الترغيب والترهيب - الدرس : 080 - كتاب الدعاء - الترغيب في كثرة الدعاء وما جاء في فضله -1 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الترغيب والترهيب - الدرس : 080 - كتاب الدعاء - الترغيب في كثرة الدعاء وما جاء في فضله -1


1997-09-27

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

أقوى الناس من يتوكل على الله عز وجل:

 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( لا تعجزوا عن الدعاء فإنه لن يهلك مع الدعاء أحد ))

[ صحيح الحاكم عن أنس]

  أنت أقوى إنسان بالدعاء
الفكرة أن الله بيده كل شيء، وهو على كل شيء قدير، وأنه أمرك أن تدعوه، وما أمرك أن تدعوه إلا ليستجيب لك.
 إذاً بالاستنباط المنطقي في الأرض لا يوجد مشكلة، المشكلة أن تنقطع عنه، المشكلة أن تتلبس بمعصية، أما لو أطعته وأقبلت عليه لا يوجد مشكلة بحياتك إطلاقاً لأنه:

 

(( لن يهلك مع الدعاء أحد ))

  أنت بالدعاء أقوى إنسان، تصور أضعف إنسان بالأرض، وأقوى إنسان بالأرض، اختر أي إنسان، مثلاً هذا الضعيف لو كان مع الله لصار أقوى من القوي.
 الآن بالمقاييس المادية لو أضعف دولة بالعالم ناصرتها أكبر دولة لأصبحت أقوى دولة، لأن وراءها الدولة الفلانية.
 فأنت عندما تدعو الله عز وجل تصبح أقوى إنسان، إن أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، إن أردت أن تكون أغنى الناس كن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك، إن أردت أن تكون أكرم الناس فاتقِ الله، بطاعتك لله تكون أكرم الناس، وبتوكلك على الله تكون أقوى الناس، وبثقتك بما عند الله تكون أغنى الناس.

 

أعجز إنسان في الكون هو الإنسان الذي يعجز عن الدعاء:

  الحقيقة أعجز إنسان في الكون هو الذي عجز عن الدعاء، الإنسان أحياناً يقوى بقوة الله، بدعاء الاستخارة، هناك نقطة دقيقة جداً يقول النبي عليه الصلاة والسلام في دعاء الاستخارة:

 

(( اللهم إني أستخيرُكَ بعلمكَ وأسْتَقْدِرُك بقدرتكَ وأَسأَلكَ من فضلك العظيم فإنك تقدِر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم ))

 

[أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي عن جابر بن عبد الله ]

  فأحياناً الإنسان يستشير محامياً، والمحامي يعمل بالمحاماة منذ خمسين سنة، ومتفوق، وألمعي، ومستوعب كافة القوانين، وله صلات متينة جداً مع القضاة، وموضع ثقة، فأنت عندما تسأل وأنت أجهل الجهلاء، تسأل هذا المحامي تستعير كل علمه بكلمة، يأتي إنسان يلجأ لإنسان قوي، حينما لجأت إلى هذا القوي استعرت قوته، فأنت إذاً قوي، يأتي إنسان جاهل يلجأ لعالم يستعير علمه، هذا إنسان مع إنسان فكيف إذا كنت مع الواحد الديان ؟.

 

(( لا تعجزوا عن الدعاء فإنه لن يهلك مع الدعاء أحد ))

 

مصيبة الإنسان أن ييأس من رحمة الله:

 هناك شيء مهم جداً، أنت قد تقول هذه قضية كبيرة، أو مرض مستعصٍ، أو مرض عضال، الله عز وجل أعطاك أمثلة، تصور مشكلتك، حددها، احصرها بحدود معينة، مشكلتك قد تكون مالية، قد تكون اجتماعية، قد تكون صحية، قد تكون فكرية، لكن لا أعتقد أن هناك مشكلة أكبر من أن تجد نفسك فجأة في بطن حوت، بطن حوت ؟ وفي الليل وفي أعماق البحار، هل يوجد أمل ؟ أعتقد أن كل المعطيات منتهية، و كل الآمال مقطوعة.
 المصيبة أن تيأس من الله
نبي كريم سيدنا يونس جعله الله في بطن الحوت، وفي الليل، وفي ظلمات البحر العميقة.

