا فِي طَلَبِ الدُّنْيَا فَإِنَّ كُلّاً مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ ))

 

[ أخرجه ابن ماجه عن أبي حميد الساعدي ]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018