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الأنبياء )

  المصيبة أن تيأس من الله، هذه المصيبة، أما أي مصيبة تزول، الله تعالى يخلق الفرج خلقاً، يخلق من الضعف قوة، من الضيق فرجاً، من الفقر غنىً، من الجهل علماً، يخلق كل شيء من لا شيء، المشكلة أن تكون معه، وأن تحتمي بحماه، وأن تلوذ به، وأن تستفيد من علمه، ومن قدرته، ومن رحمته.

 

المعصية حجاب بين الإنسان و ربه و العاجز من عجز عن الدعاء:

 

(( لا تعجزوا عن الدعاء فإنه لن يهلك مع الدعاء أحد ))

  أنا الذي يلفت نظري أن إنساناً يصلي، ويقرأ القرآن، ويستقيم، و الخط مع الله غير موصول.
 من حوالي شهر، اتصل بي إنسان من بلد بعيد، قال لي: أنا أبحث عن رقم تلفونك من حوالي شهرين، قلت له: خير إن شاء الله ؟ قال لي: أنا بعيد عن الدين بعد الأرض عن السماء، بحياتي لم أدخل إلى المسجد، ولم أصلِّ، وأنا أكره العلماء، وأكره كلامهم، الكلام الذي تكلم به كلام غير معقول، قال لي: أنا في سفري إلى أمريكا لأزور أختي في الطريق أسمعتني شريطاً فغيرت اتجاهي كله، هذا هو الدين ؟ فاتصل بي مرة ثانية، ومرة ثالثة، والبارحة اتصل بي، قال لي: صار لي مع الله خط مفتوح، أنا تأثرت بهذه العبارة تأثراً كبيراً، صار لي مع الله خط مفتوح هو خط الدعاء، أي كان مقطوعاً عن الله، الله عظيم، اتصل بالله و قال لي: أنا الآن أصلي وأبكي وأنا أصلي.
 المعصية حجاب بين العبد وربه
فالإنسان لماذا بعيد عن الله ؟ من المعصية، المعصية حجاب، أنت تخسر أكبر خسارة بمعصية، المعصية تحجبك عن الله عز وجل، أما إذا اتصلت بالله عز وجل انتهى كل شيء.
 فلذلك العاجز من عجز عن الدعاء، الله موجود، وبيده كل شيء.
 تصور إنساناً ببلد، أعلى إنسان بهذا البلد ـ الملك ـ قال له: اطلب تعطى، هل يوجد عنده مشكلة ؟ أبداً، لا يوجد مشكلة مالية، ولا اقتصادية، قال له: اطلب تعطى، كل شيء بيد الملك، فهذا الإنسان إذا توانى عن الدعاء فهو خاسر وعاجز.
 افتح خطاً متصلاً مع الله، تجد الخط فيه حرارة، فيه اتصال، اسأله.
 لكن بصراحة إذا كان هناك معصية لا تستطيع أن تسأله، تستحي منه، إذا كنت متلبساً بمعصية، مقصراً بواجباتك الدينية، في ازورار عنه، تستحي أن تسأله، تؤذي عباده، لا تستطيع أن تسأله، يحجبك عنه خجلك، يحجبك عنه ذنبك، يحجبك عنه معصيتك، يحجبك عنه تقصيرك، أما لو لم تقصر معه، وخدمت خلقه، وكنت صادقاً معهم، وكنت مخلصاً، وكنت أميناً، ونصحتهم، وما غششتهم، ولا ابتززت أموالهم، ولا أخفتهم، لأنهم عباد الله، فإذا فعلت هذا مع عباده رأيي أن الخط سالك، و تستطيع أن تدعوه.

 

الله يستحي من عبده أن يسأله ثم يرده:

 هناك شيء ثان بالدعاء:

(( إِنَّ رَبَّكُمْ حَيِيٌّ كَرِيمٌ ))

[ الترمذي عن سلمان]

  لو إنسان محترم طرق بابك وقال لك: هل من الممكن أن تدينني ألف ليرة ؟ أنت من لحم ودم، من الصعب أن ترده، إنسان عادي، لا يقوى على رد إنسان، على صد إنسان، وهذا الإنسان لا يوجد به كمال، أما ربنا عز وجل الذات الكاملة، قال:

 

(( إِنَّ رَبَّكُمْ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَستَحي من عبده إذا رَفَعَ إليه يديه أنْ يَرُدَّهُما صِفْرا خَائِبَتَيْنِ ))

  الله يستحي من عبده أن يسأله ثم يرده، أنت استفد من هذه النقطة، اسأله، اسأله بجوف الليل، إذا إنسان سألني سؤالاً، أو استشارني بقضية، أو عرض علي مشكلة مستعصية، لا حل لها، أحياناً لا يوجد بيت، أحياناً لا يوجد عمل، هناك قضية كبيرة، أنا لا أملك شيئاً، أقول له: قم وصلِّ ركعتين قبل الفجر، وفي السجود اسأله حاجتك، لأن الله عز وجل يقول:

 

 

(( َإِذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفُ اللَّيْلِ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا جَلَّ وَعَزَّ فَقَالَ هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأُجِيبَهُ وَقَالَ فِيهِ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ ))

 

[ مسند أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

(( إِنَّ رَبَّكُمْ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَستَحي من عبده إذا رَفَعَ إليه يديه أنْ يَرُدَّهُما صِفْرا خَائِبَتَيْنِ ))

بطولة الإنسان أن يسأل الله من خير الدنيا و الآخرة:

 الحديث له رواية أخرى:

(( فاتقوا الله فيما تدعوه ))

  يسأله سؤالاً معقولاً، لو قال ابن لأبيه: أريد سكيناً لأذبح أخي، لا يرد عليه طبعاً، أما إذا قال له: أريد أن أدرس، يقول له: أحسنت، هذا السؤال معقول، الاستجابة فورية، أما سؤال غير معقول !!
 الله عز وجل لن يستجيب لك، فأنت بطولتك أن تعرف ما الدعاء المستجاب، فإذا سألت الله من خير الدنيا والآخرة أعطاك ما تريد، أما لو سألته الدنيا، ولم تسأله الآخرة، لا يعطيك إياها، لو سألته أن تؤذي عباد الله لن يسمح لك، فأنت:

 

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ﴾

  أن يطيعوني.

 

 

﴿ وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾

 

( سورة البقرة )

  إلى الدعاء المستجاب، أنت إذا آمنت به، آمنت بأسمائه الحسنى وصفاته الفضلى، ثم أطعته، الآن تدعو الدعاء المستجاب، تسأله خير الدنيا والآخرة.

الدُّعاءُ هو العبادة و العبادة علة وجودنا في الأرض:

 النقطة الثالثة: قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح:

(( مَن سَرَّهُ أنْ يَسْتَجِيبَ اللهُ له عند الشَّدَائِدِ والْكُرَبِ فَليُكْثِرِ الدُّعَاءَ في الرَّخَاءِ ))

[ أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]

  أنت عندما تدعو الله في الرخاء يستجيب لك في الشدة، أما إذا كنت في الرخاء شارداً، في الرخاء غافلاً، تأتي الشدة تستحي أن تسأله وأنت في الشدة، اسأله وأنت في الرخاء حتى يستجيب لك في الشدة.

 

(( مَن سَرَّهُ أنْ يَسْتَجِيبَ اللهُ له عند الشَّدَائِدِ والْكُرَبِ فَليُكْثِرِ الدُّعَاءَ في الرَّخَاءِ ))

 

[ رواه الترمذي والحاكم عن أبي هريرة ]

  لأن:

 

(( الدُّعاءُ هو العبادة ))

 

[ الترمذي عن النعمان بن بشير]

  العبادة علة وجودنا في الأرض، لقوله تعالى:

 

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

 

( سورة الذاريات )

  علة وجودنا، والعبادة لُخصت في كلمة واحدة هي الدعاء، النبي من أين جاء بهذا الحديث ؟ من قوله تعالى:

 

﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي ﴾

 

( سورة غافر الآية: 60 )

  أي يستنكفون عن دعائي ﴿ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي ﴾ معنى الدعاء هو العبادة، أي العبادة اتصال بالله، وأنت لن تكون في أعلى درجات الاتصال إلا حينما تكون مضطراً، وتدعو الله عز وجل، تدعوه وأنت في حالة افتقار، في حالة التجاء، في حالة تذلل، وهذا المطلوب أن تكون مع الله دائماً، لأن:

 

(( الدُّعاءُ هو العبادة ))

 ثم تلا قوله تعالى:

 

 

﴿ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾

 

( سورة غافر الآية: 60 )

النجاح ليس بالذكاء ولا بالخبرات ولكن بالتوفيق الإلهي والتوفيق ثمنه طاعة الله عز وجل:

 الشيء الأخير في هذا الدرس أيها الأخوة الكرام:

(( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل ))

[ الحاكم عن عائشة].

  النجاح يكون بالتوفيق الإلهي
هذا الحديث أيها الأخوة، يبين حقيقة خطيرة جداً متعلقة بالتوحيد، وهو أن الله عز وجل أودع في الإنسان عقلاً، أودع فيه قدرة على التعلم، أودع فيه قدرة على اكتساب الخبرات، سمح له أن يدرك، سمح له أن يوازن، سمح له أن يفكر، سمح له أن يتصور، سمح له أن يتخير، سمح له أن يحكم، إلا أن كل هذه الميزات الفكرية التي منحه الله إياها الله عز وجل في أية لحظة قادر على أن يأخذها منه، دائماً أو مؤقتاً، دائماً بالجنون، مؤقتاً بساعة غفلة يرتكب الإنسان حماقة ما بعدها حماقة، يكون تدميره في تدبيره، فالإنسان حينما يعتمد على ذكائه، أو على علمه، أو على خبرته، أو على ماله، أو على مكانته، أو على مكتسباته، فقد أشرك، لذلك يؤدبه الله عز وجل، فإذا أراد ربك إنفاذ أمر أخذ من كل ذي لبٍّ لبه.
 لذلك هناك قاعدة: النجاح ليس بالذكاء، ولا بالخبرات، ولا بالعلم، ولكن بالتوفيق الإلهي، والتوفيق ثمنه طاعة الله عز وجل، فكم من إنسان إمكاناته محدودة، و تفكيره بسيط، لأنه مستقيم الله عز وجل يعطيه عطاءً كبيراً، وتجد إنساناً شعلة من الذكاء لأنه منحرف لا ينفعه ذكاؤه أبداً، هذه قاعدة أساسية.

 

الله وحده هو الموفق فعلى كل إنسان الابتعاد عن الاعتداد بنفسه أو بذكائه و خبرته:

 

 الآن الصحابة الكرام في بدر ضعاف قلة، مستضعفون، أذلة.

﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 123 )

  في حنين قوة، كثرة، اعتداد، كانوا أكبر قوة في الجزيرة العربية.

 

(( ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ ))

 

[أخرجه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس ]

﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾

( سورة التوبة )

  نهاية علمك، نهاية خبرتك أن ترى أن الله وحده هو الموفق، فكلما اعتددت بنفسك، وأخذت الحذر، وغطيت كل الثغرات، وهيأت كل الوسائل، وذللت كل العقبات فوجئت أن كل هذا التدبير لا يجدي، وأنك فوجئت من جهة لم تكن تحسب لها حساباً، و كنت مطمئناً لها.
لذلك النبي عليه الصلاة والسلام من دعائه:

 

(( اللهم إني أعوذ بك مما أهتم له، ومما لا أهتم له ))

 

[ورد في الأثر]

(( لا يغني حذر من قدر والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل ))

[ الحاكم عن عائشة]

الدعاء اتصال بالله و استلهام القوة و الحكمة و الرشاد منه:

  ما معنى الدعاء ؟ أي أنك متصل بالله، الله هو القوة، هو الحكمة، هو العلم، فإذا كنت معه سدد خطاك، وألهمك رشدك، ودلك على طريق السلامة.

 

﴿ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ ﴾

 

( سورة المائدة الآية: 16 )

  سلام قرآني، سلام مع نفسك، سلام مع ربك، سلام مع الناس، سلام في عملك، سلام في بيتك، مع زوجتك، مع أولادك، لا يوجد مشكلة، تمشي على منهج الله، و على تعليمات الصانع.

 

(( والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل ))

 

من عاد إلى الله منيباً مخلصاً بعد ذنب ارتكبه تتوقف المعالجة الإلهية له:

 أما إذا انحرف الإنسان انحرافاً يقتضي المعالجة، ثم عاد إلى الله عز وجل ملتجئاً ومنيباً وتائباً، المعالجة تنتهي، تتوقف، فإذا دعوت الله مخلصاً و كان هناك خطة إلهية للمعالجة، تنتهي هذه الخطة، و تزول.

(( ينفع مما نزل ومما لم ينزل ))

[ الحاكم عن عائشة]

﴿ يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (39) ﴾

(سورة الرعد)

  و:

 

(( وإن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة ))

 

[أخرجه الحاكم عن عائشة أم المؤمنين ]

  لا يوجد شيء يوقف البلاء، يوقف المعالجة الإلهية كأن يعود العبد إلى الله، هذا الهدف.
 أنا كنت أضرب مثلاً: كلية توقفت لا بدّ من استئصالها، الطبيب صور، و أعطى قراراً باستئصالها، الموعد بعد ثمانية أيام، جاء المريض، خطر في بال الطبيب أن يصور مرة ثانية، صور فإذا هي تعمل، أنا اتخذت قراراً بأن أزيلها، ما هذا القرار ؟ القرار عندما اتخذته بإزالتها كانت واقفة، الآن عادت إلى العمل، انتهى القرار، كإنسان يهيئ تأديباً لشخص على ارتكاب ذنب، فلما وجد أنه أقلع عنه توقف التأديب، أنت عندما تدعو الله عز وجل و تنيب إليه انتهى، كل التأديب انتهى، كل الخطة التي من أجلها أن تعود إليه وقد عدت إليه انتهت.

 

(( فالدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل ))

 

من انقطع عن الله عز وجل صار أعمى يتخبط خبط عشواء:

 الملخص: مع الله لا يوجد ذكي.

(( ولا ينفعُ ذَا الجَدِّ منك الجَدُّ ))

[أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي سعيد الخدري ]

  المنقطع عن الله يتخبط خبط عشواء
الجد: الحظ، له حظ كبير في الذكاء، حظ كبير في الفهم، حظ كبير في الإدراك، هذا الحظ العظيم الفكري لا ينفع مع الله أبداً، لأن الله عز وجل إذا أراد إنفاذ أمر أخذ من كل ذي لبّ لبه.
 مرة طالب ـ قصة قديمة جداً ـ معتد بدراسته، وإمكاناته، ويتمنى أن يأخذ الدرجة العالية في الامتحان، دخل لامتحان التاريخ جاء السؤال: مؤتمر برلين، فقال: عقد في باريس، السؤال: مؤتمر برلين، يجب أن تقول عقد في برلين، فلما قال: عقد في باريس أخذ صفراً بالسؤال هذا بالذات.
 تجد إنساناً بأعلى درجة من الذكاء، يرتكب حماقة يترفع عنها طفل صغير، هذا عند الاعتداد بالنفس، أحياناً إنسان يكون تدميره في تدبيره، يكون هلاكه بعمله، والإنسان إذا انقطع عن الله صار أعمى، يتخبط خبط عشواء، انقطاعه عن الله عز وجل يجعله في عمى.

 

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ ﴾

 

( سورة طه )

 أنت بانقطاعك عني في الدنيا كنت أعمى.

 

الصواب من الله عز وجل والحمق من الشيطان:

  الشيء الملاحظ أن المؤمن بمعرفته بالله عز وجل أحياناً يراقب أهل الدنيا، يجد أخطاءهم فادحة، وصارخة، أي أخطاء اجتماعية، أخطاء بيتية، أخطاء أسرية .
 إنسان عنده زوجة يندر مثالها، أرادها أن تكون مثقفة ثقافة عالية، فأدخلها الجامعة، ونالت درجة جيدة، ثم وظفها في وزارة من الوزارات المهمة، والناس طلبوا رضاها، لتحل لهم مشكلاتهم، اشترت بيتاً، وأهملت أولادها و زوجها، أصبحت تغيب عن البيت، لها أصحاب، ولها معجبون، ولها، ولها، ثم طلقته هي بالتعبير الشائع، فيقول هذا الإنسان الزوج الذي كان عنده أفضل زوجة، قال: أنا دمرت نفسي بنفسي.
 فالإنسان أحياناً يدمر نفسه، بزواجه، بأولاده، بعمله، الله يلهمنا الصواب، الصواب من الله عز وجل، والحمق من الشيطان، فالإنسان بقدر اتصاله بالله على صواب، وبقدر بعده عن الله على حمق.
 أي الله عز وجل تفكيرك بيده، إذا أحب الله أن يؤدب إنساناً بالتجارة يفلسه، بالوظيفة يتكلم كلمة غير لائقة أمام شخص أعلى منه فينسقه، يعمل عملاً بالبيت في ساعة غضب فيطلق زوجته.

 

الالتفاف و الانفضاض:

 القسوة تبعد الناس عنك
إذاً الإنسان البعيد عن الله عنده حجاب، أولا: أعمى، وثانياً: في حجاب، وثالثاً: في قسوة:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 159 )

انظر إلى دقة الآية بسبب رحمة مصدرها من الله:

﴿ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

  لينك عندما استقرت الرحمة في قلبك، لو كنت منقطعاً عن الله لكان في القلب قسوة، والقسوة من لوازمها:

 

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾

 

( سورة آل عمران الآية 159 )

  هذا قانون ؛ اتصال، رحمة، الرحمة فيها التفاف، الناس يلتفون حولك، انقطاع، قسوة، القسوة معها غلظة وفظاظة، من لوازمها ينفضون من حولك، تتصل تستقر في قلبك الرحمة فيلتف الناس حولك و يحبونك، تنقطع يستقر في القلب الغلظة والفظاظة فينفر الناس منك.

من سأل الله عز وجل حاجته فقد ابتغاها بعزة الأنفس:

 و:

(( مَنْ نَزَلَتْ به فَاقَة ))

[ الترمذي عن ابن مسعود]

  مشكلة، أو فقر، أو مصيبة.

 

(( فأنزلها بالناس ))

  إنسان يصاب بمصيبة، فلان يخيب ظنه يطرق أبواب الناس باباً باباً، يهرق ماء وجهه أمام هؤلاء واحداً واحداً، يتذلل أمامهم واحداً واحداً، يتضعضع أمامهم، قال:

 

 

(( مَنْ نَزَلَتْ به فَاقَة فأنزلها بالناس لم تُسَدَّ فاقَتُه ))

 

[ الترمذي عن ابن مسعود]

  بصراحة الناس يتكلمون كثيراً، أما عند التطبيق لا يوجد شيء، يقول له: لا يهمك أنا معك، تأتي لعنده يقول: لا يوجد معنا شيء، ليس هناك أصعب من أن يقف الإنسان بباب إنسان ثم يرده و يخيب ظنه.
 سيدنا علي سُئل ما الذل ؟ قال: " أن يقف الكريم بباب اللئيم، ثم يرده، والله والله مرتين، حفر بئرين بإبرتين، وكنس أرض الحجاز في يوم عاصف بريشتين، ونقل بحرين بمنخلين، وغسل عبدين أسودين حتى يصرا أبيضين، أهون علي من طلب حاجة من لئيم لوفاء دين".
(( مَنْ نَزَلَتْ به فَاقَة فأنزلها بالناس ))
 الله لا يأتي في باله، يأتي في باله فلان يعاونني، فلان يساعدني، فلان يعطف عليّ، يطرق أبواب الناس، يبذل ماء وجهه، يتضعضع أمامهم، يذل نفسه أمامهم، وهذا يصده، وهذا يعتذر بلطف، وهذا لا يلبيه، وهذا يعده ويكذب عليه، قال:

 

(( مَنْ نَزَلَتْ به فَاقَة فأنزلها بالناس لم تُسَدَّ فاقَتُه ومَنْ نزلتْ به فاقة فأنزلها بالله ))

 

[ الترمذي عن ابن مسعود]

  اترك الناس وبادر إلى الصلاة، اسجد، واطلبها من الله، كان عليه الصلاة والسلام إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة.
 هناك مشكلة كبيرة ذهب إلى غرفته الخاصة وتوضأ وصلى، وفي السجود سأل الله هذه الحاجة، هو الآن ابتغاها بعزة الأنفس، سألها من الله، الآن يتحرك لكن الحركة الآن فيها عزة، الله أمرك بأخذ الأسباب، تتحرك تسأل شخصاً، لكن أنت رافع رأسك، تراه وسيلة وليس غاية، تراه واسطة، الله أمرك بأخذ الأسباب.

 

((لم تُسَدَّ فاقَتُه و مَنْ نزلتْ به فاقة فأنزلها بالله ))

  بدل أن يتذلل أمام الناس، فمن جلس إلى غني و تضعضع له ـ أي تمسكن له ـ وعقد عليه الأمل، وتوقّع أن يعطيه فقد ذهب ثلثا دينه.

 

 

(( فيوشك الله له بِرِزْقِ عاجِل أو آجل ))

 

[ الترمذي عن ابن مسعود]

من اعتمد على غير الله و أشرك به و علق عليه كل آماله خيبه الله عز وجل:

 من يضع ثقته بغير الله يخيب
تصور إنساناً وضع كل ثقته بالله، ولم يسأل أحداً، فالله عز وجل لن يخيب ظنه، إذاً الإنسان عندما تنزل به فاقة، ويعلق آماله على شخص، هذا الشخص قد يكون جيداً، وقد يكون وفياً، وقد يكون قوياً، وقد يكون غنياً، لكن الله عز وجل حتى يؤدب هذا المشرك شركاً خفياً يلهم هذا الإنسان أن يتخلى عنه، قد يكون ليس من عادة هذا الإنسان أن يخيب ظن سائله، ولكن لأن هذا السائل أشرك بالله، واعتمد عليه، وعلق عليه كل الآمال، ووضع به كل ثقته، هذا الإنسان الذي لم يعهد منه أن يخيب آمال سائليه، يلهم من الله أن يخيب أماله، لأن الله يغار أن يرى عبد المؤمن متذللاً أمام غيره، يغار الله عز وجل أن يرى المؤمن متضعضعاً أمام الآخرين.

﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة آل عمران )

  حديث دقيق جداً:

 

(( مَنْ نَزَلَتْ به فَاقَة فأنزلها بالناس لم تُسَدَّ فاقَتُه ومَنْ نزلتْ به فاقة فأنزلها بالله فيوشك الله له بِرِزْقِ عاجِل أو آجل ))

 

[ الترمذي عن ابن مسعود]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018